تابعنا على فيسبوك وتويتر

kasem jumaaإشارة :
احتفاء بتراث الفيلسوف العراقي الراحل الدكتور “مدني صالح” ، وبمساهماته الفذّة في الثقافة العراقية والعربية ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف الخاص عنه ، والذي تدعو الأخوة الكتّاب الأحبّة إلى المساهمة فيه . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة أسرة الموقع حيث لا يتحدّد الإحتفاء بالفكر بمساحة زمنية معينة .

المأتم الفلسفي والإستراتيجية البديلة
قراءة في كتاب ما بعد الطوفان
قاسم جمعة
الأهداء ..
إلى الأستاذ مدني صالح … أستاذاً ومعلماً
لم يشا هذا البحث ان يكون ايذانا بموت مدني !!

راح يتخطى بهدوء، ذلك البحر المتلاطم وأمواجه الهائجة، ليضع أكليلاً من الورد يتنفس من خلاله ذلك البحر هواءً جديداً. وليصدر أنفاساً لم يعهدها. وهكذا بدأت تنسلخ من أهدابها، وترتدي لأجل ذلك جلداً طرياً لا يبتعد عن جوهرها ومضمونها الغير بعيد عن سطحها.
تلك هي كائنات ذلك البحر،والتي هي ملازمة لذلك الجو الخانق.
حمل عصى ملتوية من فرط حكمته، وأخذ يدلل على ساحل الشاطئ، أنه سار من هنا يوماً.
ربما لكي يتعرف القادمون عليه، وربما أنه همس بشيءٍ لتلك الموجودات. والتي تبسمت لأحاديثه الشيقة. رغم أنه لم يكن صارخاً. بل إنه منزوياً بعيداً في الركن الأبيض. وكأنها تعرفت عليه بهمساته القليلة، عُرِفْ ساعتها إنه الرجل. لن يُذعْ له سرْ. إلا لتلك البحيرة العجيبة والتي أعجبته.
والتي طالما غرق فيها من لم يعرف العوم والحديث الشيق.
” ملاحظة منهجية “
إن الكتابة عن مدني صالح هي ضرب من التحدي. والقراءة التي تروم فحص طبيعة نصه أو خطابه تدخل في متاهات العوالم والفضاءات المتداخلة في نسيج الكيان النصي. ومن الجدير بالإشارة إن القراءة والقارئ يتعاونان معاً في فض التقاطع مع النص، ومن هنا نفهم حيوية التأويل ودلالات النص المنفتح، فالقارئ يتداخل ويتخارج مع النص من خلال فعل القراءة. لذا يلمح القارئ ـ الناقد ـ تلك المسافة التي تفصله بين كونه قارئ من جهة وبين كونه ناقداً من جهة ثانية.
والنص الذي يقدمه مدني صالح يؤسس لخطاب فلسفي مغاير. ولأن دلالات إسلوبه الجمالي تفتح آفاقاً لتأويل متجدد. فالكتابة عند مدني هي تأسيس للأختلاف والوعي به ونقل لأفق الفلسفة من الداخل إلى الخارج، أو بالأحرى إنه يؤسس لخطاب فلسفي يعالج بنفس نقدي أموراً ضلت بمنأى عن الإهتمام الفلسفي.
وإنها ـ الكتابة ـ بالمنظور المدني تطرح بروح وبِنَفَسٍ خلاق وإيقاع أدبي مرمز بديلاً إستراتيجياً لا تبقى حبيسة جماليات النقد أو النقد الجمالي، بل إنها تكشف بعين ماكرة حلول المأزق الوجودي للإنسان والذي يعيشه وفقاً لسياسة الإستغلال والأستلاب الرأسمالي والكوني للآخر، أي كانت هوية هذا الآخر ومسخ لهويه وكينونه ذاك الفرد المغاير.
