تابعنا على فيسبوك وتويتر

أستاذي.. وأيام مضت في ذكرى فقيد الآثار العراقية الدكتور فوزي رشيد
 حامد خيري الحيدر

التقيته أول مرة في منتصف السبعينات من القرن الماضي، في ذلك الوقت لم أكن أتجاوز من العمر العاشرة، حينها كنت في زيارة للمتحف العراقي بصحبة والدي وأحد أصدقائه الحميمين الذي تربطه بالرجل صداقة قديمة…
ونحن في بداية جولتنا جاءنا متودداً مرحباً بقامته المديدة، معتليه وجهه ابتسامة طفولية جميلة تدخل قلب كل من يتلقاها دون استئذان.. بعد كلمات الترحيب والمجاملة ثم بضع خطوات من جولة الشرح لبعض المعروضات أخذ بشكل عفوي يوجه كل كلامه وتوضيحاته المُبسطة الجميلة عن القطع الأثرية لي دون والدي ورفيقه.. عندها بادرني السؤال (ها عمو عجبتك الآثار؟)… فأجبته بسرعة صاحبها شيئاً من سذاجة الأطفال… (لا.. كلها شغلات قديمة)… عندها أطلق ضحكة مُجلجلة لايزال صداها يرن في أذني جعلت والدي وصديقه ينتبهان.. ثم التفت الى والدي وبقايا الضحكة لاتزال مرتسمة على فمه قائلاً له بضع جمل لم تسعفني ذاكرتي الصغيرة حينها بالاحتفاظ سوى بالأخيرة منها…. (أكيد المحروس راح يشتغل بالآثار من يكبر)… كانت نبوءة، نعم كانت نبوءة، لا أدري كيف خمّنها هذا الرجل الذي لم أعرف أسمه أو وظيفته حتى تلك اللحظة، ولم يدر بخلدي أو خلد والدي حينها أن دورة الزمن ستقول قولتها في مستقبل حياتي وتوجهي العلمي ليصدق في توقعه.. ثم استأذننا الرجل للعودة لعمله متعللاً بكثرة مشاغله التي تتطلب تواجده الدائم في مكتبه… غاب لكن صورته لم تغب عن مخيلتي لأسأل والدي عنه حال عودتنا البيت…. لأعرف فقط آنذاك أنه الدكتور فوزي رشيد، مدير المتحف العراقي، والمختص بالكتابات المسمارية… كان طبيعياً أن يُنسى الرجل بعد هذا اللقاء ومع مرور أيام قلائل من حياة الصغر… ليظهر مجدداً بعد بضع سنوات على شاشة التلفاز حين أستضافه الراحل (كامل الدباغ) في برنامجه المعروف تلك الأيام (العلم للجميع)، ليتحدث من خلاله بأسهاب وعلى مدى حلقتين متتاليتين بأسلوب غاية في الروعة والبساطة يفهمها الصغير والكبير عن الآثار العراقية، ركز حديثه الجميل خلال ذلك اللقاء على الكتابة المسمارية، واللغتين السومرية والأكدية وتاريخهما.
بعدها انطبعت شخصية الدكتور فوزي رشيد في ذاكرتي رافضة مبارحتها.. فكنت طيلة السنوات التالية أتابع وأقرأ كل ما يكتب عنه في الجرائد والمجلات، وجميع ما تطال يدي من مؤلفاته رغم حداثة سني في ذلك الوقت.. كما لو أنه قد صاغ مستقبلي دون أن أدري أو أشعر، وكأن قدراً عجيباً قد جمعني بهذا الأنسان…… لتقول الايام كلمتها وتتحقق النبوءة القديمة، فالتقيه خلال دراستي الجامعية في قسم الآثار/كلية الآداب وأنا في المرحلة الرابعة المنتهية حيث قام بتدريسنا مادة (آثار الخليج والجزيرة العربية)، كانت أحدى المواد الثقيلة الجامدة خلال تلك المرحلة، لكنه جعلها بأسلوبه المبسط المحبب تدخل قلوب الطلاب قبل عقولهم… وبذكائه وحدة بصره أستطاع تمييزي بسرعة رغم مرور تلك السنين وتغير هيئة ذلك الولد الصغير بطول قامته وكثافة شاربيه…. ليبادرني بعد انتهاء محاضرته الاولى معنا بسؤال طريف أختصر فيه كل تلك السنين الفاصلة مع أول لقاء لي معه (ها حامد بعدك ما تحب الآثار؟).. خلال تلك السنة الدراسية توطدت علاقتي به بشكل كبير جداً خاصة بعد تفوقي في مادته، حيث حصلت فيها على درجة (أمتياز)… كان دوماً يدخل قاعة الدرس والابتسامة مرسومة على مُحياه ولا يغادرها ألا وتلك الابتسامة قد ازدادت اتساعاً، كما