تابعنا على فيسبوك وتويتر

saleh alrazok 4التفكير الحضاري للظاهرة التاريخية عند هشام شرابي

صالح الرزوق

يبدأ المفكر هشام شرابي في كتابه (النقد الحضاري للمجتمع العربي)* بتحليل الواقع الراهن من ثلاث نقاط أساسية.
الأولى هي ربط أثر الحضارة بتطور المجتمع.
الثانية إدانة هذا الأثر بأنه متأزم و يحمل أعراض مجموعة من العلل.
والثالثة و الأخيرة هي الدور المفصلي للجماهير في إحداث الانقلابات و التغيرات، أو ما يسميه بالاقتباس من ألان تورين دور الحركات الاجتماعية الحاسم. فالتاريخ ،كما يقول، لا يحقق نفسه من خلال القادة و المفكرين. ص 9. و يدعو، بالإنطلاق من هذه الفكرة، للتخلص من فلسفة المصالحة بين المتناقضات، و ضرورة إلغاء كل ما من شأنه أن يعيق تقدم واقعنا الحضاري. فالنظرة الدينية للوجود تختلف نوعيا عن النظرة العقلية. و الفارق بينهما كالفارق بين الشعر والحساب ص 17. و عليه يجب الامتناع عن الجدل حول اللاهوت و عدم التوفيق بين حقائق دينية و اكتشافات العلم الحديث ص 17. و لا يحل هذه المشكلة إلا استعمال لغة واضحة و مألوفة، أو كما يقول: استعمال نص آخر، و الخروج من لغة الوعي الأبوي إلى لغة الحداثة الجديدة ص 18. و نجم عن ذلك مشكلة إضافية، وهي التملص من وصاية و السقوط في أحضان وصاية بديلة. فقد استبدل المفكرون العرب الرضوخ للغة الأصول بالانبهار بلغة الغرب. و من هذه النقطة المفصلية يبدأ هشام شرابي بتشريح الصورة التي رسمها الغرب للعقل العربي. وقد تراوح ذلك بين تبخيس و ترفع استعماري مهين (كما في “سيكولوجية المسلمين” عند أندريه سرفيه)، فهو لم يسجل لصالح العرب و لو نقطة واحدة، و لم يكن قادرا على ملاحظة أية بادرة تدعو للأمل و التفاؤل. ص 38. وبين تفسير روحي لمنشأ الحضارات (كما في حالة رفائيل باتاي) الداعي لاستيعاب الزوائد الحضارية بالمعرفة و الامتناع عن الإرغام ص 39. ومع ذلك لم يكن ليخلو في أطروحته من السذاجة التي قادت حركة الاستشراق إلى قراءة الشخصية العربية و كأنها وجدان روحي محض دون أي أدوات مادية. ص 40. و يتابع بعدهما كارلتون و غيرتز بنفس الاتجاه لكن باستعمال مصطلحات تقنية ص 40. و يرى هشام شرابي أن التحاور كان معدوما في هذه الدراسات، فقد عالجت تحجر الوضع الوجودي للعرب بمصطلحات ثابتة تخلو من أية حساسية حيال التاريخ ص 42. و يبدو أن دانيال ليرنير لخص كل تلك الهجمة العنصرية في كتابه (نهاية المجتمع التقليدي) وأدان العرب بتهمتين.