وتتضح راهنية خطابه الفلسفي ـ من خلال إقتراح البدائل الإستراتيجية لفك أسرار الصراع بعد معرفة أسبابه وعلله، وإنتهاج اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج. فالمهم الإنسان وتحقيق سعادته ورفع الضرر عنه وتقريب وسائل تحقيق الخير له، وتطبيق العدالة الإجتماعية. فلا روبنسن كروزو يظلم فرايدي ولا يستلبه حقوقه، ولا السيد سيستغل العبد، ولا يضطهده نظام إجتماعي قاروني إحتكاري متعسف. هنا يُعْرَف التوازن والتحقيق المستمر للعدالة. فلا يُظْلَمْ ولا يَظْلُمُ أحد شخصاً غيره.
والعمل واللعب هما وجهان لتقنية مدني الإستراتيجية في فض الجدل الحضاري وفهم طبيعة الصراع البشري. مع الأخذ بوجه الأعتبار، النظرة العقلانية ـ الإنسانية الشاملة في الطرح الفلسفي. يحدوه في ذلك تجاوز ذلك النسق الفلسفي الجنائزي والذي يسميه بالمآتم الفلسفي.madani saleh 2
مع الإشارة إن الأفكار التي يبثها في نصه الفلسفي المرمز أدبياً ـ وكما نرى ـ هي عملية مزيج نقدي بين أفكار تابعة لتيارات فلسفية ومذاهب مختلفة من ماركسية ووجودية وبراجماتية،تحاول أن تتجاوز الرؤية الواحدية لتنتقل إلى رؤية فلسفية توفيقية إنسانية، تجعل من الإنسان بهويته وقيمه الإنسانية محورا للتفكير الفلسفي. وخلق حالة التوازن العالمي بين عناصر الصراع التاريخي ـ الحضاري.
والتاريخ والحضارة والثقافة، مقولات أساسية في نص مدني. والأحتكار والحرب والتجارة مفاهيم يركز عليها في كشف أصل الصراع والعنف بين محاور الصراع بين فرايدي وكورزو، بين الشرقي والغربي، بين بالعامل والمنتج، بين القاروني المرابي وبين الفقير المسكين العبد الذليل فرايدي.
ويرمي مدني من وراء استخدامه الأجرائي النقدي لهذه المقولات والمفاهيم تصحيح المسار التاريخي وكشف عيوب القراءات الإسقاطية الإستراقية الملائية. وكل فكر جنائزي، لا ينطلق من مقدمة اللعب للأبتهاج والعمل للإنتاج، والقضاء على كل الثنائيات السائدة ومفاهيمها الكلاسيكية المسيطرة على التفكير الفلسفي والتي جعلته متمحوراً نحو فهم تقليدي لطبيعة حركة التاريخ لا سيما بعد حدوث الطوفان. ولكن ألا ينشأ( مدني صالح) ثنائيات تحكم نسيج خطابه النقدي. وتبقى المسيطرة على كشف أسرار الطوفان وأسبابه وعوامل الخلاص منه؟! وكما سيتضح للقارئ.
ولا ينسى مدني أن يفتح السجال الثقافي في خطابه النقدي على مجالات عدة تشمل كما سلف فلسفة التاريخ والحضارة وتاريخ الفلسفة من ألفها إلى يائها بروح مبدعة وبنفس ابن طفيل الفلسفي المرمز لا سيما في قصته الرائعة ـ حي بن يقظان ـ التي جاءت عامرة بدلالات ورموز خالدة تشمل قصة الإنسان وحضارته ومراحل مسيرته الروحية وعلى سبيل المثال لا الحصر!! والعلاقة بين أناس يدينون لأفكار وأيديولوجيات مختلفة ومتنوعة تكشف عمق الفيلسوف الأسلامي في كشف العلاقة بين الإنسان والحقيقة.
” يوتوبيا التغير وتراجيديا الواقع “
ما يرغب به مدني ويطمح له هو أن يقول الحقيقة التي أنكشفت له بروح شجاعة تتحدى المألوف سواء من جهة الأسلوب الذي أختطه وطلاقه الأبدي للمنهجية الأكاديمية الباردة وروتينها المزعج أو من جهة المعاني والدلالات، أو لنقل الحقيقة التي كشفها مدني وهتك سترها وعوامل تحجبها.
وفي تشديده على أهمية الوعي بهذه الحقيقة نعرف مدى فائدة الإستراتيجية البديلة والحقيقة لديه لا تنفصل عن أفق الأحلام ويوتوبيا التغير الحضاري ـ التاريخي.
وترتكز يوتوبيا التغير عند مدني من منطلقين، التأميم أولاً والتدويل ثانياً أو العكس، فمن حلم التدويل وحلم التأميم تنطلق الإستراتيجية البديلة المقترحة لفض النزاع والصراع الذي يميز العلاقة التي تربط( كروزو) رمز الأمريكي الشايلوكي الأندرشافني المرابي القاروني المحتكر التاجر صانع الحرب والعنف والسيطرة على كل الأصعدة ومن جميع الأصعدة، لا يدفعه لذلك سوى الربح والأبتعاد عن شبح الخسارة وفق منطق التجارة الحرب الأحتكار الذي هو منطق العنف والسيطرة العالمي.
ونقيضه فرايدي، رمز العبد المسكين المقهور المهدور دمه والمبخوس حقه في الوجود في كافة مجالات تحقيق الكينونة الإنسانية، والذي يرغب بأن يعيش وفقاً لمنطق العدل ويحقق التوازن العالمي والأنفكاك من قيود وفكي الغول الرأسمالي المحتكر المسبب لعوامل الطوفان وخرق السفينة ومنطقها بمنطق العنف والسيطرة والأحتكار، بدلاً من التعاون والتوازن والعدالة والتسامح لكي تبحر السفينة في جوٍ من الهدوء واليقين والأستقرار الكوني.
والحلم الصوفي ـ الفلسفي أو يوتوبيا التفكير الفلسفي التي ينطلق منها مدني تنوي تفكيك أواصر العلاقة بين الحقيقة التي ينطق بها( كروزو) في علمه وأدبه وخطابه الثقافي وبين عمله واستبداده لفرايدي، الحلم الذي يرغب في محاكمة الحقيقة المتكونة من تعاون العلم والسياسة في تبرير القمع والأحتكار والسيطرة.
أو لنقل الحلم الذي يفكك الواقع المأساوي التاريخي، والذي وبالرغم من استحالته وبالرغم من أنه ” الحلم الذ1ي بيننا وبينه مليارات من دهور المستحيل “( ) كما يقول مدني. فإننا ندرك العلاقة التي يؤسسها( مدني) بين اليوتوبيا والتاريخ في محاولة للكشف عن الحقيقة بطرازها المأساوي الشايلوكي الأحتكاري المؤسسة من قبل( كروزو) تجاه( فرايدي)، في محاولة من اليوتوبيا في أمل التحويل لمسارها من تاريخ يحكمه منطق الحرب والتجارة والأحتكار نحو محور جديد يحكمه منطق براجماتي يتمحور حول اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج وتحقيق حلمي التأميم والتدويل.
اليوتوبيا التي تروم تحقيق العدالة الأجتماعية، والخلاص هو في هذه اليوتوبيا، أي يوتوبيا الخلاص من أسر القيود والغول الروبنكروزي الشايلوكي القاروني الأمريكي الأوربي المستبد المستغل.
والتاريخ لا يتحرك ولا يتحقق بدون يوتوبيا تحكمه. ورغم استحالة تحققها في الواقع فإنها تبقى الأمل المنشود ليوتوبيا كل فكر تغيري ينوي القضاء وتفكيك تراجيديا الواقع. لذلك يقول ” فلا تاريخ بلا أحلام لا تحقق .. ولا تاريخ بلا مثل لا تبلغ .. ولا تاريخ بلا غايات لا تدرك.. وذلك هو معنى قولنا إن الحلم أفعل من الواقع في التاريخ ” ( ) فهنالك صراع جدلي بين اليوتوبيا والتاريخ. وكل من الطرفين ينوي التبرير والسيادة. التاريخ لتبرير الواقع واليوتوبيا للتغير وتبرير التغير. واليوتوبيا تنوي تحولها إلى حقيقة أكثر من كونها حلم فحسب. إذا إنها تدوم بخلق سبيل الأنتقال من ثقافة تدور محاورها حول الحرب والتجارة والخراب والموت إلى ثقافة العدالة والتوازن. الحلم المرتقب، هو نزعة إنسانية تسود الكل في كل الأصقاع والأزمان لا تفرق بين كروزو أو فرايدي؟!.
وهذا الحلم الاشمل ، لا يتحقق الا بتحقيق حلمين اساسيين: حلم التأميم وحلم التدويل والتي يعول عليها مدني في رسم الاستراتيجية البديلة. إذ أنه يقول عن الحلمين ما يلي:- “حلم التأميم الذي من معانيه أن تكون خيرات الأمة شركة يحمل أسهمها جميع أفراد الشعب في الوطن لا فضل لسهم على سهم إلا بفضل حامله على غيره بالتجويد في العمل والإبداع في الرأي وأن تكون البوابة في العدل لا من الحرية. وحلم بالتدويل الذي من معانيه أن تكون موارد الطبيعة شركة يحمل إسمهما جميع الدول لا فضل لسهم على سهم الا بفضل حملتة بنسبة سكان الدولة على غيرهم بالتجويد في العمل والإبداع في الرأي وأن تكون البداية من العدل لا من الحرية “( ).
وبعد حدوث الطوفان السياسي والتاريخي والثقافي على جميع الأصعدة وعودته الأبدية والخراب الحاصل في أصل التاريخ وصيرورته وحركة المجتمع وعلاقاته. فما هو السبيل إذن لتحقيق السلام والعدل والقضاء على عوامل الطوفان والنجاة؟!
الأمر الذي ينطبق كونياً ومحلياً أيضاً. إذ إن مدني لم يصرح بذلك على الصعيد المحلي وأقصد الطوفان الحاصل في البلاد اليوم. ولكن خطابه يتضمن ذلك؟!.
من هنا نفهم سر واقعية الأدب الرمزي. ومحاولة الربط بين الرمز والتاريخ والحلم ومدى واقعية الرموز ودلالاتها التاريخية، والغوص التأويلي في الأبعاد الدلالية للرموز الأدبية يكشف عن ثيمات مسيطرة ومقولات مهيمنة على ميتافيزيقا العقل الغربي، من تبشير بثقافة الأستهلاك والأستبداد ونفي الآخر والعنف والتهميش الثقافي والتقليد والإتباع، وطبعاً على نحو نسبي لا يمكن تعميمه، الأمر الذي لم يذكره مدني صراحةً!؟. إذ إنه يتعامل مع العقل الغربي مختلطاً ومترابط عضوياً مع أفق السياسة المرسومة والتي لا يحيد عنها أي شيء كما يذكرنا أو كما يحب ان يذكرنا( مدني) وكأن الشأن الثقافي والحضاري لا ينفصل عن ذلك البعد المسيطر والعقل المستبد للرؤية الغربية تجاه المختلف؟!. وكأن السياسة والثقافة يعملان معاً في تبرير الواقع وراهنيته ومطابقته للحقيقة المنطقية الطبيعية!. وهو الأمر الذي تكرر نقده وكشف أواصر العلاقة التي تربط السياسة والثقافة أو المعرفة والسلطة أو السياسي والثقافي على يد رواد نقد الحداثة وأطر تفكيرها الضيق الدوغمائي إبتداءاً من نيتشة وهيدجر وفوكو ودريدا وليوتار ودولوز وغيرهم من مفكري نقد الحداثة ومبشري بفكر ما بعدالحداثة…. فالشأن الثقافي يكاد يمتلك أستقلالية النسبية على نحو من الأنحاء أمام المشرع والسياسي، ويبقى الأمل في ذلك الأستقلال وارداً على الحلم الإنساني في صراعها أي( الإنسانية) ككل عبر التاريخ بين قطبي الصراع والجدل ـ الغرب والشرق ـ أو بين حضارة الحرب وحضارة الحب.
ولا ننسى أن نتذكر إن العنف يمتلك تاريخاً يمتد في عمق الذاكرة الغربية والشرقية على حد سواء. بل إن الشرق يمتلك ترسانة متينة في تأسيس العنف وتبريره سياسياً وشرعياً بمعزلٍ عن صُنّاعهُ الغربيون ومبرري العنف من سياسي ومثقفي الغرب عموماً. فالشرق يمتلك العنف وآليات تبريره، وهو ما نلمسه في الآونة الأخيرة من سيطرة العنف الأصولي وعولمة الأرهاب وقتل جماعي تبعاً للهوية.
ان ما بعد الطوفان يرتكز على خطاب نقد الغرب وكشف آليات السيطرة العالمية وفضح الآعيب وعيوب العقل الغربي. وهو أمر جميل، أما ما يتضمنه ذلك النقد ويتسرب بطريقة مفكرٌ بها أو لا مفكرٌ بها، هو خطاب كراهية الغرب وتحميل الآخر عيوب الذات. وكان الآخر هو سبب الأزمة التي تمر بها الذات!. وتبرير عوامل التراجع والتقدم والنهوض والأنحطاط وحتى أصغر الأشياء وحتى أكبرها مبررٌ في هذا الخطاب الموجه نحو الغرب. فالعقل الغربي هو المسؤول عن كل صغيرة وكبيرةعلى حد سواء . إنها خطابات ترتكز على الآخر وتنسى الذات وعيوبها. وربما يصح قوله إن الأستعمار والأستبداد الغربي أخذ بعداً إستراتيجياً في تعميق التبعية والأنقياد للغرب من أبسط الأشياء إلى أعقدها. إلا إن المسألة النقدية في الخطاب الفلسفي الغربي حاضرةً لا سيما في فض ذلك العمق الأبستمولوجي بين المعرفة والسلطة وكشف عيوب الذات وآلياتها في النبذ والأستبعاد وأمتلاك الحقيقة ونفي الآخر والمختلف وحق الأختلاف وآليات أمتلاك المشروعية. الأمر الذي لم نلمس له حضور في الثقافة العربية والأسلامية من نقد الذات بمعزل عن الآخر وتحميل الآخر تبعية كل ذلك وعلى نحو مطلق وشامل.
ولذلك فإن مسألة حصر القافة الغربية في فهم وإتجاه واحد، بعد الأحتكار والسيطرة، وكأنه البعد الواحد المسيطر على العقل الغربي، أمراً يحتاج إلى مراجعة وإعادة تقييم جديدين يأخذ بنظر الأعتبار الخطاب الفلسفي لنقد العقل الغربي وكشف عيوبه، لا سيما في قوله ” إن الروبنكروزية هي طريقة ومنهج وأوربة وعلمنة وتحديث وتنصير!!. وكأن العقل الغربي هو الذي يدعو إلى تنصير المسلمين المستضعفين ودفعهم نحو الأستهلاك وعدم الأنتاج في إطار العلمانية والحداثة والتوجه الأوربي؟! بل أنه يحمل الجانب الغربي تبعية التعصب، إذ أنه يرى ان التعصب والعداء يستوردها الشرقي من الغربي( ) وكأن الشرقي تنقصه عقد العداء، وهو مؤسس لثقافة تمتد جذورها في تاريخ عميق من ذاكرة الصراع والقتال والعنف المجاني الدموي. والتصوير الذي يقدمه بعد الطوفان لشخصية فرايدي يعرضها وكأنها الشخص الممسوخ والمشوه. بل إنه نسخة طبق الأصل لما يريده( روبنسن كروزو) المحتكر المرابي التاجر المستعمر.
فالخلاص اليوتوبي الذي يقترحه( مدني) هو في القضاء على سلطة صاحب المال ـ التاجر ـ المرابي ـ المحتكر وفنون العنف والحرب والثقافة والعلم، نحو فلسفة اللعب للإبتهاج والعمل للأنتاج والتخلص من ربق العبودية والأستبداد الأحتكاري التجاري الشايلوكي نحو محور التعمير لا الخراب والولادة للحياة لا الموت.
وهو ما يسجل حضور جدلية المعرفة والسلطة والعنف والحب في خطاب مدني الأمر الذي نعتبره إضافة إلى الخطاب العراقي على المستوى الفلسفي ـ النقدي الذي طالما بقى متكلساً في أسفلت السلطة والروتين الأكاديمي البارد الملائي الإستراقي، على نحو يسجل بداية في خارطة التفكير الفلسفي الحر بعد خرابها وحصول الطوفان الكوني الذي شمل العراق الحبيب.
فالتاريخ الذي يحلم به( مدني) بعد الطوفان هو ذلك الذي يُمكّن من تحقيق الحلم، أي حلم تسلم الإنسان زمام القيادة للتاريخ بمعزل عن ثلاثية الحرب ـ الأحتكار ـ التجارة، ونبذ الرؤية الأحادية للتاريخ فبدلاً من المنطق الذي يُحدث الطوفان لا بد من أجتراح منطق يفكك عوامل الطوفان والخراب والحرب، ويؤسس لمنطق العدل والتوازن والحب، منطق الطبيعة والنظام والتخصص والتعاون الأوركسترالي السفسطائي الأبيقوري الرواقي النافع الممتع الجميل حول محور العمل للأنتاج واللعب للأبتهاج. لا عبث ولا حرب ولا تجارة ولا أحتكار. المنطلق الذي ندعوا إليه لتاريخ نحلم به كما يقول مدني. ( ) فالقضاء على جدلية السيد والعبد أو التاجر المحتكر والمستهلك المغبون وعلى كل ألوان التمركز والتهميش. يتم تحقيقها فعلياً من خلال اليوتوبيا التغيرية التي يطرحها بعد الطوفان.
ما بعد حصول الطوفان يبرر السؤال ما هو السبيل؟ ويعطيه المشروعية في التداول؟ ويُمَكّن الإنسان من طرح يوتوبيا التغيير.
كيف الخلاص من سيطرة المرابي الأحتكاري في كافة المجالات وفي كل الأزمنة سواء منها الثقافي العلمي الفني والمنهج والملبس وآليات التفكير في التراث ودعوات التجديد والتقدم والأرتقاء والمؤسسات الدولية والهيئات الأممية والعالمية والبنوك والمصارف وكل المؤسسات والهيئات المستقلة على النحو الظاهر والمسيطر عليها على النحو الباطن.
بعد الطوفان يكشف عن الابستمي الأساس وهو( السيطرة) ومنطق وآليات السيطرة، وفضح آلياتها ومنطلقاتها وتجلياتها في التاريخ الحي والمرمز ولا فرق بين الأثنين؟.
والتاريخ الذي يحكمه منطق الطوفان، مسيطر عليه من قبل الأغنى الأقوى المستبد ولا وجود لتاريخ بمعزل عن تلك المقولات. والتاريخ الطوفاني تاريخ عود أبدي لهذه العلاقة تاريخ استعباد الغني القوي التاجر المحتكر للآخر الفقير المسكين المظلوم والمغلوب على أمره، وقوانين الطوفان وتاريخهُ تُمكن الغني المحتكر التاجر، أن يتحكم بأهل الفكر والثقافة وأصولها. والتعاون الأبدي بين التاجر والعبد يساوي سيطرة خطاب التقليد والطوفان الأورامريكي وعزلة المثقف.
وينطلق مدني من ثنائيات تحكم التاريخ الطوفاني بين قوي وضعيف بين غني وفقير بين كروزو وفرايدي، رموزاً ودلالات ثابتة وبين ثقافتين وحضارتين تسعى الأولى منهما نحو التدويل لا التأميم وان يكون التأميم في خدمة التدويل أما الثانية فهي تسعى إلى التأميم وأن يكون التدويل في خدمة التأميم.
فلا بد إذن من الخلاص من الطوفان وسريانه التاريخي وديمومته والتخلص من فكي( القانون) الأحتكار ـ الحرب ـ التجارة.
إن التاريخ الذي يتبناه مدني في يوتوبيا التغيير، تاريخاً يتحرك نحو كل الجهات من جميعها. لا غرب ولا شرق لا شمال ولا جنوب، ومن هنا نفهم سر عبارته ” إن التقدم في حقيقة أمره تقدم التاريخ كله. وإن الكون كله يشترك ويشارك في التقدم لا فضل فيه لشرقي على غربي كما لا فضل فيه لغربي على شرقي ما دام التطور التاريخي محكماً بحركة جميع القوى.. من جميع الجهات إلى جميع الجهات. لكن.. قيادة التطور واحتكار منافعه لا تكون إلا بيد الأقوى الأغلب الأغلب الأقهر الذي لا يخرج بشيء على إرادة التاجر القارون المحتكر أو يعطي له أمراً”.( ).
التاريخ من منظور مدني يحكمه المحتكر التاجر المستغل، التاريخ يحكمه منطق المال وإقتصاد الربح والأحتكار العالمي للثروات والخيرات.
والسبيل الذي يترقبه( حلاً يوتوبياً) للخلاص من تلك السيطرة التوتوليتارية هو سبيلاً فلسفياً ولذلك فهو يكرر بنفس نقدي ومدفوع برغبة التغيير وطرح الإستراتيجية البديلة عبارات يحكمها منطق طرح الحلول المناسبة لمعالجة الأزمة.
إذ يقول ” ما السبيل إلى حل يصير حداً تبدأ بعده مشاريع الرفاهية للجميع حول محور العمل للأنتاج واللعب للأبتهاج والولادة للحياة لا الموت والبناء للتعمير لا الخراب والتدويل عالمياً لأزدهار التأميم قطرياً، والتأميم قطرياً لأزدهار التدويل عالمياً.. وحل الصراع، صراع الأنسان في سبيل إعادة التوازن وأدامته والمحافظة عليه بين الأنسان وبين نفسه وبين الأنسان وبين الآخرين، فالحل هو في التوجه بجميع قوى التاريخ وقوى الأنتاج وقوى السلطات في جميع الجهات وجميع الفلسفات “( ).
والثلاثية المشؤومة التي تحكم التاريخ ـ الحرب التجارة الأحتكار، هي من يعطل حركة السلام والعدالة ويعجل بطاحونة الحرب الضروس، تدعمها الوسائل لتبرير الغايات والعكس صحيح إقتصادياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً ومنهجياً.
بعد الطوفان يكشف العقدة الروبنكروزية بالنسبة لفرايدي تجاه كروزو وكل وسائل التخريب الأستشراقي الملائي. والشرقي بدوره يعاني من هذه العقدة بطريقة مرضية وداعية ويطبق ما يعزز تلك العقدة ويؤبدها، من علوم ومناهج أستشراقية ملائية تخريبية، إذ إنه يمثل دور الببغاء والشرطي والمستهلك، الأدوار التي تخلص منها الغربي وحافظ ويفاخر بها الشرقي. ( ).
بعد الطوفان يشكل مسعى لتفكيك تلك العقدة ويؤسس ليوتوبيا ثقافية ومنهجية إنسانية تحقق التوازن بين التأميم والتدويل، بين الأشتراكية والرأسمالية.
وتذليل كل عوائق الأنتقال من الأستلاب إلى العدل وتوحيد القوى الثقافية فلسفية وعلمية وفنية من أجل حل الصراع وتبرير ” الأكتفاء بالذات بالأستغناء عن الغير غايةً، وتبرير الأستغناء عن الغير غاية بالأكتفاء بالذات وسيلة ” ( ). وتبرير كل الغايات والوسائل المذكورة وتحقيقها لا يتم إلا بتبني فلسفة تهتم بتحقيق الغايات وأجتراح الآليات والوسائل امناسبة لها، إذاً لا فضل لفلسفة على فلسفة إلا بالمقاصد والغايات التي ندركها بفلسفة ولا تؤدي إليها الفلسفة الأخرى. والفلسفة أداة، آلة، مفتاح.. ولا فضل لفلسفة على فلسفة إلا بالقدرة على فتح المستغلق جزءاً لا يتجزء من حل المشكلة أو مواجهتها لأستعادة التوازن وخططه وحل الصراع نهاية للأزمات بأتجاه جميع الفلسفات وتعاونها بتطاوع أوركترالي حول الأنسان غاية عليا لجميع المعاني والأشياء ولجميع الفلسفات ” ( ) .
والفلسفة بالمنظور المدني، ” درس قيادي يجب تجنيبه عبث الملائية الأستشراقية والجهل الأستشراقي الملائي الذميم “( ).
فالفلسفة هي التوفيق بين جميع الحلول والوسائل والغايات لتحقيق التوازن وإنهاء الصراع. بعد أن تجعل الأنسان بالمعنى المطلق للكلمة الغاية الأساسية من وراء التفكير واشتغال العقل. لأجل سعادته وعدالته وتحقق منافعه وتدفع الأضرار والشرعية.
من هنا نفهم سر العودة بالتذكير بأهمية البعد الأنساني في الحقل الفلسفي إذ إنه يؤكد ذلك الأفق الأنساني للخطاب الفلسفي غايةً وهماً، إذ يقول ” لا تكون فلسفة ما لم تكن مطلقة الولاء المطلق للأنسان وللحقيقة، بقدر ما تنفع الأنسان وتربح الأنسان وتفيد الأنسان وتبرر الأنسان وتكفي الأنسان وتسعد الأنسان الذي يجب أن تتخذه جميع الفلسفات مركزاً ومتعاونة تعاوناً أوركترالياً لحل صراعاته أزاء الطبيعة وأزاء الجماعة وأزاء نفسه وأزاء أختلاف الفلسفات والثقافات والحضارات”.( ).
ولا بد للفلسفة من أن تهتم بتلك المسألة التي هي أحق المسائل برأي( مدني) والتي برأيه، أحق المسائل موضوعاً للثقافة وأولاها بالتفلسف….. ” ( ).
إن مدني صالح يستفيد من خطابات الفلسفة لكي ينتقد الفلسفة بأسلوب رمزي جمالي رائع وكأنه ابن طفيل الثقافة العراقية. ويطمح أن يعيد للأذهان قصة الصراع التاريخي بين ثنائيات الحدث التاريخي وصيرورته، بين غني وفقير ومنتج وعامل وسيد وعامل ومالك ومملوك وأوربي أمريكي وأسيوي أفريقي وأبيض وأسود ومبدع ومقلد وغربي وشرقي والتي كشف عن طبيعة علاقتها فلاسفة كثيرون. إلا إن مدني أضاف بعداً آخر ونكهة جديدة لانطولوجيا الصراع، ألا وهي اللعب للأبتهاج والعمل للأنتاج حلاً عملياً ونظرياً وأستراتيجية للتوفيق بين أقطاب الصراع لتحقيق التدويل والتأميم والعدالة الأجتماعية وخلق للأنسان المتوازن أقتصادياً ونفسياً ومعرفياً، لا يعرف في قاموسه مذهباً للحرب والتجارة والأحتكار. بل اللعب والعمل لا غير. ولا بديل أستراتيجي غير فلسفة إنسانية كونية شاملة تقضي على التعصب والإنغلاق نحو غاية الأنفتاح وكشف الحقيقة.. نحو أفق إنساني أرحب.

ملاحظة
هذا البحث كنت قد كتبته وابلغت استاذ مدني رحمه الله ،بأني سوف انشره .. الا ان المرض منعني من نشره حينها،والموت حال بينه وبين مدني صالح..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"