تابعنا على فيسبوك وتويتر

( آرلين ) في مملكة ( ريمون ) الرياضياتية
عن الرياضيات والأفكار والثقافة
في سياق جوانب من سيرة ذاتية

فلاح حكمت
مُهداة إلى إلى الدكتور ريمون نجيب شكوري

أخبرني يوماً ما قبل مايقارب السنة أحد أصدقائي الفيسبوكيين، وهو الدكتور (علاء الدين الظاهر) أستاذ الرياضيات في إحدى الجامعات الهولندية، بأنه يعمل على تنقيح ومراجعة كتاب للدكتور (ريمون نجيب شكوري) أحد اعلام الرياضيات في العراق، وقد أعلمني أنّ الكتاب يختصّ بسيرة الصحوة الفكرية التي هي بعض جوانب سيرة ذاتية للدكتور شكوري، ثمّ حصل لاحقاً أن وجدت الكتاب منشوراً على موقع (الأمازون) ومعروضاً على نافذة البيع هناك. لكنّ تعقيدات المعاملات المالية لدينا في العراق حالت دون حصولي على الكتاب، ولم تلبث برهة قصيرة تنقضي من الزمن حتى وجدت الكتاب منشوراً بصيغة ألكترونية مجانية متاحة للجميع. فسبّحتُ بحمد تلك الصدفة الجميلة التي جاءتني من غير تدبير محسوب، وطفقتُ على الفور أقرأ مادة الكتاب التي وجدتُ أنني قد قرأتُ بعض موادها منشورة في موقع ( الحوار المتمدّن ). ولستُ هنا في وارد الحديث عن هذا الكتاب فهو منشور ومتاحٌ لكلّ من يبتغي قراءته من مُحبّي الدكتور ريمون ومُريديه (وهم كثيرون كما أحسب) .
ثم حصل في وقت لاحق أن جاءتني – بمعونة كريمة مشكورة من صديق ألكتروني يتشارك صداقتي مع صداقة الدكتور ريمون – مادّتان كتبهما الدكتور ريمون. أما المادة الأولى فهي نصٌّ غير مُجنّس – بحسب ما أفاد في مقدّمته المشرقة للعمل- وجاء بعنوان غريب رغم الشحنة الدرامية التي ينطوي عليها: (لماذا تُستعمل المنشفة لتجفيف الجسم بعد الإستحمام بدلاً من قطعة كبيرة من قماش أملس ؟ !!). وأما المادة الثانية فكانت قراءة في كتاب منشور بالإنكليزية يتناول موضوعة كيفية تأثير الأديان في تشكيل ثقافاتنا وحياتنا، ويركّز بخاصة على الدوغمائية الدينية وكيفية ترسيخها في نفوس الناشئة – والكبار كذلك- بطريقة تجعلها أقرب إلى الفايروسات المرضية المهلكة. والمادة في مجملها تتصادى مع توجّهات كتاب (صحوتي الفكرية ) وتتناغم مع الأفكار المعروضة فيه . الحقّ أنّ عنوان المادة الأولى استهواني كثيراً بحيث دفعني للإنخراط في قراءته على الفور. لكني فضّلت أوّل الأمر إلقاء نظرة على محتويات المادة الثانية – كعادتي في استعراض محتويات كلّ كتاب جديد يقع بين يديّ – فوجدتها أقرب إلى مبحث أكاديمي يحتوي على مواد سبق لي قراءة بعضها في منشورات الدكتور ريمون السابقة في موقع ( الحوار المتمدّن )، وعندها أيقنتُ بإمكانية تأجيل قراءة هذه المادة لوقت لاحق، وطفقتُ أقرأ على الفور مادة المنشفة بلذة شغوفة .
