تابعنا على فيسبوك وتويتر

المبدع الكبير الأستاذ طلال حسن

راكان دبدوب
حياته وفنه

طلال حسن

وداعاً راكان
ـــــــــــــــــــــــــــ
في ” 12 / 2 / 2017 ” ، رحل الفنان التشكيلي الموصلي ـ العراقي الكبير راكان دبدوب ، رحل ، وهو بعيد عن بيته في حي النور في الموصل ..
رحل بعيدا عن مرسمه ..
بعيداً عن لوحاته ـ المكدسة في مرسمه ـ ..
بعيداً عن فرشه وألوانه ..
بعيداً عن حياته اليومية الزاخرة بالعمل والإبداع .
إن حياة راكان ، وخاصة بعد أن أحيل على التقاعد ، غدت إبداعاً مستمراً ، يعيش في عزلة ، منقطعاً للعمل الإبداعي في مرسمه داخل بيته ، وقد أخبرني في إحدى زياراتي له ، إنه لم يخرج من البيت منذ ستة أشهر .
كنت أزوره في بيته دائماً ، حتى والموصل تحت سيطرة ” الدولة الإسلامية ” الخانقة ، وكان يهيب بي دائماً ، أن لا أذكره أو أكتب عنه ، فهو يخاف أن يأتوا إلى بيته ، ويروا لوحاته وتماثيله .
ومع ذلك أجريت معه لقاء طويلاً ، رغم إصابته بجلطة دماغية ، أضعفت ذاكرته وقدرته على النطق ، لكنها لم تضعف إرادته الإبداعية ، وإصراره على العمل المستمر ، وطالما شكا لي بألم ، ما مصير لوحاتي وأعمالي النحتية بعد أن أرحل ؟
فكنت أقول له أن لا يفكر في هذا الأمر ، وأن يستمر على عمله وإبداعه ، خاصة وأن إلى جانبه زوجته الإنسانة الرائعة ، التي وقفت إلى جانبه وبالأخص عند مرضه ، وقد كانت حريصة على أعماله ، حتى أن أحد أصدقائه اشترى لوحة من لوحاته ، فأصرت زوجته ” أم بلال ” على استرجاعها ، بحجة أنها تحب تلك اللوحة بالذات ، وقد استرجعتها فعلاً .
وقبل رحيله ، علمتُ أنه غادر بيته ، وسمعت ـ وأتمنى أن يكون هذا غير صحيح ـ أن بعض أعماله أتلفت أو أحرقت ، في بيته بحي النور .
لقد عمل راكان طويلاً في جامعة الموصل ، وقدم لها خدمات جليلة ، فهل ستسعى هذه الجامعة ، رغم الظروف الصعبة ، إلى الاحتفاظ بالفنان راكان دبدوب ، والفنان عامة هو إبداعه .
وداعاً يا صديقي راكان دبدوب ، فموصلك القديمة ، الساحل الأيمن ـ التي عشقتها ، وعشقت شذاها ، غدت خبراً بعد عين ، ركاماً من الأحجار تفوح منها رائحة الجريمة والموت .

