تابعنا على فيسبوك وتويتر

الصورة الشعرية في القصيدة السردية التعبيرية
ان العاطفة بدون صور تعتبر عمياء والصورة بدون عاطفة تعتبر فارغة .
الصورة الشعرية : رسم عن طريق الكلمات وهي ادراك حسّي ينفذ الى باطن الاشياء وهي تعدّ عنصرا مهما في بناء القصيدة الشعرية تؤثر في المتلقي وتبرز المعاني . فالشعر يعتمد على الصورة وهي تختلف من شاعر الى شاعر اخر فلا شعر بدون تصوير . عن طريق الصورة الشعرية يتمّ التفاعل ما بين الشاعر والمتلقي , وكلما كان الشاعر حاذقا ومبدعا يستطيع ان يعبّر وبلغة شعرية تستثير حواس المتلقى وتبعث فيه روح المشاركة . الصورة الشعرية تتكون من الايقاع والوزن والايحاء واللغة والموسيقى والاحاسيس والمشاعر , وهي ( الصورة الشعرية ) مرتبطة ارتباطا ةثيقا بخيال الشاعر وافكاره , لان عن طريق الخيال الخصب يستطيع الشاعر ان يعبّر عمّا في داخله ويفجّر افكاره كي تصل الى المتلقى صورا ملموسة نتحسس عطرها ونتشمّم ألوانها . الشاعر الحقيقي يرى صوت العصفور كما يسمعه ويصوّر لنا الريح مجسّمة ويستطيع ان يؤنّسن الوجود ويلبسه عواطف وخلجات ومشاعر انسانية .
الصورة الشعرية تستطيع اداء وظيفتها التوصيلة عن طريق ( الرمز / الاستعارة / التشبيه / المجاز / والكتابة ) , ولكل واحدة منها تفسيرات خاصة بها . و تتيح للشاعر ان يأخذنا الى عالمه الفسيح ويقحمنا عنوة فيه , فهو يكتب القصيدة في ذاكرته ومن ثمّ يرسمها على الورق زاهيّة الالوان برّاقة الصور ويبعث فيها الروح والجمال ويلبسها حلّة جميلة تجعل المتلقي يتفاعل معها ويعيشها ويتأملها ويغرف في تأويلاتها . ان الشاعر الحقيقي يجب ان يكون كالمونتير السينمائي الحاذق يستطيع ان يحذف المشاهد ( الصور الشعرية ) التي ترهّل القصيدة وان يضيف مشاهد / صور شعرية تجعل القصيدة تتوهّج اكثر ويكون منتهبا لئلا تتسلل الى قصيدة نفايات وزوائد تشتت فكرة القصيدة وتمحو بريقها .
مرّة اخرى نعود الى اللغة السردية التعبيرية حتى نتمكن من قراءة الصورة الشعرية في القصيدة السردية التعبيرية بصورة واضحة , انّها تتحدث عن الالم العميق وعن الواقع المرير , انها الابحار الى اعماق الذات المتألمة والكفّ عن التغني بالخارج ووصفه وحاكاته , انها لغة الابهار كما يقول الدكتور انور غني الموسوي . لهذا يمكننا مشاهدة مقاطع القصيدة السردية التعبيرية على شكل لوحات صارخة تضجّ بمشاعر الانسان العميقة وغربته وألمه في هذا الواقع المرير . جمالية التصوير التعبيري في حالة إيجاد علاقة شفيفة بين الصورة و ما يراد البوح به أو التحدّث عنه ، و بقاء خيط الإيحاء بينهما . يتجسّد ذلك في لوحة كريم عبد الله إذ يقول (حينَ أتلذذُ برائحةِ صوتكِ …. لسانكِ يرسمُ وجهي ) إنّه تجاوز للمعهود من المعنى يعلّمنا رائحة الصوت . الصور تكون عنيفة صادقة مشحونة بالعواطف العميقة والاحاسيس المرهفة تأتي من اعماق الشاعر تصدم المتلقي وتأخذه الى عالمها المشحون .

قصائد سردية تعبيرية

اسطورة حرف / احلام البياتي – العراق

هذا الليل البهيم يعزف على وتر الظلام بقوس من شعر التناوب بين ضياء الحقيقة وظلام الغياب وهذه الغرائبية المعشعشة على صدر بحر الأنتظار والحروف البوهيمية المعجونة بطين التعفف من صراخ الوجع الغائر في بطن فرس يونس الذي قاده لألتهام اليقطينة المسجونة على ضفة مذبح الخلاص من العتمة وتلك الوجوه التي ستأتي على طريق الغرق المحتم ستنال من حبوب التنويم لحقبة أخرى ستبتلع نفس طعم أسطورة الغياب فيما نحن نلمس خدود الضياء ونعبر لضفة تركت وهجها للآتين مع الأساطير .

