تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
طبع القاص والروائي “جابر خليفة جابر” بصمته الأسلوبية المميزة على خارطة السرد العراقي عبر فهم عميق لسرّ الحداثة المنبثقة من عمق التراب العراقي (تراب البصرة تحديداً). يذكرنا جهد جابر أو مشروعه بما قاله الراحل الكبير “عبد الرحمن منيف” في رسالة إلى المبدع “شاكر خصباك”: “النجف وحدها تضع مائة رواية أهم وأخطر من ” مائة عام من العزلة”. واعتزازا بتجربة جابر السردية المتفرّدة تبدأ أسرة موقع الناقد العراقي ملفها عنه وتدعو الكتّاب والقرّاء إلى إغنائه بالمقالات والصور والوثائق.

كتاب جابر خليفة جابر القصصي / طريدون ..اتجاهات السرد وتوالداته
علي الامارة

في كتابه القصصي المعنون – طريدون الصادر عام 2006 عن اصدارات جيم البصرة يقدم القاص جابر خليفة جابر نصه في عدة مستويات من القص والرؤية والتوصيل وعدة محاور زمانية ومكانية وسردية متداخلة ومتعاونة مع بعضها لترتفع بالنص الى اعلى مستوى من التاوبل في مساحة التلقي ولتتيح فرصة تاليفية للمتلقي من خلال تفاعله القرائي مع النص المنطوي على فراغات تاويلية ضامنة للمتلقي امكانية ملأها بالذهاب مع النص الى مناطقه المجهولة واسراره الكتابية ومكتوماته النصية وطبقاته البكر المغرية بالابحار النصي حد ان يركب القارئ سفينة الكتابة مع المؤلف مشاركا اياه مخاطر الرحلة النصية وسحر كلماتها وجمالية اسرارها على الرغم من (( ان تاويلات النص وتعدداتها متعلقة اساسا بمؤهلات القارئ ، فالنص بمثابة بصلة ضخمة لا ينتهي تقشيرها ))كما يقول محمد مفتاح في – مجهول البيان –
فالمؤلف يركز منذ المطالع الاولى من النص بانه – سيرويها بعدة طرق – لانه يصارح قارئه ضمن متن نصه بان..
( القصة لا تصف حقائق محددة … بل تخلق صورا )
لكن قارئه الطامح الى المشاركة في التاليف يتجلى من خلال تصريح الراوي المقابل او البديل..
( في أي طريدون حدثت قصتك ، في تلك الغارقة قبل الميلاد ام التي بعده بالفي عام ام ما بينهما من طريدونات وموانئ .. ؟ )
لتنفتح ستارة السرد على مانشيتات تؤثث الحدث والزمن القصصي وتستبطن المكان بادق تفاصيله وان كان هذا المكان رجراجا موزعا بين مدينة وسفينة كما يعلن
( المانشيت الاول : الغوص ) بل ان ظلام الاعماق هو بؤرة السرد ومنطلقه نحو النكثيف والاثارة ، فمن خلال السرد ..
( .. كنت انسج حكايتي ومفرداتها واركبها خيطا .. خيطا وعقدة عقدة اولف بينها وابثها ، والاخرون خلفي ، يهتدون بي وياخذون عني .. )
ومنذ المانشيت الاول نحس نحن القراء المشاركين بان الارض تتحرك تحت اقدامنا فطريدون المدينة التي – ابحر منها هذا المركب – هي نفسها طريدون المتوغلة في اعماق البحر والرواية .. بل اننا نغرق شيئا فشيئا في اعماق النص عندما تغرق طريدون في ظلام بحر مجهول ..
( حتى تخالنا نغذ السير في طرقات طريدون الغارقة في ظلام متراكم .. مر بالمدينة في احدى مراحلها .. )
ان هذا التداخل المكاني هو تداخل لمفردات السرد كلها من زمن وحدث وشخصيات .. بل يتعداه الى وعاء السرد – النص – الموزع او المتداخل بين بر الكلمات وبحرها بين غرق المدينة في البحر وغرق القارئ في النص ..
( وبما ان السفينة – المدينة تنشر هياكلها الخشب مع امتداد الحكايا وعلى طول الزمان .. )
فاننا ايضا القراء البحارة متلقفو بصمات النص ورواته المتعددون نمتد مع فضاء النص الزماني ونحمل عبء لا نهائيته لاننا مصرون على المشاركة في النص والدخول في كلماته وحروفه لنشكل جمله وتعابيره من هواجسنا وضياعنا فيه .. فهو على اية حال بحر واعماق مظلمة ومجهولة .. لكننا قراء مؤلفون ورواة بدلاء وجدنا لنا مكانا في النص قادرون على مسك دفة النص ومنعها من السقوط في هاوية القراءة . فقد اجلسنا المؤلف منذ بداية الرحلة في كابينة القيادة وهو يمخر في عباب الرواية واهوالها ..
كل شي تحت ايدينا .. خارطة النجوم ، محرك بخاري ، اسطرلاب ، جدول فلكي ، مسبار وعدة غوص .. فضلا عن اننا نرتدي بدلات التلقي الزرق كبحارة متماهين مع النص حين صار سفينة .. !
ثم يفصح لنا مانشيت الخرائط بان مدينتنا سفينة غارقة في اعماق الزمن ولكننا قادرون على تلمس طريق الابحار والعودة الى شاطئ الزمن عبر خلاصة مرسومة ضمن الخارطة هي احلام متحولة الى احلام حرب ، احلام امان ، احلام نساء احلام صفوة تشكل طريقا لابحار المدينة هو طريق الاحلام .. فاذا كان المانشيت الاول يوعز الى التماهي مع كتابة النص وقراءته وانكشاف دواعي انبثاقه عبر الغوص في اعماق اللحظة التي تجعل من طريدون نصا قابلا للتاويل والتمظهر على مدى البحر او البر او النص فان مانشيت الخرائط يدخلنا في طريق المدينة السفينة ، اما مانشيت الجدران فتقودنا فيه لغة قص شعرية الى قلب الحكاية وقلب المكان وذاكرته الغائصة في اعماق الارض ..
( اجتاز الزمان المزخرف وادخل ، يقودني طابوق الارضية العريض ، ويتبعني طابور المريدين الى ذاكرة الشناشيل الاخرى الغائصة في الارض .. )
اما قلب الحكاية والمكان معا فهو جدار تمركز عنده الحدث لانه الشاهد بخدوشه وجراحه ونداءاته الخفية على الفقدان والاحلام المدفونة في عيون معصوبة واياد مشدودة الى اسفل الظهر باصابع طليقة تحفر حكايتها على ذاكرة الجدار حتى تجعل منه ضريحا .. صدور من ضوء مشرعة لرصاص الظلام تدفع ظهورها الى قلب جدار المدينة الجانحة في امواج الزمن لتنفخ في الجدار القدرة على الروي والشهادة على ما حدث .. لسان التراب المتخذ من القصة جدارا .. تتساقط عند اسفله الجثث كلمات وادعية ودموع ثكالى .. حد ان يصيح قبطان المركب الترابي – طريدون -:
( لا مدينة بلا جدران ولا جدران بلا اضرحة )
ليعلن مانشيت الاضرحة – التي قامت منذ قيام طريدون التي
( فارت وانتفضت ، ونفضت رقاد المدائن ونحرت على جدرانها خيرة شبابها .. ) فصنعت لهم اضرحة على وجه الارض او في اقصى القلوب .. كيف ترسم هيئة مدينة من هلام تجعل من عشاق البحر لها امتدادا ترابيا وذاكرة جديدة لقصور وحدائق .. ينسحب امام بهائها البحر ليمنحها تدفقا ارضيا على حساب زرقته اللامتناهية وشواطئه المبحرة باتجاه الاعماق .. حتى البحر لا يقف امام تدفق طريدون الارضي او ابحارها فيه ..
لذلك كان لابد من ( الانقاذ : كمانشيت اخير ) .. فالبحر يستدرج المدينة الى غواياته واعماق حكاياته والمدينة تزحف في العراء خارجة من لوعة النخيل وخضرة الشناشيل وصفرة الامل الصحراوية .. لم يبق الا الماء افقا للحكاية وشاهدا على اشتعالها
( فكل الكينونات هنا قريبة من الاشتعال )
فمن تراه يستمر مع وهج الحكاية وقد تقطعت الحبال وانجذبت الى السطح لكن عقد الكلمات لم ينفرط فثمة شواهد ورؤى تنبعث من قلب طريدون من اعماق الكلام تصف ( الخرائب والازمان المتشابكة ) .. هكذا حيث تصبح المدينة سفينة والحكاية رحلة وغوصا في اعماق محفورة على شكل امنية على مسلة الماء لا يقرؤها سوى الذين يجيدون لغة القلوب الغارقة حيث ينتقل الراوي العليم الى التشخيص وذكر الاسماء والاحداث لكي تستمر الحكاية وتنكشف افاقها ..
من هنا زحفت الحكاية نحو شخوصها .. ابطالها الذين سيعلنون ارثها الحدثي الحروفي ويؤثثون فضاءها الزمني بالذكرى والمشاهدة العيانية والفعل الدرامي فهاهو الكابتن شهاب البحر يخرج من اللوحة الزمانية والمكانية ويدخل في قناة بين النخيل والاعناب ويقف في دار ريفي قديم ليصبح شاهدا على بصمات تملا اللوحة لبسطال اسود محفورة اخاديده بقسوة على اللوحة ..
فهنا تاخذ طريدون الحكاية بعدها الثالث الذي هو اللوحة بعد ان اخذت بعديها الاول المدينة والثاني السفينة .. حين بدا الفصل الثاني بـ – تخطيط اول – بقول:
( فجرا : في قلب اللوحة جنحت طريدون قبالة مصافي النفط قريبا من الجرف الغربي .. ) لتدخل مكونات السرد كلها في قلب اللوحة ومن هناك نتابع الحكاية من بين الالوان والظلال وحركة الفرشاة وانتشار الزيت واثار حركة اصابع الرسام .. وهي ترتعش فوق المصائر.. والملامح والازمنة التي تجذبها اللوحة الى يؤرتها السردية .. فثمة لغة اخرى غير لغة الكلمات تؤرخ لطريدون وتراقب حركة البحارة بمنظار تشكيلي وتصويري يحيط بفضاء طريدون ومساحة توالدها وانعكاساتها على الماء .. وصولا الى بعدها الاول حيث الشوارع والازقة والبيوت النائية والجدران التي شهدت الاحداث فصارت مخبرا لها .
اللوحة ترسم اليوم بتفاصيله الوقتية التي تحمل الحدث في طياته وتشير الى الاشخاص الذين يسيرون في فضاء اللوحة مشكلين عمقها وتنامي ظلالها والوانها وما يخبئها فعلهم الدرامي الذي تقتبسه اللوحة من الحكاية او الذي توسع الحكاية به مداها السردي باستعارتها الوان اللوحة السردية او القابلة للسرد .. ففي الفجر : في قلب اللوحة جنحت طريدون ، وفي الضحى : تلاشت الوان المشهد الخلفي ، غاضت فسحة اللازورد ، وبعد الظهيرة يقول الكابتن شهاب البحر : كانت تخطيطات بالحبر الملون يتغير شكلي فيها ، ثم غروبا : يقول الكابتن : الوان الجدران طين ، باحة واسعة تتوسطها سدرة وبرحيتان ..
هكذا تستوعب اللوحة الزمن اليومي للسرد وتسحب الحكاية باتجاه تشكيلاتها اللونية ، والحدثية .. كما يشير اليها البطل الخارج من قلب اللوحة ، والشاهد على الحدث او صانعه . .
( لقد تركت اشكالي كلها وغادرت اللوحة مغامرا بكل شيء .. )
وفي عنوان ( الظل والحاشية ) فمثلما تماهت طريدون السفينة مع اللوحة وتداخلت معها في رسم المكان والحدث فقد سحبت بهذا التماهي البطل الذي يروي الحدث – الكابتن شهاب البحر – ليتحد مع رسام اللوحة فالكابتن يخرج من اللوحة والرسام يخرج من السفينة ..
( هناك في اقصى الزرقة رايته رايت الرسام المجهول بدا شبيها لي وغريبا عني في آن يرتدي بدلتي وحذائي ولمحته يغادر طريدون مجذفا تجاه الظل .)
ثم ما يلبث ان يكمل الروي بما يؤكد هذا التوحد بين الشخصيتين الكابتن والرسام فيمتد بالقول ..
( مضى الشط بي الى صدور الانهار وقادتني الضفاف )
وهي تكملة لطريق او رحلة الرسام الذي نزل من طريدون باتجاه الجرف وظلال النخيل فكان الظل المراد به في فصل ( الظل والحاشية ) هو ظل البرحية وهو ظل القلب وغرامه المزروع في ذلك البيت حيث الفتاة التي هيأت لهذا الظل شجرة حب وارفة وهو بالتالي ظل الحدث و الحكاية المرسومة في واجهة اللوحة كمدينة متحركة ، وهو ظل الزمن – الضحى – الذي امتلا بهواجس العشق والترقب والامل..
( وان ظلا اخضر يجذبه اليه .. )
.. اما الحاشية فهي التعليق على الحدث خارج اللوحة .. هو التسرب الروحي الى هامش الحياة والوقوف على حوافها تاملا وترقبا وتوثيقا ..
وفي فصل ( زوارق وافاريز ) يعود الكابتن الى اللوحة او على الاقل نصفه الاسفل في اللوحة حيث السفينة كلها هناك فعندما ..
( تمايلت احبار اللوحة – كأن السفينة كلها تغرق )
والقوارب هي حلقة الاتصال بين اللوحة والشاطئ بين صورتي طريدون البرية والبحرية .. ولنكن اكثر دقة ونقول المائية لان طريدون ما تزال جاثمة بجنوحها على صدر الشط بعيدة عن حلم الاهوال البحرية .. فصار سكانها – بحارتها اشبه بسكان البر المزروعة اقدامهم في تراب الاقامة الثقيل والمعرضة الى الاعتقال والتلاشي .. (اريد الابحار معكم ، هل استطيع ..؟
– ما الفرق دكانك والباخرة كلاهما لا يبحر..)
وكأن قوارب الانقاذ التي تشبه قلب الفتاة العاشقة حري بها ان تنقذ ساكني البر الى البحر ساكني البر الذين يمضون في التيه والغياب والنسيان ..
( قال جاره : اصعدوه في لاندكروز مظللة الزجاج ومضى ) ..
افاريز الطابوق المنحنية على احلامها تعاني البقاء الصعب وتتودد او تتوسل بقوارب النجاة التي تعاني العطل هي الاخرى .. من يدخل الناس في اللوحة وهل تكفي هذه اللوحة الجانحة لاحتواء الهموم الارضية دون ان تختل الوانها وتسيح احبارها في الماء .. صارت اللوحة هي المخرج الوحيد من السجن الارضي الاخذ بالضيق حد الاغتيال .. زوارق وافاريز تحاول العناق باياد معطلة وفي زمن مريض ..