راكان دبدوب في سطور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ولد في مدينة الموصل عام ” 1941 ” .
2 ـ تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام” 1960″
3 ـ عضو نقابة الفنانين العراقيين .
4 ـ عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين .
5 ـ أقام ” 33 ” معرضا داخل العراق وخارجه .
6 ـ شارك في معرض الجريدة الايطالية السنوي للفنانين الايطاليين والأجانب في روما ، وحصل على دبلوم شرف ومدالية فضية لسنتين متتاليتين ” 1962 و 1963 ” .
7 ـ حصل على جائزة دانتي في معرض أقامته العلاقات الثقافية الايطالية العربية في روما عام ” 1962 ” .
8 ـ الجائزة الثانية في مسابقة سان فيتو ، الذي أقامته بلدية روما عاد ” 1962 ” .
9 ـ شارك في المعرض التايلندي في نيودلهي لعام ” 1966 ” و ” 1975 ” .
10 ـ شارك في معارض الفن العراقي المعاصر الذي أقيم في موسكو عام ” 1971 ” ، والكويت عام ” 1971 ” وجمهورية أرمينيا السوفيتية عام ” 1972 ” ، وجمهورية مولدافيا ” 1973 ” و ” 1974 ” ، وبيروت ” 1974 ” ، وتركيا عام ” 1974 ” و ” 1980 ” ، ودمشق عام ” 1975 ” و ” 1979 ” ، ولندن ” 1977 ” وباريس عام ” 1976 ” و ” 1980 ” ، والقاهرة عام ” 1977 ” والأردن عام 1982 ” ، و واليونان عام ” 1982 ” ، و وليبيا عام ” 1979 ” ، ومصر والسودان عام ” 1983 ” ، و والمغرب وتونس ومراكش عام ” 1983 ” ، وبرلين عام ” 1983 ” ، وأمريكا ، نيويورك وواشنطن وسان فرانسيسكو عام ” 1979 ” .
11 ـ شارك في مهرجان الواسطي ، عام ” 1972 و 1984 و 1985 ” .
12 ـ شارك في مؤتم عربي للفنون التشكيلية ببغداد عام 1973 ” .
13 ـ شارك في المعرض اللبناني العربي الأول ببغداد عام ” 1976 ” .
14 ـ شارك في معرض التمييز العنصري في فرنسا عام ” 1976 ” .
15 ـ شارك في معرض التمييز العنصري ، الذي أقيم بمناسبة المؤتمر التشكيلي العالمي في بغداد عام ” 1976 ” .
16 ـ شارك بمعرض افتتاح مركز صدام للفنون عام ” 1986 ” .
17 ـ شارك في معرض يوم الفن للفنون عام ” 1987 “.
18 ـ حصل على جائزة الدولة التشجيعية عام ” 1989 ” ، شارك في جميع معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ببغداد .
19 ـ شارك في معارض مهرجان بابل الدولي ببغداد عام 1993 ” .
20 ـ شارك في مهرجان الفنون التشكيلية ـ عمان عام ” 1993 ” .
21 ـ شارك في المعرض التكريمي لفناني جامعة الموصل 1995.
22 – شارك في معرض مشترك على قاعة دمشق للفنون والتعاون مع صالة حمورابي .
23 – شارك في المعرض الافتتاحي لصالون الخريف الأول – قاعة الساعة – الموصل ” 1998 ” .
24- شارك في معرض الازميل والقلم ، معرض نحت وتخطيط – قاعة الساعة 2001.
25- شارك في معرض ” انظر إلى مدينتي ” قاعة الساعة 2001.
26- شارك في معرض مهرجان بغداد العالمي الثالث للفن التشكيلي 2001.
27- شارك في معرض مهرجان بغداد العالمي الثالث للفن التشكيلي عام ” 2001 ” .
28 ـ شارك في معرض صالون الخريف الثاني عام ” 2001 ” .
29 ـ شارك في معرض أزاهير نيسان عام ” 2002 ” .
30 ـ شارك في معرض جماعة نينوى عام ” 2002 ” .
31 ـ شارك في معرض مهرجان بغداد عام ” 2002 ” .

شهادات
ــــــــــــــــــــــــ
خلال خمسة عقود تقريبا ، قضاها راكان دبدوب منغمرا في أتون الفن التشكيلي ، وأنتج خلالها مئات اللوحات والتماثيل ، عايشه وتابعه عشرات الفنانين والنقاد والمثقفين ، قالوا فيه الكثير ، وهذا بعض ما قالوه في الصحف والمجلات العراقية .
ـ راكان بين مائة يرسمون ، لأن فيه هوس المبدع برؤياه ، لـن لا فن بدون هذا الهوس ” الأديب الفنان جبرا ابراهيم جبرا ” .

