تابعنا على فيسبوك وتويتر

كُن رفيقي وأَعِد العيد إلى زمن المجد بالكرامة.

كتبت لمعايدة، وعُدت وكتبت، وكان في الكلمات بهيّ الصّور وصادق وجميل ورائع المشاعر، مِمّا يحمل من ذاتي بعضاً إلى الأصدقاء والأحبّة، حتى مَن لَم ألتقِهم بعد: الأحبّةُ بالقوّة بفعل النّبل والصّفاء. ولكنّ حزنَ الأوطان المسروقة، وغصّة الحياة المسلوبة، وجرح الكرامات المغتصبة، والغضب من فجور داعرٍ يبيع فيه أشباه الإنسان ما لهم وما ليس لهم، ويرتدون أقنعة الطّهر والتعفّف والاستقامة ومزاعم الإنسانيّة والنقاء، دفع بي إلى ذاتي ثائرةً على الذّات، وحمَلتني الشفافيّة والرّغبة في صدق الأمنيات إلى معنى الميلاد (بمفهومي على الأقل): الميلاد يعني أن تولد ببهجة وفرح يكونان عظيمين عندما أنت من الحقيقة ومن أجلها. وفي كلّ لحظة، ومع كلّ فكرة جميلة أولد بالحقيقة ومنها، فيكون فرح عظيم من مجد الانتماء لها، لحرّيتي. هذا الفرح أعظم عندما أراك تولد من الحقيقة حُرّا ويكون مجد أعظم.
كان عليّ ألا أكتفي بالمقدّمة، وأن أجاهر. وها أنا أفعل. أنا لا أجازف ولا أغامر عندما أنتمي إلى الحقيقة. الحقيقة مواجهة. نعم، إنّ مواجهة النَزَق العام تبدو عبثية ولكنّها في وقت ما لا بل في كلّ وقت واجبة. النّزق والغباء والفجور يفلسِف فراغه ويزعم انتماءاً بدوره إلى الحقيقة، ويُحدّدها بما يخدم مصالحه. والخلافُ، اليوم وفي كلّ زمن، بين الحقيقة المطلقة ومزاعم تحديد الحقيقة في صلب الصراع بين الإنسانيّة والفساد. وأسوأ الفساد أن تُقنع البسطاء أنّك هنا من أجلهم في الطقوس على أشكالها، والسلطة على أنواعها، وبعض الفاسدين خبراء وعلى وشك أن يسألوا النّاس أن تُقيم احتفالات الشّكر لأنّهم هنا، وقد يكلّفون أشباه فنّانين برقص وغناء وقصائد وسيَر ومسارح وأفلام وشاشات وإذاعات، ولن ينسوا وسائل التواصل الاجتماعي، يريدون أن تعمّ الاحتفالات بهم، ليس تقديسا لهم ،يزعمون، إنّما من أجل فرح البشر، ومن أجل الثقافة برأيهم طبعاً. أعلنت وأُعلن أنّ لا حقيقة في الواقعيّة والواقع والبراغماتية الماديّة، فلا تتركوا غسل الأدمغة ينال منكم . لا يا سيداتي، لا يا سادتي. الحقيقة ليست في المادّية ولا في الفكر المادّي، ولا في فكر يزعم الروحانيّة وهو غارق في أوحال المادّة. الحقيقة في تحديدي لها هي الجميل المطلق، والطريق إليها الذي يجب ألا يخرج من دائرة الكرامة اللانهائية، هو القداسة المدنيّة والإبداعيّة. والجميل والقداسة المدنيّة ليسا مجرّد كلمات. ولا مجال للفصل بين المبدأ والميدانيّة.
في كل عيد نتبادل مفردات المجد وعبارة “أعياد مجيدة”. أسأل عن المجد كياناً وجِهةً في حياة الباحثين عن لقمة أو فراش في تلال النفايات؟ أين المجد في حياة الأحياء دون خط الفقر؟ أيّ مجد نعني؟ وما المجد؟ أهو مجد للإنسان، أو مجد للإنسانية، أو مجد للبشر؟ أهو مجد للأرض أم السماوات؟ نعم ، أيّ مجد نعني، وأيّ مجد هو؟ أهو مجد للملائكة أم الشياطين؟ أهو المجد لفلاسفة أو علمانيين أم لفصيلة قرود من دون سواها؟ أهو لندرة قدّيسين وقضاة أم لفصيل من الضباع أوالثعالب ؟ أهو لشرفاء من المربّين والفنّانين والمفكّرين أم لأسراب من الغربان او لأرتال من العقارب؟ أمّا إنْ كان المتعايدون يعنون : المجد للّه، تلك العبارة التي يتبادلها الرهبان في تواضعهم ورفعة التزامهم ونضالهم من أجل الفقراء ومن أجل الكلمة والحياة فلا تتركوا الفساد يسرق الكلمة كما يسرق القسَمَ نكْث أو خيانة ويسرق النذورَ جحود والتفاف على التفاهة في تأليه ذات.
أحبتي، المجد في القوّة والجميل، والعالم غارق في العنف والبشاعة.
المجد في الكرامة والمحبة، والعالم غارق في الذلّ والإذلال والتذلّل.
المجد في الشّهامة، واللانفعيّة، ورفض المادّية، والتواضع، والعالم غارق في الدناءة والنفعيّة والمكابرة.
