تابعنا على فيسبوك وتويتر

سعد محمّد رحيم :
زهر اللوز : زهر الإنتظار المرّ المديد

د. حسين سرمك حسن

# جرأة .. ومداخلة حول هويّة النص :
ينبغي أن نشير أولا إلى أن تاريخ كتابة القصّة المثبت أسفلها هو (1998 م) ، وكتابة مثل هذه القصّة آنذاك هي علامة شجاعة للقاص لأسباب معروفة حيث كان يمكن تفسير هذا النص ، وتأويله ضد السلطة القائمة آنذاك بما يورّط الكاتب ويدمّر حياته . وثانيا ، تثير هذه القصة مداخلة نظرية في غاية الخطورة ، وتتعلق بأطروحتين غربيتين : أطروحة موت المؤلّف ، وأطروحة الفن للفن . ولدى تأملي العميق في بعض قصص المجموعة هذه ثارت في ذهني ملاحظة شديدة الحساسية وتتعلق بما يكاد يكون ظاهرة في النص القصصي الذي يُكتب في العراق خلال العقود الثلاثة الأخيرة بشكل خاص . فما لاحظته هو غياب “مرجعيّة المكان” ، بمعنى أنك تنهي القصّة وأنت لا تعرف على أي أرض تجري هذه الواقعة التي يتحدّث عنها القاص ؟ حتى الشخوص بلا أسماء ولا ملامح محلّية خاصة بهم تكشف هويّاتهم ؟ الشوارع والأحياء والمدن يمكن أن تكون في اي مكان أو بلاد على هذه المعمورة ! وحين يكون الأمر كذلك يضعف حتما ارتباطك بالقصة بدرجة كبيرة من جانب ويتضاءل فعلها النفسي في داخلك كقارىء له انشغالاته وهمومه الخاصة وأنظمة تلقّيه المحكومة ببنيته العقلية وخلفيته الإجتماعية والثقافية (شفرات الثقافة كما يقول ميشيل فوكو) من جانب آخر . إذن كيف سيعرف القارىء العراقي أن هذا النص لكاتب عراقي أو مُنتج في العراق أولا ، وأن الطغيان الذي يمسخ حياة البشر ويدمرهم بالخوف والتعذيب والقهر والإذلال قائم على هذه الأرض ثانيا ، أي أن القصّة “قصّته” وليست قصّة عن أي جلاد وأي ضحية هندي أو كولومبي أو روسي أو عربي .
إن القرينة الأولى التي تفصل في هويّة النص هي اسم القاص المثبّت على غلاف المجموعة أو على القصّة . فهي قصّة اللغز من مجموعة زهر اللوز لسعد محمد رحيم . أما القرينة الثانية فهي مكان القراءة . فأنا أقرأ المجموعة الآن في بغداد وهي مكان عراقي يعدّني نفسيا لإحالة النص إلى مرجعية عراقية . ولو قرأت هذه القصة وهي غفل من الإسم ، وباللغة الإنكليزية وفي لندن مثلا فإنها قصّة إنكليزية مئة في المئة . وسيضيع حق “المؤلف” سعد محمد رحيم إلى الأبد . وهنا تتكشف أهمية العوامل التي اشرت إليها عن مرجعية المكان وأسماء الشخصيات وملامحهم “الوطنية” . وهنا أيضا تتجلى عظمة جهد الراحل الكبير “غائب طعمة فرمان” بشكل خاص – ويليه فؤاد التكرلي ثم جاسم الهاشمي على سبيل المثال ، ولكن لا ينطبق على عبد الملك نوري مثلا – الذي كان يرسم بإخلاص ومعاناة ملامح المكان التفصيلية ، ويحرص على اختيار مسميات الشخصيات وسلوكياتهم بما يعكس هويتهم . أما الرائد الأكبر في هذا المجال عربيا فهو نجيب محفوظ بلا منازع . في “الجريمة والعقاب” يبقى راسكولينيكوف روسيّاً ، وتبقى سونيا روسية ، برغم أن مثيلات معاناتهما موجودة حولي . فاسم الكاتب وأسماء شخوصه ، ومرجعيات المكان كلها روسية ، ولن تُغني مشتركات الهموم الإنسانية بيننا عن اعتبارها رواية روسية . وبهذا ، وعليه ، فإن المؤلف لا يموت ، والفن لا يُفصل عن حاضنته الطبيعية إلا في حالة واحدة هي أن يكون الأدب “عولميا” مثل أي سلعة تعبر الحدود في ظل العولمة . وهذا ما تريده المرجعيات الكولونيالية فعليا ً . إن هذه المداخلة ليست ذمّاً لنصوص سعد محمد رحيم ، لكنها ثناء على جهد سردي يفتح مثل هذه الآفاق الشائكة والإشكالية .
# قد تكون الثقافة الموسوعية .. مصيدة :
في قصة “في انتظار البرابرة” استعار سعد عنوانا ضخما بليغ الدلالات ، سبق أن ابتكره شعراً الشاعر “قسطنطين كافافي” في قصيدته الشهيرة التي حملت العنوان نفسه ، وختمها بالبيتين الذائعي الصيت :
(والآن؟ وبدون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟
هؤلاء البرابرة كانوا حلّاً من الحلول)
ثم استخدم الروائي الجنوب أفريقي (ج. م. كويتزي) هذا العنوان لأشهر رواياته ، التي ترجمتها المترجمة البارعة “ابتسام عبد الله” للعربية ، وهي (في إنتظار البرابرة) . وقد استعار سعد هذا العنوان البليغ لقصة عادية من صفحتين عن بخيل سئِم ضجِر ، تحاصره رائحة الوحشة ، ويغفو على تل من النقود ، يقتحم عليه غرفته ثلاثة مسلحين .. إلخ .. فشتّان بين القصة والنصّين السابقين . وما استعارة العنوان سوى انسراب لفائض معرفة الكاتب المعروف بثقافته الموسوعية .
