تابعنا على فيسبوك وتويتر

السباعي لايموت في قصصه

وجدان عبدالعزيز

الحقيقة حينما بدأت القراءة والطواف في عوالم مجموعة (ايقاعات الزمن الراقص) للكاتب علي السباعي ، تبادر لذهني قضية التلقي التي اعتمدت على الجهد الذاتي في الادراك حتى الوصول الى التحديد الموضوعي ، وبالتالي ادراك الحالات الجمالية بين ثنايا النصوص التي حملتها هذه المجموعة ، فالنصوص تبقى معلقة تقوم القراءة بانزالها ومشاركتها ، كي تكون المساهمة في استرداد المعاني ، أي ان نظرية التلقي تسعى لاشراك المتلقي بغية تطوير ذوقه الجمالي من خلال التواصل مع النصوص والدخول في مساماتها ، و(يرى كدامير أن فعل القراءة باعتبارها سيرورة تأويلية يرتكز على ثلاث مراحل: هي الفهم والتأويل والتطبيق. ويعني بالفهم كل الأحكام المسبقة التي توجد في وعي المؤول وهو بصدد مواجهة النص لمعالجته. أما التأويل فيعني به ذلك الوجه الجلي، أو المحك الفعلي ، لأنه يطرح صلاحية تلك الأحكام مع معطيات النص أو عدم صلاحيتها. وبطبيعة الحال فإن هاتين المرحلتين تنتميان إلى الأفق الحاضر الذي يعيش فيه المؤول، ومعنى ذلك أن فهم النص فهما شاملا لن يكتمل إلا إذا انتقل المؤول إلى مرحلة التطبيق ليستعيد من خلالها المعاني التي أسندت إلى النص نفسه في آفاق تاريخية ، تتضمن تأويلات الآخرين وقراءاتهم، يستخلص منها ما يلائم أفقه الراهن. وبهذا المعنى يصبح النص الأدبي وغير الأدبي قابلا للتحيين والتطبيق في أحوال وأزمان مختلفة، وقابلا لأن يأخذ معاني جديدة بحسب الوضعية التاريخية للمؤول وأحكامه المسبقة.) ، (وقد استثمر ياوس هذه الأفكار والآراء النقدية سواء في كتابه “نحو جمالية للتلقي” أو في كتابه “نحو هيرمينوطيقا أدبية” حيث ركز في كتابه الأخير على ثلاث مراحل لتأويل النص الأدبي، على غرار المراحل الثلاث التي ارتكز عليها فن الفهم عند كادامير، وهي:

1 ـ القراءة الجمالية أو أفق الإدراك الجمالي وفيها يقوم القارئ بإنجاز فهم متدرج لشكل العمل المدروس أو بنيته.

2-القراءة التأويلية أو أفق التأويل الاسترجاعي  وفيها يبرز القارئ الأفق السابق عن طريق بناء أحد المعاني الممكنة.

3- القراءة التاريخية أو أفق التطبيق ويعيد القارئ فيها، باعتباره مؤرخا، بناء أفق انتظار القراء الأوائل ومراجعة آفاق القراء المتعاقبين.)

بمعنى ان القاريء الاول اضافة الى قدرته الذاتية في فهم النص ومحاولة تأويله يسترجع افق التأويل الاخر ومراجعة القراءات السابقة ، وقد لايكتفي بهذا فإن مهمة القارئ هي مهمة تأويلية في الدرجة الأولى، بحيث يجب أن تكون عملية توضيحية لتلك المعاني الكامنة في النص، والأجدر أن لا يقتصر تأويله على معنى واحد فقط أوعلى معنى سطحي. فالمعنى الكامن الكلي لا يمكن أن يدرك من خلال عملية القراءة فقط ، لكن هذا الأمر هوالذي يجعل المعنى أكثر جوهرية إلى حد أن المرء كلما أعاد القراءة اكتشف معاني أخرى… فعندما ندرك تلك العوامل التي تكون شرطا أساسيا في تكوين المعنى وصياغته، سنكون عندذاك قادرين على استنباط المعنى ، لهذا حملت مجموعة (ايقاعات الزمن الراقص) معاني طفت على السطح واضحة المناحي ، الا ان تجربة الكاتب السباعي دلت على المعاني المخفية ، فلابد من التعمق وتعدد القراءات ، لاسترداد معاني الحزن والخوف واليأس التي اطّرت المجموعة بكاملها ..

