تابعنا على فيسبوك وتويتر

غزارة المعنى في النص الصامت
قراءة في نص السماح على إيقاع الرصاص
للكاتب صباح الانباري
كتابة أطياف رشيد
يتميز النص الادبي المسرحي بمميزات وامكانيات يتفرد بها من بين الاجناس الأدبيةالأخرى . فهو رغم غياب السرد والوصف يؤسس عوالمه التي تبنى في مخيلة القاريء بالنزر القليل من المعطيات التي يمنحها الكاتب ، فتلك العوالم المتخيله تبنى وتؤسس من خلال الحوار الذي هو أساس النص المسرحي وعماده الأول . واذا كان الحال كذلك مع النص المسرحي الصائت كما يسميه الكاتب صباح الانباري فكيف اذن بنص صامت لايملك الا رسم للحركة والفعل ليوصل رسالته وغايته ، في النص محل القراءه والنصوص الصامته الأخرى يكون المعنى خفيا متواريا في الإشارات الحركيه والصوره المكونه للمشهد ،و يمرر كأشارات ولمحات لكنها دقيقة تقود القاريء اليها عبر ممرات ترسم الحركة والفعل كدليل نحو نور التخيل وبناء العوالم الروحية الإنسانية لتلامس قضايا الانسان المعاصر .
يعتبر الكاتب صباح الانباري اول من وضع أسس كتابة المسرحيات الصامتة كجنس ادبي له مقوماته وخصوصياته التي حددها من خلال مقالاته وكتاباته النقدية ونصوصه التي جسد فيها حلمه في ان يجد المساحة الأدبية التي تناسب طموحاته واحلامه . فالنص الصامت لابد ان يمتلك القدرة على المزاوجة بين فنين عريقين هما القصة والمسرح . مهتما جدا بالطاقة الكامنه في الايماءة والحركةواكانية تحول الشكل القصصي الى الشكل الدرامي الصامت دون الحاجه الى الاستعانه بالحوار والكلمات . كما اعتمد بكثير من نصوصه على الصوت ولكن ايس الصوت البشري بل هي ضربات الصنج والصراخ والبرق والموسيقى وأيضا صراخ الحشود . كل ذلك كان في خدمة نصوصه ،بل في خدمة مشروعه الادبي وهو مشروع تفرد وتميز باصرار ومثابرة الكاتب .
ومسرح الانباري هو ( المسرح الذي يفعل الداخل الإنساني المهمل ويحاول ان يركز على الذاكرة الخارقة التي تستفز المدرك العقلي بعد توظيفها لمنظومه حركية ذات دلالات معرفية تؤسس مرتكزاتها المعرفيه في رؤيته لمفهوم خطابها من خلال رسومات اشتغالها الايمائي الفاعل الذي رسمه المؤلف او المخرج في آلية خلق الطاقة الداخلية لدى الممثل )*١
اذن النصوص الصوامت هي نصوص ترتكز بالأساس على رسم المنظومة الحركية لتفعيل الدلالات وتفجير المنظومه الادراكيه الجاهزه وغرس المعنى المبني وفق تشكيل حركي وانفعالي جمالي دقيق . اذن نحن امام بناء صوري يعتمد في تخليق معناه ودلالاته على تفجير الطاقه الكامنه في توجيه الفعل والحركة الصامته الى منطقة القول ، ولكنه القول عبر صراع دال يتمخض عنه المعنى في شكل صورة . البناء هذا كما يقول الكاتب صباح الانباري نفسه سوف يعتمد في اشتغاله ( على التشكيل الصوري واعتماده كأداة من ادواته الأساسية . فالصورة تحتاج الى فعل ، والفعل يحتاج يحتاج الى حركة والحركة تتأسس على رغبة وهدف ) *٢ .