-في قصّة (ربّما في مكان آخر) يحاول القاص توظيف العقدة الأوديبية متشابكة مع لعبة القرين والإيهام بنجاح . لكنه يصف “معنى” لقائه بقرينه الغريم فيقول :
(عرفته على الرغم من نظارته السوداء وعصاه التي يكمل بها لغز سوفوكلس – ص 23) .
ثم يحدّثه قرينه في اللقاء عن الكيفية التي رفعه بها في حديقة المدرسة ودار به ولم يُسقطه :
-كنتُ أحلم أن أكون مثل “عدنان القيسي” –ص 26) .
ويضع هامشا وافيا يعرّف به بعدنان القيسي . والمفارقة تكمن في أننا صرنا نكتب قصة لا نعرّف بها برموز اليونان المعرفية ، ونعرّف بها بالرياضيين العراقيين . قد يقول قارىء بأن القاص إنما كان يعرّف بالرياضي العراقي لأن الجيل القارىء الحالي لم يشهد زوبعة القيسي التي تمت بتخطيط من القيادة العراقية آنذاك لإشغال الناس . وهل القاص مطمئن تماماً إلى أن الجيل القارىء الحالي يعرف سوفوكلس ، ناهيك هن لغزه ؟!
# الدقّة المفرطة :
وهناك ما أسمّيها بحالة “التعالم” أي أن الكاتب يقدّم معلومات لا تقدم ولا تؤخر ، سوى أنه يعرفها ، أمام القارىء ، تعزّز إحساسه بقدرته الكلية على المعرفة والإخبار . ففي قصة “نزوة الطرائد” يخبرنا بأن المطاردين كانت ترافقهم ثلاثة كلاب (واحد أسود ، والآخران أشهبان) (ص 76) . ترى ما الذي سيحصل إذا كانا أحمرين ؟
هذه الدقة المفرطة أو المسرفة في الإفراط تحصل لدى الكثير من الكتاب . مرة قال القاص الراحل غازي العبادي في إحدى قصصه : خرجت أرشُّ ساحة البيت بخرطوم ماء طوله 25 مترا !! وكاظم الأحمدي : دخلنا الحديقة نمشي على رجلينا ! .. وغيرها الكثير .
وفي القصة نفسها ، وبعد أن تلدغ أفعى سامة أحد المطاردين ، وتقتله ، ويبقى خمسة منهم ، يقول الراوي :
(في ليلتهم الأولى نام كل منهم ساعتين ، ليحرس الإثنان الآخران .. – ص 77) . من هم الإثنان الآخران ؟ وهل هم ثلاثة ؟
والغريب هو نهاية هذه القصة . فبعد مطاردة مريرة ومرعبة قام بها الرجال الستة لطريدتهم “الرجل الطويل” ، بقيادة الرجل ذو الندبة الفظ ، والمتوحش ، صاحب الغليون ، وبعد موت المطاردين واحدا إثر الآخر ، يختم القاص قصته بالقول :
(جاء الليل ورحل ، ثم دار نهار وليل آخر ، ولمّا أشرقت الشمس دخل محطة الصحراء رجل طويل يحمل بندقية ، ترافقه ثلاثة كلاب شبعانة وقوية ومطيعة . وقف ثمة ، تحت أشجار الإثل والكالبتوس ، يدخن الغليون .. وينتظر القطار – ص 84 ) .
وأعتقد أنها خاتمة “سينمائية” أكثر منها عملية تتسق مع مسار القصة المتصاعد ، ولا تجيب على الكثير من التساؤلات .
وأما في قصة “الطريدة والآخرون” ، فلا أعتقد أن رجلا مطارَداً هاجت عليه البرية كلها بالرصاص ، وأُصيب برصاصة في ربلة ساقه ، وبدأ ينزف بغزارة ، وتدور به الأشياء ، ويدور حوله العالم .. يتأكّد وهو في هذه الحالة من أن الأرض كرويّة ، وأنها تنزلق به إلى هاوية لا قرار لها (ص 69) .

# قرآنيات :
يتحكم المخزون اللاشعوري لدى الكاتب بطبيعة مفرداته اللغوية ، وتركيب جمله التعبيرية أيضا . وسعد – كما هو معروف – من بيئة أشبعت ذهنه ووجدانه بالثقافة الإسلامية ، ولذا فمن الطبيعي أن تنسرب بين ثنايا لغته السردية مفردات وجمل تعبيرية قرآنية . وهذا ما لاحظته في نصوص مجموعته هذه ، التي جاءت فيها هذه التعبيرات إما بصورة مباشرة قريبة من التضمين أو الإقتباس ، أو مستثمرة كمعنى ودلالة :
-(لا شكّ أن شيئا ما تزحزح عن موضعه .. فغابت عن العالم لحينِ من الدهر – ص 19 – قصة “في أقصى الفردوس” ).