المفكر د. هشلم شرابي

المفكر د. هشلم شرابي

الأولى: هي الرزوح تحت تبعات التخلف، لأن الحداثة لديهم، بكل بساطة، هي إجراء يعزز من تخلفهم. فهم يطمحون فقط للوصول في الطور المقبل لمستوى الحياة الغربية في الطور الحالي. ص 44. والثانية: نتجة تسريع أو حرق المراحل. فقد أدت عند العرب لتغذية الشعور العدائي تجاه الآخر و التمسك بعناصر ميتة من الماضي الواجب إزالته و نفيه. ص 45. وهذا شيء طبيعي باعتبار أن الديمقراطية لا يمكنها التآلف مع التعالي القومي. ص 47 وكأنه يريد أن يقول إن العرب منومون مغناطيسيا بأوهام معقدة تحول الأفعال لأمنيات، أو تفكير رغبوي، بمفردات شرابي نفسه في معرض كلامه عن الخلل الذي يعاني منه منهج سيرفيه. وهذا يضعنا مباشرة أمام مشكلة المعرفة المنقولة. ص 49. فالعرب في سعيهم المحموم للتخلص من آثار الهزيمة الحضارية لم يجدوا الوقت الكافي للتعبير عن أنفسهم ذاتيا، و باشروا من النقطة التي وصل إليها الغرب، و هذا يعني أن معرفتهم وساطية بلغة الشرابي. ص 49. و يمكن أن تفترض تلقائيا أن أزمتهم هي أزمة الغرب نفسه ما دامت الأدوات متماثلة. ص 49.
لقد تبنى العرب نفس الفكرة، وأكدوا أن المعرفة المنقولة لا تخدم أهدافنا بالتحرر، و إنما تكبل العقل العربي بقيود مفروضة عليه، و غير ذاتية، ولا نابعة من جوهر تجربته نفسها. و قد تأثر هذا الرأي بعاملين أساسيين هما: 1- الحركات الطلابية العالمية التي وضعت في الصدارة التفكير الراديكالي أمام الذهن البورجوازي المجرد، 2- و هزيمة 1967 التي تكشفت عنها عناصر الفساد و الانحلال في واقع يحدوه الوهم و الشعارات المزيفة. ص 51.
ومن خلال استعراض بانورامي لواقع الفكر العربي بعد الهزيمة (و يشمل قوسا عريضا من الأفكار و المدارس) نستطيع أن نتوصل مع هشام شرابي إلى أن اللغة الجديدة لم تكن قطعية في إلغاء التركة الثقيلة لبلاغة العقل العربي. و أنها كانت دفاعية، و تحارب الغرب بأسلحة تستعيرها منه. ولكن تفاوتت درجات الاستعارة من التعريب و حتى التحميل دون فهم ولا استيعاب. و هذا يظهر أكثر ما يظهر عند هشام جعيط الذي لا ينكر أنه سلفي إنما بحذر شديد ص 58. و يصنف نفسه علانية في تيار المصلحين الإسلاميين ص 59. ثم عند طيب تيزيني الذي استعمل مصطلحات كارل ماركس و لينين في سياق ليبرالية معرفية و في سياق عروبي ص 60. و يفترض أن تكون هذه التوليفة مستقلة و تجريبية، و تختار لكل مقام المقال المناسب. بمعنى أنها تنبع من حاجة موضوعية لأدوات وسيطة.
و تبقى لغة الحركات النسائية. فهي تتبع مساراتها الخاصة التي يمليها فهمنا الذكوري الشرقي لدور المرأة في الحياة (ليس المجتمع و حسب – بل أقصد ديناميكية ملء الفراغ التي كان جونسون يبشر به في سياساته نحو الشرق الأوسط). فقد تداخلت الخطوط و لم يعد من السهل أن تميز أنصار الأنوثة من بين المدافعين عن تحرير العناصر الضعيفة في المجتمع كالفقراء و الأقليات العرقية و الدينية. لكن إجمالا كانت هذه الأفكار تنبع من تجربة المرأة في فرنسا و أمريكا. ص 77. و ترمي لكشف الجزئي و غير العادل في فكر الآخر (يعني مجتمع الرجال) ص 77. و في هذا السياق بذلت المرأة جهدا لكشف العلاقة بين المعرفة و السلطة. فالقوة المهيمنة تعمد لنهب و تشويه مبادئ إنتاج المعرفة. ولذلك يمكننا مقارنة التزلف في حركات الاستشراق مع كراهية المرأة للرجل في الفكر النسوي. ص 78. وعليه مثلما أن اللغة الجديدة بحاجة