2-
في ( لوحة زيت )عنوان الجزء الاول من الفصل الثالث تتمرأى المدينة بصورها وحدثها على انعكاسات الزيت وتتراءى طريدون بواقعية كثيفة..
( ساح الزيت ومن انعكاساته نراءت طريدون .. )
فراى – احد – صورته مترجرجة في قلب البساط . و – احد – هو احد البحارة او احد سكان طريدون او احد ابطال او شخصيات الرواية التي يعطيها المؤلف هذه التسمية ذات المجهولية والمعلومية في آن واحد، مجهولية الفرد وذوبانه في الوان اللوحة وشخوصها ، ومعلومية الجماعة وتشكيلها المشهد العام للوحة الطريدونية .. فكما للمدينة وللسفينة تفاصيل رؤى وتشكيلات صورية وحكائية تدل عليها مفردات القص ومكوناته فان للوحة تفاصيلها ومكوناتها التي تشكل الحكاية باسلوبها الفني وانزياحها التصويري .. ففي هذه اللوحة يتمظهر الزيت كمكون رئيس لهيئة اللوحة وخطابها الحكائي بمظاهر عدة سواء شكلته فرشاة بيد بشرية ترصد المشهد العام وتدخله في فضاء اللوحة او شكلته يد القدر او المصادفة حين يسيح الزيت بحركة عشوائية فيتخذ اشكالا عشوائية عدة هي الاخرى، لكنها تشير الى قدر او زمن يلف المدينة فتتمظهر قدريتها في فضاء لوحة او في فضاء ماء وابحار .. لقد كان فضاء اللوحة خطابا سرديا لونيا مندمجا مع خطاب السرد اللغوي الذي سحبه الى عملية السرد وجعله عنصرا فاعلا ومكونا موحيا من مكوناته .. لكنه مكون تعبيري لا شخصاني او زمني او حدثي . مكون يحاول استدراج كل مكونات السرد الى فضائه اللوني .. بساط على باب المقصورة – لوحة زيتية – تتراءى فيه الاسرار وكانه عين سحرية وشاشة تتنقل وتصطاد الحدث ..
( وفي جيب صدريتي نسخة من المفتاح ، كان مرسوما على حاشية البساط فقصصت الرسم لئلا يفضحني والقيته عبر الكوة في الظلام .. ) ..
ان ثراء الغموض في كتاب طريدون القصصي يحفز التاويل على ان يتحرك فيه باكثر من اتجاه معتمدا على تعدد المحاور التي تناول بها الناص النص واتاح لحركته التاليفية مساحة ديناميكية تتوالد منها مساحة التاويل وطاقته الكامنة على المشاركة في النص عبر فسحة التلقي وتجلياته ازاء النص القصصي ..لينتقل من الدلالة الوضعية الى الدلالة الرمزية كما يوضح ابن عربي في الفتوحات المكية حيث يميز بين (( المضمون الاول الذي هو النص من حيث دلالته الوضعية ، والمضمون الثاني الذي هو النص من حيث دلالته الرمزية )) كما يذكر كمال عيد في – فلسفة الادب والفن – او ما يسميه ابن عربي (( وجه الرسالة الاول ( العبارة ) في حين يسمي وجه الرسالة الثاني ( الاشارة ) … )) كما يذكر سعيد الغانمي في – اقنعة النص – فسحة من الوسع او الفاعلية التاويلية بحيث يستطيع المتلقي بموجهاته القرائية ومجساته الاستنباطية ان يستقرا المشهد القصصي او النصي ويضيف اليه او يعيد تركيب مكوناته النصية المترجرجة كرجرجة الزيت على بساط اللوحة او رجرجة الباخرة على امواج دفينة او رجرجة المدينة على قاعدة زمنية زئبقية .. لا تبقي حالا على حاله حتى الاشجار فيها قابلة للمشي والهجرة والرثاء ..
مدينة منكوبة بزمنها المهدور مثل دم جدرانها وانهارها وابنائها واحلامها .. الشواهد كثيرة والشهود قلة فالشهادة الادبية تتطلب تخميرا للنص وذاكرة سليمة خارجة من اتون الحدث ومنفتحة على اجيال مائية منعتقة من سراب الهجير وفالتة من غبار الزمن .. الشهادة الادبية نص محفوف بالامل والالم والكلمة القادرة على الصدم والاستفزاز ومداهمة الفضاء التاملي للاخر الواقف بحذر على طرف المعادلة الكتابية الصعبة حيث لا وقت للكلام سوى الايحاء والتلميح والاشارة بما تبقى من ادوات الكلام الى ما تبقى من هواجس المدينة وشواخصها ..