-(لن تنفد الكلمات من أجل البحر الفسيح في عيون رفل – ص 33 – قصة “رؤيا رفل” ولاحظ أن حتى العنوان يحمل مسحة صوفية ) .
-(سهى ، أنت آخر التيه . خلاصة سلطة النساء وشهوتهن ، وكيدهن الباهر العظيم – ص 42 – قصة “الغجر .. إن يجيئوا ثانية” ) .
# توظيف المفردات العامية :
تبقى اللغة العامية بالنسبة للكاتب رديفا للغته الفصحى الأم ، ومعينا لا ينضب يوفّر له مفردات وتعبيرات هي من القوة بحيث لا يمكن أن تحل محلها المفردات والتعيرات الفصيحة . وهذا الأمر لا ينتقص أبدا من الفصحى ، ولايضعفها ، خصوصا إذا تذكرنا أن العامية أسبق من الفصحى في الحياة الثقافية العربية الجاهلية . وقد لجأ القاص إلى استخدام كلمات عامية أصلا ، أو أنها فصيحة ذات تداول ودلالة عاميين في ساحة الإستعمال ، في مواقف فرضها المناخ النفسي المحيط بالموقف ، ومستوى الشخصية وصراعاتها :
-(كانت الأرجوحة تصعد بها فتضحك .. كانت تنزل بها فتعيط – ص 36 – قصّة “رؤيا رفل” ) .
وقاموسيا فإن الفعل الفصيح “عاط” عاطت عنقه طالت في إعتدال ، وعاطاه الشيء ناوله إياه ، أما في العامية فتعني الصرخة العالية .
-(وهي تعيط بالرغبة ، تأخذني لأوّل التيه – ص 42 – قصة “الغجر .. إن يجيئوا ثانية” ) .
-(كان الماء خائساً – ص 69 – قصة “الطريدة والآخرون” ) .
ومفردة خائس من الجذر خاس أي فسد وأنتن ، وقد صرنا نشعر بها عامية من ابتذال الإستعمال ونسيان أصلها المعجمي .
# ضمائر وشخصيات :
لقد تقاسم ضميرا السرد : الغائب (11 نصّاً) ، والمتكلّم (8 نصوص) ، قصص المجموعة التسع عشرة . وكان هناك تحوّل أو انتقال خلّاق بين الضمائر كما هو الحال بين ضميري المتكلم والمخاطب (في حوار داخلي) في قصتي “الطريدة والآخرون” و”الشاهد” ، وكان هذا التحوّل والإنتقال محكوماً بضرورات فنّية ونفسية وتوصيلية ؛ توصيل الخطاب بأدق طريقة تحافظ على مصدره ودلالته . ونلاحظ أيضا أن شخوص كل قصّة لا يزيدون على واحد أو اثنين ، وهو ما يناسب هذا الجنس السردي – القصّة القصيرة – بطبيعة الحال ، حيث يتيح للكاتب تكثيف حكايته وتركيزها ولم أطرافها في بؤرة واحدة .
# محطّات وقطارات .. بين الواقع والتوظيف الرمزي :
وكما قلت ، فهناك موضوعتان ملازمتان بصورة أساسية لمحنة الإنتظار والغياب في هذه القصص . الأولى هي المحطة التي تتكرر في أغلب النصوص فهي رمز للإنتظار (بالنسبة لسعد هو الإنتظار المفتوح أو المغلق) ، وتوقّف الزمن ، وركوده مثلما تجتمع فيها المصائر على اللاجدوى والخواء . في بعض النصوص تأتي المحطة لتمثل “حلّاً” لأزمة اسمها الحياة حيث تشكل “المحطة” الأخيرة لقطار الآمال السريع :
-في قصّة “رؤيا رفل” ، يجلس بطلها المعذّب الذي يطارد عبثا طيف حبيبته “رفل” في محطة القطار ، لتكون محطة “أخيرة” لإعادة لعبة الإنتظار المميت والعمر النازف عبثاً . وحين يفتح عينيه ، ترحل حتى المرأة ذات الثياب السود ، ويتيقّظ على خواء عمره والواقع الثلجي ، ويكون رنين الجرس هو أداة الصحوة المتأخرة المشترك بين رحيل رفل ، ورحيل قطار الخلاص :
(السدرة تنحني على بئر انكساري “أحبّك رفل” . تسرع رفل الخطى لتلحق بجرس الدرس الأول ، وترميني في الغموض . الجرس يدق . أفتح عيني . أرى القطار يرحل في الصقيع ، والقاعة خاوية ، وأنا مقرور ، وغير مكترث ، وبعيد – ص 38) .
-في قصة “الغجر .. إن يجيئوا” ، تكون محطة القطار كما هي على الحدّ الفاصل بين المدينة وفضاء محيطها . وبالنسبة للغجر الذين ياتون إلى المدينة ، فإنهم ينزلون خلف ربوة السكة دوما “كأن لهم بهذه البقعة صلة سرّية” (ص 41) . المحطة تقرّر حدّ “الغريب” المرهوب ، والذي يخرق المألوق والمقرّر ، وكأنها تلفظ تابواتها .. لكنها – بالنسبة للراوي – تلفظ في الحقيقة أحلامه النابضة بالتعلق الجنوني بـ “سهى” ؛ سهى التي – في الحركة التالية – كانت جزءا من المشهد المنتشي بندى العافية ورشح الموسيقى ، المتناغم مع حركة قطارات الحياة المضيئة التي تنطلق فتكشف دائرة الغجر المجنونة بالفرح على الربوة الخصيبة ، لكن الغافل عن طبول الحرب الآتية :
(هدير القطار المارق في الضياء يحجب دائرة الغجر ، وحتى تعبر آخر العربات يكون المنظر كله قد تبدّل .. الغجر في الحلة الجديدة ، والحمير توحي بأغنية أخرى للسلام – ص 46) .
