تابعنا على فيسبوك وتويتر

صورة المراهق في الرواية العراقية
أمجد نجم الزيدي
سيطرة الافكار الايدلوجية وهيمنتها على وعي الروائي العراقي في ازمان معينة، وخاصة في فترة الصراعات السياسية التي اجتاحت الوسط الثقافي العراقي، اثرت تأثيرا كبيرا على توجه هؤلاء الروائيين، وسيطرة الحس الايدلوجي على مجمل كتاباتهم، والتي اثرت ايضا على نظرتهم الى الادب بعامة، والهدف منه، مما جعل اعمالهم الروائية واقعة تحت هيمنة تلك المتبنيات الفكرية، لذلك كان التركيز على جعل الادب والرواية خاصة في خدمة تلك التوجهات الايدلوجية والفكرية ضمن مفهوم “الالتزام”، الذي شاع في اواسط المثقفين، مما انعكس على البناء الروائي وعناصره، حيث اصبح التركيز على انواع معينة من الشخصيات مثلا، بينما انزوت اخرى، لأنها لا تخدم تلك الثيم التي تبنتها تلك الأيدولوجيات او الافكار، ولم تعالج روائيا الا بصور ضيقة وهامشية، ومن هذه الشخصيات شخصية (المراهق)، التي لم تتناول روائيا بصورة كبيرة، حيث لم تلاقي بكل نوازعها الاجتماعية والنفسية اهتماما او تركيزا، وانما بقيت هامشا، او ربما هي مرحلة تمر بها الشخصيات سريعا دون التأني والوقوف عندها.
وهذا الغياب عن معالجة هذه الشخصية، يرجع ربما الى طبيعتها التي لا تتوائم مع الثيمة التي تركز عليها هذه التوجهات التي اسلفنا ذكرها، لكن ورغم تخلص بعض هذه الروايات من هيمنة هذه التوجهات الفكرية والايدلوجية وخاصة في فترة معينة من الستينيات والسبعينيات، الا ان التصورات العامة عن شخصية المراهق بقيت نفسها، ولم تخرج عن نطاق الهامشي، وحتى في بعض الروايات التي جربت الاتجاه النفسي بالكتابة، والتي ربما تمثل لها شخصية المراهق نموذجا نفسيا ثرا، لم تعالج هذه الشخصية بصورة حقيقية، وانما طغت عليها شخصية اخرى مقاربة لها وربما تشابهها في اوجه ما، وهي الشخصية الشبابية، التي حاولت الاتجاهات الايدلوجية تكريسها وخاصة في فترة تصاعد المد الثوري والنضالي.
وهناك ايضا تصور تجنيسي للرواية، يرى بان الرواية موجهة للفئات العمرية الكبيرة، وان هناك روايات خاصة موجهة للمراهقين والصغار، والتي تتناول مواضيعهم وتعالج مشاكلهم، لذلك فتوظيف اية شخصية تنتمي عمريا للمراهقة يتم معالجتها باعتبارها شخصية ثانوية، تخدم الثيمة الروائية، وتعزز بناء الشخصية الرئيسية، التي عادة ما تكون كبيرة بالعمر، لذلك تخضع الرواية الى مهيمنة قسرية غير مبررة، بانها رواية للكبار لذلك تستبعد باقي الفئات العمرية من اهتمامها، الا ربما ان كتبت ضمن سياق توجيهي كرواية “تربوية”، لذلك تغيب شخصية المراهق باعتبارها شخصية روائية غنية، يمكن ان تبنى الرواية عليها، بعيدا عن التصورات السياقية التي تمارس تعسفا على هذه الشخصية، وقدرتها على النمو داخل الرواية خارج السياقات النمطية القبلية.
يمكننا تقسيم صورة المراهق في الرواية العراقية الى ثلاثة اقسام:
اولا: الصورة السياقية المتأثرة بالأفكار الاجتماعية والايدلوجية.
ثانيا: الصورة النمطية الثابتة.
ثالثا: اللاشخصانية.
ولكن هذا التقسيم لا يرتبط باتجاه معين للرواية او جيل روائي ما، وانما تظهر هذه التقسيمات الثلاثة وتختفي في روايات نفس الجيل الروائي، وربما في روايات نفس الكاتب، اي انها لا تخضع الى محددات زمنية او تاريخية، عدا الصورة السياقية ربما لأنها مرتبطة بأزمان معينة كانت فيها الايدلوجيا هي المهيمنة، بمعنى ان الروايات العراقية تشترك بالرؤية العامة لشخصية المراهق وتختلف بزاوية النظر لها، وتختلف درجة تركيز كل من هذه الصور، او ظهورها تبعا لأسلوب ذلك الروائي او الثيمة الموظفة.
– الصورة السياقية:
ان احد الاسباب المهمة لغياب شخصية المراهق هو هيمنة الاتجاهات السياقية الايدلوجية والاجتماعية والتاريخية، ونظرتها لصورة الشخصية الروائية التي -برأيها- يجب ان تتمتع بمواصفات معينة، تؤهلها ان تحمل الافكار الكبيرة، لذلك فأن بعض الروائيين عمدوا الى التركيز على الشخصية الشابة لأنها تتمتع بصفات تؤهلها ان تكون (ثورية)، تلك المواصفات التي ربما لا تمتلكها الشخصية المراهقة بتصور تلك الاتجاهات وزاوية نظرها لتلك الشخصية.
