تابعنا على فيسبوك وتويتر

aisa 20إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

حوار مع الشاعر عيسى حسن الياسري شـاعـر القـرية والجمال والإبداع والكلمة الحـرة
حوار : حذام يوسف طاهر

* انا لا أؤمن بالأيدلوجيات فهي قمع للحرية لكني أؤمن بحرية العالم وحرية الانسان والفكر وحرية المرأة .

*فضلت ان ابيع السكائر على ان اكون لسانا للسلطة .

*حرمت من الكتابة لمدة ثلاث سنوات بسبب لقائي بحبيبتي في مكان عام .

*أنا اختلف عن نزار قباني في كتابتي عن المرأة .

*أدين نقادنا المحترفين لأنهم ركزوا على الاسماء المعروفة فقط .

*لا توجد كلمة حقيقية ومؤثرة للشاعر إن لم تصدر من الهام امرأة .

*في رأيي لا توجد امرأة غير جميلة في العالم ، فكلهن امامي ملكات جمال .

انا حملك يا لله

نظيفا امضي في طرقاتك

لا آثام تلطخني

عدا إني لم أحفظ مملكة آبائي الفلاحين

فأبدلت السنبلة بالفضلات

وكوخي المشمس بالكهف

2

=

وها إني اركع قدامك

وأبلّ قدميك بدموعي

معترفا لك بندمي

لكن ما لم اندم عليه ضعفي في حضرة ..

فاكهة المرأة

عيسى حسن الياسري العاشق الخالد الذي لم يندم على ضعفه في حضرة فاكهة المرأة .. أبن الجنوب الذي لم يغادره منظر قريته ، لم يخالجه الندم أيضا على ابتعاده عن مؤسسة الدولة، بينما تهافت الآخرون عليها كالذباب ، وكان من السهل جدا ان يكون له حضورا فيها ، لكنه آثر حريته والشعر ، فكان صفعة على وجوههم طيلة عمله ككاتب عرائض امام محكمة بداءة الأعظمية، لقد أبتعد عن المؤسسة بإرادته، وبقى متواجدا في ذاكرتنا بأرادته ايضا وإرادة شعره .

الكاتب حسن العاني كتب عنه وعن أبتعاده عمودا في مجلة ” ألف باء ” ، وأتهم الأتحاد بالتقصير، لكنه بعد سنوات قليلة عاد فكتب عمودا في نفس المجلة يصفه فيها بالبصير الذي سبق برؤيته الوقت، وأن الادباء الآن يبحثون عن أماكن على الرصيف فلا يجدون !

وانا آثرت ان تكون مقدمتي لهذا اللقاء المميز لشاعر مميز بمجموعة من ما قيل بحق شاعرنا الكبير عيسى حسن الياسري .

** الاستاذ مؤيد البصام: الياسري كان واحدا من المبدعين الذين حاولت السلطة البائدة عزلهم ثقافيا بسبب عدم انسجام ابداعه مع ايديولوجيتهم .

** الكاتب والصحفي ناظم السعود: ان الياسري اصبح رمزا في ضمير الثقافة العراقية, ونموذجا نفتخر به يكفينا فخرا مواقفه الشريفة من النظام الديكتاتوري , وحصوله على اكبر جائزة بالشعر العالمي .

** الشاعر عادل عبد الله: ان الياسري اكبر من منصب اي وزير, انه الشاعر الذي احتضن اسم العراق عاليا في المحافل الدولية.

** الشاعر كريم النجار: بقي الياسري بعيدا عن التناحر والصراعات الايديولوجية، أو السجال الثقافي الذي لا يقود لشئ، سوى التبجح بمنجز لم يكتمل، أو زعم بقيادة جيل وثورة شعرية جديدة. أنه شاعر لا تحده حدود أو يقيده شكل من أشكال الكتابة، فهو عدة عوالم تتصارع وتلتقي في عالم أسمه الشعر. (القدس العربي 2002).