لكن حين تهوي قبضة الللعنة على رأس الوجود مترنحا في كرنفالات القنابل ، تغيّر القطارات مساراتها ، ويتفرّق الغجر ، وتتشتّت معهم الآمال ، وتُحتضر أغاني الحب .. تضيع سهى .. ويبقى العاشق المغدور شاخصا على ربوة المحطة .. ينظر إلى “تلك الجهة التي عندها الغجر ينزلون إذا ما جاءوا – ص 52” .
-في قصة “الكلب .. الكلب” ، يكون الكلب هو عدوّ الراوي الموسوس الذي تشير نحوه ملايين الأصابع الشبحيّة مدببة صارخة : “مجرم” . ومربض الكلب في محطة القطارات التي كلّما جاءها من أجل السفر ، نبح الكلب ، فعدَ نباحه فألاً سيّئا ، وألغى سفره . وما نباح الكلب إلا عواء العقاب على النفس الآثمة .. عواء صار يطارده في كل مكان إلى أن يجد “العلاج” على يدي الطفولة الحاذقتين الجريئتين المسلّحتين بعقار البراءة في موقفين : الأول تمهيدي حيث يسفّه الولد الصغير إبن مدير المحطة انرعابه من نباح الكلب :
(-لماذا ينبح ؟
-لأنه كلب – ص 56) .
والثاني نهائي ، كما يُفترض حيث تقوده الفتاة الصغيرة ، إبنة المدير الجديد ، المتأرجحة ، بفرح ، إلى حديقة بيتهم ليتأكد أن لا وجود لأي كلب ، وأن ما يسمعه محض هلاوس . لكن يبدو أن هدير قطار الذنوب الداخلي لا يهدأ ، وسرعان ما تعود المشاعر الجرمية ، لتركب وجوده ليجد ما هو أكثر إفزاعا . لقد بدأت الكلاب بالتكاثر .. إثنان .. أربعة .. عشرة .. مئة. ولم يبق أمامه من مخرج علاجي سوى العلاج الواحد المجرّب والفعّال في مثل حالات عذاب العقل والضمير هذه ، وهو : الجنون .
-في قصّة “هي والبحر” – وأعتقد أنها قصة منشورة في محموعة سابقة ولا داعي لإعادة نشرها هنا – تكون العربات الخالية موقع لخيبة علاقة حب الراوي لـ “نهى” . والإسم يذكّرك بـ “سهى” في قصة “الغجر إن يجيئوا” ، مثلما يذكّرك بـ “رفل” في “رؤيا رفل” ، لأن القصّة هي في باطنها وشكلها تنويع على أوتار علاقة الحب المجنونة المحبطة ذات اللهاث الشعري العشقي العظيم .
# الحرب .. أمّ الغيابات والإنتظارات المفتوحة :
أما الحلقة الخانقة اللازمة الثانية في سلسلة الإنتظار السوداء ، والتي تتكرّر في أغلب النصوص ، فهي : الحرب . هي أمّ الغيابات والإنتظارات المفتوحة ، وقرينة محطات الخوف والوحشة والخراب . هي أيضا قطار هادر العجلات يمحق أعمارنا بلا هوادة ، وينطلق أيضا في اتجاه واحد لا عودة منه ، هو السكة التي لا يعود منها أحد كما كان يسمّيها أجدادنا السومريون : سكّة الموت . وليست مصادفة أن القطارات تلعب دورا كبيرا في كل الأدب المكتوب عن الحروب الحديثة (كل شيء هادىء في الميدان الغربي ، الدكتور جيفاكو ، الدون الهادىء .. إلخ) ، فهي كذلك على المستوى الواقعي لأسباب مفهومة . وقليلة جدا هي نصوص سعد التي لا تُذكر فيها الحرب كمصدر مباشر يفرّق الجماعات ويهدم اللذّات كما تقول سيّدة الحكّائين شهرزاد :
-في “رؤيا رفل” ، تخلط الحرب – ومنذ الإستهلال – ذكريات الموت والحياة ، فتجهض إرادة الراوي في الإختيار بين الإياب والغياب ؛ الإياب إلى شهقة الروح الأولى “رفل” ، أو الغياب في دروب الخواء والخيبة :
(الممر وعر إلى رفل ، والذاكرة مموّهة ، لكنها ما زالت تباغتني كلما هاجت رائحة المطر أو عبرت قبائل الزاغ فوق إعدادية البنات . العمر شائك إلى رفل ، والذاكرة ممهورة برماد الحرب والسدرة الجريحة . أيّة رغبات مستحيلة هذه التي تصهل في دمي وتورّطني بالإياب .. تورّطني بالغياب – ص 31) .