لزحزحة الفكر المهيمن عن مكانه فإن حركات تحرير المرأة بحاجة إلى لغة غير نسبية تتجاوز سلطة المعرفة الأبوية للذكور. ص 80. وهنا يتوجب على اللغة البديلة أن تحدد رؤيتها لمعنى الحداثة. ص 85. فالأفكار الحديثة باعتبار أنها تتضمن الإلغاء و النفي يجب حكما أن تتصارع مع قوانين لغوية متجذرة و تقاوم تجاوز ما في ذاكرتها من رواسب و قناعات ص 86. و يفرض ذلك علينا أن نشن حملة شعواء على ما أنتجه لنا العقل الأبوي في غضون عقود من التراخي التنويري (باعتبار أن التنوير أخذ شكل انفجار لحظي و استبدل ثوابت قروسطية بثوابت توفيقية)، و أن لا نعزل الدفاع عن حقوق المرأة عن تجديد أساليب التفكير. و إذا كان للمرأة خصوصية فهذا يمكن تغطيته باتباع طريقة نسبية في تحديد اتجاه الأفكار. بمعنى إعادة النظر بالفرد و الإنسان و بطبيعة الرجل و المرأة دون التوقف عند حدود الجنس و البيولوجيا و الحالة الاجتماعية البالية.kh hosham sharabi
من هذه الملاحظات يمكن تسجيل النقاط التالية على منهج شرابي.
*إنه لم يضع حدا بين دور الحضارة و دور التاريخ في تطوير الأفكار. و لا سيما أن تاريخ الحضارات يتعرض لتبديل في الاتجاه و البنية مع ما يرافق ذلك من انزياح في طبيعة إدراك العقل الحضاري، و ما يتبعه من موت لبعض الحضارات و نسيان لغيرها. كما حدث مع عرب الجاهلية ( الشعوب التي كانت تعيش في نفس المنطقة قبيل الإسلام). فقد تعرضت للإفناء و لم يبق من تراثهم الغني الذي مهد لانتشار الرسالة سوى خرفات و أساطير نسدل عليها ستارا من الإنكار و التعمية.
*كما أنه أدان الثورات الماركسية بالسقوط. و لم يذكر أين تغلغلغت و أين كانت ممنوعة. فأفكار القوميين العرب التي غذت حركات التحرير و مبدأ الكفاح المسلح في السبعينات و حتى عام 2000 كانت تدين بالفضل للماركسية و لمبدأ الالتزام الوجودي. و يمكن أن تطلع على تفاصيل هذه المؤثرات في كتاب حسام الخطيب الذي شكل الأساس لأطروحة دكتوراه حصل عليها من كامبريدج بعنوان (سبل المؤثرات الأجنبية و أشكالها في القصة السورية الحديثة).
*و لم يجد الفرصة المناسبة ليفرز الانقسام الخطير و المؤلم الذي تعاني منه ثوراتنا. فهي لا تعرف التآزر و لا لغة الحوار. و تعمل بشكل انعزالي و دكتاتوري. بحيث أن كل حركة تلغي غيرها و لو كانت تأتي من نفس الجيوب أو المساحات الذهنية. فقد كانت حركات التحرر عندنا و لا تزال يسارية من الأعلى في صفوف النخبة، و يمينية من الأسفل أو أنها شعبوية. و يمكن أن تنظر لها كما تنظر للحبل بلا دنس. فهي حبلى بالرغبة في إدخال و تعويم المتغيرات، لكن معظم أشكال نشاطها ارتجالي و من وحي اللحظة. و أعزو لهذه المشكلة كثرة التقلبات و التنقل بين المعسكرات و الهبوط من مستوى أعلى في التفكير لمستوى أعلى في كسب المصالح الآنية.
و إذا كان أول افتراضين هما جزء من ترسانة هشام الشرابي في مجمل أعماله ابتداء من (المثقفون العرب و الغرب) و انتهاء بـ (جمر و رماد)، فإن الافتراض الثالث هو نتيجة استجابة متسرعة لبوادر الثورات الشعبية التي كانت تتفاعل من خلف ستار رسمي. و إذا نظرنا لواقع المتحولات في المنطقة منذ الاستقلال و حتى انفجار الربيع العربي سنلاحظ دور قوتين متعاكستين هما روحيا و ماديا جزء من مفهوم شرابي نفسه لمعنى الحضارة و تطور العقل الاجتماعي. و هما (1)- النخبة المصابة بالضجر و الركود في الداخل. و (2) – النخبة المرتبطة بمراكز قوى خارجية.