وفي النص قيد القراءة السماح على إيقاع الرصاص يحضر المعنى قويا ضاجا بعنفوان الحركة والفعل ،ويبرز العنوان الكثير مما عمد الكتب ان يشير اليه ، كما ان اختيار نمط الشخصيات الرامز دفعت بالامكانيات التحليليه للخطاب الصامت الى اقصى حد من التفجير الدلالي . والمسرحيه مهداة الى حلب عنقاء المدن السورية كما يعبر الكاتب . رسمت الشخصيات بكثير من العناية لتعرف عن نفسها سواء من خلال الوصف لها من قبل الكاتب او من خلال الحركة والفعل الذين تقوم به فتكشف عن ابعادها النفسية والفكرية ،الشخصيات المرسومه عند اول النص وتلك التي ميزها ضمن الوصف الداخلي للحركة والفعل حددت لنا مسار اتجاه إيقاع النص ومسار القصة . فالشخصية الأولى : الرجل الأصفر التي ميزها الكاتب باللون الأصفر ( يرتدي الملابس الصفراء من قمة رأسه الى اخمص قدميه ) هذه الشخصية لتكون بمثابة الموجه لباقي الشخصيات حينا وبمثابة الراوي للاحداث التاريخيه حينا اخر . ثم مجموعة من تلشيوخ ،مجموعة من الشباب ،الرجل ذو الرأس البيضوي ومجموعة اتباع الرجل الاشداءوجلادين اثنين .
يبدأ النص حين يبدأ الرجل الأصفر يعطي الأوامر برقصة السماح لكلا الفريقين الشيوخ والشباب من اجل ان يتواصل الجيلان ويندمجا في ردم الفراغ او الخلاف فيما بينهما ، الامر الذي يجعله يعطي الأوامر ببدء الرقصة أولا للشيوخ وحدهم ثم للشباب وحده ومن ثم يعطي الإشارة بالرقص معا في إشارة لتواشج العلاقات بين الفريقين / الجيلين ، واندماج أفكارهم وذوبانها في غمرة رقصة للسماح والمحبة . حيث ( يرفع كلتا يديه مثل قائد أوركسترا ويحركهما كأشارة لبدء رقصة السماح ثم يظل في مكانه ،تؤدي مجموعة الشيوخ رقصة السماح على الطريقة التقليدية فترة تحددها إشارة الرجل الأصفر اللاحقة ، وبأشارة منه أيضا تبدأمجموعة الشباب أداء رقصة السماح بطريقة حديثة بينما الرجل الأصفر في وقفته بلا خراك حتى يكرر الإشارة بالتوقف والبدء بالرقص من قبل المجموعتين معا ، يرقصون ويرقصون ثم يندمجون في رقصهم مع الرجل الأصفر كل في مكانه ، المجموعة الأولى على يمينه والمجموعة الثانية على يساره. ) *٣
هكذا يقدم لنا الانباري طبيعة المشهد في بدايته، بل ثيمة القصة والحكاية في مطلعها وبزوغها من اجل ان يبني لاحقا تطورات الاحداث راسما بالحركات كل عناصر المشهد وتفاصيله . ومن اجل ان يذهب الى الخطوة التالية في كشف الاتي يمنح الكاتب الشخصية الرئيسية الرجل الأصفر دوره البالغ في فتح مغاليق اقصه والتي بامكانه ان يرويها دونما كلمات ( من خلال تفعيل النسق الحركية والايمائية التي تضمنها مسار القصة ) *٤ . فبعد ان يكدر صفوهم ورقصتهم وانسجامهم أصوات الرصاص القادم من كل الجهات يمنحهم الإشارة بمعاودة الرقص ، معاودة الحياة، ومعاودة المحبة ، والنهوض ، بع ان يزحفوا بكل الاتجاهات الى ان يتوقف