كل السعادات مهدّدة في حياته ، ومع تقرّبه الأول من رفل وطيران أسراب العصافير من كفّها ، وهو يسلّمها كأس العصير في الحفل ، اهتزّ يقينه في ديمومة هذا الحب وثباته ، فقد كان عليه العودة إلى الحرب . لكن الحرب تشعل نوازع البقاء ، ودوافع الحب منها ، فتأجّج أمل العودة للقاء الحبيبة ، مثلما تملأ ليالي الملاجىء الضيّقة بصورها ، ويلتحم الحلم والشعر فيصنعا من العاشق شاعراً يتحرّك وجوده بين قطبي لغز الحلم ووهم الشعر :
(في الحرب حبكتُ لغز رفل . هناك في مدى الصحراء وبين كمائن الموت وليالي الريب والإنتظار ، كتبتُ قصائد ضاعت في الحرائق (…) هناك ابتكرتُ وهم رفل ، وقلتُ لأصدقائي : “أنا عاشق ، وحبيبتي معجزة من نور ونغم ورحيق” . وصرتُ اشعل دهشة الجنود . أصنع أحلاما نخبئها معاً في هواء الحرب وأقول يوما ما سنرجع – ص 33) .
لكن حتى لو رجعوا فإن الحرب تتكفل بتخريب أرواحهم . من يُفلت من بين مخالبها جسداً ، تنهشه روحا وحلما وقدرة على الحب . لقد تشبّع هاجس عشق الراوي بغبار المعارك (ص 34) . وجود رفل المعبودة يتمظهر في رنين جرس الدرس الأول في إعدادية البنات ، وفي حبل الأرجوحة الممتد بين السدرة وجدار البئر ، والذي يذوّبها في أنفاس الغروب . وها هي غولة الحرب تشفط نسغ الحياة من كل هذه المسرّات : فالسدرة ذبيحة مقطّعة وجذعها مخضّب بدم المساء ، والبئر مطمورة بأنقاض الجدار ، ورنين الجرس الأول يختلط برنين قطار الصقيع والضياع .
-وتأتي “سهى” في قصّة “الغجر ، إن يجيئوا” صورة محايثة لـ “رفل” ، ولكن وفق مسار آخر تحت خيمة الحرب الخانقة . نفس عملية البحث التي لا تهدأ .. نفس الطيف العزيز المخاتل المتسرّب كالطيف ، لكنه الآن يتفجّر في الآفاق الغجرية المهدّدة بمخالب الحرب الباشطة التي تخنق الحلم وتدفن برمالها الثقيلة رجفة القلوب النقية الطامحة نحو التحرر والإنطلاق :
(الحرّية تشظّت في كرنفال القنابل ، وحلّقت سهى مع بقية الطيور الناجية ، والقطارات غيّرت مساراتها ، والغجر تفرّقوا متنكرين للربيع الذي بات يشيخ ، وأنا تشرّدتُ في قفار المعارك . نزفت ذاكرتي ، ونثرت أحلامي مع الرصاص . عبّأت كوابيسي بالأنين وعواء الجروح والرؤوس المقطوعة وتسربلتُ بالخوف – ص 50) .
-وحتى في معالجات ثيمات لا صلة مباشرة لها بمناخات الحرب ، تأتي إشارات سريعة للخراب الذي سببته لتحكم ملامح المشهد المحطم . يمرّ الراوي الملاحق بنباح الكلب المرعب في قصة “الكلب .. الكلب” بنخلتين فتقفز إلى ذهنه واحدة من طعنات الحرب : (اجتزتُ الفراغ بين النخلتين العجوزين – تاج إحدى النخلتين قطعته قنبلة في الحرب قبل سنين – وارتقيتُ ربوة تحميل البضائع [= ربوة المحطّة] – ص 61) .
-وفي قصة “هي والبحر” التي هي – كما قلتُ – تنويع على موضوعة الحبّ العصي المميت في تجربة الراوي مع رفل وسهى ، تخرّب الحرب علاقة الخمس سنوات المتأججة بـ “نهى” التي ابتكرها وأعاد صياغة كل شيء فيها :
(نهى ، رقّتها المحيّرة ، وتوهّجها المُربك ، خمر الأيام السعيدة ، والجنّة التي غارت . قالت :
-أحبّك ، وبعد خمسين سنة سأبقى أحبك .
كذأبة . صارت المسافة بيننا هوّة على قدر عذابات خمس سنين . فاصلة المنفى وطفيليات الاسئلة ونزيف الاحلام (…) قلتُ : أخشى الفراغات التي غالباً ما تخلّفها الحروب .
كانت الحرب دائرة . قالت :
-لم أفهم .
أبصرتُ انحلال الشعاع في عسل عينيها ، فأدركتُ أنها فهمتْ ، فلم أستدرك ، ولم أوضح . وحين عدتُ كان الفراغ هائلا ، وكانت هي في الجانب الآخر . من منّا خان الآخر ؟ أم هي الحرب التي بدّلت طبيعة الأشياء ؟ أتراكِ تصوّرتِ أن لا أحد يعود من الحرب حيّاً ؟ أميّت أنا في نظرك ؟ – ص 105 و106) .
