تابعنا على فيسبوك وتويتر

جبرا ابراهيم جبرا: الثقافة بوابة عشق الحياة*
باهرة محمد عبد اللطيف*
جادت علي الأيام بمعرفة الأديب الشامل الكبير الأستاذ جبرا إبراهيم جبرا، معرفة غدت صداقة وثيقة بتواصل شبه يومي في أعوامه الأخيرة في تسعينيّات القرن الماضي، وكانت أعوام حصار اقتصادي وثقافي عالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. حصار أودى بحياة الآلاف من العراقيين وأطبق خناقه على الكل، فرحل الكثير من مثقفيه وأدبائه وفنانيه، ومات منهم آخرون محسورين بعد أن باعوا أعزّ مقتنيات أرواحهم وأعني بها مكتباتهم ومخطوطاتهم. في تلك الأعوام الحزينة الرمادية التي توقفت فيها الحياة وتراجعت المظاهر والأنشطة الثقافية والفنية والعلمية في البلاد وانقطع العراقيون عن العالم الخارجي وكف الزوار من عرب وأجانب عن زيارة البلاد، بعد أن كانت محجا للعلم والثقافة، كان جبرا يعيش الحصار الخانق مع العراقيين ويعاني ما يعانونه تماما كما عايش في حقب أخرى أفراحهم وانجازاتهم الثقافية والحضارية.
في سنوات الجمر تلك وتحديدا في الأعوام (1990- 1994) توثّقت صداقتي بالمعلّم جبرا كما كان يروق لي أن أناديه، وفي كل مرة كان يعترض بقوله إنه ليس معلما بل صديقا، بكلماته التي تنبثق من تواضعه الجم وألفته ورقي طباعه في التعامل معي ومع الجميع. وهكذا بات لقاؤنا نوعاً من تزود ثقافيّ ومعرفيّ وإنسانيّ لمقاومة الضغط النفسي الهائل الذي ولّده الحصار المحكم الذي تسبب في عزلة تامة للعراقيين عن العالم وحركته، فانقطعت الصحف والكتب والمجلات العربية والاجنبية، فضلا عن الدواء والغذاء وأبسط مستلزمات العيش، وغدا العراق زنزانة محكمة الإغلاق من الخارج والداخل، وجوع بكل معانيه ومستوياته يطبق قبضته على أرواح الناس وأجسادهم وعقولهم.
في تلك الأعوام الكابية كان اللقاء نوعا من عزاء لكلينا، تارة يزورني هو في مقرّ عملي في دار المأمون، وأخرى أزوره أنا في منزله، مع تواصل هاتفيّ يكاد أن يكون يوميّا. وكنت في كلّ مرّة التقيه اغتني كثيرا بالتحاور معه، مثقفا متفردا وإنسانا كبيرا، فهو نموذج ندر نظيره من الأدباء في أدبنا العربي. جبرا المقيم أبدا في المسافة ما بين الأشياء كلها كان يسحرني، فهو ليس بالفلسطينيّ ولا هو بالعراقيّ، كما أنه أيضا ليس بالمثقف العربيّ التقليديّ المحليّ ولا هو بالمثقف المنبهر حدّ الاستلاب بالغرب وأدبه.
جبرا الذي انطلق من فضائه المحليّ الصغير إلى الكونيّة الرحبة وفتن الملايين من قرّائه بأدبه وإنجازه وشخصيته أسرني، بنموذجه الذي يتفلّت من أي تصنيف تقليديّ للمثقف العربيّ، بموقفه من الأدب والثقافة حتى آخر لحظة من حياته. لذا ظلّ المعلم جبرا عصيّا على التصنيف، لأنه كان أكثر من كاتب، وأكثر من روائي، وناقد أدبي وفني، ورسّام وشاعر، بل هو نخبة من كل هؤلاء، وشخصية متفردة تذكّر بمفهوم الأديب الشامل بالمعنى النهضويّ للكلمة.
في السطور التالية بعض من التقاطات مكثت في الذاكرة عن الأديب الكبير جبرا المقيم دوما بيننا، برغم الأعوام المثقلة بالألم التي تجرّعناها كأفراد وشعوب طوال أعوام غيابه- حضوره المستديم.