ففي أول موجة تبدلات ظهرت في الخمسينات و الستينات كان للمخابرات الأمريكية ،جدلا، دور ما. وبالأخص في الصراع الدامي على السلطة في بغداد، و تبدل ميزان القوة بين اليمين و اليسار في عدة دورات متعاقبة. و قل نفس الشيء عن الانقلابات العسكرية التي ضربت سوريا بين 1949 حتى 1954 . فقد تميزت بنفس الأسلوب: أنها دموية و قصيرة الأجل، و معزولة عن الشعب و تعبر عن ميول جزء أو كتلة منه. و الأهم من ذلك أن أداة التبديل كانت العسكر (الجيش و القوات المسلحة و الشرطة العسكرية) دون أي حزب سياسي يرعاها. و غالبا كانت البيانات تعبر عن إرادة و مزاج أشخاص و ليس عن اتجاه عام ينشط في الشارع. و إذا كان لا يتوفر بين أيدينا أي دليل على تورط أمريكا، فعلي الأقل كل التقارير المستقلة تشير لرضاها على مجريات الأحداث.
أما الموجة الثانية التي اندلعت شرارتها ابتداء من عام 2010 فمن المؤكد أن الرأس مال السياسي و الدبلوماسية الغربية لعبت فيها دورا هاما سواء في مصر أو تونس. في حين أن التدخل الدولي كان مباشرا في النزاع في بقية الدول.
و هنا أجد نفسي أمام السؤال التالي: أين دور الإرادة الشعبية؟.
إذا استثنينا التظاهرات الخجولة، لا تخطئ العين تحفز العسكر بانتظار إشارة لاحتضان ما تتوقعه من متغيرات. و خصوصا في غياب مرعب للأحزاب السياسية أو ارتباط معظمها بأجندا النظام نفسه. و هذا يعني أن الأحزاب (معارضة و موالاة) لا يمكنها أن تتعايش مع واقع الشارع. و هي ربيبة النظام و احتياجاته. بتعبير آخر لا يمكن أن تصف حركات المعارضة أنها أحزاب لها برنامج سياسي، بل هي مؤسسات طامحة. و كل البرامج تصب على هدف واحد و هو تبديل النظام لا تطوير المجتمع. و كأن الأنظمة عصا سحرية يمكنها غسيل المجتمع و تنظيفه ثم تعليبه. و الحوارات الأفقية الحرة التي يأمل بها هشام شرابي ، كما ورد في المقدمة (ص 10)، مجرد أمنية، محرومة من المنابر و من الإمكانيات و ربما من الإرادة الشعبية. حتى أن بنية أحزاب المعارضة كانت تميل للتوريث و الحفاظ على وضعها الاستراتيجي كما هو. يعني في حالة ركود و خمول و دون أي إشارة تدل على الرغبة بالتجديد و ضخ أفكار جديدة. و هذا تسبب في النتيجة بتشرذم المعارضة نفسها و انشطار الحزب الواحد لعدة أحزاب تأكل بعضها بعضا لتقدم في نهاية المطاف وصفة سامة. فالإنهاك السياسي و الهدر هما أبسط سمات الأمراض الحزبية التي أطاحت بأي إمكانية لتحويل المعارضة إلى أداة للرقابة و للحد من تمادي القائمين على تسيير دفة البلاد. و أجد نفسي مدفوعا لتصنيف كل ما جرى تحت بند الطفرات المتعمدة. بمعنى أنها ليست ثورة و لكن انتقال من مربع إدارة لمربع إدارة غيره. و دائماهناك يد تلعب بالخفاء لتسريع وتيرة ما يجري تمهيدا لإتمام صفقات و خطط حان وقتها. وللأسف لم يكن بين هذه الخطط أي طريق يقودنا للتخلص من النظام الأبوي البطريركي لفلسفة الحداثة ص 11 . و ما تفعله الديمقراطية الأمريكية حاليا في سوريا هو توأم أو نسخة مماثلة لما فعله السوفييت في فيتنام. بتعبير آخر.. حتى لو كانت هذه الثورات بريئة فهي تلقى رعاية مباشرة من جهة أجنبية. و تتمثل بالدعم العسكري و المادي و مد هذه الثورات بالمقاتلين الأجانب و المرتزقة. و لا شك أن مثل هذا الخطأ ورطة بنيوية، و سيقود لنقل النزاع من المطالبة بإجراء تغيير جذري إلى هدم البنية التحتية للأحزاب و لسحب البساط من تحتها. و لضرب أي محاولة للانفتاح على الشارع و لغلق الباب أمام التفكير بديمقراطية غير مركزية تمثل كل الشرائح بشكل عادل.