**الكاتب جمال علي الحلاق: عيسى الياسري شاعر بالممارسة ، في حين أن الآخرين شعراء كتابة، ولا قران ولا مقارنة بين الإثنين .

من مدة طويلة وانا أفكر بعمل حوار مع الشاعر الكبير عيسى حسن الياسري ورغم اننا التقينا في أكثر من مناسبة وزارنا في منزلنا المتواضع لنأكل معا السمك المسكوف لكن لم تتح لي الفرصة لأنفرد به لعمل لقاء، فالأهل كانوا يتحلقون حوله وكل يطرح معه موضوع او يسأله عن سفراته وغربته، وكنت متتبعة لنشاطاته والاصبوحات التي قام بها الشعراء في اتحاد الادباء وفي اكثر من مكان كنت أرافقه .. وقبل أيام قال لي انه سيسافر الى سوريا لرؤية بناته هناك (د.أروى ود. بان) ، فقلت لم يبقى وقت يجب أن أنجز هذا اللقاء ويجب ان نحتفي بمبدعينا وهم أحياء يعيشون بيننا .. وهنا قرأت على مركز النور خبر(جائزة النور للإبداع ) والتي سميت دورتها بأسم هذا الشاعر الكبير (عيسى حسن الياسري) فلملمت أوراقي وذهبت الى بيته في منطقة الطالبية التي سورت بحاجز كونكرتي طويل .. على كل حال وصلت بعد ان أجتزت أكثر من حاجز وأكملت بقية الطريق مشيا على الأقدام .. وكانوا بأستقبالي السيد الشاعر وزوجته ام ياسر التي أتعبت نفسها بعمل غداء مميز جدا أحتفالا بوصولي .. ومباشرة وبعد السلام والكلام قلت له، ها؟ جاهز فضحك طويلا .. وبفرح قال : هكذا؟ قبل ان تتغدي معنا؟ ولم أجبه بل سألته :

* في جميع قصائدك هناك تأكيد على أنتمائك للجنوب كأنما لم تغادر العمارة أو كميت هل هو حنين لتلك الأيام والذكريات .. أم أنه وفاء لتلك المدينة؟

الياسري : الحقيقة في حياة كل منا وليس المبدع فحسب حتى الذي يعيش حياة عادية جدا هناك مرحلة زمنية محددة .. هذه المرحلة تحفر عميقا في ذاكرة وروح ذلك الإنسان ويظل يعيشها ويتذكرها حتى لو ذهب الى أقاصي العالم حتى وإن ادركته الشيخوخة .. انا عشت في كوخ من اكواخ الفلاحين القريبين منا ولعبت في طفولتي مع أطفال الفلاحين كنا نلبس ثيابنا البسيطة ونسير حفاة الاقدام ونلعب في الحقول والمراعي .. أجواء القرية كانت بالنسبة لي تحتشد بكل ماهو حميمي وعاطفي ومؤثر جدا، وحتى هذه اللحظة وأنتِ تعيدين ذاكرتي الى ما قبل خمسين عاما أشعر بأنني أختنق عاطفيا وأتمنى أن أعود الى تلك المرحلة بكل تفاصيلها وبكل وخزات أشواكها وعاقولها بثوبي الممزق الأذيال بأقدامي الملوثة، بترابها الذي أشم له عطر ورائحة لا تعادلها كل عطور العالم التي أستنشقتها من عطور باريس الى كندا، هذه المرحلة هي التي أثرت في الحقيقة على حياتي وشعرت بأنني أنسجم معها بكل حميمية، وكنت أشعر بتأثير الطبيعة وتناغمها مع نفسي، ومنذ طفولتي بدأت أتأثر بالامطار والعواصف وأتأثر بفيضان النهر وبالربيع وما تحتشد به الأرض من أزهار برية وحقول القمح، وأتأثر بأغاني الفلاحين وأغاني حاملات الحطب.. وأتذكر موقد النار عندما كنا نتحلق حوله ونستمع الى حكايات جدتي او أصغي الى صوت المطر في الليالي الممطرة .. الحقيقة هذه عوالم في غاية الشاعرية والعذوبة ظلت تعيش معي ، وكنت أبحث عن طريقة تعبر عن تأثري ومحبتي الى تلك العوالم .. حاولت في البداية أن أغنّي مع نفسي او في الطبيعة ولكني أهتديت الى الكلمة فكانت خير معبر وأعتقد أن القرية وتلك العوالم مازالت تعيش معي حتى هذه اللحظة فأفتح صباحاتي كل يوم عندما أستيقظ على صورة القرية وصباحها فأرى ضريح جدي الذي لازال قائما حتى الان .. تصوري أنها ترافقني وحسب المواسم والفصول ! فتتشكل أمامي الصورة وكأنها حية وليس في خيالي فأراها متجسدة أمامي مثلا صورة الزوارق وهي عائدة من الصيد وتدخل نهر أبو بشوت لم تغادرني أبدا تلك الصور.