جبرا المختلف.. جبرا المتفق:
كنت أراقبه وهو ينتقد بموضوعيّة وعلميّة أعمال أدباء وشعراء وفنّانين يقرأ لهم أو يبشر بإبداعاتهم، ولم أشعر في أيّ يوم أنّ نرجسيّته كمبدع تطغى على صوت الناقد الحصيف الذي يراقبه في كلّ لحظة ويحاسبه. كما أنّه شجّع كثيرين ممن استشرف فيهم جذوة الأدب على المواصلة، بل ربما كتب في لحظات من الأدب الجمّ والكرم ما لا يستحقّه البعض، لكنه كان يؤمن بأنّ المبدع لا بد له من الأخذ بأيدي الطالعين من الشباب. وكانت له قدرة هائلة على التسامح حتى مع من تعرّض له بالنقد الجارح أحيانا، الأمر الذي دفع الجميع لاحترامه وإن اختلفت الرؤى والمشارب الايديولوجية.
قال عنه الروائيّ العراقيّ عبد الرحمن مجيد الربيعي: “كان جبرا عقليّة حداثيّة وحتى في اختلافك معها فانك لا تملك الا محبتها والشعور بالقرب منها”، وهذا ما جعله نموذجا فريدا في الأدب العربيّ، بشخصيّته، برؤيته الفكرية، بإبداعه، بعلاقاته، باختلافه عن كلّ ما حوله ومَن حوله. لذا لم يفهمه البعض، ولم يكن ليضيره كثيرا عدم الفهم هذا أو الاختلاف، لأن الأستاذ جبرا نفسه أكّد “أنّ العالم لا يتغيّر بالاتفاق معه بل بالاختلاف معه”.
الأستاذ جبرا الذي كان محدثّا بارعاً، كان يتقن فنّ الإنصات أيضاً، بل ويوحي لمن يتحدّث معه بأهمية ما يقول، تراه يتفاعل ويتألّق حين يستمع إلى فكرة جديدة يقدح لها عقله المتيقّظ برغم أعوامه التي أربت آنذاك على السبعين. وهذا ما كنتُ استشعره حين كنت أحدثه عن الأدب الأسباني أو الأمريكي اللاتيني بحكم دراستي وتخصّصي، وكان يسألني أحياناً عن كاتب أو شاعر أو روائيّ فأفرح لانه يشعرني بأنه لا يمارس أستاذيّة متعالية كما يفعل كثير من أدبائنا، وكان يحرص دوما على أن لا يكون حواره أحاديّ الاتجاه مع المتحدّث إليه، فأشعر بالامتنان له، خصوصا حين تخرج منه تعليقات استحسان لمعلومة جديدة أو فكرة مضيئة. وكان يفاجئني من حين لآخر بمعلومات عن هذا العالم الأمريكي اللاتيني الذي لم تصل نتاجاته إلى ثقافتنا العربية إلا متأخرا، بحكم قراءاته الغزيرة باللغة الانجليزية لنتاجات الأدب والفكر والفن والإبداع الإنساني بكل تجلياته.
أتذكر أنّي في مطلع تسعينات القرن الماضي كنت أتناقش وإياه حول بورخِس الذي وصل عالمنا العربي بصورة ملتبسة عبر الترجمات المتأخرة في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي بينما كانت أعماله قد ترجمت إلى معظم لغات العالم، وكان الأستاذ جبرا قد اطلع على أعمال بورخس الشعرية والقصصية من خلال قراءتها أيضاً باللغة الانجليزية. وذات يوم أقدمت على ترجمة مقال لبورخِس بأسلوبه الصعب على الناطقين بالاسبانية أنفسهم ونشرته في جريدة الجمهورية العراقية، بيد أني خشيت أن أحدّثه عنه لئلا يتناولني بالنقد القاسي، وهو الحجة والعلم في عالم الترجمة الادبية. لكن موقفه أدهشني حين أثنى على ترجمتي، وفي نهاية الحوار تساءل بأدب شديد عن كلمة كنت قد ترجمتها بشيء من التصرف المتمادي. لكنه كعادته، لم يشأ أبدا أن ينتقد أو ينتقص من ترجمتي بل أراد أن يصحح لي برفق المعلم بتلميذه قائلاً لي إن بورخِس يجيد الإنجليزية تماماً -بحكم جدّته الانجليزيّة- وحين استشهد بمقولة ولتر باتر: “كلّ الفنون تطمح إلى حالة الموسيقى أو الحالة الموسيقية” لا أعتقد أنه قد استخدم كلمة “مرتبة” الموسيقى..! شعرت للحظة بالحرج والخجل، وبعد لحظات اعترفت له فعلاً أني لسبب ما لم ترق لي كلمة “حالة” واستبدلتها بكلمة “مرتبة” في تصرّف غير موفّق، وشكرته على ملاحظته الدقيقة والصائبة. وقد اعتقدت لسنوات أن المعلم جبرا بخبرته وذكائه