تابعنا على فيسبوك وتويتر

الأقنعةُ ولُعبة الزَيَف في رواية ” ‘إمبراطوريَةِ الثعابينِ ” لـ أحمد الجنديل .
عدنان أبو أندلس

من صورة الغلاف المرعبة – أولاً ، والعتبة القرائية- ثانياً ؛ وظهر الغلاف- ثالثاً ، والتحذير المسبق ، جعلنا نلملم أفكارنا بإستحضارات رصينة كي نغوص في بحر وخيالات وكما في : ص 4 ” هذهِ الرواية من صُنع الخيال …. كتبتها لمن يهوي السباحة في بحيرةٍ ، أما الذين لا يجيدون فن العوم ، وليس لهم خبرة في عالم البحار ، فلا أملك لهم غير النصيحة بعدم قِراءة الرواية ، لأنها لا تروق لهم ، ولا تتحدث عنهم ، ولا تمت لهم بصِلة ” و ص5 إلى ” ساجدة البركان ” زارتني في الحُلم ، نفضت ثيابها بين يديّ ، وهاجرت عارية نحو الشمس ” حذّرنا بصورة غير مباشرة ” تلميح ” بتنويهٍ مسبقٍ ؛ أقحمنا الروائي ” أحمد الجنديل ” بالتحذير وإستبطان الخوف من أن ” عتبة العنونة ” ما تضمر في حسدها ، المتن النَصي ، تشي بالتوجس والحذر من هذهِ العنونة ” إمبراطورية الثعابين ” والتي تتسربل بمكنوناتها المرعبة والتي واءم وآلف بينهما ” إمبراطورية ” بوصفها التسلط والظلم ، و ” الثعابين ” بمعناها ومبناها ” الغدر” الذي يبان مابين أنيابها ..
فالتشكيل الصوري لها اي ” الرواية ” ، مرعب ، مخيف – صورة الأفاعي الثلاث الملونة تغريك بلونيتها وتدهشك بتحديقها ، تعني الكثير … تمثل ثلاث فِئات متسلطة غصباً ، قهراً ، محدقة بشبح ” فتاة ” تمثل ” الوطن ” المستباح ” أرادت لها الأقدار أن تكون ضحية خيانة بتبادل الأدوار والأفكار عليها من خارج الحدود ، حتى أركسوها في مستنقع النتانة ، هذا ما سردهُ لنا المؤلف” الجنديل ” وعلى لسان ” البطلة ” المغلوبة بدءً ، والأفعى لاحقاً في رواية ” إمبراطورية الثعابين ” الصادرة بدمشق – الطبعة الأولى 2017 – دار تموز ، والتي ضمت بين دفتيها ” 205 ” صفحة من القطع المتوسط ، بفصولها الثلاث المتتالية – المتتابعة – المتكاملة .
ــ الرواية برمتها مبنية على تركيبة الإعتراف بعد الغوص بالرذيلة ، وما تلاها من كشف المستور وفضح المُقنع ” المختفي ” تحت ستار الفضيلة من قناع الجاه والتسلط والنسب والعقيدة والاسم الحركي والذي يؤكل ثمارهُ في بيئة خصبة ، لابد منها في هذا الوقت بالذات . الرواية في بؤرتها غاطسة في المتن السردي السيروي بواقعيتها الماثلة للعيان بكل تمظهراتها المخبوءة وجزيئاتها المبثوثة لما تخضع مسبقاً بالإملاءات السائدة عنوةً – ترغيباً – ترهيباً ، وفق ضغط المتسلط من حيث قوة العشيرة ، الطائفة ،المعتقد وغيرها من البنية الممهدة لديمومتها في ص9 ” في زمنٍ تتزاوج فيهِ القيم بين دهاليز اللاشرعية وسطوة الشيطان على إدراة سير الإعراف ، تنزلق الكثير من الصبايا إلى عالم الدعارة ، وأنا واحدةً منهن ، بدأت الخطوة الأولى مثلهن ، فلماذا أطلب الصداع لرأسي وألحّ على كتابة سيرتي الداعرة ” .