في افق التاويل ..

للقارئ نصه ايضا في مساحة التاويل مثلما للكاتب نصه .. نص القارئ ذاك الذي يختبئ بين السطور .. النص الذي تهمس به الكلمات دون ان تبوح به على سطح الصفحة الكتابية .. النص الذي يتوغل به القارئ مع النص المكتوب الى اعماق الصفحة حيث يتدرج القارئ مع هذا النص الذي يترسب في قاع الصفحة الى ان يستقر في القاع فيصبح نص القارئ المؤول المنغمس مع موحيات النص … اذن لنقل ان نص الكاتب فوق على سطح الصفحة اما نص القارئ فهناك في القعر او في قاع الصفحة .. هو النص المخبوء في الصفحة لا النص الظاهر .. النص الماخوذ والمدفوع بقوة التاويل الى الاعماق النص المسحوب من الافاق الى الاعماق، الافاق للكاتب والاعماق للقارئ . ولكن أي كاتب واي قارئ .. ؟
كاتب الافاق الذي يجعل من وسع افاقه النصية ملاذا للقراءة وحصة للمشاركة في سلطة التاليف، الكاتب الذي لا يحتكر النص بافق تاويلي ويجعل القراء مشاهدين خارج شاشة العرض النصي .. بل يفتح شاشة العرض على قاعة الحضور فيدخل الجميع الى الى فعالية النص في شاشة نصية ذات ابعاد مجسمة وتجليات متوالدة تغري المشاهد – القارئ – بتجليات قرائية متوالدة ايضا ..
واي قارئ . ؟ القارئ القادر على تسلم جمرة النص من موقد الكتابة مثل الشعلة الاولمبية والذهاب بها الى اعلى نقطة من مكان العرض او الاحتفال بالنص ..
القارئ ذو الابوة على النص القادر على تخليصه من يتمه واجابته على اسئلة الوجود التي يطرحها النص – الطفل – باستمرار ..
هذا القارئ الاب حامل اعباء النص المجيب على اسئلته سواء بالاجوبة الحقيقية المجردة او بالاجوبة التاويلية او التاليفية التي تصبح شيئا فشيئا نصا يترسب في قاع الجواب او قاع الصفحة كما نوهنا ..
ليس هناك حد للحدث في طريدون الرواية سواء كان هذا الحد زمنيا او مكانيا .. بل ان الحدث يسبح على حدود الزمن الى زمن اخر خارج حدود اللوحة الزمنية لذلك اختير الزيت في اللوحة لمحاكاة هذا السيح او الانزياح مثلما اختيرت الباخرة لما في دلالة الابحار من انزياح مكاني وزماني وبالتالي انزياح حدثي .. كل شيء قابل للانزياح في طريدون بدا من المكان الذي هو وعاء الحدث ووعاء مكونات السرد الاخرى .. من هنا صارت صعوبة الامساك بحدث متحرك ضمن وعائه المكاني المتحرك .. زمن عائم على ماء يعوم معه الحدث وقد تعوم معه الرؤية والرؤيا الكتابية الملاحقة لهذا الحدث والمتقصية لحيثياته الشخصية او المكانية .. هذا التحرك السردي الرجراج في طريدون جابر خليفة جابر وسع من افق التاويل لدى القارئ وتحركه القرائي مع النص من ناحية وقطع فكرة الطريق الواحد الى النص ، بدد الطرق وقطع السبل المؤاتية الى طريدون فعلى القارئ ان يبتكر سبيله اليها او يختار الطواف حول النص ومراقبته من الخارج كمن يراقب مدينة غريبا عنها وهنا يسقط القارئ في غربة النص ، او الغربة عنه ..