المتقد صحّح لي عن الاسبانية لمعرفته بالنص الأصلي بالانجليزية، وكان درسا لي أفدتُ منه كثيرا في ترجماتي، وفي نقدي ترجمات الآخرين. وبعد أعوام اكتشفتُ وأنا أقرأ كتابه “تأمّلات في بنيان مرمريّ” الفصل الذي كان قد كتبَه عن عشقه الموسيقى بعنوان “الموسيقى غاية الفنون” وفيه يتحدّث عن مقولة ولتر باتر السابقة، فتذكرت فوراً حوارنا ذاك. لقد وجدت في ترجمته هذه تصرفاً جميلاً بليغا للجملة التي لم أحسن ترجمتها، لكنّه بسماحة المعلّم المعرفيّة لم يشأ أن يذكر لي شيئاً عن ترجمته في كتابه الصادر قبل حوارنا بأعوام (عام 1989).
جبرا: كرم الكبار
كم كانت مفاجأتي عظيمة حين ذهبت إليه يوما وأنا أحمل مقالا نقديا مطولا عن روايته الأخيرة “يوميات سراب عفان”، بعد أن أعارني نسخته الوحيدة آنذاك، وسلمته إياه على استحياء من قامة المعلم المهيبة. قرأ الصفحات السبع بصمت وتركيز وعبّر عن إعجابه بأن استأذنني في نشرها في مجلة صديقه الناشر رياض الريس (الناقد) التي كانت تصدر في لندن. لم أصدّق أذنيّ لأنّي كنتُ ومازلتُ أتحرج في التوجه إلى المنابر الثقافية لنشر أعمالي. وبعد صدورها السريع في مجلة (الناقد) توّج سعادتي تلك بأن استأذنني مرة ثانية في نشر المقال في الكتاب التكريمي “القلق وتمجيد الحياة- كتاب تكريم جبرا إبراهيم جبرا” الذي أعده الأديب الراحل عبد الرحمن منيف والذي جمع فيه نخبة من الكتّاب والادباء من أصدقاء ودارسي ومترجمي أدب جبرا.
هكذا حفزني المعلم جبرا، بعلمه وإبداعه، بملاحظاته وحواراته، بحضوره وسعة معرفته، على الكتابة الأدبية وحرّضني على النشر، وترك في عقلي وذائقتي الجمالية مثالا رفيعا استحضرته مئات المرات وأنا أترجم، وأنا أكتب قصيدة النثر وانا أدرّس في جامعة بغداد ولاحقاً في الجامعات الأسبانية. لقد كنتُ ومازلت أرى فيه نموذجاً راقياً للإنسان قبل الأديب، بإبداعه متعدد الوجوه، أتعلم منه ومن رواقيته التي تذكرني برواقية معلمي الآخر، الكبير بورخِس.
جبرا وبورخس:
ذات يوم كنت أتحدّث معه عن أثر “كليلة ودمنة” في ظهور القصة الاسبانية كجنس أدبيّ افتتحه الأديب الاسباني خوان مانويل في القرن الرابع عشر من خلال مجموعته “حكايات الكونت لوكانور”. وفجأة تذكرتُ ما سجله الأستاذ جبرا في مقدمة كتابه المترجم “حكايات من لافونتين” -وقد أعاد نشرها في كتابه “تأملات في بنيان مرمري”- حول ابن المقفع الذي وضع “كليلة ودمنة” بالعربية، مستقيا حكاياته من الخزين القصصي المتوارث محليا، والمتصل من الهند إلى فارس إلى العراق إلى اليونان، وكانت له من البراعة في التأليف ما جعله “يصنّع ” أو “يولّد” الرسائل والسير ليزعم في ما بعد أنّه نقلها عن لغات أخرى، تبعا لما أورده الجاحظ في “البيان والتبيين”. إذاك خطر ببالي أن أسأله: أيمكن للمبدع أن ينكر عمله أو أن ينسبه إلى سواه؟
تحدّث الأستاذ جبرا مدافعا عن الفكرة انطلاقا من النفوذ الذي يمارسه التراث القادم من أمم أخرى، والدور الذي يلعبه في نفس المتلقّي، قارئا ومترجما، ثم أردف: “دعيني أبوح لك بأمر ما، أنا نفسي قمتُ بشيء مماثل لما فعله ابن المقفع إذ دسستُ عمداً حكاية كتبتها على غرار أسلوب لافونتين إلى المجموعة التي ترجمتها والتي تضمنت خمسا وخمسين حكاية”. وحين سألته باندهاش عن غايته من ذلك، ردّ ضاحكا وقال: “محض مزاج خاصّ.. مشاغبة! وسنرى إن كان ثمة من سيتنبه إليها من مترجمين أو نقاد.” علّقت يومئذ قائلة: لعلّها الرغبة في الخلق يا معلمي، بدلا من الاكتفاء باقتفاء أثر المبدع.. ولو كان لافونتين”. فضحك منتشيا بالفكرة ضحكة صافية، مازلت أصغي لرنينها حتى اليوم.