كانت محاضرته تنتهي بشكل سريع بعيدة عن الملل والروتين القاتل الذي كانت تعاني منه الدراسات الجامعية، فكان يجعل الطلاب ينشدّون اليها بشكل أخّاذ، فتراه يتوسع بالمادة دون الخروج عن مضمونها ولا يجعلها محصورة بالمنهج المقرر، مع أعطائه العديد من الأمثلة كي تترسخ في الأذهان.. كما كان يستمع برحابة صدر وبساطة متناهية لأفكارالطلبة وآرائهم، بل ويحفزهم على عدم الأقتناع مباشرة بما يقال أو التصديق بالرأي حتى وأن كان من الأستاذ أو المُحاضر، فكان ينبّهنا دوماً بأن الآثاري الناجح هو الذي يدقق في كل شاردة وواردة ولا يأخذ الأمور على علاّتها، وعليه دوماً أن يطرح كلمة (لماذا)، لكنه بنفس الوقت لا يطرح التساؤل جزافاً أنما وفق أسانيد تبرر عدم الاقتناع، وألا سيغدو النقاش من باب الجدل الأعمى الذي ليس له هدف أو غاية… كان بشوش الوجه على الدوام، محباً للنكتة والمواقف الطريفة، ومن الطرائف التي عرفناها عليه، أنه حين يرى أحد الطلاب وقد أرتكب سلبية ما من السلبيات كان ينبهه بطريقة جميلة، فيردد له عبارة (يوليوس قيصر) الشهيرة وخنجر قاتله يغور في جسده (حتى أنت يا بروتوس).. كان يحب الطلاب بشكل لا يوصف حيث يطيب له كثيراً تصغير أسمائهم تحبباً وتقرباً لهم ليشعرهم دوماً بأبوته لهم… لم أره ألا نادراً منزعجاً أو عليه بعضاً من علامات الغضب رغم المحاولات البائسة للأسف لبعض الطلبة، و(المراهقين) من الأساتذة البائسين المنتسبين لحزب البعث المقبور لاستفزازه واصفين أفكاره بأنها ضرب من (الفنتازيا)، كونه يتبع أسلوب جديد غير مطروق سابقاً في تفسير حوادث الماضي، يعتمد فيه على المنطق العقلي والبديهية العلمية بشكل رئيسي يفوق الاعتماد على الدليل الأثري المادي كأداة رئيسية في اثبات الحقائق التاريخية، وهو بذلك يعلن صراحة (التمرد والثورة) على أساسيات علم الآثار. لكنه رغم ذلك كان يكتفي بالرد عليهم بابتسامة رائقة معللاً تلك الاستفزازات بأن لكل أنسان وجهة نظره الخاصة ومن حق الآخرين رفضها أو القبول بها…. المرة الوحيدة التي بدا فيها منزعجاً لدرجة العصبية كانت بعد التخرج، حين أخبرته برفض طلبي لأكمال دراستي العليا رغم تفوقي، بسبب الماضي السياسي لعائلتي الذي أفتخر به وأتشرف وأعتبره وسام على صدري… حينها أفصح لي الكثير من الأمور وعن كيفية تصادمه مع أزلام النظام المُباد، عندما أخذوا يوظفون كتاباته التي خص بها ملوك وأبطال العراق القديم والمآثر الرافدينية الخالدة بطريقة وسخة خبيثة لتمجيد الطاغية المقبور ومغامراته الحمقاء، مما أعطى شعوراً لدى الكثير من الناس والمهتمين بشأن التاريخ أنه غدا أحد أعوان النظام وبوقاً من أبواقه.. وقد أدى ذلك فيما بعد الى عزله عن منصبه في أدارة المتحف العراقي ثم أبعاده كلياً عن عمله في هيئة الآثار والتراث في أواسط الثمانينات مع زميله في الدراسة والعمل أستاذي الآخر في دراسة الآثار د.عادل ناجي المختص بالأختام الأسطوانية، بداعي عدم الحاجة اليهما كونهم فائضين عن الملاك الوظيفي !!!! لينتقلا للعمل التدريسي في كلية الآداب/جامعة بغداد (قسمي الآثار والتاريخ)…. وكان لكلماته أن خففت كثيراً من الم الغصة التي كنت أشعر بها حينذاك بسبب ذلك.. بالمقابل نصحني بالعمل في الهيئة العامة للآثار والتراث لأثبت وجودي في مجال تخصصي الذي أحببته وتفوقت فيه.. ولازلت أذكر قوله (البلد لأهله و ليس لهؤلاء الجهلة… مادمت تحب هذه المهنة، صير شوكة في عيونهم، وأفرض نفسك رغم أنوفهم)… وهذا ما حدث بالفعل فيما بعد.