ففي القصة التي حملت عنونة المجموعة عاشت الشخصية طوافان الضياع (وفي صمت كنت اتمعن في كلام الدكتور المحاضر ، وهو لايزال مستمرا بإلقاء محاضرته :

ـ اما ان يأكلنا النظام الدولي الجديد او نأكله ـ قد يكون هذا مبهما ، اصم عقيما فقط للوهلة الاولى ـ فلابد ان يحدث تغيير ، جاء في الماضي الاسكندر المقدوني اكل العالم ـ فاكله التاريخ ، جاءت حقبة الحربين ايضا ابتعلهما التاريخ اذن! ستبدأ عقارب الساعة بالتراجع من الرقم الاعلى الى الصفر عكس المعهود ، لن تبدأ من الصفر ، لان الحياة بكونها بدأت من الصفر ، وتخطته الى حواجز عديدة ، سقطت كل الاقنعة ، تكسرت عقاربها على ميناء التاريخ ، تخلصنا من القديم بالدمار . نعم ! التاريخ قد يكون الدمار ، الجوع ، الحرب ، ولن يكون الرقص) هنا برز صراع الانسان الذاتي مع الصراع الحضاري ، فـ(لم يتبدل الوضع الا بالحرب التكنولوجيا ، فالتكنولوجيا تسخرها القوة العظمى للهيمنة على العالم) لماذا؟؟ والشيء بالشيء يذكر فاستعرض جدال هنتغتون بأن العقيدة الأميركية تتعرض للتهديد منذ ستينيات القرن العشرين بظهور حركات الحقوق المدنية وعولمة الاقتصاد، وقرب نهاية الحرب الباردة قلل من أهمية القومية الأميركية. كان هنتغتون معارضا لنظام الكوتا أو المحاصصة في الوظائف والقبول في الجامعات لمجرد أن أحدهم ينتمي لأقلية إثنية، لإن التشريعات الأميركية تنص على التوظيف بناءً على الكفاءة والقدرات وليس العرق أو الدين. كما ركز في جزء كبير من كتابه على الهجرة اللاتينية والمكسيكية تحديداً وأثرها على الولايات المتحدة، يقول هنتغتون أن المهاجرين السابقين والقادمين من خلفيات غير أنجلو سكسونية كانوا يتعلمون اللغة الإنجليزية، تغير هذا مع تشريعات الحقوق المدنية في الستينات التي منعت التمييز بناءً على الأصل القومي، إذ تم تفسير هذا القانون بأنه يجيز لمن لا يجيد الحديث بالانجليزية أن يصوت في الانتخابات، وتم تعديل قوانين لمساعدة أبناء المهاجرين الذين لا يتحدثون الانجليزية ليتقدموا في النظام التعليمي الأميركي، يجادل هنتغتون بأن هذه سياسات عرقلت اندماج المهاجرين في المجتمع الأميركي وزادتهم إرتباطا بثقافاتهم الأصلية وتحولت إلى أداة لابراز الفخر القومي لهم. كما تحدث هنتغتون عن “أسبنة” (من إسبانيا) مناطق في الولايات المتحدة وبالذات في المناطق الجنوبية الغربية، بسبب الهجرة من المكسيك، لإن معدلاتها أعلى بكثير من هجرة الألمان والآيرلنديين عبر التاريخ الأميركي. المكسيكيون يختلفون عن الألمان والآيرلنديين وغيرهم، لإنهم يشددون على أبنائهم المولودين في الولايات المتحدة الحديث بالإسبانية. ويشدد على الإرث الكاثوليكي لهم وخلافه مع الثقافة الأنجلو بروتستانتية، حيث الثقافة الهسبانية الكاثوليكية تتميز بـ”عدم الثقة بالناس خارج الأسرة؛ عدم المبادرة والاعتماد على الذات، يجعلون أولوية منخفضة للتعليم، ويقبلون بالفقر كفضيلة ضرورية لدخول الجنة”، وفقا لهنتغتون. خلاصة الكتاب هي أن الولايات المتحدة وجدت على أسس التنوير والإصلاح البروتستانتي وعلى الأميركيين إستيعاب هذه الحقيقة التي تميزها عن باقي دول العالم، وعلى المهاجرين الحديث بالانجليزية وتعريف أنفسهم وفق هذه الثقافة لأميركية عوضاً عن مواطنهم الأصلية. الانتقادات تتهمه بزينوفوبيا واللجوء لنفس وسائل الفاشيست بالتخويف من “الآخر”، وأُتهم بالعنصرية، والترويج للأصولية البيضاء. وتعرض للانتقادات بقوله أن الولايات المتحدة أمة مسيحية، ولم يوضح هنتغتونماهو الفرق بين البروتستانتية التي يتحدث عنها والبروتستانتية التي ألهمت جماعات عنصرية مثل الكو كلوكس كلان في التاريخ الأميركي. تطرقوا إلى عبارة وردت في كتابه وهي أنه ومع انتهاء الحرب الباردة، بقي الأميركيون ولأول مرة في التاريخ من دون “آخر” واضح يعرفون أنفسهم من خلاله. هذه العبارة فُسرت بأنها خسارة شخصية لهنتغتون نفسه والذي قضى جزءا كبيرا من حياته يحلل الإتحاد السوفييتي والحرب الباردة، وحديثه عن الهوية القومية الأميركية وتحديده للمهاجرين اللاتينين بأنهم “الآخر”، كان لتحديد عدو جديد يعرف الأميركيون أنفسهم من خلاله. ففي كتاب «صراع الحضارات» نفسه انتقد الحضارة الغربية، ومما قاله: أولا: «لم يسيطر الغرب على العالم بسبب أفكاره وآرائه ودينه، ولكن بسبب تفوقه العسكري، وينسى الغربيون دائماً هذه النقطة، لكن، لا ينساها أبدا غير الغربيين».