لكن الانحياز المطلق للديمقراطية لم يرافقه توضيح لمعناها. و قد استعمل هشام شرابي عدة مترادفات في موضع واحد و منها التعددية و الحداثة و العقلانية. و هذا كله ينافي اتجاهه الراديكالي المشكك بالاعتدال. فالحداثة هي من نتاج حرب عام 1945 . و تعزو للأب دورا مركزيا، و إذا تمردت عليه، فذلك فقط لتصنع وثنا آخر يحل محله. و في هذه الحالة كان صورة المرأة المعبودة التي تكافح ضد شرطها الوجودي من أجل تربية أبنائها (وهو شعار منتشر في أروقة و أزقة مدينة وارسو، و استوردناه على اساس أنه لوحة فنية، و سرعان ما استشرى و توالد عنه صالونات ثقافية ذات مضمون اجتماع سياسي). وتسبب ذلك بعزل في المحاور و بتطوير بنية مزدوجة. و مهدت هذه البنية لانفصال الأبناء (إن لم يكن فعليا فعلى الأقل بالميول و الرغبات و أساليب التعبير). و يمكن أن تقول إنه بعد تعويم الحداثة بحوالي 15 عاما (و نهاية سياسة مكارثي) تطورت بنية معقدة عابرة للحدود و الجنسيات و كذلك متعددة المراكز داخل نواتها الأساسية. و هو ما اصطلحنا على تسميته بما بعد الحداثة. و الفرق بين الاتجاهين مثل الفرق بين سياسة الإملاء و التلقين و سياسة التواصل التفاعلي. فالحداثة هي من صميم العقل الغربي الذي وضع أسسه الإغريق. في حين أن ما بعد الحداثة هو جزء من فلسفة الحدود السائلة بعد أن تعرضت فكرة عزل البنية و نقاؤها لتحديات كثيرة فرضتها ضرورة الانتقال من أشكال تقليدية في الاستعمار إلى استعمار ناعم يعتمد على الاستيعاب و كسب الثقة.
وباعتقادي إنه من المبكر أن ندعو لعقل حديث بمفردات تعتمد على الجزم و الصرامة. لأننا في هذه المنطقة نستهلك الحداثة و لا ننتجها. و علاقة أدوات الإنتاج لدينا موهومة برغبات أربطها مصيريا بما قبل الحداثة. و بأفضل الأحوال بالعاطفة الرومنسية لعصر اكتشاف الذات. فنمط الإنتاج الآسيوي الهجين و غير النقي الذي تدخل فيه توليفة من الأدوات لا تعجل بتكوين إنسان متحرر نفسيا و لغويا. و لكن تساعد على تشكيل إنسان اتكالي مع هدف أول و هو امتلاك أواليات ما قبل الإنتاج مثل المأوى و الغذاء. و هذا يحدد تفكيره في دائرة قصيرة الأجل.