بعد مضيّ أعوام على دراستي أدب بورخِس اكتشفتُ أنّ بورخس أيضا فعل شيئا مماثلا مع كتاب “ألف ليلة وليلة” حين تحدّث عن الليلة 602 التي تروي فيها شهرزاد قصّتها مع الملك، وهي أصلا لاوجود لها في الكتاب الخالد بالصيغة التي رواها، مقلّداً في ذلك أنطوان غالان الذي فعل شيئاً مماثلا أيضا حين ترجمه أول مرة إلى الفرنسية، ليكون حدثا فريدا في تاريخ الآداب الغربية.
الأديب جبرا تحدث عن قراءته “ألف ليلة وليلة” في “البئر الأولى” وكذلك بورخس تحدث عنها في مذكراته يوم قرأها وهو صغير بنسخة بيرتون الانجليزية في مكتبة والده. كنتُ أحدس أن الأستاذ جبرا كان مدركا لما فعله الكبار من قبله وقد حاول السير على خطاهم. وعثرت على الردّ أيضا من خلال كتابه ” تأملات في بنيان مرمري” في الفصل المخصّص للحديث عن (الشعر والفنّ الروائي) إذ خصّ “بورغيس “-كما أسماه نقلا عن الانجليزية- بالذكر في مجال الحديث عن أعمال بورخس، وتحديدا “المتاهات” و”الأقاصيص” -العنوانان مترجمان عن الانجليزية- “وعلاقتهما بالف ليلة وليلة والحكايات العربية القديمة، إذ تتخلّق الشخصيات والأجواء والأحداث من تفاعل الشعر بالعقل واللاعقل معا”.
جبرا في الترجمات الأسبانية:
في أحد الأيام من عام 1993 اتّصل بي الأستاذ جبرا ليحدثني عن مستعربة إسبانية تدعى ماريّا لويسا برييتو قامت بإعداد أطروحة دكتوراه عن الأدب الروائي لجبرا، وقد بدا مهتما بمعرفة فحواها. وفي لقاء لاحق سلّمني نسخة منها، فرحتُ أقرأ له العناوين وأترجم له شفويا بضعة سطور من كل فصل، وقد طلب مني بحرج ولطف شديد أن أترجم له ما أراه مناسبا من الفصول.
أبديت استعدادي الكبير لهذه المهمة، وقد وضعني على اتصال بالمستعربة، وكانت بيننا مخاطبات ورسائل كثيرة. وفعلا ترجمت أجزاءً كثيرة منها، لكن للأسف بعد رحيل الأستاذ جبرا وخروجي المباشر من العراق، توقف المشروع. حاولت الالتقاء بهذه المستعربة في أسبانيا لكن لأسباب أجهلها حتى اللحظة لم أتمكن من ذلك.
وقد قامت ماريا لويسا بنشر بعض فصول بحثها الأكاديمي فضلا عن قصائد له في المطبوعات والمنابر الإسبانية، وترجمتْ أيضا روايته “صيادون في شارع ضيق”. كما قام المستعربان ماريا لوث كوميندادور ولويس ميغيل كانيادا في عام 1998 بترجمة “البئر الأولى” التي لاقت أصداء نقدية طيبة في أوساط المستعربين والمهتمين بالثقافة العربية ونقاد الأدب عموما.