ـ أنا أرى راكان دبدوب أحد القلائل الذين يمتلكون شخصية متميزة في أعمالهم أصالة ..” خاد الرحال ” .

ـ العلامة الفارقة بين أعمال راكان ، وهي تلك الاسطوانة البارزة ، التي يأخذ تجويفها المعتم العيون إلى الغموض ، والتي تظهر وكأنها مواطن السر في العمل الفني .. جميل حمودي.
– استطاع راكان دبدوب مزج أحاسيسه كنحات ورسام في لوحاته باستعمال الزيت والمواد المختلفة بتقنية خاصة به وبتجريدية عالية للأشكال والشخوص والرموز الواقعية المتميزة بالاختزال والتجسيد الناضج ببهجة الحياة .. نزار سليم – أديب عراقي.
– إن الفنان راكان دبدوب ، المعروف بغزارته وولعه بالفن ، وحرصه الشديد على أن يجسد الفن قيماُ انسانية عالية ، قد توصل إلى خلق عالم فني خاص ومتميز ، وبذلك استطاع أن يشكل حيزاً في الساحة التشكيلية العراقية .. فاروق يوسف – ناقد تشكيلي.
– حضور المرأة يشكل حضوراً شاملاً ورمزاً خالداً يطالع المتأمل من كل زاوية ، فهي الأرض ، وهي الوطن والأمان ، في عينيها تتدفق ينابيع السكينة وسط عالم ممزق تجتاحه الوحشة ، وهي الأم تلتم بين كفيها عصافير الحب ، إنها الحبيبة تطلع من أناملها الأغصان .. بشرى البستاني – شاعرة من الموصل .

شذا مدينة
ــــــــــــــــــــــــ
يقول الفنان التشكيلي راكان دبدوب ، الذي زاراً مدناً كثيرة في العالم ، داخل العراق وخارجه ، والذي تجاوز الآن العقد السادس : إن لمدينة الموصل ، رائحة خاصة ، تختلف عن رائحة أية مدينة أخرى في العالم .
ترى أحقاً لمدينة الموصل رائحة خاصة ؟ أم أنّ عشق راكان لهذه المدينة ، جعله يشمّ فيها ما لم يشمه الآخرون ؟
ومهما يكن ، فإن مدينة الموصل ، الغنية بطبيعتها وثرواتها وتنوعها الحضاري والقومي والديني ، والتي كانت تتكىء على الضفة اليمنى لنهر دجلة ، هي النبع الأول ، والإلهام الأول ، والرحم الدائم ، للفنان التشكيلي راكان دبدوب .