ساجدة شخصية البطلة الإرتكازية والتي تتمحور عليها الرواية بوصفها ” ساردة – حكاءة ” مستدرجة للشهوة مقابل المال ” لذة الجسد = أوراق خضر= ليالٍ حمراء ” بتوصية وتدريب ” جنان ” المحترفة ، المُجندة ، والتي أوقعتها في بؤرة الرذيلة إستدراجاً ، ترغيباً ، وإنسلت كما ” الأفعى ” التي تسبح في الرمل ، أباحت وأفصحت ” المستدرًجة ” عن سيرتها وسلسلة إعترافاتها المجانية ” تأنيب الضمير ” السابق واللاحق وما جرى لها ضمن الأحداث والتحولات في المعادل الموضوعي للـ المرتكز الدلالي وتبادل الأدوار ” المواخير ” ص27 ” ــ ياساجدة ، لا زلتِ في بداية الطريق ، أما أنا فقد قطعتُ أشواطاً طويلة ولديّ من المال الكثير ، وأتمنى لكِ النجاح ” فهي الركن الأهم والطرف المعني ، ولو أنها لم تأخذ البوح ألإشهاري لما سادت شهرتها وزادت من حبكة الرواية ، كانت التوليدية ظاهرة في مضامينها وإنسلاخاتها ، لكنها غضت النظر أو أخفي ما هو أعظم بحيثياته ، ص 43 ” ” كان إهتمامي الآخر هو الحصول على قدر أكبر من المال ، وكنتُ حريصة على إكمال دراستي بعد دخولي الصف المنتهي ” . إن أبطال الرواية الثلاث وتبادلهم الأدوار الموكلة لهم بصفقة مجهولة المصدر من حماية متسلطة في مسلك تبئير راسخ في مناخاتنا ، هي التي أفضت للرواية وأعطت لها زخماً من تسلسلات الأحداث الجارية من – التفاعل – التسابق صعوداً حتى خاتمتها بصراع مبان مما أدى إلى إنتكاستهم واحداً تلو الآخر ، إن النمو العضوي التي شكلت من أساسها بناء معماري رصين في الطرح ، لكنهُ هش في تفاعلات الأبطال وهذا ما نجح بهِ المؤلف تماماً ، راهن، وناور، وبرهن في إستمالتهم للرغبة في التبذير ، للمقابل جهة الحرمان والعوز والنقص الأسري وما تحملهُ الحاجة من ضعف نفسي تجاه الرغبات اللحوحة ص 47 ” ـــ أرجوكِ ياجنان ، أجيبيني عن سؤال طالما أشغلني من أين لهؤلاء كلّ هذهِ الأموال الطائلة ؟.. ــ أُنظري من ثقب الباب على بلدك ، ستجديني الأجابة من هناك ” إجابة تفي عن كل التساؤلات التي تخزنها .
جرت الأحداث ولعبة الزيف في مساحة الوطن ” زمكانياً ” ، أشخاصها مقنعين بالأسماء المستعارة ” الحركية ” والشخوص المهمشة كي لا تُكتشف سر اللُّعبة في فضاء هذا البلد المنتهك ومنذ أكثر من عقد من التسلط القهري والصراع حتى حدّ الإنفصام الكلي في سيرة معروفة للجميع ” عملاء مزدوجين ” ص 89 ” أما في زماننا فالرذيلة تطير بجناحين ، وتنشر كما تنتشر الأوبئة ، أصبح أنصارها كثيرين ، أدعياء دين ، وعشاق وطن ، وسماسرة فكر ، ورواد ثقافة ” .
إن غرام الأفاعي ” السِم ” أفاعي الجسد بتركيبة بديعة ، ملائمة ومواءمة للواقع المُقنع والذي يبان منهُ كل شيء ، والطرح الصميمي ، أجاد به الروائي بهذهِ التشكيلة ووفق أدوارها التي وزعها بتبادل الأدوار والمسميات .” ساجدة ” الحرباء والمغلوبة على أمرها ” الضحية والأفعى ” هي متلونة الجلد – رولا – فيفيان – سوزان – عطارد – ياسمين ، وحسب نوعية المشهد ، أم إبراهيم – سمسارة وشعارة . ” جنان ” المجندة والمخفية ، سليم ، راشد ، سميع .. وهكذا كانت الأدوار متبادلة بزيف تحت قناع مكشوف . هؤلاء صعاليك المنافي المتنفذون في تبدلاتهم الشخصانية ” الأسماء ” مستعارة “سليم = راشد الأزعر ، غالب = سميع السامون ، طارق العاشق = طارق الأغا ” رؤاها تأكل في زمن الفوضى ص 127″ أيةِ صداقة. تتحدثين عنها ؟ عرفتُ ” سميعاً ” عندما كنتُ في مدينة ملبورن الإسترالية ، كان صعلوكاً وبائساً في نفس الوقت ، وكنا نعاني من الغربة والفقر معاً ، كنتُ وقتها أقدم اللذة في إحدى الملاهي الليلية للزبائن ، وكان هو الآخر يقدم صنوفاً من المخدرات للمدمنين عليها ، وعندما تمّ إحتلال العراق ، إتصل بي سميع ، وطرح عليّ موضوع العودة إلى العراق ، أعلنتُ عن رغبتي بالرجوع معهُ ، وبعد إسبوع من إتفاقنا إلتقينا في مطار ونحنُ في الطائرة ، بدأ سميع يتحدث عن فرصتة التاريخية، وعودته سوف تفتح الباب أمامنا للدخول في مشاريع كبيرة ، وتدر علينا أرباحاً خيالية ” .
