تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
تمرّ الذكرى الخامسة والعشرون على رحيل المبدع العراقي الكبير غائب طعمة فرمان بلا احتفاء يليق بقامته الروائية العظيمة . تفتتح أسرة الناقد العراقي هذا الملف كمساهمة في هذه الذكرى ، وتدعو الأخوة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما لديهم من بحوث ودراسات ووثائق وذكريات عن الراحل الكبير .. وسيكون الملف مفتوحا من الناحية الزمنية حيث لا حدود زمنية للإبداع العظيم

رسالة تقدمت بها ميساء نبيل عبد الحميد إلى مجلس كلية التربية ـ جامعة تكريت وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها

الفصل الرابع:
( القربان )
يمكن القول إن (غائب طعمة فرمان) يمتلك عالماً روائياً مميزاً عن غيره، فأعماله الروائية متصلة ببعضها بطريقة أدبية وفنية وبتماسك ينفرد به، وبالتالي فإن هذه الأعمال ما هي إلا نتاج لحياة شخصية ومعاناة للغربة وحنين وشوق للوطن ولأهله ولمواطن الذكريات العذبة كمياه دجلة والفرات.
ويصدق ذلك على رواية (القربان) التي صدرت عام (1975)، والتي يقول (غائب) عنها: “القربان تتحدث عن فكرة معينة هي تلك الجمهرة من الناس التي تصنع التاريخ، أو جزؤها غير المنظم… هذا ما في القربان”( ).
وأغلب الظن أن (غائب) يصور في هذه الرواية مرحلة ما قبل عام (1967) من تاريخ العراق( ) في ظل النزاع الحاصل على الكرسي العالي.
تبرز في هذه الرواية قدرة (غائب) على خلق أجواء واقعية تتخللها الرمزية ببراعة أدبية، ضمن إطار رمزي مجازي خاص، لتظهر الرواية بأحداث شبه واقعية لربما حدثت فعلاً، أو هي إشارة إلى ما يريد (غائب) التعبير عنه بإستخدام الرمز والمجاز.

إن زمن الرواية يمتاز بطابع الإزدواجية من حيث المزج بين زمنٍ روائي داخلي للأحداث، وزمن آخر هو ذلك الزمن الواقعي والذي اقتبست منه بعض الأفكار إذا لم تكن أغلبها، وهذا الزمن الواقعي يتمثل “في مرحلة معينة من مراحل العراق”( ).
ولكن أحداث الرواية لا تلبث أن تصبح متباينة الأزمنة تظهر المجاز وتبطن الواقعية.
أما الأمكنة الأساسية التي تدور فيها أحداث هذه الرواية فهي تقع كما هو معروف في (بغداد) الحبيبة، التي يناشدها (غائب) في جميع كتاباته، وبالأخص في إحدى محلاتها، في إحدى الأزقة القديمة، والتي تحوي مقهىً قديماً كقدمها، صاحبها شخص يدعى (دبش)، وقد ودَّ (غائب) تسمية هذه الرواية بـ(قهوة دبش) بدلاً من اسمها الحالي( )، لأن أحداث الرواية تبدأ من تلك البؤرة المكانية، ثم تلتف لتدور حولها، لأنها ملكية تنتقل من صاحبها إلى مالكٍ آخر أحق منه في الحصول عليها.
وعلى الرغم من أن ملكية المقهى تعود إلى (دبش) إلا أن أهل المحلة يعتبرونها مقهاهم وليس مقهى (دبش) فحسب، حيث يجتمع فيها رجال تلك المحلة باستمرار يومياً، يجلسون فيها ليتبادلوا فيما بينهم أحاديثهم البسيطة، ولا يبارح ذهنهم مناقشة قصة صاحب المقهى العجوز المريض بداء السكر الرافض للإعتراف بالشيخوخة والعجز والمرض. رجل أرمل، لئيم، بخيل، قبيح الاسلوب والتعامل، حقود حتى على أقرب الناس إليه، ابنته الوحيدة (مظلومة) اليتيمة، والتي عاشت طفولة تسودها معاناة وألم واغتراب. وقد أراد الوالد تحقيق كل ذلك بتسميتها بذلك الاسم الباعث لليأس والكآبة.
وقد ذكر (غائب) في حديثٍ شخصي أجراه مع (د. زهير شليبة) ( ):
“أن البطلة الرئيسية مظلومة تمثل الشعب العراقي، وكل الشخصيات الأخرى تتحدث عن آلامها ومعاناتها، وتظهر لها المودة والحب إلا أنها تبقى مظلومة”.

إن بيت (دبش) هو المكان الرئيسي الثاني لأحداث الرواية والسجن الدائم لابنته. وفي مقهاه يعمل عاملان أحدهما يدعى (ياسر) والذي يتصف بشخصية لها القدرة على تحريك الأحداث على نحو متميز عن باقي الشخصيات، والآخر يدعى (عبدالله).

بالإضافة إلى المقهى والبيت هناك مكان آخر يورده الروائي في الرواية، ويعد أيضاً من ملكيات السيد (دبش) وهو: الزورخانة وهي غرفة لا تتسم بالإتساع المطلوب في وسطها حفرة ملئت بالرمل، وذلك لممارسة بعض الألعاب الرياضية البدائية فيها، ويلتقي أبناء المحلة مجتمعين فيها للعب أو التفرج، كما تحوي غرفة اخرى هي غرفة الحارس (حساني) ومسكنه الخاص.