ثانيا: «يجب أن يقوّي الغرب نفسه داخلياً، ويتخلى عن عالمية الديمقراطية، وعن التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى» (خاصة دول العالم الثالث).

ثالثا: «ليس الإسلاميون هم التهديد الحقيقي للغرب، ولكنه الإسلام، الحضارة المختلفة التي يؤمن أصحابها أن ثقافتهم هي الأعلى، ويحسون بحرج كبير بسبب ضعفهم».

رابعا: «يعاني الغرب في سياسته نحو دول العالم الثالث من النفاق. يريد تطبيق الديمقراطية، على ألا يفوز فيها الإسلاميون. يعارض قنبلة نووية إيرانية أو عراقية، لكن لا مانع من قنبلة إسرائيلية. يؤيد التجارة الحرة، لكنه يدعم المزارعين الغربيين. حشد قواته لوقف تدخل العراق في الكويت الغنية بالنفط، لكنه لم يتدخل (إلا متأخراً) لوقف تدخل الصرب في البوسنة التي ليس فيها نفط». وأضاف: «صار النفاق في التطبيق هو ثمن تطبيق المبادئ، أو ادعاء تطبيقها».

واعتقد ان هنتغتون تحدث بصراحة عن ضياع الانسان سواء الاميركي او الاخر الذي يشاركه الحياة وعاب التفوق العسكري الغربي والتدخل بالشؤون الداخلية للشعوب وسياسة النفاق تجاه دول العالم الثالث .. هكذا الغرب يعاني من ازماته فينقلها للعالم الاضعف منه ، وبالتالي ينصب نفسه قائدا للحل .. ويبقى التاريخ في رؤية السباعي يبتلع الحقب الزمنية ويحتفظ بها مدونات ساكنة ..