البداية
ــــــــــــــــــــ
ينحدر راكان عبد العزيز عبد المجيد آل .. دبدوب ، من عشيرة عربية معروفة في الموصل ، هي عشيرة ” العيكيدات ” ، فخذ ألبو ليل ، التي يمتد تاريخها وأصولها إلى الجزيرة العربية ، ويتصل بالصحابي الجليل ” ابن معدِ كرب ” ، وقد قدمت عائلة آل .. دبدوب ، من مدينة دير الزور في سوريا ، قبل ثلاثمائة سنة ، وسكنت في مدينة الموصل ، واشتغلت بالتجارة ، وخاصة تجارة الأغنام .
ولد راكان ، وهو الحفيد البكر لعبد المجيد ، من ابنه البكر عبد العزيز ، في الموصل بتاريخ 29 / 5 / 1941 ، في بيت جده ، وهو بيت كبير يقع في شارع نينوى ، كان الجد يسكنه ، على عادة الموصليين آنئذ ، مع أبنائه وعوائلهم ، وقد عمل أبوه عبد العزيز ، مع والده عبد المجيد ، في التجارة ، ووالدته ، التي لعبت دوراً مهماً في حياته ، هي إحدى بنات الطبيب العلامة داود جلبي ، وعمه الدكتور المعروف فيصل دبدوب ، الذي أصدر العديد من الكتب منها ” قصة السل ” .
وقد كان لجديه عبد المجيد والدكتور داود الجلبي ، أثر كبير في حياته ، وخاصة في سني طفولته الأولى ، ولعل جده لأبيه عبد المجيد ، كان دليله الأول إلى عشقه الدائم ، إلى مدينة الحلم ، مدينة الموصل ، التي فجرت برائحتها الخاصة ، وغناها ، البذور الأولى للفن التشكيلي في داخله .
وطالما أخذه جده معه ، في نزهاته الكثيرة ، داخل الموصل وخارجها ، وكانت المدينة يومئذ صغيرة ، لا تتعدى حدودها نهاية شارع نينوى من الجنوب ، والجسر الحديدي من الشمال ، ونهاية شارع الدواسة من الشرق ، و المستشفى الجمهوري من الغرب ، ثم تبدأ مزارع الخضار ، وحقول الحنطة والشعير ، التي قلما يصلها أحد بعد العصر ، وكان جامع النبي يونس ، يقع بعيداً عن المدينة ، وكذلك دير ماركوركيس ، وكان الناس يقصدونهما في العطل والمناسبات ، متزودين بالشاي والحلويات والأطعمة الموصلية المشهورة .
وفي أيام الربيع ، أخذه جده مراراً إلى مزارع وحقول بعض أصدقائه ، أو إلى مضارب بدوية خارج الموصل ، ومازالت تلك المضارب حية في داخله ، بخيامها المصنوعة من شعر الماعز ، ودلال القهوة العربية المختلفة الأحجام ، والبسط والمفروشات المصنوعة من جلود الأغنام ، والخيول العربية الأصيلة والأغنام ، والرعاة البدو بملابسهم التقليدية ، وكذلك الأهازيج البدوية والدبكات على أنغام الربابة .
وقد صحبه جده أيضاً ، إلى أصدقاء له من الأكراد في شمال الوطن ، ولبث معه هناك أسابيع ، متنقلين من قرية إلى قرية ، ومن بستان إلى بستان ، وأعجب بالشمال ومناظره وبركه وشلالاته وأهله ، فانعكس ذلك فيما بعد في لوحاته وإبداعه .
وكان لجده أصدقاء ومعارف وزوار كثيرون ، ولهذا فقد خصص لاستقبالهم يبتاً شرقياً ، يديره خادم ، يسكن فيه مع عائلته ، ويقوم بترتيب غرفة المجلس الكبيرة ، ويهيىء دلال القهوة ، ويشرف على راحة النزلاء والضيوف .
لم يكن الزوار من نوع واحد ، وما كانوا يأتون في وقت واحد ، فمع بداية المجلس ، بعد المغرب ، كان يأتي زوار ، ينقلون للمجلس أخبار المدينة والناس والتجارة ، ويذهبون بعد ساعة أو ساعتين ، فيأتي زوار من نوع آخر ، أكثر ثقافة وأرفع درجة ، ليبدأ حديث الثقافة والتاريخ والأخبار المحلية والدولية ، ويذهب هؤلاء الزوار ، بعد صلاة العشاء ، فيحل هذه المرة زوار أكثر قربى وصداقة ، وهم جلاس السمر والفكاهة والسهر .
وطوال هذه الجلسات ، كان الخادم يدور بقهوته العربية ، حاملاً بيده دلة القهوة الجميلة ، ذات اللون الذهبي ، والشكل الفلكلوري ، مقدماً القهوة للضيوف بفناجين جميلة ، أصيلة الشكل والصنع مثل فنجان العنبر والمكاوي .
وقد أحبّ راكان تلك المجالس ، التي حضرها منذ أواسط الأربعينيات حتى نهاية الخمسينيات ، مصغياً إلى الأحاديث المنوعة ، مصغياً إلى الأحاديث المتنوعة ، التي استفاد منها الشيء الكثير .
أما جده لوالدته الدكتور داود الجلبي ، والذي كان بيته يقع في نهاية منطقة الدواسة ، على مشارف مزارع وحقول ، تُسقى من آبار بواسطة النواعير ، فقد كان بعكس جده لأبيه ، رجل علم وثقافة ، وكان له مجلس متميز ، يُعقد مساء يوم الجمعة من كلّ أسبوع ، يرتاده العلماء والأطباء والسياسيون وكبار المثقفين ورجالات المجتمع الموصلي ، وعلى العكس من مجلس جده لأبيه ، كان محظور على راكان الجلوس مع الزوار ، ولم يُسمح له بالجلوس فيه أحياناً ، حتى صار طالباً في المتوسطة ، ومعهد الفنون الجميلة .
ومما يذكره راكان من تلك المرحلة ، أن جده الدكتور داود الجلبي ، استدعاه يوماً إلى غرفة مجلسه ، وكان المجلس في ذروة رواده المهمين ، ودخل متردداً ، وسلم لكن سلامه لم يكد يُسمع .
وأشار جده إليه ، وقال : هذا راكان .
ورفع لوحة مائية ، كان راكان قد رسمها لبيت جده من الخارج ، ثم أضاف قائلاً : انظروا ، هذه هي اللوحة التي رسمها .
وظل راكان واقفاً في مكانه ، لا يدري ماذا يفعل ، والتفت جده إليه ، وقال : هذا ما استدعيتك من أجله ، يا راكان ، اذهب .
وذهب راكان خارجاً من غرفة المجلس ، فرحاً ، معتزاً بلوحته المائية .