تبدأ أحداث الرواية ببداية بسيطة تظهر فيها شخصية (دبش) مالك المقهى ويظهر فيها (صانعاه) المطيعين والمخلصين (ياسر) و(عبدالله) وتظهر (مظلومة) فيما بعد حبيسة الدار، وحبيسة لظلم وإضطهاد والدها لها. وتتطور الأحداث بإشتداد مرض (دبش)، أو بالأحرى وقوعه في شباك مؤامرة كان من المفترض أن تحاك له منذ أن بدأ بإضطهاد الآخرين، وتنتهي المؤامرة بوفاته نتيجة تناوله لطعام غير صحي وعدم حصوله على حقنة (الأنسولين) في موعدها كما هو ظاهر، ويرحل تاركاً فتاة بريئة تحمل بين يديها عبق الطفولة وتحلم في حياة هادئة تعوضها عن حياة البؤس والشقاء التي عانتها في عهد والدها، كما تبدأ رحلتها في مواجهة عالم لم تتوقع يوماً مواجهته وتتباين تلك الرحلة بين لهفة وإشتياق لإكتشاف الحياة خلف ذلك الباب الموصد عليها من جانب، وبين الحفاظ على ميراثها من أيادي الطامعين من جانبٍ آخر.
وهكذا تبدأ حبكة الرواية لتتطور، اذ يتسنم (ياسر) إدارة المقهى ويضفي عليها تحسينات وتغييرات ليجعلها تظهر بأبهى حلة إضافةً إلى (الزورخانه)، ويبدأ تنافس (عبدالله) معه على كرسي الإدارة، ومن بين الشخصيات التي تبدأ بالظهور والتفاعل مع الأحداث، شخصية (صباح) فتى المحلة المثقف، ابن الجيران العاشق الذي تقدم لخطبة (مظلومة) وجوبه بالرفض، وإستمر في رحلة كفاحه مع قصة حب بدأت منذ الطفولة وإستمرت حتى بعد رفض (دبش) ووفاته، منتظرة الفرصة المناسبة التي تجمعهم بها سوية.

وهناك شخصيات (ثانوية) عديدة في الرواية مثل: (زنوبة المجنونة) صديقة مظلومة الوحيدة وعينها التي ترى بها العالم الخارجي، و(سلمان القصاب) الرجل الأربعيني غير المتزوج، وابنة اخته (حامدة) طالبة الحقوق الطموحة والشجاعة، ومختار المضمد، وشخصية (هادي) من شقاوات المحلة، و (علي) المعلم المتقاعد، والتاجر (حسن العلوان) صديق (دبش) والطامع في إرثه، وغيرها من شخصيات ثانوية تكاد تظهر في أحداث بسيطة وتعود لتنصهر بأشعة الشخصيات الرئيسية أو تندمج معها في حوار متماسك أو مواقف محددة.

وتنتهي الرواية بنهاية غير واضحة المعالم، وذلك بمقتل (ياسر) على يد مجهول تاركاً إياه ينزف قرب حائط في محلةٍ غير محلته وإنتظار (صباح) الوقت المناسب للزواج من (مظلومة)، وإحتراق (زنوبة) بالنفط، بينما كانت (مظلومة) تحضر عرساً لأحد جيرانها، وإحتجاز (عبدالله) بعد تسنمه كرسي إدارة المقهى، عقب مقتل (ياسر) بفترة وجيزة، ودخول شخصية غريبة تعود بصلة ما إلى (عبدالله) ويجلس على الكرسي الذي شهد عدة عهود ليبدأ عهد جديد لا يبشر بخير.
ويمكن القول بأن هذه الرواية قد تناولت تاريخ العراق السياسي وتعاقب الحكام على إدارة شؤونه من خلال تصوير الصراع الحاصل على كرسي إدارة المقهى ومطامع الحصول على ممتلكات (مظلومة).
كما تناولت الجانب الإجتماعي من واقع الحياة البغدادية بإستخلاص نماذج مختلفة من فئات مجتمعه، ناهيك عن ابراز جانب لا يغفل (غائب) عن ذكره أبداً وهو الحنين إلى الماضي، سواء كان حنينه هو، أو حنين الشخصيات في الرواية، وذلك من خلال ذكر الأمكنة ومعاناة أصحابها.
قد يكون (غائب) اقدم على تأليف هذه الرواية متبعاً اسلوبه في التأليف الروائي الذي اعتاد عليه، ولعله لم يقصد كل تلك الرمزية التي تتخلل أحداث الرواية الداخلية، إلا أن حركة الشخصيات ضمن إطار محدد بزمان ومكان لا تلبث ان تؤكد عكس ذلك، الأمر الذي حدا بغائب إلى أن يعبر عن الجانب السياسي برمزية واضحة، ومن خلال سلوكه درب الواقعية في رؤية الحدث ووصفه، كما أنه في الوقت الذي جعل فيه الشخصيات تمثل دورها في الرواية بشكل طبيعي نراها تنقل صورة واقعية لأحداثٍ خارج الرواية، ولكن بإتقانٍ أدبي، وبراعة فنية، وتوظيف واقعي مجازي، دون أن يغفل عن ذكر الحنين والتطلع إلى الأفضل البعيد والذي صار سراباً تلاحقه – عينا (غائب) في كل أوان وترتجيه أقلامه في كتاباته.

إن الاغتراب الذي عاناه (غائب)، والغربة المكانية التي حرمته من العيش في ربوع الوطن وأحضان أهله، جعله يخلف وراءه نماذج اغترابية تعكس شعوره في كل رواية، إن لم يبح بها في وصفه للأمكنة وروائحها ومحتوياتها وأركانها.