وفي قصة (عرس في مقبرة) وبطريقة السرد الذاتي تعرض للامراض الاجتماعية وسطوة المادة ، وتلك المجنونة تجوزا التي تتسكع في المقبرة ، وكان الكاتب السباعي يقطع السرد الذاتي وحواره مع المرأة التي يقول عنها تعيش جنونا يشابه حلقات الخوف ..  وبقي حوار الضيم والالم ، رغم ان الفكرة قد استهلكها الحكي وتكررت على ارض الواقع ، الا ان الكاتب السباعي نفخ فيها الروح ثانية ، حيث اتسقت مع عوالم مجموعته القصصية وعالج قضية الخوف على شكل وصف هواجس تاجية ، حتى توضحت العلاقة الوثيقة بين الأمن والخوف، ويكونان معاً قطبي الحياة الإنسانية؛ فإذا كان الخوف قطبها السالب، فإن الأمن قطبها الموجب… وقد اهتمت جل الحضارات البشرية ونتاجات الثقافات الإنسانية بهذا الجانب، بحيث صار شغلها الشاغل هو رفد حياة الإنسان بالمزيد من الشعور بالأمن والطمأنينة، ويتجسد هذا الشعور في كثير من المفردات الاجتماعية؛ فمن الملاحظة البسيطة نجد أن المريض وهو يشكو علة ما، وينتابه خوف منها ومن أعراضها يفر هارباً يشكو خوفه إلى طبيبه، أو عندما يقع حيف على شخص ما ويخاف أن يضيع حقه، أو يخاف الطرف الآخر لقوته، نراه يهرب خائفاً، ويلوذ بالقانون أو القضاء لينقذه من ذلك الحيف الذي وقع عليه. وإذا ما عرفنا أن حياة الكائن الحي هي عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من المخاوف؛ عندها تكون الحاجة للأمن من أهم متطلبات الإنسان في حياته.وهكذا صور لنا الكاتب تلك المخاوف من خلال قصته (عرس في مقبرة).

وقصة (الخيول المتعبة لم تصل بعد) فحملت الكثير من التساؤلات ، وحاول الكاتب الابتعاد زمنيا عن الواقع ، كي يعالج هواجس دموع ، فاستعار اسم هارون الرشيد وساق الاحداث بلغة شعرية انيقة .. (تغير الزمن يادموع ! وتغير هارون ، كا … قاطعته وفي عينيها صرخة احتجاج تصدر من اعماق اتعبها عزف موسيقى تتجول اصداؤها في جوف امتلأ بالاسى :

ـ نعم ! تغير هارون ، ظهر بدلا عنه ملايين الرجال الذين يدعون بـ”هارون”!؟

يجيبها وصوته يسابق صوت المطر الذي اخذت تتقيؤه السماء ، وكأن هذه السماء خيول متعبة اضناها الجري ، فبدأت تتقيأ ما التهمته من صراخ الخليفة :

ـ ليس هارون وحده الذي تغير ، بل كل التقاليد والعهود ، الاحاسيس والانسان ، الشجر والاغصان ، السحابة والمطر ، السجان والسجين . آه … كل العواطف تغيرت ، حتى البحر تغير . والرشيد وسط ذلك كله يقف على الساحل وحيدا بلا مركب ، بعد ان رحلت كل المراكب . تختلط اصداء العواطف مع صهيل خيول العاصفة ، تناهى الى مسامع دموع التي بدت كأنها مساء ساحر ، اختلط فيه انين “داخل حسن” مع صهيل خيول متمردة ، تنبثق من اعماق التاريخ)

