تابعنا على فيسبوك وتويتر

رجل من زمن الحروب
 هدية حسين
بهدوء نملة حين يمشي، مستنداً الى عكازته الخشبية، بخطوات بطيئة، كما لو أنه طفل يتعلم المشي للتو ويخاف السقوط، يحمل ذكريات باهتة من زمن الحروب، لا تتضح تماماً ولا تختفي، لا يدري هل شارك في الحرب الأولى أو الثانية أو سلسلة الحروب التي لم تتوقف حتى الآن، بل تأخذ أشكالاً أكثر بشاعة، ما يزال يسمع ليلاً أزيز طائرة أو صوت انفجار لا يسمعه أحد غيره، فتنتابه رعشة ويختض بدنه، ويحتمي بزوايا بيته، وعند الصباح يشعر بالأمان، فيجلس على كرسي الخوص أمام دكانة الحاج رضوان، الذي يكرمه بسيجارة، أو برغيف مدهون بالقيمر والعسل، وحينما لا يكون هناك زبائن فإنه يتباسط معه بالكلام، محاولاً قدر ما يستطيع أن لا يجرّه الى زمن الحروب:
ـ أنت إنسان طيب ياسيد حسن.
لا يكنيه ب (أبو سليم) لكي لا يذكره بأن له ابناً قُتل في الحرب، لكن الحرب لم تسقط تماماً من ذاكرة السيد حسن حتى وإن كان الكلام بعيداً عنها:
ـ كانت حرباً شرسة.
فيقول له الحاج رضوان:
 لكنك هربت منها لأنك آمنت بأن الحرب على الأشقاء جريمة لا تُغتفر.
يشفط السيد حسن نفساً من سيجارته ويقول:
ـ أي أشقاء يا حاج، ليس لي الا شقيقة واحدة لا أدري لماذا انقطعت عن زيارتي.
ها هو يتذكر أن له أختاً، لكنه لا يتذكر أنها قُتلت إثر سقوط صاروخ  ضل طريقه الى الهدف فسقط على بيتها، هذا أمر حسن، فالحاج رضوان لا يريد لذاكرة السيد حسن أن تعود كاملة فتكويه بنيران ما جرى في تلك الحرب، فقد يسقط في عذابات لا تنتهي، بدءاً من مقتل ابنه، ثم شقيقته، وانتهاءاً بما آلت إليه الأمور، عندما فر من الجيش فاعتقلوه .. وحين أصبح يهلوس بعد جولات التعذيب، رموه الى مستشفى الأمراض العقلية فخربوا ذاكرته.
يناوله الحاج رضوان استكان الشاي، ويتشاغل بإعداد رغيف الخبز والقيمر، يمد السيد حسن يده ويمسك بالاستكان، ويقول قبل أن يشرب منه:
ـ قل لي يا حاج، كيف أتخلص من كوابيس الليل؟ إنها تخيفني، وتأخذني الى دهاليز مظلمة فأشعر بالرعب، وأشياء كثيرة في النهار تصطدم في رأسي فلا أقبض عليها، أعرف أنني دخلت الحرب، ولكن لا أتذكر أية حرب وماذا جرى فيها، أخشى أن أكون قد قتلت نفساً، أريد أن أعرف يا حاج رضوان ليهدأ صندوق رأسي.
يرد عليه الحاج رضوان بصوته المقنع:
ـ إسمع يا سيد حسن، النسيان نعمة وفرصة ثانية للعيش، وما عليك إلا أن تمسك بهذه الفرصة ..لا تتعكز على صندوق رأسك، فقد تخرج منه أسمال لا تناسبك.
في هذه اللحظة كان السيد حسن ينظر الى عكازته، يتتبع الخطوط المتموجة على خشبها، فيقول:
ـ لا أتذكر من أعطاني هذه العكازة، أظنها اختي قبل أن تختفي من حياتي، قل لي يا  حاج رضوان، لماذا لم تعد أختي تزورني؟
 يتجاهل الحاج رضوان سؤاله عن اخته ويقول له مبتسماً:
ـ أنا، جلبت لك هذه العكازة، اشتريتها في إحدى سفراتي الى أربيل من رجل كردي يرسم على الخشب، واحتفظت بها لسنوات عديدة ثم أهديتها لك.
ـ متى؟
لم يقل له بأنه هو الآخر كان مجنداً أثناء الحرب في القاطع الشمالي، وذات إجازة دخل أحد أسواق أربيل واشتراها.. يزيح الحاج رضوان ذكرى الحرب الى الوراء ويرد عليه: لا أتذكر متى.. ويقتطع رغيفاً، يعطي نصفه للسيد حسن بعد أن يضع فيه قليلاً من القيمر والعسل، ويفعل الشيء نفسه بالنصف الثاني ليتناولا فطوراً مع الشاي السنكين.. وبعد أن ينتهيا من الإفطار يدخل الحاج رضوان دكانته، ويبقى السيد حسن يتطلع الى حركة الناس، حتى تمر ساعة أو أكثر، فيحمل عكازته ويدخل السوق المجاور ليبتاع بعض الخضار، ويعود الى بيته فلا يخرج منه الا في اليوم التالي، ليجلس ثانية أمام دكانة الحاج رضوان التي أصبح علامة من علاماتها، كما لو أن حياته دائرة صغيرة إطارها بيته والدكانة والسوق.
 وذات صباح، بعد أن تناولا وجبة الإفطار، مدّ السيد حسن يده الى جيبه، وأخرج صورة فوتوغرافية، فرشها أمام عيني الحاج رضوان، وسأله:
هذه الصورة وجدتها في قعر درج قديم، من هذا يا حاج رضوان؟
حدّق الحاج رضوان بالصورة واعتصر الألم قلبه، فهو يعرف أنها تعود لسليم ابن السيد حسن الذي قتل في الحرب، ولكن كيف سيجيب؟ ظل ينظر الى الصورة متظاهراً بمحاولة التذكر، وكان يخشى أن تكون ذاكرة السيد حسن قد عادت إليه، ولما طال الصمت ولم يرفع الحاج رضوان نظره عن الصورة لكي لا يصطدم بوجه صديقه، قال السيد حسن:
ـ ها… ألم تعرفه؟ سأقول لك من هذا؟
ارتبك الحاج رضوان، وتعلق بشفتي السيد حسن، وفي هذه اللحظة وقف شاب أمامهما وخاطب الحاج رضوان:
ـ علبة سجائر يا حاج.
وكمن وجد مخرجاً من هذا المأزق، تحرّك الحاج رضوان الى دكانته، لكن يد السيد حسن أمسكت به:
ـ يبدو أن ذاكرتك خاوية يا حاج رضوان، هذا أنا أيام شبابي، ألم تتذكر كيف كنت؟
ضحك وأعاد الصورة الى جيبه، ثم توكأ على عصاه ومشى ببطء كعادته، ودلف الى السوق ليشتري الخضار.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"