إن (مظلومة)، تلك الفتاة التي هي اسم على مسمى، تخفي في دخيلتها آثار الألم والمعاناة والإضطهاد والاغتراب، نتيجة تصرفات والدها الذي كان يكرهها، أو لعله يحتقرها، أو ينكر وجودها. فتلك الفتاة اليافعة اليتيمة التي حُرمت من والدتها وهي صغيرة، إذ لم تتحمل الوالدة لؤم وإضطهاد زوجها فراحت ضحية لأنانيته وخلفت ورائها طفلة قنوعة لا ترتجي سوى حسن المعاملة وحنان الأب الضائع. يعطف الناس على (مظلومة) وعلى ما تتعرض له من سوء معاملة والدها، في حين هو لا يبادر بالعطف عليها ولو لثانية. وكانت هي لا تجد سبيلاً للخلاص سوى بالخضوع لأوامره وعدم التجادل معه وتنفيذ طلباته وكانت تلوذ بالصبر، وتأمل في تحسين معاملة والدها، إلا انها لم تشهد ذلك حتى وفاته: “أما هي فتخلف وراء ظهرها بيتاً خالياً بارداً مظلماً، وتنتظر. كان الإنتظار بارقة الأمل الوحيدة في حياتها”( ).
في مقابل ذلك يتسلط (دبش) ذلك الأب الذي تتبرأ منه الأبوة، صاحب القلب المتحجر: “حاجباه الكثيفان مطبقان على جفنين مسبّلين، وفم يعكس بإنطباقاته الجامدة المتذمرة معاناة جسدية مؤلمة، والشفتان الغليظتان، تبدوان فارغتين، مجرد جلدتين مرتخيتين، قناع الموت بلاشك”( ).
وكان يعمد دوماً إلى تأنيب ابنته (مظلومة) وتذكيرها بوالدتها، بل وتشويه صورة والدتها أمامها، إما بشتمها أو شتم والدتها، ولا يكتفي بذلك وانما يتلذذ بجرح مشاعرها وكأنه يأخذ جرعة (انسولين) لتحد من إرتفاع نسبة السكر في دمه: “كانت تصرفات أبيها تبدو لها طفولية رعناء، يذكرها بالقول (الإنسان حين يكبر ينقلب طفلاً) ولكن هذا الإلحاح على إدانة أمها، على ذكرها بالشر دائماً كان يملأ قلبها بالمرارة فتشعر بألم وضيق في صدرها وتتغشى عيناها بغشاوة من الدمع”( ).
إن ما كان يمد (مظلومة) بأسباب الصبر ويمنحها القدرة على تحمل ذلك الأب، ويرسم في عينيها حياةً بألوان الطيف، هو ذلك الماضي الذي تفتقده وتهرب من واقعها اليائس إليه وتخلف ورائها شقائها وكدرها: “ماض يبدو لها كالحلم. كانت ترقص فيه أو تسبح في الهواء، وفمها مملوء بالحلاوة، والدنيا صافية في عينيها. عذبة طليقة رقراقة كماء غدير رأته في طفولتها تلك. كلما تذكرت داعبت قلبها نسمة ناعمة كذلك الثوب من الحرير الملون الذي اشترته لها امها في أحد الأعياد”( ).
وعلى الرغم مما كانت تعانيه (مظلومة) من قسوة والدها عليها إلا أن ملامح وجهها ظلّت تعكس صورة طفولة تحمل براءة وعفوية بقدر الحقد الذي يكنّه (دبش) الأب الظالم لها: “وتلون وجهها الشاحب المدور بلمعة النار الوردية مغطياً التعبير الطفولي المذهول المرتسم على وجهها دائماً. ولكن عينيها الواسعتين ظلتا تبرقان بريقاً مخضلاً بدمعة تبدو وكأنها جفت قبل لحظة. وكان وجهها على ما ينم فيه من حكايات عن التعاسة يفيض بنعومة مستحية، نعومة هالعة”( ).

لم يؤثر اليأس الذي يحيط بحياة مظلومة على شبابها وعفويتها اللتان اختفتا خلف سورٍ وبابٍ موصد، ذلك الباب الذي يخلق أجواءً اغترابية في نفسها تحلم دوماً في إنفراج مصراعيه ورؤية ما يكمن خلفه والعالم الخارجي بألوانه ومعالمه، من بشر وبنايات وأشجار وهواء نظيف صافٍ نقي كروحها، بدلاً من ذلك الهواء المسموم بحسرات وآهات وقهر واضطهاد: “حتى استقرت خلف الباب، ورغبة مجنونة تحرق دمها في أن تخرج من الباب، وتشترك مع هذا الوداع الحار لنهار لاغب كانت تسمع أصواته، وتتشمم روائحه من خلال باب موصد على عالم حرم عليها منذ زمان”( ).
طفلة يتيمة عاشت في حرمان من حنان أبوين غاب كلاهما، وإن كان أحدهما مازال على قيد الحياة ولكنه لا يثبت حضوره الأبوي إلا من خلال لحظات ملؤها التعاسة، يعمد إلى إرغام ابنته على معايشة أجوائها، لكن تلك الطفلة كبرت وأصبحت يافعة إلا أنها ظلت تحمل أسرار تلك الطفولة في داخلها، تحلم بالخروج واللعب، ومعرفة شكل الحياة البهيجة الحقيقية غير تلك التي عاشتها: “وطافت في خيالها صور العالم الخارجي مثل كرات الطفولة الزجاجية الملونة، تتدحرج في مخيلتها بلا إنقطاع، واحدة في إثر الأخرى. ودت لو لم تكبر، ودت لو تكون أمها حية حتى الآن، ولم تمت وهي في شبابها”( ).