* * * * *
بدأتُ بقراءة المادة التي مهّد لها الدكتور ريمون بعبارات إستهلالية أراد منها تمهيد الأرضية أمام القارئ ووضعه في السياق العقلي mindsetting لطبيعة المادة التي ستُعرَض له في الصفحات اللاحقة، وكانت أولى الموضوعات الإشكالية هي تجنيس هذه المادة: هل هي حكاية أم رواية قصيرة ( على نمط روايات الأفكار Novels of Ideas التي شاعت في الآونة الأخيرة) أم أجزاء من سيرة ذاتية؟. جاءت لغة المادة رشيقة مُنسابة كأنها الماء الزلال (بمدرجة الحصى يترقرقُ) وليس هذا بغريب على الدكتور ريمون الذي عرفت بصمته اللغوية المميزة وتركيبته الجّمَلية رشيقة السبك بعد قراءتي لسلسلة مقالاته في موقع (الحوار المتمدن). وقبل ذلك في تقديماته المُشرقة لكتب (الرياضيات المعاصرة) في مناهج الدراسة الإعدادية في عراق سبعينيات القرن الماضي . بدأتُ بقراءة الصفحات التمهيدية ، وراحت يدي تقلّب الصفحات الألكترونية صفحة إثر أخرى، وبعد حين وجدتُني أندفعُ بخيالي إلى أيام خاليات تشكّلت فيها علاقتي بالرياضيات والعلوم والثقافة بعامة .
* * * * *
كانت علاقتي بالرياضيات خلال مراحل دراستي ماقبل الجامعية، ثم الجامعية، علاقة عاشق بمعشوقته الأثيرة، وقد نأت بنفسها عن العلاقة السائدة المعهودة في أوساطنا – تلك العلاقة المكتنفة بالنبذ والمشحونة بالنفور وسوء الظنّ ولاأريد التمادي إلى حد القول بالكراهية. وكنتُ أمنّي النفس وأتعهّدها بالتدريب والمران والصقل المعرفي المجتهد والصبور وعلى نحوٍ يكون فيه للرياضيات والفيزياء النظرية والفلسفة دور مركزيّ في تشكّلي الثقافي. لكنّ الأمور لم تحصل بمثل ما أردت رغم أنني حصلتُ على معّدل يقارب تخوم المائة في إمتحانات البكالوريا لعام 1979 / 1980، وتلك مثلبة عظمى – كما أحسب – تدمغ كامل منظومتنا التعليمية البائسة، وربّما سأكتب عنها في موضع آخر وبتفاصيل أوفى .
حصل يوماً، وبفعل مقادير الصُّدف التي أحسبُها جميلة مبروكة، وأنا لمّا أزل طالباً في دراستي الإبتدائية بعدُ، أن قرأت مقالة – من جزئين – مترجمة في بواكير عقد السبعينيات من القرن الماضي بعنوان (الأسس الثقافية للرياضيات) في عدد قديم من مجلة ( المعلّم الجديد) العائدة لوالدي المعلّم الذي كان يحتفظ في خزانته الحديدية بأعداد قديمة من تلك المجلّة التي كانت موسومة بالرصانة الفائقة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ثمّ انحدرت في لجّة الآيديولوجيا الرثّة فيما بعدُ، والمقالة في الأصل فصل من كتاب ألّفه البروفسور (رايموند وايلدر Raymond L. Wilder) بالعنوان ذاته، وترجم المقالَ الدكتور (محمد واصل الظاهر) الأستاذ المتمرّس في الرياضيات في كلية العلوم بجامعة بغداد. فعلت تلك المقالة فعل السحر فيّ، وجعلتني أدرك الآفاق الفسيحة للثقافة الإنسانية التي تتشكّل من عناصر كثيرة -سوسيولوجية وأنثروبولوجية – من بين أهمّها الرياضيات، وأدركت كذلك كم تساهم طرق التعليم السقيمة في تنفير الناشئة من الرياضيات بعد أن تحوّلها لمحض تعليمات وارشادات لحلّ مجموعة من المعضلات بدلاً من عرضها بطريقة يفهمون منها أن الرياضيات هي إحدى المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان وعلامة فارقة ومميزة لتطوّره الفكري على المستوى المفاهيمي والتجريدي الذي يُعدّ عتبة راقية في سلّم التطوّر الحضاري للإنسان، وعرفت منذ ذلك الحين أنّ قوة الرياضيات تكمن في قدرتها التجريدية التي تتيح لها إمكانية تناول الكثير من الظواهر المتباينة التي يمكن نمذجتها في إطار نظم ديناميكية محدّدة محكومة بشروط تطوّرها اللاحق في الزمان والمكان .