بعد عملي كمنقب آثار في الهيئة العامة للآثار والتراث كبُرت أواصر الصداقة بيننا ليضاف اليها زمالة العمل والمهنة ليرفع ذلك التكليف الثقيل الذي كانت تفرضه العلاقة بين الأستاذ وتلميذه فبدأت أناديه كما يحب أن ينادى من قبل المقربين منه (أبو ميسون) كناية لأبنته الكبرى، لأتعرف يوماً بعد يوم أكثر على شخيصته الرائعة ومدى بساطته ومودته للناس، وحبه المتميز لطائفتنا وهذا سر محبته لي وتقربه، ومن أقواله التي لا أنساها (أنتم الصابئة المندائيين أصل حضارة وادي الرافدين وأبنائها البررة الأوائل)…. كنت أزوره بين الفترة والأخرى ومتى ما سنحت الفرصة في الجامعة للاطمئنان عليه، كذلك للمشورة العلمية التي يمنحها بكل سخاء ورحابة صدر…. وخلال عملي في محافظة نينوى للتنقيب في مدينة بلد/أسكي موصل خلال عامي 1995/1996 كان الدكتور فوزي يزورنا في مقر هيئة التنقيب المتواضع داخل مدينة نينوى الأثرية كلما سنحت له الفرصة لدى قدومه لهذه المحافظة للمشاركة في لجان مناقشة الرسائل الجامعية العليا لطلبة جامعة الموصل.. حيث كان يستأنس كثيراً للقاء الآثاريين ويعيش حياتهم المتعبة وطبيعة عملهم المُضنى، ويتابع بشغف ومتعة نقاشاتنا الدائمة حول نتائج عملنا اليومي، ويعطي آراءه الجميلة بشأنها… لكن رغم ابتسامته الدائمة على وجهه فقد كان يخفي ورائها مسحة من الحزن يستطيع تمييزها من عرفه عن قرب على مدار تلك السنين، كان السبب هو معاناته الأقتصادية كحال باقي أبناء الشعب العراقي خلال فترة الحصار اللعينة.. خاصة بعد أحالته الى التقاعد لبلوغه السن القانونية، لذلك أخبرني بعزمه السفر الى ليبيا كحال الكثيرين من الأساتذة الجامعيين للتدريس هناك من أجل مردود أضافي يعينه وعائلته على صعوبة تلك الأيام… فعلاً نفذ رغبته وسافر الى هناك … حينها كنت أتابع أخبار غربته رغم الظروف الصعبة التي كانت تسرق الجميع لحياتهم، خاصة مع طبيعة عملي الدائمة خارج بغداد من زوجته السيدة الفاضلة الاثارية (راجحة النعيمي) زميلتنا في الهيئة.