نلاحظ هنا هذه اللوحة الغارقة بـ ( الظلام / الضياء ) وكأن الشاعرة ترسم صورها باللون الابيض والاسود عن طريق بناء جملي متواصل رائع وجميل جدا , بينما شخصية الشاعرة مختفية وراء المفردات وترتبط بخيط رفيع جدا نتلمسه بين الظلام ويفضحه الضياء . (هذا الليل البهيم يعزف على وتر الظلام بقوس من شعر التناوب بين ضياء الحقيقة وظلام الغياب .. ستبتلع نفس طعم أسطورة الغياب فيما نحن نلمس خدود الضياء ونعبر لضفة تركت وهجها للآتين مع الأساطير .. ) . الصور ها هنا تتوالد بسرعة كالضوء لا مجال للنفايات في اللغة مما جعلها ناصعة الاشراق والجمال .

أنْثى مِنْ حَبْاتِ الرَّمَاد .. بقلم / ْ عدنان الريكاني – العراق

لَمْ أعبُرْ تلك المتاهات المُخيفة بِبُردة جُنوني الشارد،
حُدودُ الكَوْنِ شَائِكَة بِرغَباتِ رَهَافَة فَراشَاتِ وَرَقية،
مُنتظرةً أجهاضَ عُتمة الليلِ بٍنورِ رِياحٍ عَقيمة، فأصفرت خَوابي عُمرهِ، وسَقَطَتْ آخِر أوراقه الذابلة، بأنشودةِ الرحيل ..
كَمَا أخْتَنَقتْ النِداءاتُ في حُنْجرة النَّهرِالأزرق*، بَعْدَما فَقَدَ أرجوحته بين حَدَقاتِ غَابَاتٍ مَهْجورَة، وهو يَحْمِلُ عُودَ كبريت بِرأسِ مُحْترِقْ، يَتَلوْى كثُعْبان هَائِجٍ جَريْح، يَلدُغ الأحَجَارَ الصَّلدة بهواه المعتق ..
ويَبابُ العشقِ يَحمِلُ في جيبه المَثقوبِ أنثى من حَبْاتِ الرّمَاد،حينَها كُنْتُ أبْحَثُ بين فُقاعَاتِ الأضْواءِ عَن ذاتي المَفْقودْ، لأنام بين راحتيك وأقلم أظافر أحلام الشوق المبتورة ..
……………..
*النهر الأزرق تسميته جاءت لزرقة مياهه الصافية، منبعه من كوردستان العراق ، يقع في الجهة الشرقية لقضاء العمادية بوادي بلندا .
جميل جدا هذا الخلق المبهر الذي استطاع الشاعر من خلال رسم الانثى من حبّات الرماد , خلق لنا هذه الصورة وفتح لنا بابا للتأويل والشعور بعمق القصيدة من خلال اختياره لألفاظ خاصة تعبّر عن الفكرة . (لَمْ أعبُرْ تلك المتاهات المُخيفة بِبُردة جُنوني الشارد… حُدودُ الكَوْنِ شَائِكَة بِرغَباتِ رَهَافَة فَراشَاتِ وَرَقية .. كَمَا أخْتَنَقتْ النِداءاتُ في حُنْجرة النَّهرِالأزرق .. حينَها كُنْتُ أبْحَثُ بين فُقاعَاتِ الأضْواءِ عَن ذاتي المَفْقودْ ..) . صور بصرية ونفسية ورمزية مبهرة جدا تجعلنا نفتخر بهذا الابداع ونقف يتملكنا الانبهار امامها وكاننا امام شريط سينمائي , هنا نجد السرد واضح وجليّ لكنه ليس بقصد الحكاية انما استطاع الشاعر بذكائع وحنكته ان يفجّر طاقات اللغة ويشكّل لنا هذه الفسيفساء الممتعة .