# الجحيم في قصّتين :
ومن حيث لا يدري القاص ، فقد وفّر لنا فرصة اختبارية ، نقارن فيها بين نصين متجاورين ، الواحد يلي الآخر ، وهما : قصة “الجحيم ، ربّما ” وقصة “الجحيم .. مرة أخرى” . وقد ربط القاص النصّين من خلال العنوان ، وجعلهما متتابعين فخلق لدى القارىء ، وبالضرورة ، انطباعاً قويّاً مفاده أن القاص قد قدّم معالجتين مختلفتين لموضوع واحد بقصدية مسيقة . وبالنسبة لي فإن هذا هو الإستنتاج الصحيح . لكن شتّان بين المعالجتين وبين الثرى والثريا . بين ثرى الفنطازيا والتصدّعات الحداثية وما بعد الحداثية ومتاهات المدن وتمزّق الهويّات والخواء المُسقط والوثائق المقبورة وغيرها من فذلكات وتخريجات ، وثريا شدائد الإنسان العراقي الفاجعة ؛ الإنسان الذي يعيش في جحيم الله على أرضه . بالله عليكم ، هل يمكن لقارىء أصيل و”ناضج” سرديّاً ، أن يقف في البرد من الساعة الثانية عشرة ليلا حتى الساعة الثامنة صباحا ينتظر وصول رواية “أطفال” مثل هاري بوتر ؟ ما الذي يحصل لذائقة البشر ؟ وما هي الموازين والمقاييس التي تجعل رواية بوليسية مثل شفرة داقنشي تترجم إلى أربعين لغة سوى أنها رواية توراتية ؟ هذا ما لا أتردد في تسميته بـ “سموم” الحداثة الغربية السردية التي ضيّعت الإنسان المسحوق وهمومه ، والبشر المهضومين وخيباتهم ، والشعوب الجائعة المحطمة وتمزّقاتها . هل يُعقل أن قارئا من بلد أفريقي يموت فيه ألف طفل يوميا من الجوع ، يقف تحت المطر ينتظر الحصول على نسخة من “هاري بوتر” ؟
في قصّة “الجحيم ، ربّما” يستفيق بطل القصّة من النوم أو ما يشبه النوم ، الذي حاصرته فيه الأشباح والشياطين والوساوس والكوابيس ، ليجد كلّ شىء حوله قد انقلب ، ويصبح الواقع حوله يشبه الجحيم أو – كما يصفه – “الجحيم ، ربّما” ! لا يجد زوجته ولا ابنته ولا أطفاله ، ولا يردون على نداءاته . وفي المدينة كانت السيارات واقفة ، ولا أحد من البشر فيها .. الشوارع بلا مارّة .. لا رجال شرطة .. المحال التجارية مفتوحة بلا باعة ولا متسوّقين .. خطوط الهاتف مقطوعة .. المدينة خالية إلا منه هو وحده .. وحين ركض ليخرج منها اكتشف أن شوارعها متداخلة يؤدي بعضها إلى بعض على وفق هندسة كما لو أنها المتاهة (ص 111و112) . لا صوت .. لا أزيز .. وحين أراد أن يتكلم لم يخرج صوته . الزمن ؟؟ ساعته وساعة الميدان الكبيرة بلا عقارب .. إنه الجنون أو الموت أو الكابوس الممتد إلى اليقظة . وحين عاد إلى البيت ونظر في المرآة لم تظهر صورته . (فكّر : هو الجحيم ، ربّما) (ص 114) . وما هي النهاية المناسبة لهذا السياق الإنرعابي الفنطازي ؟
(ارتمى على أقرب كرسي ، وقد بلغ منه اليأس والرعب والشعور بالوحدة أقصاه . أغمض عينيه ، وأحسّ بأنه راح ينحل ويتلاشى .. يتلاشى – ص 114) .
# سؤال الجدوى :
ودائما ، وعندما أنهي ايّة قصّة ، يلاحقني سؤال : الجدوى . أي ما الجدوى من الجهد والوقت الذي بذلته في قراءة هذه القصة أو تلك ؟ ففي قصّة تبدأ بيقظة بطلها على اختفاء الناس والموجودات من حوله وتحوّل المدينة إلى متاهة مغلقة ، وتنتهي باختفاء الشخص نفسه ، تضيع “جدوى” الحكاية لأن حركة الحوادث ستنغلق ، وتُهدر القدرة الإنفتاحية للقصّة على إثارة التأويل والإحتمالات . صحيح أن القصة القصيرة تتناول حدثاً محدود الزمن والأبعاد والشخصيات ، لكن لابدّ أن يكون لها “جدوى” . وحين أقول الجدوى بمعنى المنفعة والفائدة ، فأنا أقصد بها الجدوى على شتى المستويات ، وخصصوصا النفسية منها .. أي حتى على مستوى اللعب والمتعة . ولكن قصّة تختفي فيها الناس ، وتتجمد المخلوقات ، وتتيه المدن ، لا تثير متعة أو لعبا بل تحرّك الفكر وتساؤلاته : أين هذه المدينة ؟ ولماذا يختفي البشر ؟ ولماذا تتداخل الشوارع كمتاهة ؟ .. إلخ . وهنا لا بدّ أن نبحث عن الجدوى الفكرية من خلال التفسير (حلّ العقدة) ، أو التصعيد الدرامي (تأجيج الموقف) وغيرها من السبل التي تجعل للقصة مغزى يحقق جدواها . هنا يتيقظ الراوي على اختفاء أفراد عائلته ثم المارّة فالشرطة .. وإلى توقّف الزمن .. وحركة الشمس .. ثم يختفي هو نفسه صورةً في المرآة ، ويتلاشى وجوداً مادياً . وهذا أمر مرعب ومفزع ، ولكن مِنْ ماذا ؟ وإلى أين ؟ وليس كل ما سنّه “كافكا” صحيح أيها الأخوة .
