تابعنا على فيسبوك وتويتر

الاديب الروائي زيد الشهيد
تأثرتُ بجيش جرار من الروائيين والشعراء والفلاسفة
حوار أجرته : د. فوزية الجابري *
* ما اهم المرجعيات الفكرية والثقافية التي اسهمت في تكوين الاديب والروائي زيد الشهيد ؟
هو تراكم قراءات متنوعة ومطالعات مستمرة ابتدأت منذ الصغر .. فقد بدأت بالشعر العربي يوم كنت صبياً تفتحت عيني على مكتبة محدودة لإخوتي الكبار ورأيت عنترة بن شداد في كتاب اوراقه سمراء جلبه اخي الذي يكبرني من شارع المتنبي مع ما جاء به من كتب كانت تباع بأرخص الاثمان في عربات خشبية تدفع باليد فترة ستينات القرن الماضي . يومها كنت وأحد أخوتي نقرأ من اشعار عنترة بصوتٍ عالٍ فنستمتع بالقراءة عبر فروسيته وعشقه لابنة عمه عبلة … وجاءت فترة المراهقة فوجدتني اندفع الى المطالعة بنهم شديد .. اقرأ الادب الاوربي الانكليزي والفرنسي والروسي والمترجم من ادب الشعوب الاخرى ، ومعه الادب العربي طبعاً .
* مَن هُم اكثر الأدباء عالمياً وعربياً كان الاقرب اثراً الى شخصية زيد الشهيد الادبية ؟
لعله سلامة موسى الذي فتح طريق معرفة الآخر عبر كتبه التي وقعت بيدي فأرتني انساناً يرشدني الى حب المعرفة والايثار في العمل واحترام المرأة والنظر الى امام وترك الما وراء كزمن مرَّ ولا يجب التحنط عنده وعبادته .. رجل زرع التفاؤل وطالب بالتواري عن النكوص. دلّني على مقولة أنَّ مسيرة الالف ميل تبدأ بخطوة مثلما عرَّفني على حقيقة ان الانسان الفاعل هو مَن يَستفيد من يومه ، وحَسِب ذلك اليوم مُحفِّز لاستلهام حكمةِ يومٍ قادم .. ذلك النور أضاء دربي فجعلني انطلق لانهل من ساعات الليل والنهار ما يفيد وما يراكم من معرفة ويجعلني جائع أبداً لا يقترب الاحساس بالشبع من لحظاتي ، لذا تجدينني وانا في هذا السن اشعر برغبة طالبٍ شغوفٍ للارتواء من نمير العلم والثقافة والمعرفة الانسانية الشاملة . .. أما عالمياً فيعود تأثري لجيش جرار من الروائيين والشعراء والفلاسفة ؛ إذ كل كتاب أقرأه يحدث داخلي رعدة تخلخل لا تهدأ ، وأجدني استعذب هذه الرعدة وتلك الخلخلة فأطالب بالمزيد من القراءة ودخول عوالم المزيد من المبدعين كي أمر في مسار الحياة الذي رأيت له مبتدأ ولم أر بعين الناظر منتهى ؛ لذا كان فيكتور هوجو ، وتشارلز دكينز وتوماس هاردي ، ووليم ويردز ويرث ، وشكسبير ، وت. س. إليوت، وجون كيتس ونجيب محفوظ ، وعبد الحليم عبد الله ، وديستوفسكي ، وبيرسي شيللي ، وخوان رولفو ، ويوكوميشيما ، ألبير كامو ، وكولن ويلسن ، وسيلانبا ، وكيركيجاد ، وعبد الملك نوري ، ومحمد خضير ، وفؤاد التكرلي ، وبرنادشو ، وميخائيل شولوخوف ، وغوغول ، وجيكوف ، و…،و … ،و …….. ألم أقُل لك جيشاً جراراً ؟
* في رواية ( اسم العربة ) تقول على لسان احدى الشخصيات (( إنَّ الدخول الى مركز حركة المجتمع يتم عبر الادب ، انطلاقاً من أن الادب وجه من اوجه الثقافة الفعالة التي ترفع من رؤية الانسان للحياة )) ، فهل تؤمن حقيقةً ان الادب عامة والرواية خاصة يسهمان في خلق جديد للمجتمع ؟