كانت تحلم دوماً بشيء يأتيها على حين غفلة ويسرقها من حياة أجبرت على عيشها، وما لبث أن تقدم لخطبتها من كانت يوماً من الأيام، في تلك الطفولة البعيدة، تذهب معه لمتابعة دروس قراءة القرآن وتجويده، (صباح) ذلك الفتى الذي تحلم (مظلومة) في أن يشعل لها شمعة تضيء لها ظلمة حياتها، ويخرجها من القبو الذي تعيش فيه إلى عالم مشرق، وصباح فواح برائحة ربيع العمر والشباب: “كانت تتحرك في هذا البيت الكبير بإقتدار وإندفاع مشبوب. حالمة بشيء غير محدد يأتي في حياتها غفلة. وقد وجدته مربوطاً بخيط ذهبي بذلك العهد السعيد من حياتها… بطفولتها…”( ).
ذلك الحنين إلى الماضي والهروب إلى الطفولة ما هو إلا نفور من واقع لم تتمكن من التآلف معه رغم محاولاتها، ولعل تصرفات والدها التعسفية هي التي ترسم لها خطوط الهروب تلك. ومما زاد من تعاسة حالها، رفض والدها (دبش) طلب (صباح) ابن المحلة، المثقف، الرصين، وممانعته لزواجه من (مظلومة)، لتوجسه – دبش – من أن إقدام (صباح) على طلب الزواج من ابنته إنما هو بدافع الطمع فيها وليس حباً بها:
“وتحسرت مظلومة على تلك الأيام التي كانت فيها طليقة في الزقاق، وتتردد ، على الملا (تلفخ) لتختم القرآن وكانت تجد صباحاً خارجاً من ملا (داوي).. يا ربي أين هو الآن؟”( ).

لم يكتف (دبش) برفض طلب (صباح)، بل قام بطرده بكل مهانة وقسوة أمام كل زبائن القهوة، غير ان (صباح) لم ييأس وظل يحلم، مثل (مظلومة)، في أن يتحقق حلمه يوماً.

ما لبثت معاناة (مظلومة) أن انتهت بحادثة غلفها غشاء رقيق من الحزن ألا وهي وفاة والدها (دبش)، وحصولها على ممتلكاتها التي طالما حرمت من نعيمها وعطائها. ومن ثمة اتيح لها تعويض ما فاتها بالخروج من البيت برفقة (صباح) لمشاهدة العالم الذي طالما حلمت به، واقتناء ملابس جديدة لم تعرف عنها شيئاً منذ أعياد طفولتها، بل أن (ياسر) الفتى العامل في قهوة والدها وقف إلى جانبها ومدّ لها يد العون، من خلال قيامه بترميم بعض أركان البيت، وادخال الضوء إلى تلك الأركان، بعد أن كان والدها يمنعها من إشعال فانوس حتى. وسرعان ما تغيرت الأحوال واستبدل العهد البائد بعهد رفاهية لا تعرف (مظلومة) إلى أين سينتهي وكم سيكون مداه:
“والدنيا حلوة وليتك ترينها بعد المحلة بشارعين. حدائق وقصور وعصافير والناس رايحة جايه. ولا أحد واقف بطريقهم..”( ).
وأخذت (مظلومة) بهذا المشهد الجديد حتى بدا غريباً عن ما كانت فيه أبان حياة والدها:
“وتصورت مظلومة أنها في مدينة أخرى غير بغداد – بَعُدَت كثيراً عن حيّها وكأنها قطعت سبعة بحور”( ).

و(ياسر) هو أحد شخصيات الرواية، يشغل موقعاً بارزاً في أحد أمكنتها الرئيسية وهي (المقهى). كان في العاشرة من العمر حينما جاء به والده، الذي يعمل بناءً، راجياً (دبش) كي يشغله عنده (صانعاً) لعلَّه يتعلم (صنعة) أو مهنة يعيل بها نفسه في ظل الأحوال المعيشية السيئة التي كان يعيشها. وما لبث أن عمل (ياسر) في ذلك المقهى المشؤوم حتى فوجيء، يوماً بخبر فاجع، إذ تعرض والده لحادث سقوط من على مبنى كان يعمل فيه وأصيب إصابةً شديدة أودت بحياته بعد فترة وجيزة. وبعد وفاة الوالد بمدة قصيرة لحقت به الوالدة المسكينة، فأصبح (ياسر) يتيماً في عالم لا يعرف فيه أحداً سوى (دبش)، ولا مكان يلجأ إليه غير ذلك المقهى المشؤوم، وصار يعمل في المقهى ويبيت فيه فهو مأواه الوحيد:
“وبقي ياسر في المقهى لأن أمه لم تستطع أن تعيله. ثم لحقت الأم بزوجها وبقي ياسر وحيداً في الدنيا. وقنع بنصيبه، وصارت المقهى بيته ومأواه ومحل عمله”( ).

عاش (ياسر) حياته وبداخله شعور يؤرقه، شعوره بالاغتراب عن ما حوله وعن عالمه، فهو لا ينتمي لهم بصلة: “كان لياسر دائماً عالمه المنفصل عن الآخرين. وفي ساعة الافصاح عن النفس يلوذ بالكتمان، ويجعله هذا الكتمان قاسياً لا يحفل حتى بنفسه”( ).

حاول (ياسر) مراراً التأقلم مع ذلك الواقع الذي رفضه دوماً، أو تصدى له بالعوائق التي طوقت مسار حياته حتى غدت خاوية من أية أحلام، أو أماني، أو رغبات: “مجرد مصادفة سيئة أن يحس أبوك بثقلك فيرميك إلى الكدح مثلما تتخلص من قطعة تضايقك بأن تنقلها إلى ذاك الصوب. تحملها في عبك، وتدير بها أحياء غريبة، وترميها هناك. وتشب القطة على أناس غرباء وتتعود على الغربة، على ظروف الحياة الجديدة. تماماً مثلما تعود هو… ثم تدافع القطة الغريبة عن ظروفها الجديدة لكي لا تلقيها يدان قاسيتان آخروان في حي آخر غريب”( ).