وأعود أليك…. / ظمياء ملكشاهي – العراق

لذيذا كنت حد الدهشة .متاحا لأغترفك .اجازف بكل وقاري لأنتشي بفوز مظلل .أخرج من معركتي أشتم أحتراقي وأحدق مهزومة في غيمة تنتظر على السفح تنظرني بشماتة .أعود بلا أقدام .أكرع من خطيئتي المتفسخة مايملئ خواء الأسئلة غير المجابة في دفتري البنفسجي.أدندن أغنية عن الصمود والهجران والغياب وأنا أسير على القنطرة الوحيدة التي تربط شوارعنا بأخشابها المهترئة عارية ألا من أجنحتي المنكسرة .أترك جسدي على سرير مهمل وأبدأ طقوس التنظيف وأنزل ستائري .أعيد أقداح العصير الى رفوفها الباردة واترك شفتيك على حوافها المزرقة وشما يصيح بالضجر .أرسم على التقويم المعلق مصلوبا دائرة سوداء لتاريخ أسود. وأنوه في أحد نصوصي عن لغة الجسد واندماجها الفضي في أجنحة نورس مهاجر الى الشمال.أشرب مرارة قهوتي وأذوبك في الفنجان طويلا لأنتشي بيومي .
.أنتبه الى غروسي الظامئة وأتركها للعطش يختم حياتها البائسة باليباس .أعاقبها على ما افعل في غياب الشمس وأتغاضى عن كثير من البكاء يبلل منديلا قديما أدسه تحت وسائدي كي يضيع.وبطريقة غرائبية ألمم شتاتي المتناثرة في أريكتك القذرة وأراوغ مرآتي وأنا أتزين لأعود أليك.

واعود اليك ….. خطاب الى الذات الاخرى المتوارية خلف الكلمات ومنبعثة من اعماق الشاعرة , حينما يصاب الانسان بالخيبة والخسران والضياع يبقى ينشد الخلاص والعودة من رحلة الالام , وينبري الشاعر ليصرخ صرخته المدوّية بوجه القدر ببوح عميق محمّل باعباء المحيط الخارجي وانفعالات ذاتية تنعكس بصورة مباشرة عن طريق اللغة ويرسم لنا صوره الشعرية تغرقنا بالهمّ الانساني وتحلّق بنا عاليا في سماوات الابداع الحقيقي . (أخرج من معركتي أشتم أحتراقي وأحدق مهزومة في غيمة تنتظر على السفح تنظرني بشماتة .. أكرع من خطيئتي المتفسخة مايملئ خواء الأسئلة غير المجابة في دفتري البنفسجي .. أرسم على التقويم المعلق مصلوبا دائرة سوداء لتاريخ أسود .. أنتبه الى غروسي الظامئة وأتركها للعطش يختم حياتها البائسة باليباس .. ) . انه الغور في الاعماق والرسم عن طريق الكلمات فكانت هذه اللوحة المملوءة بالتشاؤم وفضاعة الحاضر والرغبة الملحّة بالعودة الى احضان الدفء والاطمئنان , نجد هنا صورا شعرية متمردة على نفسها وعلى الواقع .

أسئلة ../ سامية خليفة- لبنان

أصغي إلى صوتِ الألم وهو يتسربل خطوات الليل ، مع كل خطوة ينفث سمومه قلقاً واغترابا، ليترجم في أسئلة تضج في الرأس حتى تغبش الرؤيا وتتبعثر الكلمات ، تتوالى الأسئلة كلما اشتدت حلكته وكأنه تعمد الاختفاء خلف سواده ليطمر كل إجابة قابلة للولادة لترى النور، فالنور غريمه لكن المتصوف تنسل منه أنوار لا تحصى على حين غرة من ليل أعمى لا يرى فيظن أن عماه أصاب كل الخلق. تبدأ التساؤلات في اعتصامها إلى أن تنفجر كقنابل عنقودية تحمل معها دمارا إلا أنها تساؤلات نجمت عن ألم ومعاناة..
أيا ليل من سأل المرساة لم البحّار يبحرُ مبتعداً عن ضجيج البرّ؟ من سأل القمر لمَ يناجيه البشر دونما سائر الكواكب؟
من سألَ الميت بماذا أحسّ لحظة ارتعاشاته الأخيرة وكيف لفظ روحه أو كيف هي لفظتْهُ؟
من سأل الشمسَ لم هي النجم الوحيد المسؤول عن إحياء البشر دفئاً ونقاءً ؟
من سأل العتابَ لمَ تركَ بصماته على جلد تطهّر من كلّ حقدٍ وبقي محتفظاً بظلال البصمات؟
من سألَ….ولماذا يسأل وجوف المجهولِ يبتلعُ كلّ الإجابات؟ .
نجد هنا مجموعة من التساؤلات المتكررة تطلب الاستفهام وتلح في السؤال وتريد الاجابة بدأ من العنوان الذي اشار الى هذه التساؤلات (تتوالى الأسئلة ../ تبدأ التساؤلات في اعتصامها ../ إلا أنها تساؤلات ../ من سأل المرساة ../ من سأل القمر …/ من سألَ الميت .. / من سأل الشمسَ ../ من سأل العتابَ …/ من سألَ….ولماذا يسأل ..) . انها فعلا اسئلة تتوالى تطلب الاجابة عن واقع مرير تتوالى فيه الخيبات والفجيعة والالم والحزن الشديد , استطاعت الشاعرة ان ترسم لنا مجموعة من الصور الشعرية عن طريق هذه الاسئلة المتوالية تتفتّح من خلال (الليل / الغبش / حلكة / سواده / النور / الانوار / ليل أعمى / عماه ) هذا العالم المعتم . ان الالفاظ التي يستخدمها الشاعر انّما تعبّر عما يعتريه ويعيش تحت وطأته . انها صور شعرية كئيبة حزينة مريرة تتكاثر فيها الاسئلة تنقل النتلقى الى عالمها المجهول حين يبتلعُ كلّ الإجابات .