وتمر دوامة الزمن الثقيلة لألتقيه في منتصف شهر كانون الأول عام 1999 في العاصمة الأردنية عمان ولم يبقي لي لمغادرتها لمنفاي الأبدي في السويد سوى بضعة أيام بعد عام ثقيل متعب من الانتظار فيها… كنت حينها ماراً بأحد فنادق (وسط البلد) لزيارة بعض الأصدقاء… كان جالساً في باحة الفندق وحيداً شارد الذهن… بدا مُتعباً مهموماً وأكبر من سنه بكثير. فوجئت برؤياه.. وما كاد يراني حتى أسكتت المفاجئة لسانه هو كذلك… عرف غايتي مباشرة ودون أن أقول أي كلمة كأنه أعتاد فهم أفكاري ولو عن بُعد… التقاني وعيونه يملأها الحزن كأنه عثر أخيراً على من غاب عنه منذ زمن.. ردد وهو يهز رأسه عبارة واحدة لازالت محفورة في ذاكرتي (حمودي المن راح يبقى العراق).. عبارة قصيرة لكنه أختزل فيها الكثير مما كان يود قوله لتلك الأيام الصعبة التي سيراها شعبنا، لقد قرأ المستقبل كما لو كان لوحاً مسمارياً فعرف ما سيحل بوطننا الجميل من خراب في قادم الأيام (وقد حصل).. كان مرهقاً للغاية بعد سفرة برية طويلة قادماً من ليبيا ليقضي اجازة نصف العام الدراسية مع عائلته في العراق.. حدثني عن همومه هناك ومتاعبه الصحية بعد أن أصابه الوهن وضعف الجسد بسبب تقدمه في السن بعد كل تلك السنين من العمل، فأصبح من الصعب عليه العيش بمفرده في تلك البلاد التي لا يربطه بها أي رابط، مقارناً حالها مع عظمة وطننا بأيامه الجميلة الخوالي….. أستمر لقائنا لأكثر من ثلاث ساعات، أفرغ كل منا همومه للآخر.. ثم أستأذنته عن مضض بالمغادرة ، فلم يرغب حينذاك لأحدنا بترك صاحبه، لكني كنت في ضيق من وقتي وعلي اكمال وتصفية الكثير من الأمور قبل مغادرتي المدينة.. تمنى لي التوفيق والنجاح في مسعاي .. احتضنني بشدة كأنه أحس أن هذا اللقاء سيكون هو الأخير بيننا.. كنت أسمع حشرجة صدره، حينها أحسست أن قلبه كان يجهش بالبكاء دون العيون… لم يكن ذلك وداعاً بين أستاذاً وتلميذه أو بين أب وأبنه ، كان بحق وداعاً بين جيلين… جيل خبر الدنيا وتجاربها فعرف أن جنان الأرض التي نقل ترحاله بينها لاتساوي بضع حبات رمل من الأرض التي تدعى الوطن وعِشرة شعبها الطيب الصابر الحنون… وجيل مازال في أوج ربيع الحياة تملؤه الحيوية والعزيمة للعمل باخلاص من أجل أن يرى بلده في طليعة بلدان العالم المتقدم، لكن أضواء الغربة وبريقها المُبهر أغوته وأغشت عيونه التي أرهقها وأحجب رؤياها دخان الحروب وآلامها، فسارع مهرولاً الى سرابها، حالماً بوطن جديد يرى فيه بعضاً من الامان وشيئاً من الكرامة التي أفتقدها، ليترك معشوقته أرض النهرين الخالدين فريسة للمتخلفين والجهلة ليعيثوا فيها فساداً بعد تركها أهلها ومحبوها .
مضى كل منا في طريق قدره بعد ذلك اللقاء، لتدور بنا دوامة السنين وبمن حولنا أبتلعتنا خلالها هموم الدنيا ومتاعبها، ثم لأقرأ كحال الغرباء خبر رحيله الأليم في 26/3/2011، أخذت دموعي تتساقط بغزارة دونما أرادة أو شعور مع كل كلمة أقرأها لذلك الرحيل.. فالدكتور فوزي رشيد لم يكن بالنسبة لي أنساناً وصديقاً رائعاً أو أستاذاً فذاً ولا عالماً من الطراز الأول فحسب، بل كان يمثل حقبة زمنية كاملة وجيلاً متميزاً من المفكرين والباحثين يصعب أن لم يكن مستحيلاً على العراق في أوضاعه القاهرة الحالية أن يجود بمثله… مع ذلك ربما كان أستاذي محظوظاً حيث لم يودع الدنيا غريباً مشرداً رغم معاناته، خاصة في آخر أيام حياته، ليحصل من الوطن ولو على بقعة صغيرة من الأرض احتضنت جثمانه، ليثبت عراقية بلاد الرافدين الى جانب أجدادنا السومريين… ليبقى الم الغربة وحرقتها يرافق من تظل عيونهم دوماً شاخصة نحو العراق وتربته الطاهرة، بالأخص أولئك المُبتلين بعشق تاريخها الخالد وآثارها العظيمة كحال كاتب هذه السطور.
وبالرغم من مرور تلك السنين فلا تزال كلمات وعبارات أستاذي الجميلة ونوادره اللطيفة خالدة في الذاكرة.. فالى اليوم كلما أرتكب حماقة من حماقات البشر حتى وأنا في هذه السن، أشعر كأن صدى صوته يأتيني من عالم الغيب مصحوباً بصورة ابتسامته الطفولية الجميلة صائحاً.. (حتى أنت يا بروتوس).
*عن موقع الكاردينيا


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"