لم يكن (ياسر) يعرف كيف يملأ تلك الهوة التي تتسع بداخله بفعل شعور الاغتراب وعدم التآلف والتواؤم مع ما يحيط به، أو لربما نتيجة إخفاق محاولته للاندماج بواقع مليء بالسلبيات: “إنه يحس بفاصل ينمو في نفسه، يفصله عن الآخرين، يجعل أصواتهم ضجيجاً وطلباتهم إلحاحاً، وضحكاتهم نباحاً…”( ).
وأمضى (ياسر) سنوات عديدة من عمره في ذلك المقهى مشدوداً إلى دوامة الوحدة، واليأس، والاغتراب، التي تعصف بكيانه عشرون عاماً قضاها (ياسر) وتلك المشاعر تهب بريحها لتطفيء بصيص الأمل، عشرون عاماً من الوفاء والاخلاص جوبهت بقرار لم يتوقع سماعه يوماً. إذ كان (دبش) يمتلك مقهى آخر مطلاً على نهر دجلة، ولم يفتتحه. وقرر فجأة إغلاق هذا المقهى وافتتاح الآخر وصرف كلاً من (ياسر) و (عبدالله) من العمل. وما لبث (دبش) أن فكر في بيع كلا المقهيين والاستراحة من العمل، إلا أنه لم يكن يدري بأن الدنيا ستريحه على نحو لم يتوقعه. وعندما علم (ياسر) بقرار (دبش) غمره شعور عميق بالغبن، ونكران الجميل، والظلم، الذي فاق كل التصور:
“والآن وبعد عشرين عاماً يجد نفسه على شفا هاوية. العالم خواء. لا أهل ولا أقارب. لا مال ولا معين. والرجل الذي خدم عنده عشرين عاماً يتخلى عنه.. أليس هذا منتهى الغبن؟”( ).

إلا أن (ياسر) عرف كيف ينقذ نفسه من شرك ذلك الرجل المجرد من الانسانية، العديم الرحمة. فقد واتته الفرصة للتخلص من شر ذلك الشيطان المتمثل بهيئة انسان، ولتحرير الجميع من كيد شره وظلمه، إذ اتفق (ياسر) مع المضمد (مختار) الذي كان يحقن (دبش) بحقن (الأنسولين) على حقنه بدواء يزيل وجوده. ولربما قبل المضي بهذه المؤامرة جاء (ملك الموت) لإنهاء رحلة العذاب تلك في ثوانٍ لم يدركها أحد.

وهكذا طرق الفرج باب حياة (ياسر) بكلتا يديه ليفتح له أحضان حياة ملؤها الأمل والحرية والتفاؤل. وبعد وفاة (دبش) سرعان ما تسنم (ياسر) إدارة (المقهى) و (الزورخانة) بل انه شعر وكأنهما صارا ملكه. وقد منحه هذا الامتلاك حساً بالتسلط، ولذلك تغير صورة الزقاق الذي أطل عليه:
“انتابه شعور بأنه فارغ. وإن بصره يسرح فيه بحرية. كانت قامته الفارعة تنتصب متوترة وتأخذ رحابتها، تتمدد، وكأن تلك البيوت الهشة قد تطامنت لعينيه، وصارت تحت متناول يده. ولم يشعر في حياة دبش أن الزقاق على مثل هذه اللاحصانة والانكشاف… كانت البيوت متراصة متخاذلة عريانة، وكان في مستطاعه أن يطرق أي باب ويقول: أنا ياسر، افتحوا الباب، وكأنه استولى على الزقاق بمعركة سرية وصار حارسه والمتصرف فيه”( ).

وما لبث شعوره بامتلاك (المقهى) و(الزورخانة) أن تجلى في اقدامه على تعميرهما واضفاء بعض التغيرات والتحسينات عليهما، ليشعر هو، بالدرجة الأولى، والناس، بالدرجة الثانية، بالفارق بين إدارته و (عهده) وعهد (دبش) الذي ولى ودفنه الناس، في خضم أجواء التغيرات الإيجابية: “وأدخلت تحسينات تدريجية على المقهى، أزيلت حباب الماء المخضوضرة الجافة الآن لموسم الشتاء، وجصّص الحائط الذي كانت تقف عنده، وإختفى وراء الجص الخط الأسود الذي رسمه الفانوس المهشم الزجاجة، والذي إختنق بالدخان قبل إختناق (دبش) بالسكر بأسبوع واحد، ووضع مصباح صغير في مكانه، وسويت الأرض بطابوقها المثلم وإستخدام الإسمنت مع طابوق جديد، وأشتريت حصران جديدة، وأضيفت ثلاثة مصابيح أخرى في زوايا المقهى، وزينت الجدران بمرايا وحصران ذات رسوم ومناظر خلابة، وصارت المقهى تتألق في الليل وتزهر على المقاهي الأخرى، فكسبت رواداً جدداً”( ).
وما لبثت المقهى أن صارت تدعى بـ(مقهى صداح البلابل)، أما (الزورخانة) فقد أجرى تنسيق على أثاثها وتنظيفها وإضفاء بعض المتغيرات عليها: “وجذبت الزورخانة زواراً جُدداً، كما فعلت مقهى دبش، وصارت الرياضة تزاول بطقوس شبيهة بالطقوس الدينية… واستبشر أهل الزقاق بالخير واعتبروا الزورخانة درة المحلة الحقيقية”( ).