الشرارة الأولى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما تنبثق شرارة ، من أعماق الليل ، فتضيء العتمة ، كذلك الموهبة فإنها تنبثق من أعماق الإنسان ، في لحظة ما ، وتنمو مع الزمن ، وقد تصبح شعلة تضيء عتمات العالم كله .
هكذا انبثقت الموهبة في أعماق راكان دبدوب ، وكأن راكان أول من انتبه إلى ضيائها ، وظل منتبهاً إليه ، يرعاه ، ويغذيه ، وينميه ، حتى حوله إلى شعلة ، يعيش دوماً على ألقها ، مضيئاً ما حوله ، بأجمل وأروع الأعمال الفنية .
لقد رأى ، في روضة الأطفال ، التي كان يداوم فيها ، مكعبات خشبية ملونة ، لأول مرة في حياته ، وقد أحبّ هذه المكعبات ، وأخذ يرتبها بعناية واهتمام الواحدة فوق الأخرى ، وانتبهت معلمته ست سعاد إليه ، فاقتربت منه ، وسألته : ماذا تفعل ، يا راكان ؟
فأجاب راكان : أبني بيتاً .
وفي الصف الأول ، بمدرسة الحمدانية الأولى للبنين ، التي كانت تقع قرب بيتهم ، في أحد أزقة محلة ” السراجخانة ” ، طلب منه معلم الحساب أن يكتب على السبورة رقم ” 7 ” ، فأسرع مزهواً ، ورسم أمام التلاميذ بالطباشير هذا الرقم ، ويبدو أن ما رسمه كان أقرب إلى حرف ” ” الانكليزي ، منه إلى رقم ” 7 ” ، فابتسم المعلم ة، وقال : هذا ليس رقم سبعة ، يا راكان ، بل فنجان .
وأخذ المعلم قطعة الطباشير ، ورسم شكلاً بيضوياً في أعلى الرقم ، ووضع له عروة في طرفه ، وإذا هو بالفعل فنجان ، ووقف راكان الطفل مذهولاً أمام هذا السحر ، الذي أشعل في أعماقه شرارة الإبداع ، وأبعده عن الرياضيات .
وفي البيت ، كانت أمه ، لكي تعلمه كتابة حرف الياء ، ترسم له بطة ، وتقول له : انظر ، إن حرف الياء يشبه البطة ، فأحبّ راكان رسم البطة ، أكثر من حبه لحرف الياء نفسه .