وقبل هؤلاء كان المستعرب الاسباني اللامع مارثيلينو بييغاس، البروفيسور في جامعة أليكانته الذي رحل مبكرا عام 1991 عن سبعة وأربعين عاما والذي ترجم “كليلة ودمنة” إلى الاسبانية، كان مهتما بالأدب العربي القديم والمعاصر على السواء، لذا ترجم لجبرا فضلا عن أدباء آخرين، منهم الروائي المصري الحائز جائزة نوبل: نجيب محفوظ. وكان مارثيلينو قد عقد مقارنة دقيقة بين جبرا وبين الكاتب والشاعر المكسيكيّ -حائز جائزة نوبل أيضا- أوكتافيو باث، ليضيء وجوها مشتركة جمعت بين كلا المبدعين تصل حدّ التماثل في الأفكار والموضوعات حتى أنهما لينطلقان من فهم يكاد يكون واحداً إزاء الفنّ والحياة والحرية، وقد أورد هذا المستعرب أكثر من أربعة عشر قاسما مشتركا بينهما الأمر الذي يؤكد الصفة الانسانية العميقة التي ميزت نتاج جبرا الإبداعي الثرّ.
جبرا وعشق الموسيقى:
عشقَ الأستاذ جبرا الموسيقى منذ طفولته في بيت لحم، يوم كان يؤدّي تراتيل قدّاس يوم الأحد في الكنيسة هو ومجاميع الأطفال، أو ضمن جوق الموسيقى وهو ينشد مع رفاقه الأناشيد الحماسية التي كان يلحّنها مدير المدرسة كما يروي في “البئر الاولى”. ثم درسها وتغلغل عشقها في نفسه حتى غدا بها عارفا خبيرا عبر مراحل حياته، أثناء دراسته في كيمبردج، ثم في القدس وبغداد وحيثما تنقل في مدن العالم، حتى غدت الموسيقى الكلاسيكية خلفية حياته اليومية بكلّ تفاصيلها، ولطالما أكد في كتاباته على تكاملية الفنون في ما بينها. وقد ذكر أمامي مرارا وفي أكثر من حوار ومناسبة أنّ على مَن يتصدى لدراسة أعماله أن يكون ملمّا بها لتكتمل الصورة، وإلا فإنّ فجوات مهمة ستبقى قائمة في أي محاولة لدراستها.
ولأنه يكنّ للموسيقى حبا واهتماما استثنائيين فقد خصّ ولعه هذا بصفحات في “البئر الاولى” و “شارع الاميرات” متحدثا عن بداياته مع الموسيقى الكلاسيكية يوم كان طالبا في الكلية العربية، مسؤولا عن المكتبة وعن المجموعة الموسيقية فيها وعن عزفه آلة الاكورديون. كما تحدّث عن أصدقائه من موسيقيين وعشاق موسيقى لدى وصوله بغداد ومشاركته الفاعلة في جمعية الموسيقى الكلاسيكية التي انشئت في كلية الآداب، ومن خلال المبالغ التي يتبرع بها الطلاب يتم شراء عدد من الاسطوانات التي يُسمعها للطلبة، بعد تقديمٍ يعدّه سلفا لكلّ واحدة من القطع الموسيقية بعيدا عن “الطرب” الذي اعتادوه في الموسيقى العربية. كان هو وأصدقاؤه يقومون بتحليل المقطوعات الكلاسيكية والاستماع إليها لعدة مرات، وقد استشهد كثيرا في كتاباته باسماء كبار الموسيقيين الغربيين وكرس فصولا للموسيقى في كتاباته. برغم ذلك لم يمنعه حبه الموسيقى الكلاسيكية من تضمين بعض رواياته أغنية عراقية شعبية حزينة، كما فعل في روايته “السفينة”.