*هل يعقل إن أجواء بغداد بحركتها وصخب شوارعها لم تستطع أن تمسح ولا مشهد من تلك المشاهد؟ ولازلت تتذكرها بكل تفاصيلها؟

– لا يمكن لبغداد ولا كندا التي أعتبرها جنة الله على الأرض .. وحقيقة أنا زرت مدن عديدة في العالم ووقفت على شلالات نياكارا والعديد العديد من الجزر، ولكن كل هذا العالم الجميل والرائع لم يستطع أن يدنو من جمال مشهد صغير لصبية تلعب معي او وقوفي وسط حقل من القمح والشعير فكل ما عشناه في طفولتنا يطل شاخصا ومستمرا وحاضرا الى هذه اللحظة.

* في مرحلة معينة في عهد النظام السابق مارست عملا حسدت عليه من الكتّاب، ومنهم الكاتب الكبير حسن العاني، أتذكر طلب منك في مقاله له ان تبحث له عن كشكا آخر بقربك لكتابة العرائض .. فماهو تأثير هذه المرحلة عليك وماذا تركت بداخلك؟

– في الواقع كان بأمكاني أن اعيش حياة مرفهة حقيقية وكان النظام السابق يخطب ودي فبمجرد وصولي الى بغداد عينت رئيسا للقسم الثقافي في الأذاعة وهذا شيء كبير جدا ولكني لم أمكث في هذا القسم سوى سنتين، مع العلم قدمت لي إغراءات كثيرة حيث أرسلت موفدا الى المانيا الديمقراطية لأشارك في مهرجان كوتا العالمي ولمدة شهر ولأول مرة أخرج الى العالم وأرى جماله وروعته .. وحتى داخل أروقة الأذاعة كنت محاطا بأجواء جميلة ورائعة ، وكلهم كانوا يخطبون ودي وخاصة الفتيات حيث كنت عندما أحضر لمكتبي أجد منضدتي وقد تحولت الى حديقة رائعة من الزهور، حيث كل واحده من جميلات الأذاعة تحضر لي زهرة بلون معين وبعدها يأتين الى مكتبي ويسالوني عن رأيي بأجمل زهرة، فأهرب منهن بأن أقول لهن زهوركن جميلة مثلما أنتن جميلات، والحقيقة لم أكن أميل لمجاملة واحدة على حساب الأخريات . وكنت في الإذاعة مقدرا ومحترما بشكل متفرد ولي مكانتي الخاصة لدى المسؤولين وكان بأمكاني أن أستمر حيث عرض علي ان أدخل السلك الدبلوماسي في دورة بوزارة الخارجية وبعدها أختار أي دولة في العالم أذهب اليها كملحقا ثقافيا، ولكني عندما دخلت هذا المكان أدركت أن هناك شيء يحاك ضد حرية الانسان وأنا أحترم حريتي جدا وعشت حرا لمدة عشرين عاما في الحقول والمراعي وظلت هذه الحرية مسيطرة علي ولا أريد أن أبيعها بكل كنوز العالم .

الحقيقة انا لا أؤمن بالايدلوجيات فهي قمع للحرية، لكني أؤمن بحرية العالم وحرية الانسان والفكر وحرية المرأة ولا أريد لأية أيديولوجية أن تقيدني ، ولهذا بعد سنتين أدرت وجهي للإذاعة وتقاعدت مبكرا لأنه كان في وقتها إلزام من قبل الدولة للخدمة في الجيش الشعبي لكنني والحمد لله لم أخدم ولا يوم واحد وقراري بالتقاعد كان لتنتهي صلتي بالدولة وبألتزاماتها .