و أتوقع أن هذا النمط من البشر عادة يفكر بالأرض بطريقة مجتمع القنانة، و يجهز نفسه لقراءة الواقع المعاصر بذهنية مجتمع اقطاعي. بحيث تكون الدولة هي المالكة لكل شيء.. الأرض و الغلال و الإنسان. و لا أظن أنه قادر على ترجمة أهداف الدولة بالتحرير و البناء لأنه أساسا فاقد للأهلية الشرعية (لا يتمتع بحرية الاختيار و لا يقوى على التمييز بين الذات ووحدات السرد الحاكمة لحركتها).
و قد ذكر هشام شرابي شيئا بهذا المعنى حينما أشار لمشكلة التعريب (كتابة الكلمات الأجنبية بحروف عربية). و يسأل نفسه: ألا يعني هذا أننا تحت رحمة و هيمنة فكر آخر؟. ص 21. و هذا يعيدنا لنفس مشكلة الديمقراطية. فنحن نتعامل مع هذه الفكرة المستعارة و كأنها من إنتاجنا ص 22. وأعتقد أن شرابي كان يفسر كل المفاهيم المناقضة للتفكير البارد و المستلب على أنها حداثة و ديمقراطية. بمعنى أنها إلغاء لحالة التخلف أو هي محاولة في التنوير و النهضة.
و ربما كانت هذه المصطلحات مشروعة من وجهة نظري أكثر من عداها. و مع أنها تعود لأول انتفاضة حديثة على آخر مجتمع عبودية قديم و قروسطي (وهو دولة الفساد العثماني) لكنها لا تزال تعالج مشكلتنا مع التنوير و جر الطاقة اللازمة لتدوير عجلة الإنتاج. فالعمى الذهني يوازيه عطالة في الطاقة أيضا. و أعتقد أن المجاز يتطابق مع الواقع الفعلي في هذا المضمار. و نحن بمقدار ما لدينا عجز في الطاقة نحمل رغبة عجيبة و مهينة بعدم رؤية المعايب لا بل و الإصرار عليها. و أغرب مثال لهذه الحالة دول الحداثة الوهمية و منها مجلس التعاون الخليجي.
فدعم الجهاديين لتقويض مجتمعات معاصرة يضمن التشكيك بالحداثة و تدمير قاعدة البيانات وفرض حلول غيبية تحرم على الإنسان كل أنواع التفكير الذاتي و المستقل ص 20. بمعنى أن ما كسبناه في حروب الاستقلال فقدناه في حروب تبديل النظام. و هذه مشكلة، أن نستمر في دورات مغلقة من التحول و التحول المعاكس بحيث أن كل تغير في الوعي يأتي في أعقابه هدم له و استعادة للمكبوت. ص 22.
إن محاولة دول الخليج للاستيلاء على مركز القرار في المنطقة أدى لتمويل و إسقاط عاطفة لاهوتية على واقع تحرري. و عوضا عن استهداف الفجوة التي تتوسع بين إرادة التحرر و واقع الفساد في السلطة نشأت فجوة عدم ثقة بين الإنسان و ذاته، و قادته للاستسلام لحياة غير إنسانية، و زادت من حدة الانقسام بين الفكر و الواقع المعاش ص 23. و برأيي إنها حولت ضرورة ردم الهوة إلى تعميقها و لتشكيل وعي زائف بمشاكل عقيمة لها علاقة بالماضي و ليس بالمستقبل. و إذا كانت لغتنا في مرحلة الدكتاتوريات البائدة لغة تبرير فإن لغتنا الآن هي لغة استسلام و عبودية لقوة خارقة لا نعرف عنها شيئا. و تتناول مسائل سبقت نشوء أزمتنا الروحية و المادية المعاصرة.
لقد كان يسقط بالتدريج من لغة الفكر العربي مبدأ التنوير (بحجة حالة الطوارئ) و حاليا يسقط بالتدريج مبدأ النهضة (بحجة العودة إلى الأصول). وبلغة هشام شرابي إن ما يجري هو استبدال تفكيك اللاهوت بتفكيك ميتافيزيقا الأفكار الماركسية ص 25. بتعبير آخر نحن لا نزال في نفس الفضاء، نحارب وحدات سردية متسلطة بأساطير سردية بالية.