ومن خلال هذا النص بانت انهزامية الشخصية وتوضحت مدى حيرتها وحالة اليأس وتخفت بعض ملامحها بسب تعدد وتوالي الاحداث في القصة الواحدة .. ومن هنا (تنزع اسرار الحكاية الى المكوث والتجوهر في المكامن والبؤر النصية ، لتؤسس معاقلها ومن ثم تطلق اساليبها لتمارس شهوتها في اللعب والتخفي والمراوغة نحو بناء متاهتها ، متحدية الفطنة وسرعة البدهية وحساسية الالتقاط والاستجابة لدى المتلقي ، وهو يتنكب اتجاهات المنهج بكل ما تنطوي عليه من رفعة وقوة مدافعا عن اطيافها ، سعيا وراء تحقيق حلم الالتقاء والتفاعل والانتاج .)ص143 تأويل متاهة ..

وفي قصة (هكذا وجدت نفسي) ، ركّب السباعي احداثا لامعقولة من خلال انسنة الاشياء ومحاولة استنطاقها .. (شيء لايصدق ان تجد نفسك تحدث حمارا مسكينا يحاورك بكل طلاقة ، هذا يذكرك بان تعيش في منزل مهجور ، ابوابه تصر بانغلاقها وانفتاحها دون ان يحركها احد ، الذي حركها هو نفسه الذي جعل الحمار يتكلم ، يخاطب “السيد وجع”حماره قائلا :

ـ حياتنا ضائعة ياسيدي .)

صنع الكاتب السباعي هنا افقا من الانتظار ، ليكسره باستثمار نهيق الحمار كثورة ضد الجوع حين احست مجموعة الحمير بالشبع ، فكان الحوار الضاج بالانفعال بين “وجع” وبين “حماره” ، لهو القدر الذي يضغط على “وجع” ان يلجأ لهذا ، كي يعبر عن خلجاته الانسانية في صراعها مع البقاء والتمسك بالحياة آخذا من اللامعقول مسارا له للافصاح عن رؤية رافضة ، تلمسناها من خلال كل قصص المجموعة .. ومثلما فعل مع قصته اعلاه عالج الامر في قصة (طائر الهزار) وحوار شهرزاد وطائر الهزار الذي جاء بلغة عالية الشعرية ، رسم من خلالها الكاتب لوحة لقاء حب او قصيدة مستثمرا حضور الشاعر الكبير عبدالوهاب البياتي بمقطع شعري من اشعاره … ومن عبارة (سنفهم ان الحياة ليست سوى مزاح ثقيل ، مزاح مبتذل وبليد ، ولعب اخرق بالالفاظ) ، انطلق الكاتب السباعي لوصف حالات الالم ، أي من الحوار الدائر بين غاندي .. ولماذا غاندي؟؟ وبين الخيال ، ويجري الحوار كالتالي : (غاندي يجلس لوحده ـ لكن ! هنالك حسب ظني رجل يجلس امامه يحمل نفس صفاته الا لون بشرته ، فغاندي : اسود العينين ، اسود الشعر ، اسمر قصير القامة ، لكن الذي يناديه كان : اسود العينين متفحما كأنه خيال .. ربما يكون خياله .. ففي هذه الايام كل الاشياء متوقعة الحصول ، يقول له باعتدال :

ـ ليت المي الذي احمله بداخلي يخرج من جسدي ، ليكون ماردا عملاقا !

خيال غاندي يبادره بتنهيدة ملؤها الوجع ، ليقول بفخر :

ـ انا المارد … انا المك ياغاندي ، ساجعلك تتخلص من كل وجعك ووساوسك بسهولة .

يصفق غاندي كفا بكف ، وكأنه ينفض عنهما سكون الموتى ، وهباء كلماته الضائعة في الفضاء ليخاطبه بغضب :

ـ وكيف ذلك يا مجنون ؟

يستوطن على خيال غاندي احساس بالقوة ، ليحدثه مجيبا على تساؤله قائلا له :

ـ لأنني ألمك !!)