* هل هناك موقف معين لازال عالق في ذاكرتك خلال تلك الفترة؟

– هو موقف ممكن أدراجه تحت باب صدق أو لاتصدق ! فقد حرمت من الكتابة لمدة ثلاث سنوات وقضيت شهرا كاملا بين جدران قلعة التسفيرات في بغداد والسبب (ولا تتفاجئين) هو أني كنت مع حبيبتي في حديقة عامة وكنا قريبين من بعضنا جدا وهذا يبدو لي أغاض العسكر المنتشرين في تلك المنطقة، مما أدى الى تطويقنا وعصبوا عيوني وكنت أول من يوضع في هكذا مكان لأني كنت أبشر بديانة جديدة أسمها ديانة المحبة وكنت أجلس في حضرة ملاك بهيئة امراة .. وفي وقتها أقتادونا معا الى هناك .. أنا قضيت شهر وهي أمضت أسبوع كامل في أسوأ مكان فكان هذا الموقف من أصعب ما يمكن أن يمر به أي إنسان فما بالك بشاعر مرهف الاحساس.

* لنعود سيدي الكريم الى موضوع المهنة التي مارستها غير مخيّر أمام محمكمة بداءة الأعظمية وكيف تأقلمت مع هذا الوضع الغريب؟

بعد أحتلال الكويت وفرض الحصار أضطررت الى العمل بكتابة العرائض وكنت حينها أمام خيارين أما أن أرفع يدي أستسلاما وأمجد النظام وهذا ما رفضته مسبقا .. أو .. أن أعمل أي عمل آخر، لكن كنت أركز على أن لا أكون لسان للسلطة وفي وقتها فكرت أن أبيع السكائر على أحد الارصفة.. فأقترح أحد الاصدقاء وهو محامي في محكمة بأن أعمل في كتابة العرائض أمام محكمة بداءة الأعظمية، فهيأ لي كشكا صغيرا وطوابع ومستلزمات عمل كاتب العرائض وكنت أعمل بصفة أجير لديه وأخذ تعهدا مني بأن أعمل لديه لمدة ثلاث سنوات فإذا أخليت بالعقد يجب أن أدفع مبلغا من المال وبقيت فعلا أعمل بكتابة العرائض لمدة ست سنوات وفي وقتها كتب الصديق المبدع حسن العاني عن هذا الموضوع بروحية عظيمة وقبلها كتب عني أيضا مقال يتساءل فيه (هل مات عيسى الياسري؟) وأحدث ضجة في الوسط الثقافي ، وفي أول اسبوع لي في كتابة العرائض جاءني شخص يكتب عرائض ايضا وقال “أنا امثل كتاب العرائض أمام القاضي ونحن نقوم بتنظيف المكان بالتناوب وفي هذا الأسبوع سنعفيك لكن من الأسبوع القادم سيأتي دورك لتنظيف المكان ، وبالفعل حضرت في اليوم المخصص لي ومن الفجر لأنظف المكان وكنت بكامل اناقتي وكأني ذاهب لمكتبي الخاص ووقفت أمام المكنسة ، وكان موقف رهيب حيث رجعت فلاش باك الى مكتبي الملئ بالزهور الملونة والنساء الجميلات اللواتي يحطنني بكل الحب .. لكنني أخيرا أخذت المكنسة ونظفت المكان وأنا أبكي !.. وعندما أنتهيت ضحكت ومن كل قلبي وقلت.. مرحبا أيتها الحرية لقد أنتصرت وكسبت حريتي ولن أكون لسان لأحد.

*كلنا يعلم إن العراق يمر الآن بمرحلة صعبة جدا وفيها من القسوة الشيء الكثير ، ومتعبة بتناقضاتها وجميع تفاصيلها .. برأيك هل إستطاع الأدب وبشكل عام أن يكون صوتا للناس او يقترب منهم؟