الضحى .. والجدار

في عنوان ( الضحى ..الجدار ) من كتاب طريدون يلوح لنا جداران يربط بينهما ضحوان ينتميان الى المكان والحدث وضحى واحد هو ضحى اللوحة او الامتداد الزمني للعين السحرية السرية الكامنة في البساط الذي تتراءى عليه صور الشخصيات التي تصنع الحدث او بالاحرى التي تبحث عن تداعياته وبقاياه سواء على وجوه وملامح المفجوعين به – الحدث – او على جدار المدينة الموازي بالسرد لجدار الباخرة فيبدا هذا المقطع او العنوان من الرواية بـ
( ضحى – على سقالاتنا – معلقين كنا ، نحك الصدأ .. )
واي صدأ هذا ؟ هو صدأ جدار الباخرة الحديد .. لكي يطلى هذا الجدار بالصبغ الابيض يقابل هذا الجدار – كما تقول لنا اللوحة – التي تشكل العين السحرية للحدث ، او كما يقول لنا صانع الحدث او الباحث عنه :
( في الجهة اليسرى من اللوحة ، رايت نفسي اجتاز البوابة الرئيسة للمستشفى فجلست – كما يقول البحار احد – على حافة ارجوحتي ودققت النظر .. )
ثم يحيلنا البطل الراوي الى جدار اخر شهد الحدث فاستحق ان يكون جدار المدينة الابيض او الصفحة البضاء التي كتبت عليه قصة ما حدث في قلب المدينة..
( كان جدار العيادة الخارجية ابيض .. )
والوقت ضحى حيث يتوافد المراجعون على العيادة ولكن أي عيادة واي مراجعين .. ؟ سيجيب على السؤال الجدار بدقات قلب المراة المفجوعة باخيها فالمراجعة اذن للذكرى العالقة على الجدار .. .. والمراجعون هم المتبقون من ابناء المدينة الذين يجمعهم او يمثلهم قلب امراة مفجوع او قلب مدينة تنزف دما على جدار اشبه بضريح .. دم يذكره السارد بجملة ايحائية ..
( كانني رايت صف بنادق افقية كسقالاتنا . )
وربما في هذه الاحالة التشبيهية الى ان الجميع شارك في عملية القتل حتى البعيد عن المديتة المنشغل بجدار ابيض اخر بعيد عائم على ماء مسافر .. وبهذا التاويل الغريب يصبح كل شيء صورة لبندقية حتى فرشاة الصبغ البريئة التي تبيض الجدران .. !
غير ان المفجوع يبحث عن شاهد او بديل للذي فجع به ..
( قالت : اتعرف الكابتن شهاب البحر ؟ )
كما ان المفجوع يتماهى مع الازاحة الزمانية والحدثية مثلما تماهى مع الازاحة المكانية فجعل من الجدار ضريحا وذكرى ومراجعة يومية لتطبيب الجراح .. فتنزاح المعاني بحديث المفجوعــــــ(ة)..
( زارنا يوما بقاربه ، دخل حجرة الكتب ، راى الزنج يخرجون وراهم على جذع النخل مصاليب فاغلق المجلد وخرج .. )
هذا الانزياح والاستبدال والتكثيف الشعري لا يتيحه سوى لسان فجيعة مكبوت في صفحات الكتاب الحكائي او في بيوت المدينة المحكية .. ولكن بين الحاكي والمحكي ثمة لوحة زيتية سردية تشير الالوان والتشكيلات فيها الى افاق السرد وتنهل من اعماقه موسعة من فضائه الفني وفضاء التلقي منه ..
كان القاص حريصا على ايحاء الزيت في اكثر النقاط احتداما وبوحا في الخطاب القصصي..
( قل له : صانع الطبول لقد ترك دمه على هذا الجدار ومضى .. )
وفي هذا التصاعد الدرامي ندخل فضاء اللوحة من جديد..
( اشارت الى الخدوش فانتشرت الاضاءة اغرقت اللوحة كلها.. )
مستفيدا من تقنيات اللوحة وما يمكن ان توسع من فضاء الدلالة ثيمة الاضاءة والظل في لوحة اضاءة و حدث وروي وشهادة .. لا على سطح اللوحة – البساط – حسب وانما على سطح الارض التي شهدت الحدث وبالتالي على سطح النص الذي ارّخ بالفن القصصي لهذه الارض .. لتبقى هذه اللوحة – البساط تؤازر السرد وتجدد خطابه وايحاءه ..
( .. تركتها ، في حجرها قربة فخار تنضح ماء وتبلل البساط .. )
البساط اللوحة المعلق عند باب المقصورة في الباخرة كعين خلفية ترصد الحدث وتسجل حواراته بتقنية الزيت الذي يحرص – احد – بطل هذا المقطع من الكتاب على جلبه من المدينة الى السفينة كرابط دلالي وفني بين صورتي المدينة .. ولكن هذا الزيت مادة الكتابة والتوثيق سرعان ما ينتشر بعشوائية اخرى جالبة معها او عاكسة صورا جديدة للوحة تتراءى عليها هيئات البحارة والاشكال الطريدونية المحيطة ..
( حين تنزلق بطة الزيت من يد – احد – الى قاع القارب وينقلب الزيت .. ) !
لينتقل الى عنوان اخر من كتاب – طريدون – لكنه يبدا بزيت اخر يملا بطة الزجاج لتنهض الرواية من جديد بـ ..
( زيت خام ، خاثر وثخين .. )

3-

وبعنوان جديد ( ارجوحة واجنحة ) وبثنائية عنوانية تشي باستبدال الاماكن بين الباخرة والمدينة كارجوحة مكانية يرتقيها البحار – احد – جالب الزيت من المدينة الى الباخرة .. هذا الزيت الذي تتراءى عليه الاشياء ..
( معوجة ، وملونة ، اشياء شتى ) هذه الارجوحة التي تتقدم الى واجهة النص بلغة شعرية وفكرة شعرية..على اساس ان اللغة لها وظيفة خاصة في السرد كما يذكر شارف مزاري في – الاعجاز السردي في القران الكريم – فيوضح (( اللغة تنهض بوظيفة سردية بنائية لا تقل عن وظائف الشخصيات ، والحيز ، والزمان ، والحدث )) من هنا كانت لغة طريدون لغة شعرية او ايحائية او مواربة ..
( هكذا اقفل البحار – احد – يوما حارا حافلا ، اقفله ورمى المفتاح في الشط ثم ارتقى ارجوحته لينام ) ..
كانت ارجوحة – احد – تتحرك بين بحر وبر بين المدينة وانعكاسها المائي القلق كسفينة جانحة عند ضفاف قدرها ..
فالارجوحة بتعبيرها الدلالي القلق الجامع بين حضور وغياب متلاحقين تصلح ان تكون رسالة بين المكانين او الفضائين الذين يتحرك ضمنهما المتارجح – مرتقي الارجوحة – حامل الرسالة المتبادلة سواء كانت حوارا او خبرا او زيتا ..
ويعمق من حركة هذه الارجوحة تشاكلها الثنائي مع اجنحة ( بطة الزيت ) التي يجلبها – احد – من البر الى الماء ، او من الحكاية الى انعكاسها الفني على سطح اللوحة السردية ..
( رايته يقبل من اقصى اللوحة ، يتبعه وجهه ، حزينا كان ودافئا ، عباراته يابسة طفت على زيت اللوحة .. )
كان – احد – يجلب من اليابسة – طريدون الارضية – اخبار قارب الانقاذ ومخلفات الفجيعة وحواره مع رسام القصة ..
( – ما الذي بيدك ؟
– فرشاة ومصبغة الوان ، سارسم قصته ان شاء الله .. )
ويستبدل محتويات طريدون المائية الجانحة بمحتويات طريدون الارضية الجاثمة على صدر الزمن ..

( – لا تخف ، لا تخف ، هل جلبت شيئا ؟
– صامولات ستيل ومطرقة نحاس ، هل تكفي لشراء كيلو طحين ؟ )
احد – رسول طريدون الى الارض وحامل اخبارها وحائك الحديث بين الماء والبر حيث تنسج الحكاية وينجلي نسيجها على سطح لوحة .. او رسول طريدون الى نفسها الى صورتها المنعكسة على المراة او الافق ..
ففي ( صورة صاج ) وهو عنوان جديد من فصل ( طباخ الباخرة ) ينتقل التشخيص التشكيلي من اللوحة – البساط الى المرآة – الصاج الذي هو صاج الخبز نحاسي القلب الذي تبدو صورته على المرآة التي تعكس بدورها نيران مصافي النفط القريبة من طريدون لتشكل هذه النيران – في المرآة – صورة الاشياء وهي تتحرك داخل اللهيب وتذوب كالشمع على صفحة الصاج وفي قلب المرآة ..
( بدت طريدون وكانها تنخلق من نار ، وشيئا فشيئا احتلت الحيز كله وازاحت الصاج .. )
لكن هذه الازاحة تمثل احتواء الصاج لصورة طريدون وتشكلها الفني والصوري كما يردف السرد..
( ومن بين طياته ولدت طريدون )
فاذا كان الاحتواء التشكيلي السابق لطريدون عبر بساط – لوحة البحار – احد – الذي يعلقه على باب مقصورته معبرا عن الحركة الحدثية والتشخيصية لطريدون عبر حركة الزيت وتشكيلاته في اللوحة – البساط فان الاحتواء في هذا الفصل
( طباخ الباخرة ) انتقل الى لغة الطهي أي تحول السرد بتقنيته الازاحية الفنية من لغة الارجوحة بين الضفتين او بين صورتي طريدون المائية والارضية الى لغة الطهي بين نارين نار المصافي ونار المطبخ عبر لغة المرآة التي تتماوج فيها صورة النارين نار صاج الخبز وتشكيلاته الداخلية ونار مصافي النفط وتشكيلاتها الخارجية في المرآة ..على اساس ان المرايا كما يقول اراغون ( هناك مرايا من ماء ، ومرايا من سراب .. لكن الناس بسطاء جدا بحيث لا يفهمون وجود مرايا من صور او كلمات ، ولهذا فان الشعر بالنسبة لهم سر مغلق .. )
وانتقل الروي الى الطباخ الذي يهيء لنا عدسة رؤيوية اخرى للحدث في جانبي طريدون هي عدسة صاج الخبز السحرية التي نرى على صفحتها الحدث وتداعياته ..