* * * * *
تنامى شغفي الرياضياتي منذ خواتيم ستينيّات القرن الماضي، ثمّ جاءت لحظة مفصلية في سبعينياته عندما جرى تطبيق منهاجٍ في الرياضيات المعاصرة في خمسة مدارس منتخبة في بغداد، وكانت مدرستي الإعدادية بين تلك المدارس. ممّا أتاح لي الإصغاء لجوانب من الجدالات التي شاعت آنذاك بين مناصري مدرسة (الرياضيات المعاصرة) ومدرسة (الرياضيات التقليدية). وبالطبع يمكن تفهّم الأسباب الكامنة وراء تلك الهجمة الشرسة على الرياضيات المعاصرة من جانب التقليديين الذين استطابوا وضعهم وعُدّتهم المفاهيمية الصلبة ولم يعودوا يطيقون لها تعديلاً أو تبديلاً، وتلك حالة مفهومة لطالما شهدنا لها أمثلة مشابهة لدى كلّ مفترق تأريخي أو إنعطافة ثورية على مستوى الأفكار والمفاهيم السائدة.
حاولت من جانبي أن أتفهّم جوانب من ذلك النزاع الفكري فحصلتُ وأنا في المرحلة المتوسّطة من الدراسة على نسخة من كتاب (الرياضيات المعاصرة) للصف السادس العلمي، ولشدّما أعجبني ذلك الكتاب ومسّني كما السحر الحلال، وراقني منذ البدء ذلك التقديم الرائع المكتوب بلغة عربية دقيقة مشرقة بالجمال والطلاوة والذي يؤكّد فيه المؤلفون أن الرياضيات هي إحدى المنجزات الحضارية الرائعة للإنسان وليست محض حيل وفذلكاتٍ وألاعيب حُواة وسَحَرة يُراد منها إيجاد حلول لمجموعة مختارة من المعضلات، وأن الرياضيات منظومة أنساق فكرية تتطوّر مثلما تتطور الفلسفة واللغة وكلّ الأنساق الفكرية الأخرى التي خلّقها الإنسان ، وبلغ بي شغفي مبلغاً حاولت معه قراءة فصول الكتاب فصلاً بعد آخر فوجدت شغفاً قلّ نظيره في متابعة القراءة وحلّ معظم التمارين والأسئلة المرفقة بكل فصل. ومازلت أذكر الفصل الأول الخاص بالهندسة الديكارتية، وكذلك الفصل الخاص بموضوع (التكامل) الذي نقرأ في مقدّمته موجزاً تأريخياً – وعلى نحوٍ غير معهود في المصنّفات الدراسية المنهجية – يحكي عن الكيفية التي إستطاع فيها (إسحق نيوتن) التفكير بحساب التكامل بتأثير أستاذه (إسحق بارو) في جامعة كامبردج، وكيف أنّ (نيوتن) وسّع مجال التكامل من محض مسألة إيجاد معادلة المماس لمنحنٍ عند نقطة محدّدة إلى إيجاد مساحات مختلف الأشكال، ومازلت أذكر تلك العبارة الرائعة التي تقول إن الرياضيات صالحة لمختلف المواقف (عوضاً عن موقفٍ بعينه) بسبب طبيعتها التجريدية. عندما إنتهت سنتي الدراسية عام 1976 وأنا في مرحلة الثاني متوسّط كنت قد أكملتُ دراسة كتاب (الرياضيات المعاصرة) وحلّ كافة أسئلته بصورة مفصّلة. لكنّ الأهمّ من كلّ ذلك هو السعادة العقلية القصوى التي إجتنيتها من معايشة الأفكار والمفاهيم التي تختصّ بتأريخ التطوّر المفاهيمي للرياضيات (حسبان التفاضل والتكامل بخاصة) – ذلك التطوّر الذي حسبته رافعة ستعينني في إختراق آفاق جديدة في قابلات الأيام، ولذلك حكايات طريفة مشبعة باللذة والنشوة، وربما سأحكيها في مواضع أخرى. لابأس من التصريح هنا أنني قرأتُ الكتابين العظيمين (رجال الرياضيات Men of Mathematics) و (تطوّر الرياضياتDevelopment of Mathematic) اللذين كتبهما البروفسور (إيريك تمبل بِل E. T. Bell). وكم جال ببالي