– دائما الأدب يمثل صوت الناس والحقيقة الإنسانية إن الأديب بحد ذاته هو تكوين إنساني ، فهو لا يستطيع أن يكتب كلمة إذا لم يعش المحنة الإنسانية، محنة الكادحين والمعذبين وعلينا أن نشعر بحالة الألم والإضطهاد لكي نشعر بالآخرين، والأديب العراقي بشكل خاص عانى من أزمات قاتلة ومدمرة وعانى من القتل والتهميش من العهد الملكي ولحد الآن.. الجواهري يقول: هل لك لثورة الفكر تاريخ يحدثنا بأن الف نبي دونها صلبا .. ومأساة الاديب العراقي إن السلطة وجدت لها منفذا الى إصطياد بعض الأدباء اللذين يسميهم سارتر بالكتاّبين وليس الكُتاّب اللذين لديهم إستعداد لأن يبيعوا كلمتهم بأي ثمن، ومع الأسف هذا الموضوع أمتد الى أدباء لهم مكانتهم وأنا شخصيا أحترمهم لكن لا يمكن للأديب أن يعاني فهو مشروع إنساني .. لا يمكن أن يبيع نفسه للذين يقتلون إنسانية الإنسان ويدمروا حياة البشر، ولا يمكن أن يبيع نفسه للطغاة، بل إن كلمة المبدع هي التي تفضح قرون الأسكندر والقياصرة فوجدت السلطة أدباء تقتلهم الحاجة الى المادة، بل منهم من لا يملك بيتا ولا سكن وبالتالي إستغلوا تلك الحاجة وأخذوا يشترون ذممهم وضمائرهم لذا أرجو أن تنتهي هذه الظاهرة في هذه المرحلة من بناء العراق، وأن يكون أتحاد الأدباء بيتا لكل الأدباء العراقيين ولا نريد أن يكون بيتا للأدباء الذين يلتقي معهم أيديولوجيا، فنحن محنتنا في الأيديولوجيات وهي التي قتلت الأدب والعلم الإنساني .. لحد الآن الأديب مشغول بلقمة عيشه ولم يأتي النظام الذي ينظر للأديب نظرة العالم المتطور، وعندما تسألين السلطات هناك لماذا تهتمون هكذا بالمبدعين؟ يقولون أن بإمكاننا أن نصنع العشرات بل المئات من المهندسين والأطباء من خلال معهادنا وجامعاتنا ، لكن ليس بإمكاننا ومع كل ما نملكه من تكنولوجيا أن نقدم شاعرا او روائيا أو موسيقيا. لذا أنا أعتقد أن علينا أن نتعلم منهم هذا الأمر ، ولا أعتقد أننا سنصل لهم بالمستقبل القريب بسبب إن ما موجود حاليا هم أناس لا علاقة لهم بالثقافة، ولحد الآن وزارة الثقافة لا يوجد فيها مثقف واحد، فهم بصراحة مجرد موظفين لا أكثر. ولذا فنحن نناشد إتحاد الأدباء أن يبتعد عن السلطة ومع إننا لا ننكر حاجته للسلطة ماديا لتنفيذ بعض المشاريع إلا إننا لسنا بحاجة الى مشاريع تتعكز على السلطة لأنها ستجرنا يوما بعد يوم الى خطها وهذا ليس في صالح الأدباء.

*عودتك للوطن بعدما قضيت سبع سنوات في بلاد الغربة هل كانت بهدف المشاركة في تقديم شيء للوطن أم هو مجرد شوق للأهل وللعائلة؟

– حلم كل أديب عراقي في أن يعود للوطن وأن يقدم خدمة معينة لهذا البلد، لكننا صدمنا عندما لم نجد هناك صلة بين الأديب وبين الدولة، لكن مع هذا أنا جئت لوطني علّني أستطيع أن أقدم شيئا ولو بسيطا له ولمدينتي الجنوبية، وقد قدٌمت لي أكثر من إحتفالية وإصبوحة في إتحاد الأدباء ومؤسسات المجتمع المدني الثقافية وقدّمت رؤيتي فيما يجب أن يكون عليه الوضع في العراق ووضع المثقف وكيف نخدم هذا المجتمع وهذه هي مسؤولية الجميع من مثقفين وأدباء وسياسيين .

*استاذنا الكبير عيسى حسن الياسري كُرمت في اكثر من بلد وحصلت على شهادات بإبداعاتك المتميزة، فبماذا تتميز جائزة الكلمة الحرة العالمية التي حصلت عليها في روتردام؟