نزل الراويان – البطلان – الى الجانب الارضي من طريدون ولكن هذه المرة انتقل زمام السرد بيد الطباخ صاحب العدسة الجديدة للسرد – المرآة – الصاج.. ( احدهما قرب الاطار عند حافة الصاج حيث تمشى البحار قليلا ثم اختفت صورته بين باحة سوق الجمعة وتشكل المشهد الاخر وسط المرآة في قلب كاس .. خرج الطباخ من المصرف متابطا حقيبته نازكة الجلد .. يقول طباخ الباخرة سحبت مبلغ الصك )
ويشرب قنينة بيرة لم يعرف اين اطفا بها ظماه هل في مشرب – علي بابا – في قلب طريدون الارضية ام في المطبخ في قلب طريدون المائية فالعدسة التي يرى بها الطباخ الحدث و المشهد هي نفسها اللامة الجامعة لجانبي الحدث..
( لكني الان ارى الاثنبن مكانا واحدا في منتصف المرآة .. )
ليوحد طباخ طريدون الصورتين والجانبين في بؤرة مرآتية لا تخطئ جانبا او حدثا من المشهد القصصي العام .. بل ان هذه البؤرة تكون اكثر دقة وصدقا في نقل الحدث من صاحب الحدث نفسه ففي المشهد المرآتي تتضح ..
( صورة الكابتن وهو يخترق اطار الصاج فيتلطخ حذاؤه وبدلته بالوحل .. )
لكنه في حالة من البحث عن سر الاثار التي يتركها المجهولون سواء على سجل الباخرة او على صفحة الصاج او على بدلة الكابتن ( من لطخ بدلتي بالوحل ..؟ )
تجيبه المرآة ذات العين السحرية العاكسة للسرد والجاذبة للحدث نحو بؤرة جامعة .. تجيبه على لسان طباخ الباخرة راوي هذا الفصل من الكتاب..
( اجبته في سري : انت سيدي شهاب البحر .. ظهرت اجابتي واضحة على الصاج فانسحبت بوجهي خائفا واتجهت الى منصة الطهي لكي اعد العشاء .. )
يستمر الطباخ الراوي في فصله المقسم الى ثلاثة عناوين .. من الكتاب الذي تقسم في كل فصل الى ثلاثة عناوين وسنقف لاحقا عند هذا التقسيم لانه يتيح مدخلا قرائيا ومفتاحا تاويليا اخر يمكن بواسطته فتح باب النص الكتابي الطريدوني …
والان ندخل مع الطباخ تحت مظلة الشفق حيث ندخل مرة اخرى في انعكاسات الصاج وحديث المرآة .. والعنوان الشعري لهذا الجزء من الفصل يعيدنا الى ماثرة الجدار والضريح مرة اخرى .. فالمظلة هي عباءة الفتاة المحترقة بموقد الذكرى عند جدار خدشته رصاصات الزمن الرديء .. ومثلما يتماهى المشهد السردي في فصل البحار – احد – مع انعكاساته الفنية على اللوحة – البساط ويتصاعد نسغا دراميا مع الحدث .. يتصاعد هنا الهاجس الفني المرآتي الذي يتراءى على المرآة من خلال صاج الخبز ..
ومثلما استقطب الجدار البحار – احد – في عنوان ( جدار .. ضحى ) من فصله الثلاثي فان هذا المكان الجداري يستقطب الطباخ ويسحبه الى اعماق ذاكرته ما تشير القراءة الى ان هذا المكان من طريدون هو مكان جامع للشخصيات والاحداث والامكنة ايضا .. بل والازمنة فقد استجمع هذا الجدار النصي الشخصيات بدأ من شخصية الغائب التي تمنح المكان – الجدار هالة الخلود وانزياح الحدث الى الامكنة والشخصيات الاخرى فالشهيد الذي قضى نحبه عند هذا الجدار والذي كان..
( كأنه نقطة فوضى في نظامهم .. )
حين اقتاده رجال الزمن الرديء..
( واطلقوا النار على صدره ، اطلقوها زخات ومضوا ضمتهم اللاندكروز .. ) ان هذا المكان اصبح نقطة نصية لامة للرواية فعلى مستوى الشخصيات تكمن هنا شخصية الغائب كما ذكرنا وشخصية نور اخته التي تاتي بمظلة الذكرى عباءتها السوداء عند هذا الجدار والذي جذب البحار – احد – في عنوان – ضحى .. جدار – وشخصية البحار في عنوان – مظلة في الشفق – كما ان هذه المراة هي نفسها التي هام يها الكايتن شهاب البحر وصارت حلما ارضيا يحقق انتماءه الروحي والعاطفي به الى طريدون .. فكانت المراة تسال عنه البحارة القادمين من اعماق طريدون الاخرى . .
اما على مستوى الحدث فقد امتد فضاء الحدث الجداري ذو اللمسة القدسية المضمخة بدم الشهادة الى فضاء الاحداث الاخرى فقصة الحب في النص تتراءى بؤرتها عند هذا الجدار بقلب امراة مفجوعة ، ووجه حبيبة تتراءى لحبيبها عبر ضباب الايام الصعبة ما تجعل هاجس الحب والانجذاب الروحي يتمثل على شكل عبارة تتردد بهيئة لازمة ..
( قلبي في ظل البرحية وعلى جذع السدرة قلبها )
كما ان الامتداد المكاني لهذا الجدار يتراءى عبر خطى الشخصيات الرئيسة حاملة ملامح الامكنة الاخرى الرجراجة كالباخرة والطريق الى البر والبر نفسه الذي كانت ملامحه تتشتت بالاحداث الجسام فتحاول ان تتجمع عند جدار يمكن ان يستجمع ملامح المدينة المفقودة في الزمن .. اما الامتداد الزماني فيتمثل بهاجس الذكرى الذي يثيره هذا المكان الجداري عند الشخصيات الرئيسة وارتباطهم الحاضر والمستقبلي به ..
( اتجه الى العيادة الخارجية وحاذا الجدار فاتقدت ذاكرتي .. اضاءت الركن المعتم في المرآة .. رايت نفسي اصغر بسنوات في ذلك المكان اتطلع .. )
لقد جمع هذا المكان خيوط مكونات السرد في نسيج نصي تتجلى عليه الامكنة والازمنة والشخصيات والاحداث في قلب امراة مفجوعة ومعشوقة فالفجع فعل ذاكراتي متعلق بزمن الاحداث الماضية وامتدادها الزمني ، والعشق فعل استقبالي يمتد من اللحظة الراهنة وتداعياتها في حركة الزمن .. ان هذا المكان هو قلب النص الذي تمتد منه خيوطه الفنية وتجلياته على مرآة الصاج او على فضاء اللوحة البساط او الصورة الاخرى الرديفة لطريدون المتمثلة بالباخرة .. ان هذا المكان هو قلب طريدون الارضية .. جمرة السرد الاولى وموقد تفاعلها الاول .. انه ارضية النص الواقعية والحدث والمكان الذي يمثل مستوى السرد الاول الذي تتوالد منه مستويات السرد الاخرى ذات التمظهر الفني والرمزي المنزاح والمتجانس مع اجناس اخرى غير السرد كالشعر حين تتوهج لغة السرد بطاقة شعرية كامنة في الخطاب القصصي تتجلى بالمجاز والتكثيف والصورة الشعرية وغيرها من فنون الشعر .. او بالانزياح الكبير في السرد نحو لغة التشكيل والرسم عبر استخدام مادة الرسم الزيت وعمق اللوحة بظلها واضاءتها وحجمها المحدد باطارها وبالتالي بانعكاساتها على احداث النص او انعكاسات هذه الاحداث عليها..
ففي العنوان التالي – شرائط وشهداء – من فصل طباخ الباخرة ينهض النص بتعبير ومدخل شعري .. كتب كما يكتب النص الشعري
( اندفع الفجر تجاه المصلى ..
واندفعت الازقة توقظ بعضها وتتدفق .. )

4-

حيث نكمل مع طباخ طريدون فصله وشهادته .. ونعود الى صاجه العاكس للمشهد ومطبخه الحدثي المكثف للرؤى والشد النفسي والنصي معا ، هذا القسم او العنوان – شرائط وشهداء – يمكن ان نقترب من قراءته بتقسبمه الى جزئين لما له من اهمية زمنية نصية – داخل النص – وزمنية خارجية ضمن الزمن التاريخي لطريدون ..