ولذلك يسعني الإقرار أن العرب لم يعرفوا في تاريخهم الحديث أية ثورة حقيقية. و كل ما حصل هو حركات مسلحة و انقلابات. و كانت الأهداف متعارضة و تدعو للرثاء فقد قادها الوعي الساذج و مجموعة من المصالح المعقدة. و كانت تتحالف في كثير من الأوقات مع عدوها الاستراتيجي للتخلص من واقع ميؤوس منه. و لا ضرورة لفتح ملف حركات الاستقلال. و يكفي التذكير باستغاثة المرحوم بشير الجميل بالإسرائيليين لإنقاذ نفسه من خطر الجيش السوري و المقاومة الفلسطينية. و أعتقد أن شخصية بشير الجميل هي المعادل الموضوعي للسادات. فكلاهما تجاهل الخط الأحمر في بديهيات السياسة العربية في تلك الفترة و دفع حياته ثمنا لذلك. و لكن استفادت نسخ معدلة و مخففة من كليهما، و ضمنوا لأنفسهم البقاء و اللعب على حبل السياسة.
و بوجيز العبارة إن بنية الانقلابات التي أدخلت تعديلا جذريا على شكل الحكم في المنطقة كانت تتبع فلسفة الثياب الجاهزة. أو أنها معلبة وفق برنامج جزئي يبحث عن شخصية له في المجتمع. و لذلك كان من السهل عند أدنى اختلاف أن تسقط أجزاء من هذا التكوين و أن يجري فرز راديكالي في لحظات الامتحان باتجاه منابعها و قناعاتها الأولية. و من المتوقع لمجتمع ضعيف أن يجد الحل في الإلهيات أو الخيار الروحي و ذكريات الماضي. و قد كانت الاتجاهات القومية مرشحة أو أنها أكثر عرضة للثقة بالهوية الإسلامية و لا سيما أن القوميات الوطنية هجينة في مصادرها، و لا ترى أي فرق بين العروبة و الإسلام. و كانت العلاقة بين القوميين و الإسلام مبنية على ديالكتيك إنتاج الحاضر من بين طيات الماضي. بمعنى أنها فلسفة نوستالجية و تتأثر بالعاطفة (القلب) أكثر من معطيات الواقع. و تحتكم لما يسمى بالفكر العملي على أساس التجريب و ليس المنطق. و لهذا السبب خسرت الأمة فرصيتها لتحقيق تبديل جذري في الوعي و دخلت في مرحلة نكوص.
فهي توظف التدمير الممنهج و التخريب و العنف للتخلص من السلطة. و تستجدي الدعم المادي بالنقود و العتاد من الجهات التي يفترض أنها تنتفض لتحاربها. و لا تتورع عن استلهام الماضي الذي يشل حركتنا و تفكيرنا.
ماذا لدى هذه الميليشيات من خيارات غير التي تتهم بها الجمهورية الأولى في أربع أقطار عربية كان يقودها القوميون. إنها انقلابات طويلة الأجل و ثمنها باهظ بخلاف الانقلابات السابقة التي كانت سريعة و بأقل خسائر ممكنة. و إذا استنزف الفساد و تسلط العسكر الاقتصاد الوطني خلال عقود فقد استنزفت المواجهات العسكرية الاحتياطي الاقتصادي في شهور. و أشرفت المنطقة على الإفلاس و دخلت في المديونية و لم تعد تملك شيئا من نفسها.
و هذا ما يحذر منه كتاب هشام شرابي.
أن لا نبدل لغتنا في نقد الواقع و نألف نظام اللغة القديمة الذي يكرر عبارات لا تؤثر في عقل أو قلب أحد من قبيل المؤامرة الصهيونية و الأمريكية. فما يجري هو طمع بالسلطة و تبادل في الأدوار لتمديد سيطرة أمريكا و ضمان أمن إسرائيل لما شاء الله من سنوات، لا أكثر و لا أقل.
*النقد الحضاري للمجتمع العربي في نهاية القرن العشرين. هشام الشرابي. منشورات مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. 103 ص.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"