وحينما نتمعن فيه نجده مجموع من الانسان والمجتمع والتاريخ والبنية التي تربط مفرداته في نظام معين ، ولكن يبقى هذا النص الحواري مشروع قابل لمقترحات القراءة والتأويل ، مهما حاول المتلقي الاول لحصره في قراءة واحدة ، كونه يحمل انساقا ظاهرة واخرة مضمرة ، وبالتالي يكون الادب في كل اتجاهاته يُعري الاشياء للفرجة ، ويترك الواعظ يلبسها ستر العورة .. وكذا كانت قصة (دم اخضر) بمقاطعها ، عبارة عن احتجاجات ضد القبح والعدوات التي تتخلق من داخل سخافات الاعماق التي يطلق عليها تجوزا اعماقا انسانية ، بيد انها تعتدي على انسانيتها بطريقة قبيحة ومن خلال الحوار بين سائس الخيل وزوجته تتطلع زوجته الى الشمس الغاربة ، وهي تعانق النهر ، ذكرها لونها بمنظر الدم بادرته : “لماذا لانهرب؟” توقف عن البكاء ، يتلفت ذات الشمال واليمين ، يجيبها مرتابا : “لأني جبان يا امرأة …! جبان!!”)

سيبقى الفن يصارع النمطية، ليعبر بحرية عن خلجات مبدعه، فهو يرفض القوالب الجاهزة التي تعكر متعة التذوق القرائي، وتلعب دورا في تحديد اتجاهاته، لهذا اعطى الانفتاح المعلوماتي الذي صاحب العولمة الثقافية مديات من العمق ومحاولة تحديد الهوية الانسانية للنص، فالتعريف عندما يجاري الفن، إنما يكسبه طابعاً مرناً يمكن من خلاله اكتساب القناعة، بأن محور الفن الأول هو الحرية ، بينما عندما نقيّد أي فن بتعريفات محددة وقوالب ضيّقة مهما بدت لنا واسعة وشاملة، فإن ذلك إنما يكون في إطار الحبس والتقييد ، وبالتالي فإننا لا يمكن أن نتخيّل فناناً حراً طالما أنه محاط بسلسلة من التعريفات التي تقيّد عمله الإبداعي ، ومن هنا نلاحظ ان الكاتب السباعي عزف على انواع مختلفة من السرديات في مجموعته (ايقاعات الزمن الراقص) ، ليعمق تجربة كتابية اجترحها في كتاباته السابقة واسس عليها بجعل رؤيته الرافضة من خلال استثمار المدونة التاريخية ، والتعامل مع ما هو هامشي في الحياة واعطائه صبغة الرفض والاحتجاج  ..