وبرغم كل دعاوى تحديث النص ، سأبقى أتساءل : ما السبب في خراب المدينة والواقع وهذا الإنسان .. وتلاشيه ؟ هل هي السلطة الطاغية .. القهر .. المخابرات .. الإستلاب .. الصراع الطبقي .. الإستعمار .. الغثيان ؟
ستقولون يا أحبائي : إن حالته قد تمثل جماع هذه العوامل كلّها . طيّب . لكن النص قدّم لنا نتيجة تصلح لأي شىء . لقصة عن إنسان مسحوق ، ولفيلم رعب غربي . أنا لا أريد أن أحدّد حرية الكاتب أو أي كاتب في انتقاء مضامين موضوعاته ، ورسم “الشكل” المناسب لها ، لكن سعد محمد رحيم ثروة ، ولسان ، وصوت للناس ، الناس هنا الذين فقدوا لسانهم وصوتهم ويعيشون الجحيم يومياً ، يعيشونه بصورة مؤكدة وليس احتمالية (ربّما !) . الناس هنا يتلاشون بطريقة حقيقية .. مهانة وذلّا وانكساراً وخديعةً .
# وهنا تأتي أم القصص :
نعم الناس … الناس هم “راقية” العراقية العظيمة الصابرة التي قدّمها هذا السارد الكبير في النص الثاني (الجحيم مرة خرى) . أيام وليالٍ وأسابيع وصورة راقية لا تنخلع عن عقلي برغم كل القراءات والإنشغالات الكثيفة والمزحومة اللاحقة . هي ليست خلاصة المرأة العراقية بطلة ضيم كل العصور ، ولكنها خلاصة الإنسان العراقي الذي يصارع التلاشي حدّ تعجيز التلاشي .. وحكاية الواقع العراقي الجحيمي الذي جعل الولدان شيبا . وهذا الزائر العائد بعد غياب ثلاثين عاما ، يطرق الباب العتيق الذي تشقق خشبه وبهت طلاؤه الأسود (لماذا أبوابنا سود ؟) :
(طالعته بعينين غائرتين وفم مزموم للحظة .. تبعها وهو يشعر بمزيج من الحيرة والدهشة . لم تقل له كيف حالك ؟ قال لها : كيف حالك ِ راقية ؟ رمقته بنظرة حيادية باردة . نظرة خالية من أية مشاعر ، أو مغزى .. نظرة مومياء . كم أتعبتها السنين ؟ قالها في سرّه . وكان من الصعب عليه أن يتكهن إن كان شعرها الرمادي قد غُسل توّاً ، أو أن الماء لم يلمسه منذ أسابيع . كان كالرماد ، وخيّل إليه أنه لو أمسك بخصلاته الكثيفة لتفتّت في الحال وصار هباء .. مسكينة راقية – ص 116) .
أي تناشز فادح بين دلالات رمزية الإسم “الراقية” ، وحقائق صورة الحال الفعلية المزرية والموميائية ؟! الشعر الرمادي الموشك على التفتّت ، والأيدي المعروقة المتصالبة أبدا في الجلسة الحمايوية التقليدية للمرأة العراقية المرذولة ، والنحول شبه المرَضي الفظيع الذي يخفيه الرداء الكحلي (إبن الأسود) الفضفاض ، والصوت المشروخ المهزوم الآتي من كهف لا يُسبر له غور . مات الأب وماتت الأم ومات الزوج “حقّي” – وستتكشف لك دلالة الإسم في القصة – وظلت وحيدة مع “حقّها” الذي رسمته لها الأقدار الجائرة العاتية . وجاء الأخ الغائب بعد ثلاثين عاما يريد “حقّه” من بيع البيت المقبرة هذا . كم هو عدد الأخوة/ أخواننا العائدين الذين يريدون تبييعنا حتى هذا البيت المقبرة المسمى وطن . وشجرة التين الراكزة وسط الدار التي كانت تلهث بالخضرة الفاقعة ، تين الآمال والنماء والحياة الأسرية الرخية ، قتلها العطش ، وصارت صفراء يابسة ، تتلاعب بها دوامات الريح ، لتنتزع المزيد من أوراقها الصفر . لم يعتن بها أحد برغم أنه كان يمكن أن يؤكل من ثمرها ! هذا الأخ القاسي المجافي العائد يرى راقية وكأنها طالعة من قبر ، فتجيبه فورا وبروح مباشرة : أنا في قبر (ص 119) .
وحتى هذا القبر :
(-ألم تفكّروا في بيعه ؟
أطلقت صوتاً غريباً كان أشبه بضحكة متهكّمة أو بصيحة احتجاج صبيانية . حاول الكلام . ألفى نفسه غير قادر على النطق . وهي أيضا لم تقل شيئا . قام وبقيت جالسة .
-حقّي زوجك .. ألن يأتي ؟
-حقّي ميّت .
صُعق .. ظل فمه مفتوحاً لنصف دقيقة .
-لم أكن أعلم .
-أنت لا تعلم أي شيء .
-متى ؟
-لا قيمة للزمان هنا .
أيبقى أم يغادر ؟ أيقول شيئا أم يسكت ؟ لم يكن يعرف . تملّكه أسى قاهر ، وشعور عال بالعجز واللاجدوى . مشى نحو الباب الخارجي ولم يلتفت إليها ، ولم يُطلق كلمة وداع . كان فقط يبغي الهرب – ص 120) .