طيف الرياضياتيين العظماء لكنّ إثنين منهم إستهوياني كثيراً وملكا كلّ خيالاتي: أوّلهما هو (ليونارد اويلر Leonard Euler ) والثاني هو (جون فون نيومان John von Neumann ) ويرجع السبب وراء ذلك لكوني شغوفاً بالتداخلات البينية المعشّقة Interdisciplinarity بين الفروع الرياضياتية والفيزيائية وكلّ الإشتغالات المعرفية الأخرى، ويتملّكني نفور طبيعي -هو أقرب للحساسية المرضية- من كلّ إرتكان إلى تخصّص ضيّق بليد مثلما هو سائد في أوساطنا، ولعلّ من سخف الزمان أن أنتهي مهندساً بين جمهرة مهندسين لم أر فيهم سوى مثالاً لانسداد الآفاق المعرفية والفرح بمحض حيازة لقب مهندس! وأنا هنا أحكي عن مهندسينا بالطبع. لكنّ الحال يختلف بالتأكيد مع مهندسي MIT، على سبيل المثال، إذ قلّما تجد أحدهم لم يعشّق دراسته الهندسية بدراسة رياضياتية أو فيزيائية أو فلسفية أو أدبية أو أي فرع معرفي آخر .
عندما تساءلتُ عن العقل الديناميكي الذي يقف وراء مشروع الرياضيات المعاصرة عرفتُ – بمعونة خال والدي الدكتور ( كريم متي) أستاذ الفلسفة الإغريقية في جامعة بغداد – أنه الدكتور (ريمون نجيب شكّوري). ومنذ ذلك الحين ظلّ هذا الإسم محفوراً في ذاكرتي كنموذج للعقلية الديناميكية الثورية التي تسعى لخلق رجّات كهربائية في النظام التعليمي الرياضياتي المتكلّس وإعادة خلقه على أسس مفاهيمية تراعي التوازن بين فلسفة الأفكار والمفاهيم من جهة والمهارات الإحتسابية وحلّ المعضلات من جهة أخرى.
إنتهى مشروع تطوير تدريس الرياضيات إلى الوأد على أيدي التقليديين الذين إدّعوا أن هذه الرياضيات ساهمت في تخريب المهارات الأساسية للطلاب، والحقّ أن تلك الرياضيات كانت تمنح المهارات الإحتسابية مساحة ليست قليلة أبداً لكنّ شهوة القتل تجاه كلّ وافد جديد هي التي تغلّبت في نهاية المطاف. وقد إشترك في حفلة القتل تلك جماعات عديدة من بينهم أساتذة جامعات من التخصّصات الهندسية بخاصة.
على المستوى الشخصي ظلّ شغفي بالرياضيات -تأريخاً وفلسفة- يتنامى بلا حدود، وكانت قائمة مقروءاتي تحوي على الدوام موضوعاتٍ في تأريخ العلم وفلسفته، ويحضرُني في هذا الجانب كتاب قرأته في ثمانينيات القرن الماضي بعنوان (الرياضيات والبحث عن المعرفة) للبروفسور (موريس كلاين Morris Kline )*، وقد صدر الكتاب مترجماً عن دار الشؤون الثقافية العامة التي شهدت نشاطاً محموماً في نشر المطبوعات الثرية ذات المحتوى المعرفي الفخم وبخاصة في الموضوعات العلمية غير المطروقة من قبل. أعانتني لغتي الإنكليزية المتينة التي تعلّمتُ فنونها بجهود ذاتية خالصة -كعادتي دوماً مع كلّ الفروع المعرفية- في قراءة القليل المتاح من المطبوعات الإنكليزية الخاصة بالرياضيات والفيزياء والفلسفة، وكانت مكتبة المعهد الثقافي البريطاني وكذلك مكتبة كلية الهندسة خير معين لي في هذا الأمر. وأذكر بين عشرات الكتب التي قرأتها آنذاك كتاباً بعنوان (فلسفة ميكانيك الكمّ The Philosophy of Quantum Mechanics ) للبروفسور (ماكس جامر Max Jammer ) وظلّ ذلك الكتاب بغلافه الفستقيّ الجذّاب رفيقي اليومي طيلة سنتي الأولى في كلية الهندسة .