ففي قصة (مملكة الغضب) ، يتبدى لنا تعامل الكاتب مع سردياته بوعي من جانبين : الاول الوعي بالشكل والبناء ، والثاني في تركيب الاحداث بمتوالية تحمل جدية من لدنه في اكتشاف ما اخفاه ، لذا يكون التسلسل من حدث حلول العتمة بانقطاع التيار الكهربائي ، ثم ظهور النجم المذنب الجالب للشؤم والموت الى صرخة الفتاة التي راودها الرجل الابيض ، وهذه احداث واقعية يلصقها الكاتب باحدث غرائبية تثير حالة الشوق لدى المتلقي في اكتشاف المعنى المتخفي وهو عبارة عن عدة تساؤلات من خلال ربط النجم المذنب وظهور الموت ، ثم ان بطل القصة وهو في مكان الموت تأتيه اشارة من الاعلى على شكل جمجمة الحلاج كرمز اول  ، ثم اشارة اخرى  ترمز لاول جريمة كونية “قابيل يذبح هابيل” ، ثم الحل السحري في ترديد البطل قوله تعالى : (ولا يؤوده حفظهما) .. هذا الصراع في كل مساراته اثبت جليا امتلاك كاتبنا علي السباعي لتجربة قادرة على الخلق .. يقول الدكتور عناد غزوان : (في ضوء تطور الفكر الانساني واتساع افاق المعرفة في البحث عن ماهية الذات والوجود وسبر اغوارها في مدى ارتباطها باحداث عصرها المتحرك وظواهر واقعها المتجدد ، برزت مفهومات في الثقافة الادبية تحاول الربط بين التجربة الادبية واثر المجتمع والاحداث فيها . فالثقافة الادبية ، على سبيل المثال ، هي جزء فعال من ثقافة بيئة انسانية او مجتمع بشري ، وهي في الواقع حصيلة اجتماعية للافكار الانسانية والحرف والمعتقدات والعادات ، مهما كانت تلك الثقافة بدائية او معقدة حضارية جامدة او متطورة . فالتراث الثقافي له القدرة على الحركة والتطور والانتقال من جيل الى جيل . ولابد في مثل هذه الحالة من وجود بعض المناهج والحركة في كل ثقافة .. لا ننسى ان تطور المعرفة والقيم الاخلاقية هو جزء لايتجزأ من مفهوم الثقافة . فالخصائص الثابتة لأية ثقافة تنعكس عادة على التجربة الادبية التي تولد بين احضان الذات والروح الجماعية. لذا فان نسق العمل الادبي الذي هو في الواقع نسيج التجربة الادبية من الناحية الفنية ، يمثل الادب في مفهوم المعرفة الانسانية وفي حكم القيمة لأنه ، أي النسيج الادبي ، جزء من خبرة القاريء ، فحين تكون المعرفة محدودة فان الاحساس بالقيمة يكون ساذجا او بدائيا ، وحين تتحسن المعرفة وتتطور ، فان الاحساس بالقيمة الادبية سيتحسن ويتطور بدوره ايضا ، بيد انه يجب التمهل او الانتظار لكي تثبت المعرفة تحسنها وتطورها . فقد بلغت عناية الباحثين بالقاريء والقراءة ، ان استحدث الباحث الالماني “هانز روبرت يوس” نظرية اصطلح عليها اسم ” نظرية جمالية التقبل ـ وتعتمد هذه النظرية على مدى تقويم القاريء او المتلقي للاثر الادبي بعد استيعابه له من خلال ما سمي “بافق الانتظار” لئلا يكون مثل ذلك التقويم مجرد ردود افعال فردية في القراءة “وهي ردود افعال مشبعة بالانفعال الذاتي وكثيرة التشعب”. بالتالي حاول هذا الباحث التمييز بين النص الادبي من حيث هو “علاقة ملموسة” و”الموضوع الجمالي” مجسما في وعي القاريء بالجمال اثناء القراءة .. لذلك فان “افق الانتظار” عنده يحيا في ذهن الاديب اثناء الكتابة ويؤثر في انشائه ايّما تأثير. وقد قاده هذا الاعتقاد الى استحداث مصطلح جديد هو “المسافة الجمالية” من خلال اهتماماته بعلاقة الانتظار بين القاريء الاديب وتقويمه النقدي ، ويعني هذا المفهوم “البعد القائم بين ظهور الاثر الادبي نفسه وبين افق الانتظار ، وانه ليمكن الحصول على هذه المسافة من استقراء ردود افعال القراء على الاثر ، أي من تلك الاحكام التي يطلقونها عليه)13 ، (وخير وسيلة للنظر في حركة النص الادبي ، وسبل تحرره ، هي الانطلاق من مصدره اللغوي ، حيث كان مقولة لغوية اُسقطت في اطار نظام الاتصال اللفظي البشري ، كما يشخصها رومان ياكوبسن في “نظرية الاتصال” وعناصرها الستة ، التي تغطي كافة وظائف اللغة ، بما فيها الوظيفة الادبية . فالقول يحدث من “مرسل” يرسل “رسالة” الى “مرسل اليه” ، ولكي يكون ذلك عمليا ، فانه يحتاج الى ثلاثة اشياء هي : 

1 ـ “سياق” وهوالمرجع الذي يحال اليه المتلقي كي يتمكن من ادراك مادة القول ويكون لفظيا او قابلا للشرح اللفظي .