صوت الرصاص . وهل تكتفي القوى الخارجية بهدير الرصاص لمنع ووقف رقصة السماح واحياة ،لا ، لان عاصفة هوجاء تضرب بالراقصين تهزهم بعنف وتحاول اسقاطهم ورغم قوتها وعنفها يقفون من جديد . ويعانق بعضهم بعضا لينسحب الرجل الأصفر الى دكة تراثيه حلبية ليقوم مقام الراويالذي يذكر بتاريخ مضى من تسلط وديكتاتوريه ماضيه تسلطت بجلاديها على رقاب الناس واخذت منهم احمل السنوات ،وثمار الحياة الزاهرة . بع ان يتوقف الجميع عن الرقص بضربة صنج مدوية ،يدخل الرجل ذو الرأس البيضوي وهو ( رجل طويل القامة حاد الملامح ، برأس بيضوية ، يغطي نصفها الخلفي ما تبقى له من شعر ، وجبين عريض ، وعينين جاحظتين وفم بانياب طويلة يرافقه عد مو الرجال الاشداء ذوي نيوب مشابهة لأنيابه الطويلة . ومخالب تشبه مخالب الضباع … يشقون المجمعة شقين … وجوههم واجمة وجباههم مكفهرة ، ونفوسهم تواقة لاراقة الدماء والتهام اللحوم البشرية ) *٥حيث يستعرض الرجل وجوه المجموعتين ( بنظرات ذئبية شزراء يتطاير منها الشرر ) لكنه يغادر مسرح الحدث ليدخل الجلادان من اليسار ومن اليمين يحيطان المجموعة بسلسة حديدية فيعزلان المجموعة عن جمهور النظارة ، ويخرجان فتطفأ الأضواء عن المشهد الصامت الأولوالذي يسميه الكاتب المُصمٓتُ الأول ، وهكذا قسم مشاهده الثلاث بهذه التسمية المميزه. ويستمر النص متقدما الى حيث اكثر الفضاءات عمقا في الطبيعة البشريه، العنف والقمع من جهة وحب الحياة والتسامح من حهة أخرى وفي كل مشهد يكون النسر الكبير الذي يغطي بجناحيه المجموعتين وارضهما . وبكل حالتهما .
ويفتتح لنا المصمت الثاني بحزمة ضوئية خافته على الرجل الأصفر وهو يطوي صفحة جديدة من الكتاب الضخم ، بينما يظهر الطائر الكبير يغطي بجناحيه الأفق كله ، هكذا إيذانا بغلق حقبة وتامين وامان للمشهد / الحياة حيث تعاود المجموعة الرقص وتتخلص من السلاسل الحديدية . وبرقصهم تتحول الأجساد الى أشجار مثمرة مزهره ،أشجار الفستق الحلبي ، تتمايل بغبطة غناها بالثمر ، حيث يتحول المشهد الى كرنفال للالوان الزاهيه . غير ان هذا الكرنفال سرعان ما تهدده القوى الظلاميه من جديد ، رجال بملابس سود كالحة ، والرجل الطويل يدخلان المشهد من جديد ، ليثيرا الرعب بدخولهم الذي يشبه اعصارا مدمرا فتمايلت الأشجار / الأجساد وانحنت كردة فعل ،طبيعية، لقوتها . يأمر الرجل الطويل بالانقضاض على الراقصين فيسقط صريعان ،الجلادان يثيرا الرعب والفزع ، الأجساد / الأشجار / الراقصين يتألمون ويشعرون بالنرارة للحثتين ،البعض يموتون وقوفا ، وشعور بالانكسار ينتاب البعض الاخر . الرجل الطويل يشعر بالسعادة بعد مشهد التعذيب هذا يخرج ويقوم الجلادا بوضع الاسلاك مرة أخرى ،بينما يحمل الراقصون الجثتين ،الضحيتين ، ويسروا بها سيرا جنائزيا حزينا نحو الأفق البعيد لتطفأ الأضواء من جديد .