* * * * *
جالت هذه الموضوعات بخيالي وأنا أطالع حكاية الدكتور ريمون مع المنشفة، فانتبهت إلى ضرورة الإنتباه والتركيز على المادة التي أراها مسطورة على شاشة حاسوبي، وهنا لجمتُ خيالاتي اللذيذة التي أعادتني إلى ذكرياتي البغدادية أيام كنّا نتوسّم تعزيزاً للجرعة الليبرالية التي سادت البيئة العراقية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ثم إنتهت بنا إلى خواء وتفاهة. عرفت بعد بضع صفحات من القراءة أنّ الدكتور ريمون إنّما يشكّل مسرودة حكائية تجعل من الرياضيات مادتها الفكرية والمفاهيمية وتتمحور حول شخصية (آرلين مونيهان): طالبة العلوم البيولوجية في جامعة ولاية أيوا التي كان ريمون شكوري طالباً مُبتعثاً فيها لنيل الدكتوراه في الرياضيات. وهنا نلمح أن الحكاية هي جزء من سيرة ذاتية فكرية تغطي حوالي بضع ساعات فحسب من الزمن الذي إلتقى خلاله الطالب ريمون مع آرلين. وكان ذلك اللقاء أقرب لمنعطف مفصلي في حياة آرلين التي عشقت الرياضيات بعد كراهة لها، بل حتى أنها جعلت من بحث في البيولوجيا الرياضياتية موضوعاً لرسالتها في الدكتوراه بجامعة تكساس / أوستن فيما بعد.
لاأراني هنا بالطبع مُخوّلاً بالكشف عن تفاصيل الحكاية الماتعة التي هي أقربُ لحكاية عن تأريخ الأفكار الرياضياتية التي جعلت من وجبة بيتزا محوراً لمداولاتها الرشيقة، وقد راقت لي تلك الحكاية إلى أبعد الحدود وبخاصة في موضعين: الأول عند الحديث عن مساحة منطقة دائرية (هي قرص البيتزا) باعتبارها تقريباً لمجموعة مختارة كيفياً من الشرائح الصغيرة، وأما الثاني فهو الحديث عن الهندسة الكسورية Fractal Geometry التي وضعها (بينوا ماندلبروت Benoit Mandelbrot) وهي الموضوعة التي إختصّت بالمنشفة التي جاءت عنواناً لتلك الحكاية وأجابت عن التساؤل الخاص به بسبب كون الرقم الكسوري للمنشفة أعلى من نظيره لقطعة القماش الملساء. كان ذكر الهندسة الكسورية في هذه الحكاية تذكيراً لي بضرورة قراءة كتاب السيرة الذاتية للبروفسور (ماندلبروت) المعنون (رجل الكسوريات The Fractalist) -ذلك الكتاب الذي يقبع في ذاكرة حاسوبي منتظراً القراءة بين قائمة طويلة من الكتب التي أراها فريدة من نوعها.
أرى من جانبي أن حكاية المنشفة تنطوي -إلى جانب قيمتها المعرفية والرياضياتية التأريخية- على جانب حضاري وتربوي كاشف عن قدرة المعلّم الناجح وخصاله الأقرب لفعل السحر في نفوس طلبته ومُحبّيه، وهو قادرٌ بفعل حافز الشغف على إعادة هيكلة مفاهيمهم ورؤيتهم المتصدّعة والمضيّ في الحياة بعزم شغوف ورؤية ملهمة خليقة بفتح آفاق جديدة أمامهم.