عشق .. / رياض ماشي محسن – العراق

دخلت في أعماق شعري بين حروف السرد وذبذبة قلبي ونظرات تجمع بينها والقصيدة ومساء كراقصة الماء فوق ناظري، بيني وبينها مسافة حرف والف علامة استفهام وقصص عشق من كتاب البلسم، سقط ظلي بين خصلات شعرها وحلمي مكبل بليالي العشق، لست متيما بشعرها الذهبي و لا تلك العيون الغجرية ولا مشية القرنفل ولا ذاك الخصر الملتوي ولا ضحكة الفجر ولا بسمة الندى في وجه الربيع ولا كهكهة ثغرها المتدفق عسلا ولا نكهة عطرها الكوثري، وجدت فيها شعري وقصيدة امي وأبيات من فتاة القمر وقافية جميع الشعراء، وجدتها فصلا لا كتلك الفصول الناعسات فوق السنين، وجدتها حبة مطر تراقص الغيم في جلجلة الطيف، اي لون هي وجميع الألوان ضاحكة في ترانيم غنجها، قصة قصيرة على رف الحكايات، تلوت آيات سكري وثملت في لجة انوثتها، صليت فرض الاشتهاء على قبلة الهيام ذبلت في محراب شفتيها حتى قضيت جميع القبل في ساعة خشوع بين أنفاس الشعر وتنهيدة عشق اغلقت نوافذ الخجل، ما عدت أدري في اي بحر غاصت اشعاري، توسمت الإنتظار في ذالك النورس، عندما قرأت على شاطيء الغرام همسي…….

لننظر الى هذا المدخل الجميل للقصيدة (دخلت في أعماق شعري بين حروف السرد وذبذبة قلبي ونظرات تجمع بينها والقصيدة ومساء كراقصة الماء فوق ناظري .. ) , هذا التصوير الدقيق والممتع لخّص لنا فكرة القصيدة السردية التعبيرية بانها الشعور العميق بين الحروف النابعة من اعماق القلب والمشاعر الجيّاشة المتراقصة في العيون . ان الشاعر لحظة كتابة القصيدة كان يعيش لحظة نشوة وفرح غامر لانه كان يؤمن بجمال قصيدته السردية التعبيرية , كان قاموس المفردات لديه زاخر بالعذوبة والعطر والالوان الضاحكة . نجد هنا صورا برّاقة زاهيّة (خصلات شعرها ../ بشعرها الذهبي ../ العيون الغجرية ../ مشية القرنفل ../ الخصر الملتوي ../ ضحكة الفجر ../ بسمة الندى ../ وجه الربيع ../ كهكهة ثغرها ../ المتدفق عسلا ../ نكهة عطرها الكوثري ../ فتاة القمر ../ الفصول الناعسات ../ حبة مطر ../ وجميع الألوان ضاحكة .. ) . انها صور شعرية فاقت الخيال وأمسكت حتما بالمتلقي رغم أنفه لتجعله يردد مع نفسه ( الله .. الله .. الله ) , فعلا هذا سرّ القصيدة السردية التعبيرية وهذا سرّ جمالها ورونقها وهكذا تكتب .