– انا لم أحصل في بلدي على أي جائزة لا صغيرة ولا كبيرة، ولم أُدعى حتى الى مهرجان المربد الذي أقيم لمدة أكثر من عشرين عام لسبب بسيط إني لا أمتدح السلطة ، لكن في عام (1986) حصل شيء عزّز من ثقتي بنفسي وأحترمت من كتبوا عني بطريقة حميمية ولم يجاملوني .. في هذا العام حضرت شاعرة وناقدة من أستراليا أسمها (آن فين بيرن) وفي وقتها ذهبت الى المربد ليس مشاركا إنما لزيارة أصدقائي من المحافظات وأصدقائي العرب، وهناك قال لي أحدهم أن هناك شاعرة أسترالية تبحث عنك منذ يومين وتريد أن تلتقي بك، فقلت أنا لا أحد يعرفني في العراق فكيف وصل أسمي الى أستراليا، على كل حال أوصلوني اليها وأستقبلتني بطريقة رائعة جدا بحيث أخذتني بالأحضان وكأنها تعرفني وحدثتني عن موسوعة للشعراء قامت هي بوضعها للشعراء العرب، وقد ضمت تسعين شاعرا من كبار الشعراء مثل الجواهري والبياتي الى السياب وأدونيس ونزار قباني ونازك الملائكة ، وعندما عرضت الموسوعة على رابطة الشعراء الأستراليين أُختير أسمك لتترجَم لك مجموعة من القصائد وكانت طبعا مفاجأة جميلة لي، وأخبرتني بأنها حاضرت عن قصائدي في أكثر من جامعة أسترالية .. الحقيقة هذه الألتفاتة أعطتني ثقة كبيرة في نفسي وفي ما أكتب .. وعندما غادرت العراق الى الأردن ثم الى كندا قلت في نفسي هنا النهاية فلن يعرفك أحد في كندا ، ولكنني فوجئت بعد مرور سنة واحده أو ربما أقل بأتصال من أحد أصدقائي في هولندا هو الشاعر كريم النجار مدير مؤسسة أدب فن الثقافية ليخبرني بأنني حصلت على جائزة الكلمة الحرة العالمية ومنحت لي من قبل مهرجان الشعر العالمي في روتردام، وكان من ضمن من أحاطني بحبه هو الصديق الشاعر صلاح حسن والصديق الرائع الذي أدين له بالكثير الأستاذ ضياء الدين العلاق.. لقد كان موقف رائع ومؤثر جدا فعندما وقفت على المنصة العالمية والتي وقف عليها كبار شعراء العالم ومنهم (رافئيل البرتي ) شاعر أسبانيا الخالد بكيت لأنه كان موقفا مؤثرا وأنا أرى مئات من الحاضرين اللذين يستمعون لي وأنا أقرأ قصائدي وتشاركني القراءة بالهولندية الشاعرة ( أولخا) فقد كان مهرجانا كبيرا جعلني أشعر أني مدين الى وطني والى مدينتي كميت والى العمارة وبغداد .

*ماذا تشكل لك المرأة وكيف تنظر لها؟

– انا لا أنظر للمرأة على أنها مجرد شكل وأعتقد أني فهمت المرأة بطريقة تختلف عن الكثيرين فهناك من يرى المرأة الجميلة تتجسد في صاحبة شعر كذا أو طول كذا وعينان بلون كذا وهكذا ، لكن في رأيي لا توجد امرأة غير جميلة في العالم، فلكل إمرأة عنصر جمالي لا يدركه إلا الشخص الذي يفهم عظمة وجمالية وقدرة هذه المرأة على الخلق .. وأنا أعتقد أن أجمل شيء خلقته الطبيعة والحياة هي المرأة .. لا يمكن للحياة أن تخلق شيء رديئا خاصة المرأة فقد خلقتها الطبيعة بأجمل الصور، إذ هناك جمال روحي يشع من الداخل هو الذي يسيطر على كل خفقة من خفقات قلوبنا .

*كتبت الكثير من قصائدك عن المرأة وهناك الكثير مما كتبت كان بأهداء خاص اليها فما الذي قدمته للمراة وكم امرأة أهديتها قصائدك؟