الأستاذ جبرا بكل خلفيته الموسيقية هذه كان يردد أمامي بما يشبه الأسى:”الموسيقى في أعمالي ليست ديكورا تزينيا أبداً. إنها تدخل في صميم العمل الروائي الذي أكتبه، إلا أن قلة قليلة من النقاد ودارسي أعمالي اهتدت إلى ذلك. خذي مثلا الفصل الذي أتحدث فيه عن مريم الصفار في “البحث عن وليد مسعود”، لقد كانت المقطوعة الموسيقية التي اختارها في آلة التسجيل سببا في حالة الانهيار النفسي والهستيريا التي انتابت مريم بغتة إثر يوم كامل من الجنون والمتعة الحسّية الصاخبة التي عاشاها معا..”. مضيفا بأن الأمر قد يبدو مفتعلا أوغير مبرر لمن يجهل هذه المقطوعة الموسيقية الدينية، حين يتعمد وليد إسماعها هذه الابتهالات الدينية لمونتفردي باللاتينية: “تُعظّم نفسي الربّ لأنه اختارني من بين النساء جميعاً.. وكيف يكون التعظيم سوى بالرقص والتهليل!”.
وحين عدتُ إلى المقطع هذا في الرواية، وكنتُ ممن فاتني الالتفات إلى هذا التوظيف الدقيق لهذه المقطوعة الدينية (الماغنيفيكات) التي ترد على لسان السيدة العذراء، كان وليد فعلا يرمي من خلالها إلى أكثر من مجرد الاستمتاع والرقص على أنغامها بانتشاء. وقد أدركت مريم مقصده، هي التي تحمل اسم العذراء، وقد انزلقت إلى مهاوي الخطيئة والسقوط في بئر عميقة مظلمة، عمق تجاربها الحسّية الصاخبة مع وليد وسواه. لذا ما أن ميزت مريم الموسيقى حتى هبّت من سريرها، وقد أجفلتها بما تحيل إليه من دلالات تمجّد طهر العذراء، تذكّرها بدنسها، فتنفجر في بكاء لم تعرف له مثيلا في حياتها، فهو بكاء تطهيري، وتواصل الانتفاض والنشيج حتى تغرق في غيبوبة عميقة.
ما زرتُ الأستاذ جبرا مرّة في منزله إلا واستمعت إلى الموسيقى الكلاسيكية تتناهى إلي من غرفة مكتبه، ولكم طال بي الوقوف -برغم الموعد المضروب بيننا مسبقا- ولا أملّ فالبيت ينضح موسيقى، ويصعب على الأستاذ جبرا أن يسمع جرس الباب بعد أن خذله سمعه قليلا في أعوامه الأخيرة، وظلّ يداريه بذكائه ويقظته المميزتين. بعد دقائق يطلّ من نافذة مكتبه ليراني واقفة، فيخفض صوت جهاز التسجيل مسرعا، ويفتح الباب معتذرا مرارا بأدبه الجمّ ولطفه المعهود.
مرة واحدة لم يحدث معي هذا وأنا أزوره ذات صباح شتائي شديد الوحشة والبرد، وقد استقرّت دمعةٌ بحجم كوكب في الروح. وقفتُ انتظر، وكان الصوت منسابا من منزل يرشح حزنا، كان صوت الشيخ عبد الباسط ينبعث هذه المرة، وسرعان ما فُتح لي الباب ودخلت.
جبرا: “لميعة والسنة العجائبية”
في مطلع مارس عام 1994 اتّصل بي الأستاذ جبرا وحدّثني مبتهجا عن انتهائه من فصل مهمّ في إثني عشر مقطعا من مذكراته بعد انشغال دام أياما طوالا، تناول فيه واحدة من أهمّ مراحل حياته على الإطلاق، في مطلع الخمسينات في بغداد، مرحلة غيّرت مسار حياته كلّها. وقد فاجئني حقّا عندما طلب منّي أن أقرأ مخطوطة هذا الفصل وأبدي ملاحظاتي بصراحة حوله لأهمّيته بالنسبة له. وقد فرحت كثيرا بتلك الثقة التي أولاني إياها، وقرأت المخطوط بعناية فائقة.
في هذا الفصل يورد الاستاذ جبرا زخم الحياة والأنشطة الثقافية والاجتماعية التي انخرط فيها ببغداد، لكنه “يركز على خيط رئيسيّ واحد من خيوط كثيرة تواشجت في نسيج تلك السنة، يستحق كلّ منها، لو أتيح للمرء زمن لا ينتهي، متابعة خاصة لإبراز النسيج الكلي وتعقيده. هذا الخيط هو التقائي بالمرأة الأروع في حياتي، تلك التي جعلت لكلّ ما حدث لكليْنا آنئذ، وفي السنين اللاحقة، سحرا تتمحور فيه معاني الحياة، ليس فقط كأناس وعلاقات متداخلة يغني بعضها بعضا، وليس فقط كتجارب متواترة تعاش بكل لذاتها وعذاباتها وتناقضاتها، بل كإبداعات أيضا تعطي التجربة كلّ مرة قيمتها العميقة وتفردها الدائم”.(شارع الأميرات، ص 102).