2 ـ “شفرة” وهي الخصوصية الاسلوبية لنص الرسالة ، ولابد لهذه الشفرة ان تكون متعارفة بين “المرسل” و”المرسل اليه” تعارفا كليا او على الاقل تعارفا جزئيا.

3 ـ “وسيلة اتصال” سواء حسية او نفسية للربط بين الباعث والمتلقي لتمكنهما من الدخول والبقاء في “اتصال”. وكل قول يحدث انما يدور في هذه المدارات الستة مهما كان نوع ذلك القول.)14، ومن خلال هذه النصوص والاراء ، نؤكد على وجود المؤلف او المبدع في انسجة نصوصه واعتقادي ان المبدع لايشترط وجوده في استرداد معنى معين او تأويل خاص ولكن المؤلف والمجموعة الاجتماعية والتاريخية عمقت وجوده داخل النص (وهكذا فان النص يوغل في التاريخ ، تاريخ الانسان واساطيره ، ثم يختزله بين طابقيه ، فتغدو القراءة اشبه بالحفر بين الطبقات ، ولكي تنجح فلابد ان تستعين بالانثروبولوجيا والميثولوجيا حيث الخرافات والاساطير والرموز والطواطم ، وكل ما اختبأ ….هناك ، وكان نورثروب فراي قد ازال الالتباس بقوله : (اعتقد ان الايديولوجية هي دائما شيء مشتق ويأتي تاليا ، وان الاساسي هو الميثولوجيا ، اعني ان الناس لا يفكرون بطقم من الافتراضات اوالمعتقدات ، بل يفكرون بطقم من القصص ويشتقون الافتراضات والمعتقدات منها .. ولان الميثولوجيا هي سلسلة من الاساطير المترابطة .. ولان الادب ينمو صاعدا من الميثولوجيا فانه يمتلك ، من ثم ، مجموعة من القصص المترابطة بما تواضع عليه الناس وبواسطة تلك الوحدات التي دعوتها النماذج البدائية)15،  ورغم القول بموت المؤلف،(فان هذا لا يمنع من حضوره في النص ،بشكل او بآخر،ولكن هذه المرة باعتباره ضيفا لا أقل ولا أكثر يقول بارت ،ثم إن ظهوره لا يتمتع بأي امتياز لأن”أنا الذي كتب النص لم يعد في هذا الاستدعاء حسب بارت سوى” أنا من ورق”.أن قارئ رواية ما لا يستدعي مؤلفها على أساس أنه هو سيد الأثر، وإنما يستحضر كشخص من شخصيات الرواية،إذ لا تعود حياة الكاتب مصدر حكايته وأصلها، وإنما حكاية تنافس أثره وعمله””إن أنا بروست وجنيت وأعمالهما هي التي تمكن من قراءة حياتها كنص” . تأسيسا على ما سبق يمكن القول إن العمل الأدبي يمتلك قطبين اثنين ،أحدها فني وهو النص كما أبدعه المؤلف أي كبنية فرضية ،والثاني جمالي وهو تلقي القارئ له، أي بنية العمل الفرضية تحتاج إلى قراءة يحققونها لتكتسب صفة العمل،ويفعلون في التوليد كما فعل المؤلف في البناء والتكوين.ومن ثمة، كان لموت المؤلف عند بارت جملة من الوظائف يلخصها الباحث عمر اوكان في ثلاث وظائف:”فهو من ناحية يسمح بادراك النص في تناصه،ومن جهة ثانية يبتعد بالنقد عن النظر في الصدق والكذب(عقيدة الأخلاق الأدبية)،والتنقيب عن أسراره ليجعله مدركا في لعبة أدلته،ومن جهة ثالثة-وهو الأهم-يفسح المجال لتموضع القارئ، إذ أن مولد القارئ يجب أن يؤدي ثمنه بموت المؤلف.”)

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"