جلجامش وأنكيدو لوحة للمبدع العراقي الراحل راكان دبدوب

ومع الزمن ، ومنذ الصفوف الأولى ، اكتشف راكان أن الفنان في داخله ، لا يشبع جوعه إلى الإبداع أبداً ، وقد بدأ يواظب على الرسم ، في الصف الرابع الابتدائي ، في مرسم صغير شبه مهمل ، تحت إشراف معلم غير مختص في الرسم ، مع عدد قليل من التلاميذ ، وكان المعلم يقدم لكل منهم صورة لرسام أجنبي ، ويطلب منهم نقلها على ورقة كارتون بالأسود والأبيض أو بألوان الباستيل أو الشمع ، وفي الصف الخامس والسادس ، بدأوا يتعلمون أوليات النحت ، فنحتوا حيوانات وطيوراً بالسكين ، على ألواح طين يابس ، كانوا يأتون به من شواطىء النهر ، بعد تراجع مياه الفيضان .
وفي مرحلة الدراسة المتوسطة ، ازداد اهتمامه بالرسم ، وتطورت معرفته بأصوله ، وصار راكان يرسم في المدرسة ، وكذلك في البيت ، وقد انتمى في بداية هذه المرحلة إلى مرسم المدرسة ، الذي يشرف عليه مدرس مختص ، يتمتع بدراية عميقة في الفن ، اسمه ” صبيح نعامة ” ، تعلم منه مبادىء المنظور ، واستعمال الأصباغ الزينية والباستيل والألوان المائية ، كما تعلم إظهار اللون الصحيح ، بمزج الألوان ، ولمسات الظل والضوء ، وكان راكان وزملاؤه في مرسم المدرسة ، يرسمون مواضيع من اللوحات العالمية ، إضافة إلى الفواكه والمزهريات والزجاجيات وقطع الأقمشة الملونة ، كان الأستاذ صبيح نعامة يهيئها لهم ، ويوزع عليها الإنارة ، ويشرف عليهم أثناء رسمهم لها ، وكانوا يؤطرون تلك اللوحات ، ليزينوا بها جدران المرسم .
ولم يكتفِ الأستاذ صبيح نعامة بتعليم الرسم لطلابه داخل مرسم المدرسة فقط ، يل كان يأخذهم إلى المواقع الأثرية والفلكلورية في مدينة الموصل لرسمها على الطبيعة مباشرة ، فرسموا قلعة باشطابيا ومرقد ابن القاسم ، كما رسموا مشاهد مختلفة من المباني القديمة في الموصل ، وإضافة إلى ذلك ، كان راكان ينطلق على دراجته الهوائية إلى المزارع والحقول خارج المدينة ، ليرسم المناظر الطبيعية بالألوان المائية عن الطبيعة مباشرة ، وخلال هذه الفترة ، بدأ راكان يتعرف على الفنانين المعروفين في الموصل ، ويحضر تجمعاتهم سواء في المرسم ، أو أماكن الرسم ، كما راح يشارك بلوحاته في المعارض التي تُقام في المدينة .
وعلى هذا ، فإن الرسم كان يشغله عن الدراسة ، حتى أن دفاتره المدرسية ، كانت تمتلىء من الجهة اليسرى بالرسوم ، أكثر من امتلائها من الجهة اليمنى بمواد الدرس ، مما أثر سلباً على مستواه الدراسي ، وخاصة في دروس الجبر والكيمياء والرياضيات ، فرسب في الصف الثالث المتوسط ، ولولا الزعيم عبد الكريم قاسم ، قائد ثورة ” 14 ” تموز عام 1958 ، وقانون ” الزحف ” ، لما تسنى لراكان دبدوب اجتياز الصف الثالث ذلك العام ، والالتحاق بمعهد الفنون الجميلة في بغداد .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"