قد يكون ما فعله (ياسر) هو مجرد وفاء لرب عمله السابق المتوفي، وقد يكون رد فعل تجاه حياة الحرمان والمعاناة التي عاناها وعايشها مع الآخرين، إلا أن ذلك لا يمكن تجريده بأية حال عن تعلقه بتلك الفتاة اليتيمة (مظلومة) التي لا تبارح خياله لحظة: “وعاد ياسر يفكر مع نفسه: غريبة طفلة أم إمرأة، أم بيت، كانت تبدو له كالطيف، مثل أمّها، في غلالةٍ لا تلمس مثل تشابيه دينية مجهولة الأصل مربوطة بأغوار النفس بخيط ضبابي… وتتحول إلى صورة إلى حلم، ثم ترد إلى الحاضر، فترجع ذبذبات الأرض تحت قدميه، ومذاق العراق في فمه، وكان أحياناً يريدها له، يريد أن، يحتضنها، ينشر جنحه عليها، فقد كان يغيضه أن تبقى خارج متناول يده. خارج دنياه”( ).
ومن المؤكد ان ذلك هو ذات الدافع الذي حفزه ليقوم بتعمير البيت، أيضاً، بيت (مظلومة) ليعيده متألقاً كصاحبته، مضيئاً حياتها، ومحاولاً محو آثار المعاناة والكبت والقسوة والحرمان: “ودخلت الكهرباء بيت دبش لأول مرة. مدت الأسلاك على الحيطان وتدلت المصابيح من السقوف في ظليلات بيض”( ). وأصبح البيت غير ذلك البيت الذي عُرف في عهد دبش رمز اللؤم والأنانية: “وسبح في ضوء كثيف سال على الجدران، وملأ الهواء بكثافته، وراحت مظلومة تتبختر كالبطة في الضوء السيال الذي طرد حشرات الليل، وترك الصراصير تصرصر خارج دائرته”( ).
وصارت (مظلومة) ملكة حياتها، بعد أن كانت أميرة التعاسة والشقاء، وأزهرت حياتها مثل خديها اللذين تلونا بلون يوحي بعبير الشباب وربيع العمر: “…. وفتحت مظلومة باب الديوخانة للهواء والنور… وأحسَّت لأول مرة بأنها سيدة البيت”( ).

إن محاولات (ياسر) تلك من أجل تحسين إدارة الأملاك التي شرع بادارتها، دون أن يكلفه أحد بذلك، كان من شأنها أن عزّزت ثقته بنفسه، وسرعان ما صار يشعر بالمسؤولية تجاه الأملاك وتجاه (مظلومة) نفسها، بل أنه أراد أن يفرض عليها قيوداً حفاظاً عليها من أصحاب النفوس الدنيئة التي قد يحيطون بها. إلا أنها لم ترضخ لكلامه لأن أذناها صارتا لا تسمع غير صوتٍ واحد، هو صوت (صباح) شريك الحياة المستقبلي، وتمادى (ياسر) في سلطته إلى حد أنه قرر أن يصرف زميله (عبدالله) من العمل، لكنه لم يهضم حقه، فكان يرسل له أجره يومياً، رغم عدم عمله في المقهى، وذلك لأنه كان يشعر بأنه يشكل خطراً عليه، فقد بدا له أشبه بمادة قابلة للإشتعال قد تشتعل في أية لحظة وتحرق كل المجهود الذي بذله ليشعر بالإستقرار والطمأنينة. لكن من لا تضحك الدنيا بوجهه لا تمنحه ذلك الشعور أبداً، فقد حدث ما لم يخطر على بال أحد. إذ أغتيل (ياسر) على أيادي لم تكشف عنها أحداث الرواية، واكتفت بتصوير مقتله بغموضٍ هاديء يتم التعبير عنهما في بضع كلمات تساؤلية عن جثته فقط( ).

والواقع، ان هناك في الرواية ثمة شخصية أخرى، تتحرك بحركات صامتة، مؤدية أحداثاً تتداخل مع أحداث الرواية الرئيسية. تلك الشخصية هي شخصية (هادي)، ابن تلك المحلة الشعبية، من (شقاوات) المحلة يتمتع بالقوة البدنية، وبالحضور الآسر بين رجال منطقته، فتى ترك الدراسة، ولا تظهر أسباب ذلك الهجر للمدرسة، ولكنه يبوح برغبته لـ(صباح): “أتعرف؟ لو كانت الأمور قد سارت على طبيعتها لكنت الآن شيئاً آخر… كنت خريج الصنائع مثلك.
– المدرسة تعطيك المباديء، والحياة تعطيك الخبرة.
– نعم، الحياة. ما أكبرها!
وانتفخ صدر هادي، وتوترت عضلاته، وقال وكأنه يخاطب نفسه:
– ليست مجرد عضلات”( ).
ولعل مما تجدر الإشارة إليه ان شخصية (هادي) في هذه الرواية – (القربان) شبيهة، إلى حدٍ ما، بشخصية (حسين) في رواية (النخلة والجيران) لاسيما من حيث عدم إنهائه الدراسة، وكثرة محطات إستراحته، ومصاحبته لفتاةٍ ما أزيحت من دربه في لحظات لم يدركها، كما حصل لـ(حسين) بطل (النخلة والجيران) حين تم تزويج عشيقته – (تماضر) دون علمه، وضاع حلمه وحبه لتلك الفتاة. وقد أشار (غائب) الى مدى الشبه بين الشخصيتين في حديث أجراه مع أحد أصدقائه( )، من حيث فقدانهما لأعزائهما وإنشغالهما في رحلة البحث عن أمرٍ نفيس ضاع منهما في غفلة منهما، “كان هادي يتردد على البيوت المشبوهة، لأنه يعرف أن مصير تلك الضالة هناك… فكان ينتقل من بيتٍ إلى آخر باحثاً بعينيه، وأذنيه وخياله عن رائحة تلك التي أحبها في زمنٍ ما، فلا يجد غير منبوذات لا يرتبطن بذكرى تستحق المشاطرة”( ).
يعمل (هادي) في دكان حدادة، مهنة شاقة على فتىً يظهر قوة بدنية وعضلات بارزة، لكن يكمن خلف تلك القوة مزيج من مشاعر الوحدة والغربة والإضطهاد، يكافح من أجل التواصل مع ظروف حياته ومع الآخرين: “كانت البيوت تدير له ظهرها. بيوت مكدورة صماء غريبة عليه، مثل كل البيوت الأخرى، لا يحتفظ بذكرى في أي بيتٍ منها”( ).
إن همّ (هادي) هو البحث عن السكينة واستقرار النفس في ظلمة الليل، فيجد في ساعاته ما يشفي علة قلبه ويزيح عنه هموم النهار، وبالأخص تلك التي أحبها وتمنى العيش بقربها وبنيل ودها دوماً، فيكون الليل الكأس الذي يسكر به ليتناسى آلامه ومعاناته: “لم يكن هادي من أهل الزقاق، ولكنه تربى في زقاقٍ مماثل اتخذه منطلقاً لحياة ليلية متمتعاً مع عصفورة شاردة في عشٍ ليلي واحد، وقبل أن يطلع صبح أحلامه فرّت العصفورة إلى عشٍ آخر، وتركته وحيداً، واستمرت الصدمة وعواقبها زمناً غير معقول. ولما أفاق لم يجد في قلبه غير طعنة الهزيمة وحلاوة ذكرى عابرة، فراح يبحث في الليل عن رائحة هذه الذكرى”( ).