هذهِ الأقنعة المزيفة ، والأدوار المتبادلة قد جمعت بينهم ” أراذل القوم في المنافي ” ألأول صعلوك ، والثاني نادل ؛ أعلنوا الرغبة بالرجوع عن جشع كي يتقاسموا الغنيمة ” الجثة ” بأسمائهم الحركية التي إبتدعوها خوفاً ، وطمعاً ، لقد ظهر جلياً التعادل الخبيثي ، فالركن المادي قد طغى في الثلث الأخير من الرواية عن قصدَية ناضجة وناجحة بحق !…، وهكذا بدأت القيم الإجتماعية تنهار في هذا الميزان المُطفَف للذي جاع ثم شبع وإفرازات ذلك ، ينسف ماضيهِ من الأساس ويبني مجداً مزيفاً ، مروراً على فكرتهِ السوداء ، ليسد شرخاً ، عيباً ، نقصاً وما أكثر النواقص فيهم في مسرح هذهِ الحياة العابثة .
يلاحظ من أن ” التزوير – الكبت – العوز ” ثلاثية في أكثر مفاصل الرواية ، إن سردية الإعتراف حفز المتلقي بمعرفة المزيد من الأسرار حتى نهايتها كمشتهاة ، وفضول لما سيحدث بعد السطر والسطر ، كانت تراتيبية مبدع حبكها في وصف خارق حقاً من ” الخربة – المكتب – بيروت ” إلى أوكار الفساد واجهات الدعارة ” فندق برج الحرير – مؤسسة الزعفران – دار رعاية الأرامل والأيتام ” هذا التموية السِحري ” المقنع ” لهُ بؤرة خصبة من تصديق شتات الآفاق لهُ ، هذا القِناع الملعون يستدرج عقول المكاريد وأكرة القُرى، هذهِ العشوائية من الهيكلية كانت تديرها الدولة آنذاك في دوائر مركزية مختصة ، برعاية مؤسساتية رصينة ، وقد نجدها اليوم محصورة بيد متسلطين يعتاشون عليها إستنادً على رعاية قدسية إسم وإستدراج عقائدي مثيرص 128 ” إسمعني راشد جيداً ، البضاعة الرائجة الآن هي الألقاب ، وأكثرها رواجاً لقب الشيخ والدكتور قلتُ في نفسي : ” ما أسهل الصفقات التي تدور في وطني ، وما أجمل الشفافية التي تتوج رأس الوطن العالي ” !! .
إن الإلتفاتة إلى البحر قد وفق بها ” الجنديل ” تماماً ؛ وبضربة شاطر بتوظيفهِ البارع حقاً ، وخاصة في ختام الرواية لما لهُ من دلالة راسخة في تطهير الرذائل ، لأن الماء ” مطهِر ” للأردان ، وهل يزيل العار والخيانة الجسدية وحسب ” ألبرتو مورافيا ” إذا خانت المرأة وجمعت كل عطور الدنيا بأكملها ، لم أزيلت رائحة الخيانة الزوجية عن جسدها ” ، وكونهُ ” خيانة ” فلها جلد الذات أولاً ، ولكون البحر موضع الأسرار والخصب ” الفحل ” لهذا إلتجأت لهُ البطلة في أتعس الظروف التي مرت بها ص 204 ” بدأتُ أدخل البحر ، أغرق في هيبتهِ ن جسدي يتقشر ، وروحي تزيح أوساخها ن خرجتُ من جديد ، وقفتُ على ساحلهِ ، تأملتُ سخاءهُ ، همستُ لهُ : وعدتك وها أنذا أفي بوعدي ، إرتديتُ ملابسي وعدتُ إلى غرفتي ” بالرغم من واقعية الطرح ” خيالاً ” إلا أن المؤلف أنهاها بطريقة غير تقليدية أي يعني ” حداثية ” ولأنها غير متوقعة ، سيصمت المتلقي لحظتها ويلم أفكاره ، ويكون هو المؤلف بنهاية ربما تتجدد في خيالهِ ، يمكن القول بأن ” السًاردة ” صحت من غيبوبة ووجدت ضالتها في إنسان أكاديمي يلاءم مستقبلها ورؤاها ، وهذا ما أتوقعهُ قد حدث فعلاً في النهاية – الخاتمة ، وهكذا ستسير الأمور كما خططت لها بدراية من قبل الروائي فعلاً ، إن خيال ” الجنديل ” يؤخذ بحسبان التصور الدقيق لمجساتهِ الذي ينسجم مع الأحداث تباعاً ، كان يراقب الوضع ، يلتقط الحدث بعين كاميرا سحرية ويلمعها بلغة ثرية باذخة في التصور والتصوير معاً .
كركوك في 18- حزيران -2018 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات