تابعنا على فيسبوك وتويتر

nasir alshaikh 4موائدٌ من رماد..
استثمارُ الزمنِ النفسي في الكتابة الروائية…
نصير الشيخ
ــ هل يمكن استثمارُ الزمن النفسي في الكتابة الروائية…؟
مادلالةُ هذا الزمن وهو يحفرُ ساعاته في المكان والنفس البشرية على حدٍ سواء ..؟
موائدٌ من رماد.. روايةٌ للقاص والأكاديمي (د.لطفي جميل محمد) والصادرة عن دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع 2017،، ومنذ العنونةِ أمدتنا هذه الروايةُ بما ستؤول اليه الأحداثُ وتغايراتُ الزمان والمكان في بقعةٍ تمتدُ على شكل بلاد اسمها (العراق) الذي حضر باسمةِ الصريح داخل متنِ السرد.
ترى هل كل شيءٍ معدٌ لينتظمَ في دوامة الموت التي لاتخلف غير الرماد…من هنا نفهم ان الروايةَ هي روايةُ مصائر،ولا اقول تشبيها بالعنونة او المتن لرواية (قلعة المصائر المتقاطعة) لأيتالوكالفينو.. روايةٌ حيث تحضرُ الحياة برمتها وهي تسيرُ على الحافات الخطرة، في بلدٍ تتوالدُ فيه الحروب، مصائرُ بشريةٌ تواجه حتفها وان عاشت حياتها، لكن الموت ظلالٌ سودٌ تتخفى خلف البنايات والأشجار والظنون.
وللدخول الى تفاصيل المتن السردي لروايةِ موائدٍ من رماد نجد ان ثمة جناحين تطيربهما الروايةٌ، يشكلُ (احمد الناصر/الضابط برتبة لواءٍ في الجيش العراقي السابق) الجناحَ الأول الذي تمهدُ به الروايةُ وتؤثثُ تفاصل المبنى الحكائي لسرديتها الكبرى، احمدُالناصر يعتقل على يد القوات الأمريكية اثر غزو العراق 2003. ثمةَ حكايةٌ اخرى تمثلُ الجناحَ الثاني لطيران الرواية، الا وهي قصةُ العريف( عبد الله) الجندي العراقي الجريح والمختفي داخلَ احدِ المغاراتِ بعد ان احتلت مواقعهم القوات الإيرانية…هذه الحكايةُ المولودةُ من الحكاية الأولى بدلالة كونها مخطوطة عثر عليها او هكذا….(السجل المحفوظ بحافظةٍ بلاستيكية شفافة الذي حصلوا عليه مع تلك الوثائق، وهو سجلٌ قديمٌ نوعا ما، وذلك بسبب ماتعرض له من ظروف الخزن).
ـــ اذا نحن امام مخطوطةٍ تشي لنا بحيواتٍ اخرى لمشهدية تشيرُ الى ثمانينيات القرن العشرين وتحديداً عند اندلاعِ حرب الخليج الأولى ( الحرب العراقية/ الإيرانية)..نقرأ ((سأله ضابط التحقيق محاولا استيضاح الأمر بدقة..
ــ بوضوحٍ دقيقٍ، هل تقصدُ انها قصةُ لجنديٍ عراقي.
ــ هي تحت عنوان((عزلةُ عبد الله)) كما تحملُ تاريخَ كتابتها على مايبدوالذي هو عام 1988 .
تنفتحُ الروايةُ على سردية الجندي ((عبد الله)) المخابر الذي تنقطعُ به السبلُ بين وحدته والواجبِ المكلف به بإمداد خطوطِ الهاتف السلكي،، صيغةُ (ضمير المتكلم) هي من قامت بهذه المهمة، وكأنّ بالروائي يزجُ بمتلقيه في عملية اشتباك لمعرفة سيرِ الأحداث،وملاحقةِ الفعل بمستوياته والذي يمثلهُ الجندي (عبدالله)، ومن ثم يؤثثُ المشهد من حوله في محاولة لإبقاء وهجِ الذكريات،او الاستنارة بوهج التذكر كلما تضيقُ عليه المسافة وهو يُحشرُ شيئا فشيئا في المغارة.kh lotfi
((وجدتُ ان اقطع المسافةَ المتبقية، كانت تعني لي الكثير، اذ ان خلف هذه المسافةِ تكمنُ احتمالاتٌ عدة، اولها انني سأحظى برؤيةِ وجه امي من جديد، ستتيحُ لي عدَّ اعمدةِ شارع دجلة الجميل من جديد، سأواصل لعبة( الدومينو) لساعةٍ متأخرةٍ… هذه المسافةُ وما خلفها يمكنُ ان تعيدني الى شارع التربية….)).
ــ هنا يتبدى اشتغالُ الروائي على تقنية ((الفلاش باك)) لضخّ اكبر عددٍ من المشاعر والذكريات لرسم عوالمَ شعرية تلامسُ حيواتنا اينما نكون.. وتطعيمِ متنه السردي بمواقفَ حياتية ماضيةٍلإضاءاتها من جديدٍ في لحظة حرجة.
في مشهد للجندي (عبد الله)المحاصر في داخل المغارة، وعبر تهيوءاتهِ واشتدادِ سطوة الوحدة عليه او هكذا.. ثمة اشباحٌ ثلاثةٌ توجهَ بنادقها اليه، لكنه يستدرك (( على الرغم انني على يقين بأن لااحدَ سواي يعرفُ هذا المكان))….!!! لتقدحَ الذاكرة الى وصفهم بالتتر…اي المغولِ واستباحتهم لبغدادَ دار السلام، ليعيدَ الروائي انتاج خطابه الى ان ثمة (احتلالاً) اخر يحمل الوحشية نفسها عاشته بغدادُ القرن الواحد والعشرين…(( عادوا ليكملوا مالم يُكمله زعماؤهم على مسرحِ الوحشية واللاحضارة)).
ــ اتخذ الروائي شكلَ التداخلِ الحكائي، اذا هي فصولٌ سرديةٌ لكل جناحٍ ممثلا بشخصيتي الرواية، معتمدا قطع التسلسل المنطقي للأحداث وخاصةً فيما يتعلقُ بمصير الجندي المخابر المحاصر… وفي هذا الأمرُ لايخلومن تشويقٍ والذي يعدُّ عنصرا فاعلاً في الكتابة الروائية. نقرأُ في صنعةِ السرد للدكتور سلمان كاصد (( ان في كل روايةٍ هناك نقصاً من جهةٍ يفترض فائضاً في الجهة الأخرى، وربما هناك تقابل متساوٍفي الجهتين، وان مايحرك هذا العمل هو هذا التضاد الذي لولاه لما استمر الصراعُ على مستوى الحكاية)).
ــ اشتغالُ الروائي على وصفِ الأمكنة لتأثيثِ المشهد عبر استثمارِ السرد وبمنتهى الدقة، مثالا{ غرفةُ اعتقال الضابط العراقي}،،ووصفُ {المغارة} للجندي المحاصر..هذا الوصفُ الذي يوصلنا لملامسةِ الجانبِ النفسي لكلا الشخصيتين، في محاولةٍلإبراز ثقلِ الزمن النفسي واحاطته بمدياتِ حريتها، وصولا لتهديدِ وجودها كفعلٍ يتآكلُ دواخلها….(( انتابتني رغبةٌ كبيرة بالخروج من هذا الجحرِ، رافعاً يدي وانا اصرخُ واقول {اوقفوا الحربَ…اقطعوا النار} حتى وان سقطتُ قتيلا، سأقولُ للمتحاربين انتم شلةٌ من المجانين، لابل شلةٌ من مصاصي الدماء)) ص61 .
فصلٌ سرديٌ يتابعُ حركةَ الجندي المخابر المحاصر يبدأُ من الصفحة 59-88 يرصدُ تحولات الوضعِ الذي ال اليه داخل هذه البيئةِ الطبيعية(المغارة) وكيفيةَ التعاملِ مع مفرداتها للوصول الى ابعد حدٍ لمعانقة الزمنِ النفسي ودفع اليأس الى تخوم بعيدة…فكانت (الكتابةُ) هذه المرة فعلا ايجابيا ينتصرُللذاتِ حتى وان كانت تواجه نزعا اخيرا…(( شرعتُ بكتابة السطور الأولى لمذكراتِ عزلتي، مبتدئا باللحظات التي سبقت الهجومَ علينا، وانا اتضورُ جوعا وعطشا، وقلقا من ان يجدوني قد غادرتُ العالم الخشنَ المخنوقَ بالحروب، والمطوق بالموت، من دون ان يستطيعوا حلَّ لغز عزلتي…كتبتُ وكتبت حتى حل المساء))…ص81.
ربما يستدركُ القارئ العادي، وهو يقفُ امام هذا المشهد،، هل يصحُ ان نكونَ ونحن في اقسى حالة يأسِ، واقصى حالات حصارٍ..ان ننتجَ حياةً اخرى عبر الكتابة…؟؟ ولماذا الكتابة؟وهل هي فعلٌ تحرريٌ لحظويٌ ربما (للجندي)…؟ وهل بما توافرَ عليه وبمابين يديه (سجل المواقف/ قلم الرصاص/ قلم الحبر الجاف/ اوراقٌ فارغة)..أم ان ثمة تدخلاً للصنعة الروائيةِ لاجتراح فعل إنساني اكثر خلودا ربما، سيكوّن (ثيمةً) روائية تنتج احداثاً مضافةً، تخدمُ تحويل هذه الكتابة (المذكرات) الى مخطوطةٍ باسم (مذكرات عبد الله) والتي سوف تخدمُ ايضا مبنىً حكائيا تتصاعدُ منه احداثُ الرواية.
ــ حصارُ الجندي (عبد الله) على مدى سردية الرواية،وتضائلِ امله في الحياة عبرَ تعطل وسائل الإنقاذ،وضمور الشعور النفسي لديه بأن كلَّ ماحوله يشي بموتٍ قادم،، اقولُ له مايشابهه في الأدب العالمي وتحديدا في رواية (العطر) لزوسكيند، حيث البطلُ (قاتل النساء الجميلات)، عندما يغادرُ باريس تاركا وراءه مختبرات صناعةِ العطور، تأخذهُ قدماه الى الجبال لينحشرَ تلقائيا بين شقوقها،حد فقد آدميته وتحوله في لحظة زمنية الى نوع من الطحالب….!!! انه تشيؤُ الطبيعةِ البشرية بفعل ضغوطِ الداخل والخارج وبمختلف المسميات.
يبرزُ الخطابُ الروائي واضحا منتصرا لقيمٍ قارة، هي من عنديات الروائي وانحيازه الكامل لسمعةِ وتاريخ بلده،وكأن هناك طرفي صراع أبرزه الخطابُ الروائي ،،وطنٌ /محتلٌ…هذا ماابرزته اسئلةُ المحققين والحوارات المستمرةُ مع الضابط (احمد الناصر)…(( مهما ستؤول اليه التطوراتُ في العراق، فأنالا اعتقدُ ان هناك واحدا يقبل بعرضِك هذا، لأنه يتعارضُ مع القوانين والأعراف، فضلا عن ثقافة العراقيين)).ص96.
اللغةُ في رواية ((موائد من رماد)) خلقت مناخها العام،من السهل الممتنع، وبمستوى يكادُ يكون واحدا لجميع شخوصِ الرواية، تلك الشخوصُ المنتمية الى هويةٍ تتوحدُ في تقرير مصيرها، لغةً خلقت عوالمها من متنها السردي الروائي، كادت ان تسمي الأشياءَ والأمكنة والوقائعَ بمسمياتها حدُّ تدوينِ الأماكنِ التي نشأ فيها الروائي.
وبهذا يكون (لطفي جميل) في روايته (موائد من رماد) قد وجه خطابَ ادانةٍ واضحٍ للحروب أيا كانت مسبباتها، وانحاز الى الإنسان كقيمةٍ عليا لابد ان تعيش هناءاتها،غير متخليةٍ عن ثوابتها الأصيلة….

كانون اول 2017


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"