ويبقى (هادي) حائراً يبحث عن شيء غامض يبدو له مألوفاً، وتستمر غربته ووحدته وإنفصاله عن العالم المحيط به، ولكنه يخفي معاناته وغربته خلف قوى بدنية، أساسها هشيم وأرضها مشاعر هشة تكاد تتكسر على وقع أبسط الكلمات التي يضيق بها صدره أو يتكدر من سماعها: “عالم يحجر له قسمات وجهه، ويدير له ظهره أينما رآه. بيوت وعوائل تعيش على جانبي الدروب التي يسلكها وحيداً. وليس بينه وبينها أية وشيجة علنية مشهودة أمام الناس. غربة، والزقاق يمتد أمامه فارغاً، والظلام يتجمع كالدخان، ويجعل البيوت والأبواب أكثر بعداً عنه”( ).

وثمة شخصية أخرى تظهر في الرواية، تحمل معانٍ كثيرة، وتتميز بمرونة حركتها داخل أحداث الرواية وتتدخل بجمل في عمق النص الروائي، شخصية مثقفة تعكس واقعها وظروفها بعد سنوات من الخبرة والتضحية والعمل المتفاني والتي تذهب سدىً، من جراء ظروف الواقع القاسية، انها شخصية المعلم (علي)، الذي كان يلجأ للمقهى فاراً من وحدته التي تكاد تخنقه، هارباً من اغترابه الذي يبني سوراً يقيده في عالم منقطع عن من لا يريد الإنقطاع عنهم: “يا له من قمقم مدور متنقل في سيارات مستهلكة من بلدة إلى أخرى وحيداً ليس له إلا حقيبة ملابسه وبعض الكتب، والأقلام والمعادلات التي تملأ ذهنه، وأمل ضئيل في رجة تحدث في حياته، وتغنيه عن الترحال وحيداً في فيافي الحياة”( ).

إنه معلم متقاعد من وظيفته، مشاعره سفن مبحرة تبحث عن موانيء الإطمئنان والراحة والأمان، يهرب من شخص لجوج فضولي يدعى (الحاج ناجي)، ويهرب من حياة لم يحلم بأن تصل إلى هذه الدرجة من التعقيد والمعاناة: “وفكر السيد علي بأولئك الصبيان الذين علمهم مباديء الحساب. ماذا لو رأوه الآن في هذه الحالة عائداً إلى بيته خاوياً… ماذا سيقولون له؟ كيف الحال، يا أستاذ؟ بؤس. وحدة. انقطاع عن العالم. والعجيب أنه، وهو الذي له كل هذا التاريخ الطويل مع الناس يجد نفسه الآن في وحدة”( ).
لا أهل ولا أقارب ولا معارف، سنوات من الخدمة إنتهت بلا شيء، حصيلة من الناس على مدى العمر تلاشت وجوههم وتلهت بحياتها، وتركت السيد (علي) يعيش في أزمة شيخوخة جاءته مبكرة: “وقلب متيبس كالحشفة، وجوع مزمن إلى دفء. انتهى. لا أحد يفتح قلبه له. الناس تركوه وحيداً يدب في أرض الزقاق كالجرو الأجرب”( ).
أما (عبدالله) العامل الثاني الذي كان يعمل في مقهى (دبش) فإن معاناته تكمن في جانبي حياته الإجتماعية والإقتصادية، فهو متزوج وله أولاد ويسكن مع خالته، لأنه لا يتحمل نفقات إيجار بيت آخر بسبب الأجر الزهيد الذي يتقاضاه من رب عمله (دبش)، وكثيراً ما كانت زوجته تخوض عراكاً مع خالته التي تعاملهم بشيء من الدونية، وتعدهم متطفلين عليها، وبأنهم يقيدون حريتها في بيتها. ولكن سرعان ما تبدلت الأحداث بعد وفاة (دبش) ومجيء (ياسر). ورغم ذلك لم يرض (عبدالله) عن سير الأمور والأوضاع على تلك الشاكلة، وخاصة بعد أن أبعده (ياسر) عن المقهى، وصار يرسل إليه أجره اليومي وهو في منزله، ولم يستمر الحال على ما هو عليه، إذ ما لبث (ياسر) أن لحق بـ(دبش) حيث أنه قتل على يد مجهول ما فتيء يسرح في أرجاء الرواية، دون أن تشار إليه أصابع الاتهام. ومن ثم فقد تسلم (عبدالله) إدارة المقهى وأحس بالسيادة وبالسلطة التي طالما حلم بها: “في الدقـائق الأولى تنفس عبدالله نفساً عميقاً كالصـعداء و قال لنفسه: الآن، أنا صـاحب المقهى.. كفى. وحملق في وجه الأشـياء. سـيعاملها بالمثل، ويعــلو عليها”( ).
إلا أن إدارة (عبدالله) لم تستمر طويلاً، فسرعان ما انتهى عهده وصار سراباً يطارده، فقد جاء حاكم آخر ومدير جديد ليدير المقهى بطريقته الخاصة، فبادر إلى صرف (عبدالله)، بل وجعله حبيس بيته، فذلك الكرسي الذي تنازعته الأيادي لا يؤتمن غدره، وإملاءات من يجلس عليه.