وهذا ما يقودنا الى ان ذلك التصور السياقي ينظر الى الشخصية المراهقة بانها قاصرة، ولا يمكن ان تمثل تلك الافكار الايدلوجية او الاجتماعية او التاريخية، لان المراهقة تقدم دائما على انها صورة للشخصية غير المكتملة الوعي، ولا تحمل جدية في التصرف، او التوجه الحقيقي في الحياة، باعتبارها مرحلة تغير فسيولوجي وبايلوجي يمر بها الانسان، بالإضافة الى تغييرات سيكولوجية، ومنها اجترحت بعض المصطلحات التي استخدمت في حقول مجاورة، كـ (المراهقة السياسية او الفكرية .. وغيرها)، والتي تدل على عدم النضوج السياسي او الفكري، والتخبط في المواقف، لذلك فالروايات الواقعة تحت هيمنة تلك الصورة السياقية تغيب هذه الشخصية عن دائرة اهتمامها، الا ربما بحضور ثانوي، وليس كشخصية مستقلة فاعلة لها دور رئيسي، معبرة عن صورة المراهق نفسيا واجتماعيا، وخاصة في بواكير الرواية العراقية، حيث نرى مثلا رواية (جلال خالد) للروائي العراقي محمود احمد السيد، وان كانت لا تمثل الرواية العراقية المكتملة، اذ انها تقدم شخصية (جلال خالد) الشخصية الرئيسية، كشخصية شابة ثورية ساعية نحو التغيير، وهكذا فعل ذو النون ايوب وعبد الحق فاضل واخرين، وكذلك الروائيين الذين اتوا بعدهم وربما مثلوا الرواية العراقية الفنية المكتملة كفؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان وغيرهم، حيث مثلت مرحلة الشباب نموذجا ممتازا لطرح تلك الافكار الايدلوجية، فالمراهق نموذج سيء لحمل مثل هذه الافكار، لذلك غابت هذه الشخصية عن تلك الروايات، ولم تقدمها الا بوصفها حلقة فاصلة بين الطفولة والشباب، وان كان يمكننا ان نرى ملامحها تتبدى على بعض الشخصيات الشابة لان الفروقات بينهما طفيفة جدا، ولكنهما بالمعالجة الروائية قد خضعتا الى الصورة السياقية المكرسة.
– الصورة النمطية:
قدمت الرواية العراقية في اكثر الاحيان صورة نمطية لشخصية المراهق، واحدى هذه التصورات النمطية الشائعة، متعلقة بالجنس والعادة السرية.. وغيرها، والتي شكلت تصورا نمطيا لدى الكتاب عن شخصية المراهق، وهذا لا يعني ان هناك اهتماما بها، وانما هي مجرد اشارات بسيطة يستخدمها الروائي للاحالة الى هذه الفئة العمرية، والتي تأتي عبر تصورات قبلية نمطية مكررة، فمثلا الشخصية الرئيسية (توفيق) في رواية (مسرات وأوجاع) لفؤاد التكرلي؛ تمثل التصور النمطي لشخصية المراهق في الاقتباس التالي من الرواية ( تعرف وهو يدخل عامه السابع عشر، على بعض الامور التي ما كانت لتسر والدته كثيرا، كانت عواطف الغريزة، مع انتفاضة المراهقة، شديدة لديه وفوارة بشكل لا يطاق)، ولا ننسى بان هذا الكلام او هذه الاشارة لمراهقة توفيق جاءت لتعزيز شخصيته الاخرى الاكبر سناُ، لكن اسلوب التكرلي الذي اتبعه في هذه الرواية، وهو السياق الافقي في تتبع حياة الشخصية الرئيسية، حتم عليه ان يشير الى هذه الفترة من حياته، وقد اوردها كما رأينا من خلال تصور نمطي لها من خلال الغرائز الجنسية، واكتشافه لها، وهذا ما يحدث في الكثير من الروايات الاخرى.
– اللاشخصانية:
اللاشخصانية هو عدم حضور الشخصية بصورتها الفعلية المشخصة، وانما تظهر على الخلفية من دون معالجة فعلية او اشارة حقيقية لها، فربما يقتصر ظهورها على الاشارة العمرية فقط، والمحصورة بين الحادية عشرة والعشرين، اي المرور بها دون التطرق الى مواصفات هذه الفترة العمرية او كيفية تمثلها روائيا، اي عدم معالجتها كشخصية مراهقة لها ابعاد نفسية واجتماعية، وانما اختزالها في الخطاب الروائي كنقطة عابرة في نمو الشخصية وتقدمها بالعمر.
تجنب الكثير من الروائيين استخدام شخصية المراهق، وذلك للنظرة القاصرة التي ينظرون بها الى هذه الشخصية، من خلال كونها دلالة كرست ثقافيا بصورتها النمطية، والتي اصبحت معيارا يبنى وفقه مدلولها، والتي -حسب وجهة نظرهم- قاصرة على ان تحمل مضمونات كبيرة، مما عزز غيابها عن التناول والوجود الفاعل داخل الروايات العراقية، الا ما ندر وبصورة مقتضبة.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"