كنتُ صادقة معه في ملاحظاتي التي أوردتها له، وناقشته كثيرا في بعض النقاط التي كان قد حاول تعتيمها أوالقفز عنها. وقد عاتبته بمحبة على حرصه الشديد في عدم التعرض للتابوهات التقليدية وهو المثقف الحر الكبير. لكنه اعتذر متعللا بعدم رغبته في الإساءة أو التجريح لخصوصية هذا الفصل. بعد ذلك راجعنا معا فصول الكتاب كاملة مرتين لتنقيحها قبل صدور طبعته الأولى في سبتمبر من ذلك العام، فكان أن كافئني بواحدة من نسختيْن فور تسلّمهما من الناشر بإهداء لا أجمل منه ولا أعزّ.
على أية حال مذكرات الاستاذ جبرا تلقي الضوء على جانب من حياته، وتبقى جوانب عدة مجهولة، بعضها مبثوث في أعماله الأدبية وأخرى في آلاف الرسائل التي سطرها بالعربية والانجليزية والتي تنتظر الكشف عنها يوما. كما أنّ مذكراته، عمدا، أقصت القبح والإساءة والمواقف العدائية التي جاهر بها البعض على مدى حياته، بفضل روحه المتسامحة، المترعة بقيم الخير والحق والجمال. (لي دراسة مطولة عن “شارع الأميرات”.. أو “جبرا والسنة العجائبية” منشورة في مجلة الأقلام العراقية، العدد 1/3 كانون الثاني- آذار 1995)
جبرا المفتون أبداً بالحياة:
جبرا المفتون بالحياة وتجاربها كانت تسحره طاقة مثل طاقة مارسيل بروست الذي يستطيع أن يعزل نفسه عن الواقع ليكتب ماضيه بتفصيل مذهل، غير أنه كان سرعان ما يعود ليشعر بالفزع حين يدرك أن ثمن ذلك فادح، فهو يتطلّب التخلّي المطلق عن الحياة، عن دفقها الذي هو أشدّ فتنة بالنسبة اليه، من هنا كان يجدّ ليحيا وليحيل هذه الحياة الى إبداع.
يقول بروست “أن يحلم المرء حياته خير من أن يحياها”، في حين أن جبرا كان يرى أن “الحلم هزيمة بقدر ما هو انتصار لانه عزوف عن الحياة”. وهكذا كان قراره بأن يحيا وأن يحلم حياته من خلال الكلمات ومن خلال الأدب والفن ناهلاً في ذلك كله من معين الثقافة الإنسانية الهائل الذي امتلكه، ومغترفا من بئر الذاكرة، من الماضي الذي كان يقول عنه إنه “سفينته إلى جزيرة الحاضر التي يريد استكشافها”.
جبرا الروائي، الناقد، الشاعر، المترجم، الفنان، المعلّم، الشخصية الحداثية الفريدة في ثقافتنا العربية في مرحلة مبكرة من أواسط القرن الماضي، جبرا المحسود أبدا لأنه عاش كثيرا عبر الثقافة ومن أجلها، أغلق برحيله باب الحسد، لكنه لم يفتح للشهرة بابا – كما يقول هوغو عن الموت- ذلك أن الشهرة قد شرعت له أبوابها منذ عقود كثيرة.
*****
*نشرت هذه الشهادة في الملف الخاص بالراحل جبرا ابراهيم جبرا، العدد السادس/ أوت 2017 من المجلة العلمية المحكمة “رؤى فكرية” الصادرة عن مخبر الدراسات اللغوية والأدبية بجامعة سوق أهراس بالجزائر التي ترأس تحريرها الناقدة والباحثة المجتهدة د. بهاء بن نوار.
** كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة بأسبانيا


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

6 تعليقات لـ “باهرة محمد عبد اللطيف* : جبرا ابراهيم جبرا: الثقافة بوابة عشق الحياة* (ملف/6)”

  1. باسم محمد صالح يقول :

    دراسة عن رجل جال في دروب الثقافة جميعهاكتابةً و ترجمةً ونقداً و فناً تشكيلياً ترك بصماته على الساحتين العراقية و العربية و صولاً الى العالمية بقلم أكاديمية عراقية مجتهدة بتواضع

  2. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    شكرا لك عزيزي الدكتور باسم محمد صالح على كرم التعليق.