– لا شك أن الادب الذي هو مسار مهم من مسارات الثقافة الانسانية منوط بمهمة بناء مجتمع يسعى الى آفاق النور الذي يزيح ويزيل من أمامه مطبّات وبرازخ وتابوات الجهل ويجعل الحياة قابلة للتطور ومرهونة بإشراق يجعل من الجمال صفة من صفات الهناء بينما القبحُ كينونةٌ تجمع التحنُّط والتكلُّس والتقوقِّع ؛ وتلك صفات من لا يرغب بالأدب ولا يراه عاملاً رئيسياً في صناعة مجتمع متنور ومزدهر وراقي .. ونظرة بسيطة إلى المجتمعات المتحضرة التي أمَسكت بصولجان العلم والمعرفة ترينها لا تفخر بجُهّالها وأثريائها ومترفيها انما بأدبائها وعلمائها وفلاسفتها ورموزها الثقافية فتحسبهم اعلامها وبيارق فخارها .
* السمة العامة لرواياتك انها مهمومة بالسياسة ومشغولة بها ؟
– ان اغلب رواياتي تتعامل مع التاريخ . وتعامل كهذا لابد من مروره على السياسة لأنها المحرك الاساس للأحداث ، وجلُّ مهامِ التاريخ كما هو معروف تعامله مع الاحداث .. واذا كان كثير من تينك الاحداث لها سمة اجتماعية تتعلق بحركة الافراد والجماعات فان جذورها لو تتبعناها لاكتشفناها سياسية .. ولا شك ان التطور وظهور وسائل جديدة للتواصل ولّدت هامشاً واسعاً لتناول الأحداث والتعامل مع التاريخ وتسييره بوصفه عاملاً مساعداً في حركة الرواية وتناميها , ولا تاريخ بلا سياسة مثلما لا سياسة أن لم يكن التاريخ يتماهى معها او يتوازى وانشطتها وافعال ادواتها السياسيين .
* نوعت كتاباتك الا بداعية ما بين القصة القصيرة والشعر والرواية .. اين تجد نفسك في كل هذا المنتج الادبي : وهل تفضل نوعاً ادبياً على آخر ؟
– بما ان الثلاثة بوصفها انواعاً ادبية تنهل من منهل الادب المتداخل والمتمازج معرفياً فان تناولها وتداولها تدوينياً هو من عِداد ثقافة الكاتب واهتماماته مقرونة بالموهبة التي استطيع تعريفها بجملة الاهتمامات التي يحتضنها انسان ويتفاعل معها في حين يهملها انسان آخر فتتنامى وتتعاظم عند الاول بينما تضئل وتموت عند الثاني ……… لقد كان فيكتور هوغو شاعراً علماً في الوسط الثقافي الفرنسي ، ويتداول الفرنسيون اشعاره بعذوبة ، يتغنون بها ويكتبون على منوالها لكنه إذ دخل حقل كتابة الرواية ابدع وتميز وخلق قراء عشقوا السرد وهاموا في قراءة رواياته البؤساء واحدب نوتردام وعمال البحر بل تجاوزت تلك الروايات آفاق الجغرافية القرائية الفرنسية الى شتى مناحي الارض . وشرع القراء يمجدون جان فالجان الذي تمرد على الفقر وارتكب جريمة السرقة من اجل اطعام ابناء شقيقته الذين رآهم يبكون جوعاً ؛ وتعاطف قراءة الكرة الارضية مع الاحدب كوازيمودو في حبه للغجرية أزميرالدا . وصار هوغو الصوت الروائي الذي بموازاة هوغو الشاعر .. وهناك أيضاً الشاعر الروسي باسترناك الذي تعلق الشعب الروسي بشعره واستعذبوه فجاءهم بروايته الهائلة الدكتور زيفاكو التي استحق عليها جائزة النوبل .