– كنت أفضل أن تقولي لي ما الذي قدمته المرأة لك ، فأنا لم أقدم للمرأة شيء بل أنا مدين للمرأة هل تعلمين أني لو مُنحت سنوات على عمري لا أستطيع أن أفي ما قدمته المرأة لي ولو جزء بسيط ، أولا حضن أمي الدافئ وجدتي التي غذّت مخيلتي بحكاياها الأسطورية .. بعد هذا تلقفتني أحضان صديقاتي في المراعي والحقول ثم أصبحت المرأة هي الملهمة الأولى لقصائدي ، وفي هذا أنا أختلف عن نزار قباني ، فنزار كتب عن المرأة بطريقة حسية أخذ المرأة كتكوين خارجي وكجسد ورغم أهمية هذا الجانب وهو يفرض وجوده ، لكن ما يهمني هو أن هذا الكائن هو خالق ومجسد لأستمرارية الحياة ، وهو الذي يصنع الكلمة بل لا توجد كلمة حقيقية ومؤثرة إن لم تصدر من إلهام إمرأة، ولا يوجد شاعر حقيقي إذا لم يكن يحترق بمحبتها وترافقه حتى في غيابها . فللمرأة حضور أبدي ولا أبالغ إن قلت لولا المرأة لما كتبت ولا وصلت الى هذا العمر، فهي التي مدتني بسنوات أضافية ولا تتمنين لي شيء غير أن أكون في محراب أمرأة تحبني وأحبها.

* أذن المرأة قدمت لك الكثير فكم قصيدة ضمنتها إهداء لها؟

فرد ضاحكا وكأنه أراد أن ينسيني هذا السؤال لكنني كنت مصرّة أن أعرف عدد النساء اللواتي ربحن قصائده …

– هو ليس بالضرورة أن يكون الأهداء واضحا الى نون او عين فكل النساء اللواتي شكلن مرحلة من حياتي موجودات في قصائدي وكلما قرأتي قصيدة وجدتي فيها امرأة.. (هذا الموضوع يحتاج الى بحث طويل في قصائده … ).

* عندما صدرت رواية (أيام قرية المحسنة) وقرأتها شعرت أنها قريبة من السيرة الذاتية هل هي كذلك؟

– لا يوجد روائي لا يكتب سيرته الذاتية في كتاباته، خذي مثلا رواية (مائة عام من العزلة) لماركيز عندما قرأتها أذهلتني الأجواء السحرية والإبداعية فيها، لكن هذه الدهشة تلاشت عندما قرأت مذكرات ماركيز وكانت بعنوان (أن تعيش لتحكي) لأني وجدت إن مائة عام من العزلة هي عبارة عن سيرة ذاتية ، وأيام قرية المحسنة فيها شيء كثير من السيرة الذاتية.. فالشخصيات الرئيسية هم ناس من أهلنا مثلا الجد هو السيد علي جدي ورضاته هي أمي والحفيد هو والدي والشيخ ثاني الذي كان في بداية الرواية بأسم ثويني هو جدك ، وهناك طبعا شخصيات أنا أفترضتها لضرورة إلقاء شيء من مخيلتي عليها.. وبالمناسبة معظم شخصيات الرواية أنا عاصرتهم وعشت معهم ولكي لا تتبدد حياة هذه الشخصيات التي هي جزء من مكوني الثقافي حاولت أعتقالهم داخل الرواية حتى لا يلغيهم الزمن أو يطمس آثار خطواتهم وأصواتهم التي لازالت ترافقني الى الان .

*هل هناك جانب في شعرك أهمله النقاد ولم يركزوا عليه وكنت تتمنى أن يتناولوه في نقدهم؟

– نعم الحقيقة هو جانب مهم وهو أني كنت أكتب خارج ما تكتبه الأجيال الشابة التي عاصرتني .. أنا ظهرت في مرحلة كانت تسمى بالجيل الستيني رغم أني لا اؤمن بهذه التسميات لأنه ليس هناك جيل يعيش عشرة او عشرين سنة يكتب وبعدها ينقرض .. ما يميزني أني بقيت بعيد عن هذه الأجيال سواء الستيني او السبعيني وكنت أتخذ لي منطقة خاصة بي .. قرأت كل النظريات التي ظهرت في العالم ولكني لم أقلدها وهذه هي الفضيلة التي منحت شعري الأنتشار .. هذا الجانب حقيقة أهمله النقاد ولم يشيروا الى هذه الخصوصية التي تتمتع بها قصيدتي .. وهنا أقصد النقاد المحترفين وليس المتذوقين، أنا هنا أدين النقاد المحترفين لأنهم ركزوا في كتباتهم على الأسماء المعروفة فقط وعلقوا ايضا كتاباتهم على مشجب قصيدة الأجيال المتعاقبة .

