تابعنا على فيسبوك وتويتر

كيف تغلّب ماريو بارغاس يوسا على خوفه؟

هدية حسين

ينتابني خوف شديد كلما اقترب موعد سفري بالطائرة، يشترك معي الكثيرون في هذا العالم بهذا الخوف الذي لا رادّ له، فهو مثل مرض صامت يتسلل الى القلب والعظام ثم يبدأ الإعلان عن نفسه بشراسة، على الرغم من التأكيد أن السفر بالطائرة أكثر أماناً من وسائل النقل الأخرى.
لا يبدأ هذا الخوف معي من أول سلالم الطائرة، بل قبل أيام من ذلك، أفتح اللابتوب وأقرر إكمال بعض المشاريع الناقصة، أخزنها في فلاشات وأوصي بها إحدى الصديقات لكي لا تضيع بعد موتي، لكن القلق الأكبر يعصف بي مع المشاريع الروائية، فهي لا تكتمل خلال أيام، الوقت لا يسمح بذلك، تجمح مخيلتي باحثة عن أية وسيلة من شأنها الحفاظ على شخصياتي التي تعبت وأنا أبتكرها وأسير معها لتُكمل المشوار، لكن المخيلة لا تسعفني.
أرتب أشيائي، أكتب ملاحظات وأتركها على طاولة الكتابة، فإذا ما حدث شيء لي سيأتي من يقرؤها ويعمل بوصاياي.. من يأتي؟ لا أحد بالطبع، فأنا أعيش في أقصى العالم متوحدة مع نفسي وكتاباتي، لكنني أفعل ذلك في كل مرة أنوي السفر فيها لأواجه رعبي في الطائرة، خصوصاً وأنني لا أعرف النوم في الطائرات مهما امتدت الساعات بين الإقلاع والوصول، أرتجف لكل مطب وتتناهبني أشباح الخوف، وحين تُقلع الطائرة تجمح مخيلتي الى ما لا تُحمد عقباه، هل ستسقط الطائرة على المحيط أم على اليابسة؟ وهل سيحتفظ جسدي بأجزائه أم سيتشظى؟ وأكاد أرى الصورة في الحالتين..هذا ما يفعله الخوف بي، وعندما أصل سالمة الى بلدي أقول بيني وبين نفسي: لعل المكروه الذي لم يحدث في الذهاب سيحدث حتماً في الإياب.
قبل يوم من سفري الأخير الى بغداد، قرأت مقالة للروائي الأرجنتيني ماريو بارغاس يوسا، بعنوان (كيف تغلبتُ على خوفي من الطيران) يصف فيها رعبه من السفر بالطائرة، وعجزه بتفادي ذلك الرعب، تحاول المضيفة أن تخفف من ذلك الخوف الذي يجعل يوسا يتصبب عرقاً فلم تقدر، وقد نصحه بعض الأصدقاء بعدة نصائح لتلافي ذلك الخوف، منها مثلاً ما نصحته صديقته البورتوريكية بتناول الويسكي، ولم ينجح الأمر، ونصحه آخر بتناول الحبوب المهدئة، لكنها سببت له الخفقان والكوابيس، وظل الخوف يلازمه في جميع رحلاته، وهو أيضاً لا يعرف النوم في الطائرة لكي ينسى ذلك الخوف، يقول ماريو بارغاس يوسا (الخوف من الطيران يحدث فجأة، عندما يدرك الأشخاص الذين لا ينقصهم الخيال والحساسية أنهم على ارتفاع 30 ألف قدم في الجو مسافرون عبر السحب بسرعة ثمانمئة ميل في الساعة، ويبدأون بالارتعاش)
فكيف تغلب يوسا على خوفه بعد كل تلك الرحلات المرعبة؟
(جاء الحل مفاجئاً، في رحلة بين بيونس آيرس ومدريد، اشتريت من مطار إيزيزا رواية لأليخو كاربنتييه بعنوان “مملكة هذا العالم” الرواية التي تعيد خلق حياة الهلوسة التي يعيشها هنري كريستوف ـ بطل الرواية ـ وبناء القلعة الشهيرة في هاييتي، كان هذا مكتوباً بطريقة رائعة، لا شيء يمكن أن يضاف أو يُحذف، لقد امتصني جسداً وروحاً، واقتادني بعيداً عما يحيط بي، ونقلتني الرواية لعشر ساعات هي مدة الرحلة بعيداً عن الليل المتجمد ذي النجوم المتلألئة الى ملحمة مذهلة عن هاييتي في القرن الماضي… انتهت السطور الأخيرة عند هبوط الطائرة في باراخاس، كان ذلك الكتاب قد أخذني بعيداً عن مخاوفي طوال الرحلة)
هكذا تغلب ماريو بارغاس يوسا على خوفه، بعلاج لم يخذله أبداً في الرحلات القادمات، وهكذا أيضاً أخذت بنصيحته في رحلتي الأخيرة الى بغداد، وحملت معي رواية (ابنة الحظ) لإيزابيل الليندي، الرواية التي لا أمل من إعادة قراءتها من حين لآخر، والتي يمتد زمن أحداثها لعشر سنوات (1843 ـ 1853) عقد من زمن مرتبك بأحداثه وشخوصه وتشابك علاقاته واختلاف المآرب والسبل والمصائر والأحلام المبتورة، أدارته ايزابيل الليندي بخيال خصب من الحب والخيبة والعنف والتشويق، وتساءلتُ بعد اثنتي عشرة ساعة من الطيران بينما يتم الإعلان عن وصول الطائرة الى مطار القاهرة قبل أن تكمل طائرة أخرى الرحلة الى بغداد: أين ذهب الخوف مني؟ لقد وجدت العلاج أخيراً بفضل نصيحة ماريو بارغاس يوسا، وكنتُ محظوظة جداً، ربما أكثر من إلزا سوميرز بطلة رواية ابنة الحظ التي انتهت رحلتها المسكونة بكل ما هو غريب وعجيب، بالوصول الى السلام النفسي بعد سلسلة من المغامرات والمصاعب والمخاوف.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"