فالجزء الاول يتمثل بالحلم الذي رآه الطباخ ضمن مطبخه السردي والذي ياخذه الى اعماق هذا الحلم صاج الخبز حين دارت الارض به وانقلبت شمعتان احترق بنارهما مطبخ طريدون فعكست مرآة السرد ومرآة الزمن الاحداث الشعبانية ، وحرائق طريدون الارضية حين ارتجت طريدون فقمعتها..
( شارات حمر مثلثة ، ودبابات منحت مؤخرتها للغرب ، وسبطاناتها تجاه الجنوب ، شباب ومفارز ، دم ودبابات .. )
تعبير ( متحت مؤخراتها للغرب ) ينطوي على ادانة وسخرية مريرة ..
ولان الراوي طباخ قلم يسلم مطبخه من جياع طريدون الذين هاجموا عنابر المخازن ، و اقتحموا مطبخه .. وامعنوا في قتله لولا ان تنقذه حافة الحلم وتلقيه على اريكته يقظا .. لكن الطباخ كان يحلم بالتغيير داخل الحلم نفسه لذلك كان يردد ( حلم داخل حلم ) ..
هذا الجزء الاول الذي يتراءى لنا على مرآة القراءة وتاويلها ..
اما الجزء الثاني فيتجلى بجلوس الطباخ مع حارس الدفة وما آل اليه هذا اللقاء من تنامي فني وتصاعد درامي سريع ضمن النص
( حارس الدفة : لم يصلحوا قارب الانقاذ ، اعادوه الينا مقطورا
– سيؤجل الابحار اذن ! )
هنا يبدو مصير طريدون كمدينة مؤجلة وحلم عاطل ، وزمن مختبئ في غيب الكلمات ..
نكمل الحوار :
( – مرات ومرات
لا تبحر طريدون من دون قاربها ولن يصلح القارب الا ملاحوها
– من قال هذا ؟
– كل الطاقم هكذا يقول .. )
عبارة ( كل الطاقم ) تشير الى الهاجس الشعبي الذي يرى ان طريدون كمديتة وسفينة وبلد لا تنهض الا باصلاح داخلي من قبل ملاحيها هذا الوعي المبكر بما آلت اليه طريدون في مستقبلها حيث اصبحت هذه الجملة هي الاكثر التصاقا بواقعها ..
كانا يتحاوران وهما ينظران الى قارب الانقاذ ( المشنوق ) اعلى الباخرة .. هنا ينتهي الحوار خارج المطبخ ..
اما في الداخل فقد استكمل هذا الحوار والجزء من الرواية بما يمكن ان نسميه استقرار النص تاريخيا وتوصيل رسالته الدلالية .. اما امتداده الفني فما يزال مفتوحا
نكمل الحوار في الداخل :
( – ما هذا ؟ قال بفم مفتوح ووجه مندهش
– مرآة ! والتفت اليها ، انا ايضا صحت : ما هذا ..؟ )
ولكنها ليست أي مرآة .. حتى لو اندهش الطباخ نفسه ..
انها مرآة السرد والنص ومرآة طريدون الارضية المنعكسة على صورتها في الماء والسفر وبالتالي مرآة الزمن والحدث الطريدوني ..
هنا تكمن ( الطبخة ) النصية وتنضج مستوياتها الخطابية والدلالية ..
فقد كان صاج الخبز ظاهرا على المرآة التي تكلمت مناظرها وانعكاساتها بـ..
( كانت نقاط وتكوينات سود تنبت بسرعة وتتشكل كأسلحة او زنوج .. فوضى مصغرة على النحاس .. جموع وجموع تتدفق ، شباب وشهداء ، لوحوا بالشرائط الخضر وتدفقوا .. )
في نهاية هذا القسم من الفصل الرابع من كتاب طريدون القصصي قدم الطباخ الراوي رؤياه والقى المدينة وانعكاس التاريخ الواقعي على مرآة الزمن والنص .. كما القى الناص ثقل امانته التاريخية دون ان يقع في الارشفة والتوثيق التقليدي .. حيث دخل النص او الفن القصصي فضاء الارخنة ، واقتنص غزالة التاريخ بشباك الكلمة القصصية المنزاحة على الاجناس والفنون الاخرى ..
ثم تاتي الجملة القصصية التي تعطينا التاريخ الذي كنا نبحث عنه ليؤرخ الحدث الشعباني في تاريخ طريدون ..
( كان شعبان بدرا )
ويؤكده الهتاف النصي
( وكان الهتاف يا مهدي .. )
اتضح لنا المشهد الطريدوني رغم ان الطباخ – الراوي اسرع ليحطم المرآة ويحطم الصاج ايضا تحت ظلال الخوف الكثيف .. !