وتنتهي الرواية بنهاية مفتوحة، دون حلٍ أو حسم لأوضاع بعض أقطابها، إذ بقيت (مظلومة) تنتظر وتتأمل اللحظة التي تتكيء فيها على كتف (صباح) بصفتها الزوجة التي يحلم بها (صباح)، فيما بقي (ياسر) تاركاً الأثر الكبير الذي خلفه وراءه من تجديدات وتغييرات أضفاها على أملاك (مظلومة)، فيما بقي (هادي) يهيم كل ليلة في الطرقات، باحثاً عن الحب الذي ضاع منه، أو بالأحرى الذي سُرق منه وهو لاهٍ بشقاء حياته وبؤسها، وفيما صار (عبدالله) حبيس البيت، وصار للمقهى (شخص غريب) يديره على هواه وكأنه مال بلا صاحب، فلم ينل أي من شخصيات الرواية – الرئيسية، مراده الذي كان يحلم في تحقيقه فمنهم من سعى بشتى الوسائل وظل على طريق الإستمرار، ومنهم من كاد يصل وتحول إلى ذكرى مرتبطة بالحلم الذي أودى بحياة صاحبه. نهايات موجعة ومصائر غير متوقعة، وبؤس ومعاناة. وظلت الآمال تصد هجمات اليأس في كل محاولة يقوم بها، سواء على أيدي شخصيات الرواية، أم من خلال سياق الأحـداث الداخلية للرواية.
لقد أظهر (غائب) في روايته هذه صورة حي شعبي مسكون بالخراب، فهو مجموعة من الأمكنة المتداعية، والآيلة للسقوط، وفي وسط ذلك الحي يقع (مقهى دبش)، الذي بدا وكأنه بؤرة سوداء تكشف ابعاد واقع راكد متنام متناقض، تتصارع في عتمته غرائز التسلط والخوف والحب، سعياً وراء الاستقرار والطمأنينة. وعندما حاول (ياسر) أن يضع حداً للتداعي الذي أصاب المقهى، وعمد إلى ترميمه وتجديده واعادة ألفة الماضي إليه، ضاعت جهوده عبثاً عقب موته الغامض، في خضم (اللعبة)( ) التي تجرى خلال زمن الرواية، لعبة ينساق في دوامتها شخصيات الرواية، دون خيار وإلى غير ما نهاية معلومة، لعبة تمارس فيها كل شخصية دور البطل والشهيد، الجلاد والشهيد، على حد سواء، لعبة بدأت بموت (دبش)، وانتهت بانتحار (زنوبة)، وبين الموتين: سلسلة من موت يومي يديره كل أحد لأي أحد، دون أن يبلغنا (غائب) إلى متى سيستمر ذلك.

هوامش الفصل الرابع

( ) غائب طعمة فرمان، يتحدث عن تجربته الروائية، طريق الشعب، 5/4/1975، بغداد، (نقلاً عن د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان دراسة مقارنة في الرواية العراقية، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 1996، ص235).
( ) ينظر: د. نجم عبدالله كاظم: حوارات في الرواية، دار الشروق، عمان، 2004، ص100، ولا سيما ص102، حيث يعترف غائب أنه استوحى فكرة (الكرسي العالي) من صورة رآها لـ(عبدالرحمن عارف) الذي ترأس العراق بين 1966 و 1968.
( ) د. أحمد النعمان، غائب طعمة فرمان: أدب المنفى والحنين إلى الوطن، مصدر مذكور، ص512.
( ) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان دراسة مقارنة في الرواية العراقية، مصدر مذكور سابقاً، ص236.
( ) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان دراسة مقارنة في الرواية العراقية، مصدر مذكور سابقاً، ص236.
( ) غائب طعمة فرمان، القربان، مطبعة الأديب البغدادية، 1975، ص39.
( ) غائب طعمة فرمان، القربان، مصدر مذكور سابقاً، ص57.
( ) القربان، ص19.
( ) القربان، ص20.
( ) القربان، ص20.
( ) القربان، ص38.
( ) القربان، ص48.
( ) القربان، ص20.
( ) القربان، ص44.
( ) القربان، ص114.
( ) القربان، ص38.
( ) القربان، ص30.
( ) القربان، ص55.
( ) القربان، ص136.
( ) القربان، ص136.
( ) القربان، ص30.
( ) القربان، ص90 – 91.
( ) القربان، ص77 – 78.
( ) القربان، ص117.
( ) القربان، ص134.
( ) القربان، ص77.
( ) القربان، ص77.
( ) القربان، ص66.
( ) القربان، ص196 – 197.
( ) القربان، ص82.
( ) د. زهير شليبة، غائب طعمة فرمان دراسة مقارنة في الرواية العراقية، ص248.
( ) القربان، ص145.
( ) القربان، ص144.
( ) القربان، ص144.
( ) القربان، ص207.
( ) القربان، ص79.
( ) القربان، ص176.
( ) القربان، ص176.
( ) القربان، ص107.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"