* * * * *
نقرأ في تقديم الكتاب المترجم (تطوّر الرواية الحديثة) للبروفسور (جيسي ماتز ) العبارة التالية:
(أنّ كلّ العقول الراقية التي أسهمت مساهمات ثوريّة في الحقل العلميّ أو التقنيّ أو المعرفيّ بعامّة ساهمت بكتابة عملٍ روائيّ أو أكثر لكلّ منها، وربّما كان الأمر يعود إلى حالة البهجة والنشوة المفارقتين للحالات العابرة والمقترنتيْن بكتابة العمل الروائيّ الذي يمتلك خوارزمياته الساحرة والجاذبة لكلّ عقل شغوف خبر الكتابة الروائيّة ولذّتها الفردوسيّة. أذكر في هذا المقام مثلاً عالم الرياضيّات العبقريّ الأمريكيّ (نوربرت واينر Norbert Wiener ) (1894- 1964) واضع أسس علم السيطرة الآليّة Cybernetics الذي كتب رواية (المُغوي The Tempter) المنشورة عام 1959، و كذلك أذكر الفيلسوف البريطانيّ الأشهر برتراند راسل الذي نشر رواية له بعنوان (الشيطان في الضّواحي Satan in the Suburbs (، كما أذكر البروفسور (مارفين مينسكي Marvin Minsky) أستاذ الذكاء الإصطناعيّ والروبوتيّات في معهد ماساتشوستس MIT الأمريكيّ الذائع الشهرة، وَ(جون كينيث غالبريث John Kenneth Galbraith) عالم الإقتصاد والأستاذ الجامعيّ المرموق الذي عمل سفيراً كذلك -هؤلاء كلهم وآخرون كثيرون نشروا أعمالاً روائيّة مرموقة إلى جانب إشتغالاتهم المعرفيّة الرائعة ، ولن أنسى بالتأكيد الكثير من الفيزيائيّين الذين نشروا أعمالاً روائيّة من أمثال ريبيكا غولدشتاين Rebecca Goldstein و آلان لايتمان Alan Lightman . هنا لاينبغي الظنّ في هذا الموضع بأن هؤلاء كتبوا الرواية في إطار رواية ( الخيال العلميّ ) القريبة من إشتغالاتهم المعرفية ؛ بل هم كتبوا روايات في كلّ الأجناس الروائيّة المعروفة وماكانت أعمالهم مفتقدةً إلى الصنعة الفنيّة والحرفنة المهنيّة التي تتطلّبها الكتابة الروائيّة الخلّاقة )** .
إذا قرأنا مسرودة الدكتور ريمون بشأن آرلين على ضوء العبارة السابقة فسنعرف بعضاً من جوانب الشغف العظيم المتعدّد الأشكال الذي يغمر الدكتور ريمون ويدفعه لكتابة مثل هذه الألوان المعرفية البديعة، ولاأحسبه إلا خليقاً بإمتاعنا -فضلاً عن إدهاشنا- بالمزيد من حكاياته الرياضياتية التي قلّما رأينا مثيلاً لها بين المشتغلين الأكاديميين وغير الأكاديميين في بيئتنا العراقية والعربية.

* عرفت لاحقاً أن البروفسور ( كلاين ) وضع كتاباً – بين عشرات الكتب التي ألّفها – بعنوان (الفكر الرياضياتي منذ القدم حتى زماننا الحاضر Mathematical Thought from Ancient to Modern Times ) وهو كتاب ضخم يتجاوز الألف صفحة صدر بأجزاء ثلاثة عن جامعة أكسفورد عام 1972، واعتزمتُ خلال دراستي الثانوية ترجمة هذا الكتاب كاملاً إلى العربية لكنّ كلّ محاولاتي للحصول على النسخة الإنكليزية من الكتاب كان نصيبها الفشل. وكم أشعر بالخذلان وأنا أتطلّع لهذا الكتاب على شاشة حاسوبي بعد حوالي أربعين سنة. يأتيك الشيء الذي جهدت في طلبه لكن في غير أوانه!! تلك واحدة من مثالب العيش في بيئاتنا المُتخمة بالتخلّف ونكران قيمة الوقت والموجودات الفكرية في أوانها.
** تطوّر الرواية الحديثة ، تاليف : جيسي ماتز ، ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي، الطبعة الأولى ، دار المدى ، 2016 .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “فلاح حكمت : ( آرلين ) في مملكة ( ريمون ) الرياضياتية عن الرياضيات والأفكار والثقافة في سياق جوانب من سيرة ذاتية”

  1. نجم عبد علي كريم يقول :

    هل انت فﻻح حكمت اسحاق.. كليه الهندسه جامعة بغداد قسم الهندسه المدنيه .. دوره 1980..
    من سكان منطقة البلديات او بغداد الجديدة… قد تكون صديق قديم لي..
    ارجو منك الجواب..

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"