هذا الهتاف النصي – يا مهدي- ينتقل الى الفصل الاخير من الكتاب ( الرسام ) فيظهر بشكل متكرر ومفضوح منذ اقتباس المقطع الشعري الذي يقدم به الفصل وهو مقطع للشاعر حيدر الكعبي الذي يتكرر فيه اسم مهدي خمس مرات .. ثم الاهداء الى الشاعر محمود البريكان – البدوي الذي ير وجهه احد هذا الاهداء الذي يشير الى
( اختفاء ) الرسام في لوحته ..
في هذا الفصل الاخير من الكتاب القصصي – طريدون – مراجعة لمستويي الكتاب : الدلالي – المضموني والنصي – الفني .
وقد جاءت هذه المراجعة على لسان الرسام الذي وقف بجانب لوحته في المعرض ينتظر تكامل اللوحة والاعلان عن فحواها واسرارها ففي هذا الفصل الاخير يتجلى أفقان للنص يوجزان ويعكسان غور الحكاية وتجلياتها الموضوعية والفنية ..
الافق الاول ..
هو افق الكتابة وتحولاتها بين عمق النص القصصي والعودة الى الفراغات السردية لملئها والاجابة على اسئلتها في الفصول السابقة وتوضيح ملامح الشخصيات وجمع خيوط الحدث الرئيس مع الاحداث المتوالدة منه وبين تجليات هذا العمق النصي على اللوحة التي رسمها الرسام لطريدون واحدث فيها امكانية الدخول داخل اللوحة والتصرف بمجريات الاحداث من وراء كواليس الالوان والخطوط والظلال والاضواء او امكانية ايقاظ الشخصية داخل اللوحة او اخفائها عن الانظار .. فالعمق القصصي للنص وملء فراغاته واسئلته ينطوي على ربط بعض الخيوط السردية التي كانت سائبة في الفصول السابقة وجمعها عند الحدث الرئيس او الشخصيات الرئيسة او المكان الرئيس قلب النص حيث يعود الرسام – الناص – الى تلك المسارب السردية ويضع اللمسات الاخيرة على لوحته السردية فتبدو ملامح النص السردي اكثر وضوحا وانسجاما وتناغما مع بعضها واكثر انفتاحا واستسلاما لمفاتيح القراءة وافاق التاويل فتطفو على سطح النص شخصية مهدي الرئيسة صانع الفخار وصانع قرب الماء والطبول .. أي صانع الحياة والفرح وهو ذاته الذي كان يكتب قصة طريدون..
( ساكتب قال لي ، عن بيوت الطين ، عن القتلى من صغار النخل ، عن عمى الجداول ، عن هؤلاء ساكتب .. وكي اقلع باهل قصتي في امان ساضعهم على ظهر مركب شراعي او باخرة .. لنقل سفينة نجاة .. واسميها باسمهم طريدون )
اذن من تلك الشخصية جاءت فكرة كتابة القصة او جاءت القصة نفسها ، وهو نفسه مهدي الشهيد الذي بقيت اثاره على جدار العيادة الشعبية تلك الخدوش التي تركت لغة لا تقرؤها سوى اخته نور حبيبة الكابتن شهاب البحر كابتن طريدون المائية . فشخصية مهدي هي الشاهد والشهيد وهي الظلال الباقية على قلب النص – الجدار لغة تكتب النص بخدوشها وجراحها ودمها الطري .. حبر الكتابة القصصية ..
وهنا نذكر شخصية مهدي سائق القطار في كتاب ( لزوميات خمسميل – قصائد وحكايات ) حيث مرة يحبس مهدي في سجن بعد ان انقلب القطار وفي المرة الثانية يسكن – يغيب – في احد القطارات المهجورة .. !
اما عن العمق الفني – اللوحاتي في كتاب طريدون فتمثله بشخصية يحيى الرسام الشبح الحاضر في كل حركات الشخصيات وتنقلها وتحولاتها ومواقفها الحرجة لانها تحدث وتتحرك داخل لوحته هو المتحكم بالوانها ومساحتها وظلالها وبالتالي بما يحدث في اعماقها والاهم من هذا ان هذه الشخصية هي امتداد لشخصية مهدي والمتوالدة منها ولا سيما على مستوى الكتابة فمهدي صاحب النص المكتوب ويحيى صاحب النص المرسوم المنطلق او المقتبس من النص المكتوب بالحبر والدم..
( هل ستبدو باخرتي على اللوحة بكامل ابهتها ؟ ايها سيتشكل اولا ، تخطيطات الحبر بزرقته ام مشاهد الزيت ام اشتعالات الشمع الطباشيرية ؟ )
وهذا يقودنا الى التسلسل النصي في كتاب طريدون حيث كان فصل الكابتن شهاب البحر بتخطيطات الحبر كمادة اولية لخلق اللوحة اما الفصل الذي تلاه فصل البحار – احد – فكانت لغته بلوحة الزيت ، اما فصل الطباخ فكان بلغة الطباشير على صاج الخبز .. أي ان الرواية تحركت حركة تشكيلية بمكونات اللوحة وتصاعدها وتناميها الدرامي
حبر ← زيت ← طباشير
فكانت دراما النص قد القت ظلالها على دراما اللوحة بمكوناتها وتسلسلها الفني ..
كان هناك نص تشكيلي مواز للنص السردي ومتوالد منه ومتداخل معه … خيالان مزدوجان صنعا طريدون وجعلاها نصا مقروءا ومنظورا له على قماش .. مثلما اطلقاها متوالدة من شكلها وكيانها الارضي الى كيانها المائي ، او صورتها المنعكسة على صفحة الماء .. تواشج انساني وفني ونصي خلق طريدون النص والهيكل والتراب ..
( طريدون الام ، الارض ، مركب النجاة التي تمنيتها ، انا وانت ، وخلقناها بخيالاتنا معا ، انفقنا طاقاتنا بانشائها )
ولتوضيح التواشج اكثر ..
( جمعناها معا من ادغال الحبر وتعرجات الطين .. )
فصارت طريدون واقعا وحلما ، اقامة وسفرا .. مدينة وباخرة ، نصا ولوحة .. وصارت مجازا يمكن ان ينزاح الى أي جهة كانت سواء على الارض او على الماء او على الورق ..اما
الافق الثاني
فهو افق الانتظار افق الاختفاء والغياب والترقب وينكشف هذا الافق كما اشرنا من المقطع الشعري و … البدوي الذي لم ير وجهه احد ، ثم ان التسمية للشخصية الرئيسة التي تحيل الى الانتظار والى لحظة الخلاص .. ولكنها تحمل في طياتها وطاة الغياب الثقيل وقلق الترقب .. ولنقف عند هذه المهيمنات الثلاث – الغياب والترقب والخلاص –
فالغياب هو الاختفاء والتاجيل والدخول في لوحة الزمن والتخفي خلف ظلالها والوانها وتفاصيلها الاخرى .. و كما يقول تودوروف ( ان العلاقات الغيابية علاقات معنى وترميز فهذا الدال ( يدل ) على ذاك المدلول وهذا الحدث يستدعي حدثا ، وهذا الفصل الروائي يرمز الى فكرة ما ، وذلك الفصل يصور نفسية ما . اما العلاقات الحضورية قهي علاقات تشكيل وبناء ) فهناك غيابات عدة في النص سواء غياب الرسام في لوحته او تغييب شخصية – احد – في اللوحة ثم اخراجه منها ، او الغياب الاهم هو استشهاد مهدي واختفاؤه في المشهد الحياتي المعتاد وتجسيد حضوره من خلال افق الترقب او التاثير الخالد للشهادة او البعث المنتظر له كلحظة خلاص ، او استحضاره نصيا عبر تمظهرات النص على اللوحة ..
( وبغيبته انفردت مع اللوحة ، ارسم صديقي باك – مهدي – … اجسد حضوره الحي ، واكمل ما لم يروه لي .. )
او حضوره كلغة تقرؤها الاخت نور على الجدار ، او في لغة البطولة والمواجهة أي ان غيابه يشكل جدلية الغائب الحاضر..
( قالت : هنا قضى مهدي وغاب ، … ، وهذه خدوشهم على الجدران ورصاصاتهم على الجدران اقرؤها لك ، لا تندهش انا اعرف ترجمتها .. )
كان هذا الغياب هو الذي يشكل الخلفية الزرقاء من افق الانتظار ..
اما الترقب فقد بدا منذ وقف الرسام في المعرض قرب لوحته ينتظر..
( تكامل لوحتي ، تجسد مشاهدها جميعا في آن واحد .. )
هذا القلق والتشبث بعقارب الساعة والبحث عن ملامح المصير بين ابتعاد العقارب الزمنية او اقترابهما من بعضهما .. ترقب عودة الغائب او تكامل غيابه على الارض ، وترقب تدفق الكلمات على النص وترقب اكتمال المشهد الخفي داخل اللوحة وساعة عرض خفاياها ..
5-
اما مهيمنة الخلاص فهي الظهور والانبعاث وانفتاح افق الانتظار على فسحة الامل ، والرهان على امساك اللحظة الزمنية وسحبها باتجاه نفحة الخلود المرتجاة ..
( – ولكن متى ستبحر طريدون ؟ سالته
– ستبحر ( طمانني مبتسما ) ستبحر ان شاء الله ، تنفس بعمق ولم اره بعدها .. )
وبما ان مهدي هو صانع الحياة والفرح فهو قادر على منح هذه اللحظة لمرتقبيه ومنتظريه فهو القادر على ( الخروج ) من لوحة الزمن في أي لحظة انبعاث ما جعل هذه اللوحة مفتوحة على افق المشاهدة سواء من المشاهد اليها ، او منها الى المشاهد- الرائي المنتظر..
( لا تحزن ان احترقت قصتك ولا تبتئس فستنهض طريدون من رماد اوراقك ، وسنلتقي بعون الله على ظهرها بعد لحظات .. )
فهناك رديف لاوراق النص المحترقة هو اللوحة والوانها ونصها التشكيلي ، وهناك رديف للانسان الشهيد هو انبعاثه وانشطاره او تكراره في الاجيال القادمة ، او في عيون الناس الذين غاب بين ايديهم ومشاعرهم ورؤاهم ، وبالتالي هناك رديف لطريدون الارضية هي طريدون المائية ، وطريدون النصية ، وطريدون المخبأة بين جدران الزمن .. فلا بد ان تبحر من جديد سواء من عيون اناس ينتظرون ويترقبون او من عمق لوحة او من سطح الماء الذي ارتج وتحرك في استقبال لحظة الخلاص
( الا تسمع ؟ ثمة ما يخضني ، ارتعاد خفي اخاذ ، انظر صواري .. طريدون تنهض من بين طيات الزيت ..
كنت انتظر ان ارى مهدي على اللوحة انتظر ظهوره المبارك
وانتظر ظهور نور .. )
غير ان المنتظر – بكسر الظاء – لم يستسلم لانتظاره الحلمي حين نادوا على الجميع بالخروج من لحظة الحلم في المعرض .. ولا سيما في لحظات الاحتراق ، فانطلق نحو لوحته – نصه ، ولحظة خلاصه مخترقا الزحام بطريقين احدهما النار ، والاخر النور ، ولكنه في الحالتين ذاب في اللوحة .. !