    مع تحياتي واعتزازي بك وبكلماتك.
    باهرة محمد عبداللطيف.

  3. سمير حنا يقول :

    شكرًا للكاتبة على هذا المقال الرائع الذي أعاد تذكيرنا برجل يمكن ان نطلق عليه مثقف.
    في بداية السبعينات وكنت طالبا في الأكاديمية، ارسلت للمجلة التي يرأس تحريرها، الاستاذ المترجم والكاتب، والفنان، جبرا ابراهيم جبرا، اقصد مجلة العاملون في النفط، قصيدة بالبريد، كنت لا اعرف احد في المجلة، كل الذي اعرفه ان جبرا هو رئيس التحرير، وكنا نحن المسرحين نكن له احتراما خاصا لترجمته الرائعة لبعض مسرحيات شكسبير، وربما قلت في نفسي لو تم نشرها، فهذا يعني اعتراف بأسلوبي في الكتابة، وكم أسعدني ان ارى القصيدة منشورة، واذكر ان اول مبلغ استلمته في حياتي هو 10 دنانير، فقد استلمت رسالة تطلب مني التوجه لمقر المجلة لاستلام المبلغ. والشيء الذي لا أنساه، ان المبلغ كان في داخل الظرف ومعه رسالة قصيرة يشكرني على إرسالي لهم تلك القصيدة، مع تشجيعي بإرسال مواد اخرى.
    كان أسلوبه في استقبال شاب يكتب للمرة الاولى مشجعا، ودعوته لي الى غرفته لاحتساء الشاي، وتدادل حديث قصير معه.

  4. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    بل الشكر موصول لك عزيزي الدكتور سمير حنا على تعليقك الكريم وعلى استذكار الراحل الكبير الأديب جبرا. من المهم جدا أن نغني ذكراه بشهاداتنا، وهو نوع من وفاء مطلوب دوماً في التقاليد الأدبية العريقة.
    تحياتي واعتزازي.

  5. لقد كنت حائرا أثناء القراءة هل ألتفت لما تحكيه باهرة عبد اللطيف عن جبرا الأديب وأتوقّف، ربّما، لأتأمل بما نقلت عنه من أفكار، أم أترك نفسي مستمتعا بنصّها الأدبي ولغتها الفخمة والعميقة. أعاد لي النصّ أجواء “سنين الجمر” تلك. وصف “الصباح البارد الموحش” أعادني فعلا للصباحات الحصارية في عقد التسعينيات في بغداد الكئيبة تلك. اقتباساتها عن جبرا تجعلني أغبطها فعلا أنها التقت بهذا المثقف الكبير الذي أسهم في مجالات إبداع متعدّدة. أصبحت أعرفه أفضل بعد هذه القراءة.
    ومع ذلك فإني أرى في النصّ، ولتسامحني باهرة عبد اللطيف، قصة جميلة عن لقاء بين أديب ومثقف كبير وبين امرأة شابة أديبة ومثقفة. ودون التقليل من قيمة النصّ النقدية الرائعة، ستبقى أجواء ذلك اللقاء قراءة أدبية رائعة أضيفها لذاكرتي الأدبية من بين أجمل ما قرأت.

  6. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    شكرا للصديق العزيز الأستاذ حمودي الحبابي على تعليقك المستفيض وعلى قراءتك المتأنية للمقال وانطباعاتك التي سجلتها بكرم كبير، وعذرا على تأخر الرد لظرف خارج عن إرادتي.

    المقال هو محاولة لاستعادة بعض وجوه معرفتي بالأديب الكبير جبرا الذي اغتنيت كثيرا بمعرفته الشخصية فضلا عن قراءة أعماله الروائية والنقدية القيمة. لقد كان من حسن حظي فعلا أني نعمت بالتتلمذ على يديه من خلال حواراتنا الطويلة المتنوعة.
    لك ياعزيزي أن تقرأ هذا المقال كيفما شئت وستصيب حتما. فاللقاء كان ثقافيا أدبيا- انسانيا بامتياز وسيبقى له حيزه الخاص في ذاكرتي وكتاباتي ماحييت.
    مع الود والاعتزاز

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"