مشكاة للمصباح .. مشكاة للحلم ../ نصيف الشمري – العراق

في عصر يوم، رمش الحلم ابتداء حياة تكبر، هكذا أرى الحياة رمشة حلم تصغر، صحبة الحالمين بالحكايات العفوية؛ عودتني كيف أنسج الحلم على قدر اتساع عيوني شوقا، أرمم بهِ تشققات ظهرتْ في جدران حياتي كما في جدار الوطن الراقد تحته كنز يغوي لصوص الحضارات في تناول كأسا من نهرين على ظمئ شقوق الأرض لرائحة العنبر، الذين يأتون؛ هم جيل من أصلاب، يمدون الأيادي البيضاء؛ لا يجدون إلا أحلاماً، ترقد في مشكاة والمصباح بلا زيت، سيعرفون؛ كم كانت تبكينا الأحلام.

صور حلمية جسّدتها لغة عذبة حيث تكررت مفردة ( الحلم ) هنا ست مرّات ليؤكد لنا الشاعر صوره الحسّية الرقيقة التي تحاكي الخيال لدى المتلقي ( رمش الحلم ابتداء حياة تكبر ../ الحياة رمشة حلم تصغر ../ الحالمين بالحكايات العفوية ../ أنسج الحلم على قدر اتساع عيوني شوقا ../ كانت تبكينا الأحلام ..) ثم تنعطف الصورة الشعرية انعطافا حادّا لتبتعد كثيرا وتتشظّى لتندب الانسان والوطن وتصوير المأساة وتندب الواقع المرير عن طريق فقرة طويلة (أرمم بهِ تشققات ظهرتْ في جدران حياتي كما في جدار الوطن الراقد تحته كنز يغوي لصوص الحضارات في تناول كأسا من نهرين على ظمئ شقوق الأرض لرائحة العنبر .. ) . استطاع الشاعر ان يتناول الواقع والمأساة الذاتية والخارجية ويطرحها بصور تعبيرية رائعة جدا وهذا يحسب للشاعر بالتاكيد .

جميلة بلطي عطوي – تونس / .خيانة ..

هزّت الجفن فانهمرت صنابير الوجع…سيل يجرف نضارة كانت هنا ، على الخدّين تمدّدت السّواقي فاهتزّ لها القلب واشتدّ الظّمأ…تلك الأرض البائسة ما اكتحلت عينها بفجر و لا امتلأ وطابها بدفء فقط جحافل اللّيل تكسو رباها وسهولها ، تلبسها ثوبا فضفاضا ابتلع الأخضر واليابس …تلك الأرض موهنة الفؤاد تطأطئ الرّأس مِنْ ثقل الفجيعة والنّكران…
مكلومة هي وقد باع أبناؤها البِرّ للهاوية وارتموا في أتون الحقد يأكل بعضهم بعضا …خيانة بشعة أسقطت أوراق التّوت فتعرّى ذاك الذي يدّعي أنه خليفة اللّه في الأرض ، ذاك الذي بات لعبة شياطين الإنس والجان ، يضرب في الأرض ولا أرض له ويبيع الوطن فيبيت طريد الأيأم واللّيالي .
خيانة هزّت الأركان وهدّت الحيطان فلا لون يغري ولا نور يسري …لعبة البلهى يطحنون عظامهم إثمدا يُكحّل عين الفاجعة والأرض عارية المناكب ، ثكلى في حنجرتها آهة مكتومة لا تدركها النّفوس تنتحب صباحا مساء : متى تهجعون يا آل البسوس .

انها حقا خيانة بشعة تصدمنا بها الشاعرة فـ الهمّ الوطني والانساني حاضر وبقوّة في هذه القصيدة من خلال صورها التي تفرض على المتلقي الانتباه واليقظة . الشاعر وليد بيئته وهو مجموعة من المشاعر والاحاسيس استطاعت الشاعرة هنا ان تصوّر واقعها أروع تصوير وتجسّده بصور زاخرة بالابداع رغم الخيانة (هزّت الجفن فانهمرت صنابير الوجع ../ ، على الخدّين تمدّدت السّواقي فاهتزّ لها القلب واشتدّ الظّمأ ../ مكلومة هي وقد باع أبناؤها البِرّ للهاوية وارتموا في أتون الحقد يأكل بعضهم بعضا ../ خيانة هزّت الأركان وهدّت الحيطان فلا لون يغري ولا نور يسري ..) . عن طريق اللغة السردية التعبيرية رسمت لنا الشاعرة كلّ هذا الخراب والاسى , واقع تسكنه الخيانات والنفوس المحطّمة وصراخ الثكالى والابرياء كحّل عيون الفاجعة وألقى ظلاله الكئيبة على الارض الخضراء فلا لون يغري ولا نور يسري , انها الواقعية المريرة حقا بابشع صورها وباجمل ابداع ..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"