في تاويل الفهرست
بتماهى المؤلف مع لغة اللوحة وقراءتها بشكل اعمق واكثر شمولية حين يقترح لنا – او للقراءة – مدخلا اخر وطريقة تسلسلية مختلفة عن ما قرأنا بها الكتاب وتسلسلنا بتناميه السردي مستبدلا الفصل الاخير ( الرسام ) بدل الاول ( المسلة والمنظار ) ثم يغير عناوين الفصول بينها فيرفع اسماء الشخصيات كعناوين للفصل الثاني والثالث والرابع ( الكابتن شهاب البحر ، احد البحارة ، طباخ الباخرة ) ليضع عنوان الفصل الثاني ( تخطيطات ) والثالث ( ظلال ) والرابع ( اضاءات ) ..
وهو بهذا المقترح القرائي يجعل من النص لوحة قرائية يمكن النظر اليها – قراءتها – من اكثر من جهة مثلما ننظر الى اللوحة المعلقة على جدار – بحرية نظر – ومشاهدة تمكننا ان نبدا من اكثر من نقطة على اللوحة بلا تسلسل بصري محدد فتكون قراءتنا للوحة مرهونة بما يستدرج بصرنا اليها من الوان وظلال وثيمة ودلالة موضوع .. قالمؤلف اراد ان يمنح افق القراءة هذه الحرية من الحركة في قراءة النص الذي يحتمل القراءات التشكيلية او السينمائية او الشعرية ولا يقف عند حدود القراءة القصصية المحضة ..
اما التماهي الاخر بهذا المقترح فيكمن في ان توزيع اقسام الكتاب يكون بلغة اللوحة اكثر منه بلغة القص فالفصل الثاني ( تخطيطات ) وهي المرحلة الاولى من تشكيل اللوحة ثم الفصل الثاني ( ظلال ) فهي ظلال اللوحة ومؤثراتها الداخلية وكذلك الفصل الرابع ( اضاءات ) وهي المعادل البصري النشكيلي – او الفني – للظلال على سطح اللوحة .. اما الفصل المعنون ( رسام ) فهذه رسالة قرائية اولية تشير الى ان الذي سيقدم النص لنا هو رسام أي ان النص الذي سنقرؤه هو لوحة جاء بها مؤلفها _ رسامها – الى فضاء القراءة لذلك تقدم هذا الفصل فصول الكتاب في المقترح الثاني للقراءة مقترح قراءة النص من باب اللوحة ..
كما انه يضع في القسم الثاني ( تخطيطات ) مفردة من كل فصل من القراءة الاولى الفهرست الاول فيجمع في الفصل الثاني ( تخطيطات ) – تخطيط اول ، لوحة ، زيت ، صورة صاج – وهذا تدرج للغة اللوحة المتماهية مع لغة النص القصصي وبهذا الجمع لمفردات اللوحة المتماهية مع لغة النص القصصي واضافة مفردات فنية رسمية- من الرسم – اخرى على الفهرست ( ظلال ، اضاءات ) تكون القراءة الثانية متوجهة نحو فضاء اللوحة بشكل اعمق ..

اللازمة المتكررة

اما اللازمة المتكررة عبر فصول الكتاب المكتوبة بخط اوضح واغمق من خطوط النص الباقية فهي تشير الى اهمية هذه الجملة – الصيحة – حين تطفو على سطح النص مثل نشيد مائي يردده البحارة
( لتغتبط شهيدا بقاربك ولترض طريدون عنك ، سيدي شهاب البحر )
وهذه اللازمة تتكرر ثلاث مرات في الكتاب ، وهي دائما تاتي بعد ان ينزل الكابتن شهاب البحر من الباخرة وباخذ قاربا بمجذاف قاصدا الجهة الغربية من الشط فيكون هذا الدعاء البحري الوداعي الذي يشيعه الى طريدون الارض .. تعويذة مائية يرشها البحارة على بدلة الكابتن البيضاء مثل صفحة تنتظر نصا جديدا ..
اما اللازمة الثانية فهي صوت الكابتن نفسه او ايقاع قلبه الذي يتغنى بهذه الجملة كصدى لمشاعره تجاه الفتاة التي احبها – نور – حيث تتوسط بيتهم السدرة والبرحية وهما من اشجار البصرة المعروفة ، والجملة :
( قلبي في ظل البرحية وعلى جذع السدرة قلبها )
وكان الكابتن يراها دائما بخطوط ملونة تدهش بحبرها وانحناءات خطوطها فيعيد قراءتها كأن هذه الجملة تمثل نشيد ضميره وقلبه المتعلق بالسدرة والبرحية حين يكون قلب الحبيبة على جذع السدرة ..
اما اللازمة الثالثة فهي :
( لا تبحر طريدون من دون قاربها ولن يصلح القارب الا ملاحوها )
فهي نشيد الوعي المتضمن جوابا على التاجيل.. تاجيل الزمن الطريدوني .. تاجيل الابحار وتاجيل اصلاح قارب النجاة وتاجيل المستقبل .. او هي الصرخة بوجه حياة مؤجلة ، أي ان طريدون لا تنهض من هوتها الارضية وعطلها على الماء الا بحل من داخلها وبتخطيط وادارة وسياسة وامل من اعماقها ومن عقول ملاحيها وتكاتفهم وانتمائهم الاصيل الى طريدون ..
اذن فهذه اللازمات المتكررة مثلت صيحات مختلفة تاتي من زوايا النص .. مرة بهيئة خطاب سكان طريدون ، ومرة تمثل هاجس البطل ، ومرة تمثل هاجس الوعي الجمعي المستقل ….

قطع / مقارنة

يوسع جابر خليفة جابر من فضاء نصه القصصي على مستوى الزمن والخطاب القصصي فقد رايناه في اكثر من نص قصصي بستجمع اطراف ازمنة مختلفة نحو بؤرة موضوعية نصية تجعل من هذه الازمنة تتجلى بقاسم مشترك واحد هو الحدث الممتدة دلالته بين فضاءات هذه الازمنة .. ولكن الزمن والمرحلة التاريخية حين تنسحب بخيوط النص وحبكته تسحب معها الاماكن والشخصيات التي كانت ماثلة في تلك الازمنة .. فكما ينتقل المؤلف في نص طريدون من زمن الى اخر عبر مرآة السرد المتمثلة في اللوحة مثلا فتكون هناك لقطات سينمائية تصويرية للمشاهدة مقتنصة بعدسة راوية مختفية في فضاء اللوحة الراصدة في طريدون النص – فقد راينا جابر يفعل هذه العدسة في قصته السابقة لطريدون المعنونة – زيد النار – المنشورة ضمن مطبوع – خاتمة القرن – وهو مجموعة قصص لبعض قصاصي البصرة يختمون بمشروعهم القصصي القرن العشرين من تموز 1991 الى تموز 2001 حيث كان جابر احدهم بقصته – زيد النار – التي يجعل فيها من الرسالة القادمة للبطل عبر بريد العشار في البصرة من صديقه الاسير العراقي في صحراء- رفحا – يجعل منها عدسة راوية متحولة ينتقل بها بين زمنين هما العصر العباسي والعصر الحالي لوجود قاسم مشترك فاعل هو الاضطهاد الذي عاشه البطل المتكرر في العصرين امام سلطة جائرة متكررة في العصرين ايضا .. ويجعل من الجنوب المضطهد فضاء للحدث ومفتاحا للتغيير المرتقب ..
( اقرا الرسالة وارى المنابر مشنوقة في ساحة ام البروم )
حيث يكون في رسالة الاسير مستويان من القراءة الاولى القراءة العامة التذكيرية والثانية القراءة الداخلية الايحائية قراءة الاستقراء للزمن ..
( وطه يطل يراسه من بين السطور ، يطل ويكرر ، وستقرا وانت تقرا .. )
تلك الرسالة التي تبحث عن قارئها المرتجى .. اما الاشتراك الاخر مع نص طريدون فياتي عبر الاشارة التاريخية الشعبانية ..
( شط العرب اواخر شعبان – قال له طه واقشعر )
كما ان حدث العبور كان في شط العرب نفسه التي كانت طريدون راسية او جانحة فيه .. كما يذكر الاسير في رسالته في نص – زيد النار – ..
( وانا اسبح وصاحبي يغرق ، يغرق بالرصاص ، وانا اسبح ، رايتها ، سفينة من بياض ، بيارقها خضراء خفاقة والظلام من حولها نور .. )
فهي اذن طريدون كما يؤكد الاسير .. او شبيهتها
( وتذكرت طريدون باخرتك البيضاء )
وهي بالتالي لحظة الخلاص المتمثلة بسفينة النجاة ذات الاحالة الخلفية التاريخية والدينية المعروفة ..
ان نص طريدون حيوي متوالد لراو مختف بين السطور والالوان والجدران كشاهد يدفع يمرآة الحدث الى واجهة النص لكي يرى القارئ ملامحه المنعكسة على ذاكرة المرآة وينغمر مع اسرار النص الذي يتبلور جامعا الغموض والعجائبية واسرار الحياة مثل حبة لقاح … !
انتهى
علي الامارة

*عن مركز النور


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"