أيّ مجد هو أن يعيش البشر خارج الحقيقة الإنسانية : العالم في زيف ونفاق.
أبها المحتفل بالعيد وأنت سارقه، أين المجد وأنت تحوّل الناس أرقاماً، ولقمةً لمجدك وعيدك؟ أين المجد وأنت تستعبد الناس وتمنع عنهم مجدهم في حرّيتهم؟ أهو هديّة لك من أجل مجدك وعيدك. أين المجد وأنت ترسم للناس أنفاسهم وخلجاتهم ونبض قلوبهم وتصادر كرامات الأفراد والشّعوب وتمنع عنهم مجد كرامتهم؟ أين المجد وأنت سارق ذليل أو متسوّل من أجل سلطة؟ أين المجد وعلى الطّريق متسوّلّة أو متسوّل وكرامات تُشرى وتُباع؟ أين المجد ودُور حفظ كرامة أطفال أو مسنّين، تحوّلت إلى سجون أو مسالخ أو قاعات انتظار بات سكّانها يتمنّون الرحيل؟ أين المجد وهناك من يُربّي على الاستهلاك والفساد؟ أين المجد إنْ أنت في موقع مربّي وأنت مُجرّد بائع معلومات أو ضابط وقت؟ أين المجد وأنت باحث عن سلطة من أجل استغلال؟ أين المجد وأنت في موقع سلطةٍ ما وما أنت بأهل لها؟ أين المجد إنْ تجعل مرؤوسيك في حزب أو مؤسسة من الأغبياء الأتباع أو المتزلّفين المنتظرين سقوطك؟
يليق المجد بالأطهار والأصفياء وحدهم، يليق بالشهداء الأبرار، يليق بالأنقياء الشفّافين، يليق بالمنخرطين في خدمة الإنسان من دون مصلحة شخصية،…. وهؤلاء في حال فرح الصفاء والعيد حاضر بهم، وإن تعايدوا لا زيف في مشاعرهم ولا في أمنياتهم…. أما المتعايدون المتاجرون بالعيد من محتكريّ العيد ومغتصبيه، فنسأل لهم شفاء من أنانيّة ونرجسيّة وجُوع لا ينتهي رغم المآدب الحافلة، ومن فقر مُدقع رغم ثرواتهم الباطلة.
أيّها المتعايدون. أتمنى لكم في عيد قادم ألا تستعدّوا للعيد بمزيد من التشاطر، أو بمزيد من التآمر، أو بمزيد من التهافت على التبعية، أو بمزيد من الصّمت وتقبيل الأيادي والزّحف….. أيّها المتعايدون، أتمنّى لكم في عيد قادم وزارات ثقافة تُعيد الحياة إلى القيم وتُعيد القيم إلى الحياة. وتربية على ثقافة الحياة وتبني إنساناً ممتنعاً على الاستهلاك مُحصّناً ضد العنف والتطرّف فيكون مجد الانتماء للإنسان.
أيّها المؤمنون بالله وإن اختلفتم على التفاصيل أعيدوا لمجده صداه في كرامة البشر.
أيّها المؤمنون بالوطن وإن اختلفتم على التفاصيل أعيدوا للوطن معناه بثقافة القيم.
أيّها المؤمنون بالإنسان وإن اختلفتم على التفاصيل أعيدوا للإنسان معناه بحرّيته.
أيّها المؤمنون بالحرّيّة وإن اختلفتم على التفاصيل أعيدوا للحرية صوتها بالفكر والكلمة.
أيّها المؤمنون بالفكر والكلمة وإن اختلفتم على التفاصيل أعيدوا للكلمة فعلها بإسقاط الأقنعة. والخلاص من الأقنعة قضاة أحرار هم قيم العيد. ليكن العيدَ في الخروج من انتظار، انتظر النّاس في وطني ما يكفي لأكثر من حياة. ليكن العيد في رداء الطّهارة والعدالة والشّفافيّة. ليكن العيد في الكرامة والكرامة ترفض ما ليس لها. لن يقع الغارقون في الكفر في هداية، والكافر في لغتي هو المغتصب، كلّ مغتصب، لقد سدّوا النوافذ. لن يبيعوا طائرات ولا مراكب ولا ذهبهم ولا ناطحات سحابهم، ليشاركوا الفقراء لقمة أو دواء. فكُن العيد وانتزع حقوق المغلوبين المُستغَلّين. كُن العيد وتجدّد بفعلٍ وبادر. اغتسل بماء الحياة، وامسح نفسك بزيت الطّهارة، وتعمّد بالكرامة والإرادة والشفافية والصّدق، وقِف إنساناً باحثاً عن كرامتك، تكتمل كرامتُك بحفظك كرامة سواك، كن إنسانا واحْيَ بحرّيتك ، تتقدّس حرّيتك وتسمو إنْ تُقدّس حُرّية سواك. كُن للعيد شاهداً وعلامة. العيد ثقافةُ حياة ونبل. إحمل العيد إلى زمن الكرامة، يكون المجد. العيد ثقافة حياة. كُن رفيقي وأَعِد العيد إلى زمن المجد بالكرامة.

العميد البروفسور جان داود


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"