ويطالعنا افتتاح المصمت الثالث الرجل الأصفر وهو يقلب صفحه من صفحات الكتاب الضخم حيث ( تفتتح الإضاءة بحزمة دائرية خافتة على الرجل الأصفر وهو يطوي صفحة جيذية من صفحات الكتاب الضخم ،) ويظهر من جديد الطائر وهو يلف الأفق بجناحيه الكبيرين ، ويطلق صوتا مدويا ،منذرا ومهددا . حيث يسلم الرجال بالملابس السود أسلحةخفيفه لنظرائهم ، وهو هنا يعلن عن حرب داخلية يثيرها ويعززها هولاء الرجال بالملابس السود الكالحة . ويبدأون باطلاق النار باتجاهت مختلفة ، وبعد ان يسلموا الاسلحه للمجموعه ويخرجوا بعد ان قتلوا الكثير . وبصورة اكثر من رائعه يرسم الانباري هذا المشهد ( المجموعة تضع الأسلحة على الأرض تنتظر إشارة الرجل الأصفر بالرقص ، يشير الأصفر ببدء رقصة جديدة ، على نغم الموشح الذي يبدأ بطيئا وثقيلا ويتحول الى الإيقاعالسريع المتدفق حيوية ومرحا ،تقطع رقص المجموعة أصوات طائرات حربية مقبلة بسرعة فائقة ،،تسقط بعض القذائف هنا وهناك تشتعل الحرائق ، هنا وهناك ،يتقافز افراد المجموعة في محاولة دائبة لحماية انفسهم . يبتعد صوت الطائرات وما تكاد المجموعة تسحب أنفاسها حتى ينقض عليها وابل من الرصاص . المجموعة ترد بالمثل مستخدمة أسلحتها الخفيفة ، بعض منهم يسقط على الأرض يتلوى من شدة الألم وهو ينزف بشدة ، وبعض يصرعه الرصاص يستمر اطلاق النار والحرا ئق فترة قبل ان يسود الصمتوالظلام )*٦ . مشهد من ابلغ المشاهد وغناها وأكثرها قولا رغم صمته كاشفا عن طبيعة القوى المتصارعه في كل مشهد . يستفيد الكاتب أيضا من تقنية العرض على الشاشة لاظهار بعض المشاهد الخاصه بالمعارك والاقتتال حيث يثير الصوت ضجيجا هائلا بصور مؤثرة ومارش جنائزي لاطفال ونساء وشيوخ مضرجين بالدم،وبعد ان يخفت صوت الموسيقى يعود الطائر يشق عنان السماء ناهضا من بين الحرائق هادرا بصوته الذي تردد صداه في ارجاء المكان ليغطي بجناحيه الأفق كله ويملاء الشاشه كلها أيضا وكأنه جزء من الحدث .
ويتحول المارش الجنائزي الى مارش حماسي وينهض الراقصون والمقاتلون على ايقاعه ، يتقدمهم الرجل الأصفر ملوحين بايديهم مع الإيقاع الحماسي يهبطون الى أرضية الصالة ، صالة الجمهور ، ويشقون طريقهم بينهم الى خارج المكان ، الى حيث النور والحياة والتسامح ، يتبعهم الجمهور وتفرغ الصالة من الحضور بينما يستمر المارش حتى اللنهاية .
هذه هي قصة صامتة لحياة لا تعرف الحدود وجمع من الناس ينهضون رغم الألم ومن الرماد ليقولوا كلمة السماح لبعضهم .
ان متابعة دقيقة لتفاصيل النص الصامت هذا نجد ان التصوير السردي للحالات الانفعالية والعاطفية للشخصيات قد كان واضحا بشدة في بعض المواضع مثل :

نفوسهم تواقة لإراقة الدماء والتهام اللحوم البشرة
يقف اثنان منهم بوضع تحفز وانقضاض على من تسول له نفسه الانقضاض على الرجل الطويل
ينظرون الى الضحيتين بأشفاق وشعور بالمرارة
ينجو من كان محظوظا من الموت .
والعنوان أيضا السماح على إيقاع الرصاص

اذا استعان الكاتب المسرحي صباح الانباري بلحظات سردية من اجل ان يصف الحلات الانفعالية والفعل والحركة وبيان الميول الداخلية والرغبات من خلال وصف الحالة التي أدت دورها بشكل ممتاز من غير ان يوغل في منطقة السرد ودون ان يخرج من فضاء وحدود نصه الصامت .

من الجميل ان تكون الفكرة ،فكرة النص ، قائمة بالأساس على رقصة . وهذه الرقصة هي للمسامحة . وينتهي النص بمايشبه الثورة والتمرد على الظلم ، وهنا يمتد البناء الجمالي المتمثل بالرقص الى الثوري ،ليمزج بصورة معبرة بين ضياءين ضياء الجمال الذي ابتدأ به وضياء الوحة والثورة الى النور في نهايته .

هوامش :
1- المجموعة المسرحية الكاملة – صباح الانباري – منشورات ضفاف والهيئة العربية للمسرح ، طبعة أولى ، ٢٠١٧ ، صفحة ٢٩٥
2- المجموعة المسرحية الكاملة ، صفحه ٢١
3- نفس المصدر صفحة ٢٠٩
4- نفس المصدر صفحة ٣٤
5- نفس المصدر صفحة٢١٠
6- نفس المصدر صفحة ٢١٢
…………………………………………………

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"