*ماهي آخر مجموعة شعرية صدرت لك.. وهل هناك شيء في الطريق؟

– قدمت مجموعة لدار الشؤون الثقافية عام (2005) بعنوان (أناديك من مكان بعيد) وهي المجموعة السابعة، ولحد الأن لم يصل رد منهم . ولكن ستصدر هذا الشهر بعدما أتصل بي صاحب دار نشر في القاهرة هو الدكتور طلعت شاهين صاحب دار السنابل الذي سينشرها على نفقته الخاصة .. وبقيت لدي مجموعتان (السلام عليك يا مريم ) وهذه موجودة أيضا وقدمت الى قصر الثقافة في وزارة الثقافة المصرية وآخر مجموعة لي هي مجموعة ( قصائد آخر النهار) وأشعر أنها ستكون الأخيرة ! وهي مخطوطة ولازالت معي .. المحزن جدا إن عيسى الياسري الذي قدمت له مغريات لا تعد ولا تحصى في ذلك الزمن الآن يبخل عليه أن تطبع أعماله الكاملة فأنا لست موجودا في المكتبة .. ست مجموعات نفذت والأجيال الجديدة لا تعرف عني شيئا والمفروض أن يعاد طبع أعمالنا الكاملة ، وهي لا تكلف شيئا وهذا هو دور المؤسسة الثقافية أن تلتفت الى أعمال المبدعين وليس الى حياتهم وكيف يعيشون فهذا لا يهمني أبدا وأنتي دخلتي الى بيتي ورأيتي كم هو متواضع وبسيط .

*سيدي الكريم أود أن أبلغك بموضوع ولا أدري إن كنت عرفته أم لا .. وهو أن مركز النور الالكتروني وهو موقع رصين وينشر به كتاب كبار ومعروفين عمل دورة لمختلف النشاطات الأدبية والثقافية في المقالة والشعر والقصة والحوار وحتى البحوث وخصص أحتفالية لهذا الموضوع .. هل تعرف أنه سمى دورته بأسمك؟ (دورة عيسى حسن الياسري ) فهل وصلك هذا الخبر؟

تفاجأ وأنا أبلغه بذلك وضحك بفرح وبصوت عالي يشبه فرح الأطفال وقال :

– والله لا أعرف شيئا عن هذا الموضوع وأنا نادرا ما أستخدم الأنترنت، فولدي ياسر هو من يبلغني عندما يعثرون على قصيدة او أي موضوع يخصني وأنا أشعر بالأمتنان الى هؤلاء الأصدقاء اللذين لم ألتقي بهم ، لكنهم يقدرون ما أكتب وأتقدم بالشكر الجزيل الى شباب النور وأتمنى ان اتطلع الى نشاطاتهم ، لكن للأسف لا أملك انترنت في البيت ولا أستطيع الخروج الى مقهى أنترنت بسبب الوضع العام فنحن في منطقة محاصرة .

*كلمتك الاخيرة لمن ؟

– هي كلمتين أخيرة وليست كلمة واحدة الأولى لك .. أشكرك شخصيا لتحملك عناء الحضور بسبب أن منطقتنا مسوّرة بالحواجز الكونكريتية، لكنك أتيتي وبأصرار.. وكلمة أخرى أقول أتمنى أن أرى بغداد أجمل وأكثر أستقرارا وأن يعطى لهذا البلد شيئا من سعادته المفقودة وأن يبنى بالطريقة التي بنيت عليها المدن العالمية ونحن قادرون على ذلك بثروتنا المادية والعقول المبدعة.. كما أتمنى أن ترحل عنا ليالي الخوف وأزمنة الظلام وأن تعود الشمس تشرق بأستمرار على عيون عشاق هذا البلد ليتجولون على ضفاف أنهاره بطمأنينة ودون خوف أو قيود تكسر أحلامهم الجميلة .. وأكرر شكري لك ولمركز النور على هذه المبادرة الرائعة .

وهنا شكرت الشاعر الكبير عيسى حسن الياسري على حسن استقباله لي وكرمه في تحضير وجبة غداء مميزة .. رغم إني خرجت قبل أن أشاركهم الوجبة بسبب تأخري في العودة الى البيت ، لكنه كان بالنسبة لي يوم مميز وجميل رغم أن الجو كان مغبرا ، لكني كنت أراه ربيعا أخضرا.

*عن مركز النور


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"