والآن .. وقد استحكمت أواصر حلقة الخراب والموت والفناء ، يمكن أن يخرج شخص مثل هذا فيرى المدينة خالية ، والشمس لا تتحرك والحوانيت مغلقة والشوارع بلا ناس :
(في الحارة احتواه دبق الصمت وقلق الفراغ .. فراغ ممتد ، وصمت يمسك بتلابيب الأشياء . الأشجار شبه المحروقة ، والجدران القديمة العارية .. وتنبّه إلى أن الساقية التي تحمل فضلات المياه من البيوت جافة تماما . والشمس كأنها لم تتحرك من موقعها ، ولا الظلال – ص 120 و121) .
وكان بإمكان الكاتب – من وجهة نظري – أن ينهي قصته بنجاح تأثيري هائل عند هذا الحدّ من دون أن يوغل في وصف ما تمّ وصفه والتعبير عنه ببلاغة مكثفة ومركزة وكافية من خلال “راقية” العذاب والخراب والمهانة . ولا حاجة للقول إن المرآب العام فارغ .. ومتابعة العائد وهو يذهب إلى محطة القطار لخلق نهاية شبه فنطازية :
(لا أحد في المحطة … رأى رجلاً يرتدي قميصا أصفر متهرّئاً ، وسروالاً قصيرا قذرا :
-قل لي يا أخ ، متى سيصل القطار ؟
(..) استدار نحوه الرجل وتفرّس فيه . تولّاه فزع مميت ، وتصلّبت فكّاه ، ولم يفه بحرف . اراد أن يقول غير أنه لم يستطع . قال الرجل : القطار ؟ اي قطار ؟ – ص 122 ) .
فمن أساسيات ختام القصة الناجحة ، هو أن تصعد بذروتها إلى ذروة أعلى انفعالياً ، لا أن تهبط بها . وهذه الخاتمة التي نتابع فيها سير الرجل في الشوارع والكراجات والمحطات التي تنتهي بتفرّس الرجل “الموميائي” فيه ، وصراخه : أيّ قطار ؟ ، هي أقل بما لا يُقاس من النهاية العظيمة في لحظة هروبه من مقابلة “راقية” ، وهي – أي راقية – تتوّج خساراتها الماحقة بإعلان موت زوجها ، “حقّها” ، لتكمل حبّات مسبحة المقبرة الوجودية .
# وهنا يكمن مجد كل كاتب :
ولكن ما يهمني بدرجة أكبر هنا ، هو الإعلان عن أن في هذه النصوص “البسيطة” العظيمة يكمن مجد الكاتب ، مجد يتأسس على الإخلاص لآلام هذه الجموع المحطّمة في كل مكان .. كم من “راقية” في هذا العالم الجائر .. ملايين أدار لهم قصّاصوا الحداثة وما بعد الحداثة ظهورهم لينشغلوا بالفنطازيات المتعالية والوثائق المسمومة والإنحرافات الجنسية السوقية والمتاهات المظلمة ، وبالأشياء والشفرات على حساب الإنسان الحيّ الذي تنهش لحمه كل لحظة كلاب الإستغلال والقمع والقهر . راقية هي خلاصة شعب بأكمله ، فأي مجد يحوزه الكاتب الذي يبدع نصّاً يعبّر بأمانة وفنّية عالية عن محنة شعب بأكمله ؟
لقد عقب الروائي “حنه مينه” في مؤتمر الروائيين العرب والفرنسيين الذي انعقد في باريس في عام 1988 على محاضرة الروائي ” ألن روب غرييه” التي انحازت كما هو متوقع إلى رواية الأشياء بدلا من رواية الواقع ، فقال : ( إنني أحترم السيّد آلان روب غرييه وأقرؤه . لكني وجدت في كلامه شيئا من التناقض لعله يكون ناتجا عن الترجمة . فهو مرة يقف ضد الإلتزام ، ومرة يقول إنه لا يرفض الإلتزام . وهو يقول أيضا إن من شأن الأدب أن يطرح أسئلته على العالم . وهذا صحيح . فأي عمل أدبي وأي رواية لا يطرحان التساؤلات لا تكون لهما أية قيمة فنية . لقد حمل السيد آلان روب غرييه على الواقعية وقال إن هناك كتّاب واقع وليس كتّاب واقعية . وأنا أقول الواقعية شيء كبير في حياة الرواية . ، ليس في الزمن القديم فقط وإنما في الوقت الحاضر أيضا . لكن لدي هنا ملاحظة : لقد سئل بابلو نيرودا مرة : لماذا لا تكتب عن الزهور ؟ فأجاب : أنظروا إلى الدماء في شوارع الشيلي . ونحن الذين نعيش قضايا ساخنة ولاهبة لا نستطيع إلا أن نكتب عنها . نحن لا نستطيع إلا أن نقول للذين يريدون أن نكتب عن ترف الفن : انظروا الدماء في شوارع الأراضي العربية المحتلة في فلسطين . إن هذه المواضيع تفرض ذاتها علينا ، وهي تحتاج إلى الواقعية الخلّاقة التي يمكن من خلالها أن تقول الرواية أشياء كثيرة ) .
تحيّة لسعد محمّد رحيم ..
# زهر اللوز – مجموعة قصصية – سعد محمد رحيم – دار الشؤون الثقافية – بغداد – 2009 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"