إلا انني رسوت على شاطئ الرواية لشعوري انها تجمع الاجناس الادبية في بوتقتها وتستفيد من تقنيات الاجناس الادبية الاخرى .
* لمرأة حاضرة في كل رواياتك إلا انها عادة لا تأتي بصورة البطلة . المرَّة الوحيدة التي كانت فيها كذلك كانت تهلوس ولن اقول مجنونة ، إلا انها كانت تعيش بالماضي . فهل يشكل هذا موقفاً من المرأة ؟
– لا يجب تجاوز الواقع والقفز على الحقائق بصدد تقييم دور المرأة في مجتمعنا . فهي وعلى امتداد الدهور مخلوقة مسلوبة الارادة ، تابعة للرجل . وإن هي حاولت رفع رأسها يوماً وتاقت لإعلان رأيها كُبِحت اجتماعياً ودينياً وسياسياً . وهي الآن تشكل العنصر الاضعف في الحلقات الاجتماعية ، وينظر لها على انها مخلوق ضعيف فنجد الواقع العام يتعطف عليها ، في حين يجب ان تكون عنصراً فاعلاً ، مساوياً للرجل في مهامه ومسؤولياته ومواجهته للمواقف . والمفارقة ان الايدلوجيات والاديان والافكار كلها تمجد المرأة في آدابها ونصوصها لكنها حين الواقع تتراجع وتحسبها ظلاً باهتاً للرجل .
* لغة زيد الشهيد السردية ، لغة شعرية ، وهي اشبه بقصيدة نثر كما قال الدكتور محمد فليج الجبوري ، فهل لنا ان نعرف ما مصادرك ؟
– لا يخفى على احد ان العربي مجبول على الشعر منذ القدم ؛ والسرد جاءنا في زمن قريب . فكان ثانوياً في القراءة والتداول ؛ وفي الجلسات الادبية والمهرجانات … هذا التصور يقود الى رؤية أننا نميل الى الشعر قبل الميل للنثر . وهذا الميل ابتدأ كما اشرت منذ الصغر وباستمتاع فذ عند قراءته بصوتٍ عالٍ . تلك القراءة الصوتية شكَّلت موسيقى ونغم تستعذبه الروح فيروح يتغلغل بين طياتها ، ويتسلل الى العاطفة التي ترحب به فيغدو من مثيرات هذه العاطفة والمحبب لها .. ولقد حفظت الكثير من الشعر لشعراء عرب ؛ وهذا الحفظ ربى الذائقة على الاستمتاع وحب النغم الذي هو جزء من قصيدة شعرنا العربي … الاستمتاع والحفظ كانا الرصيدين اللذين امداني حين السرد بالشعرية التي تضفي على النص عطراً أخّاذاً يجعل المتلقي يحب هذا النص ويحترمه ؛ ومن ثم يتمنى لو كان قد كتبه بنفسه وأُسند اليه ؛ وهذا سمعته من اكثر من قارىء التقاني وابدى اعجابه بما كتبت وما قرأ .
* مع علمنا ان الكاتب لا ينفصل عن نتاجاته الادبية ، إلا ان القارىء يجدك احياناً حاضراً في رواياتك تلقن الشخصيات ما تود قوله .. كيف تبرر ذلك ؟
– انا لا اقر بحيادية المؤلف خصوصاً في الاعمال التي تتطلب تنوير القارىء والاخذ بيده من مكان سكونه او تلكؤه او تقهقره إلى موقع يساعده على ارتقاء سلم المعرفة والتعامل مع مواقف الحياة المختلفة التي يواجهها .. ولي نظرة ان ارتقي بالقارىء من مستوى تفكيره وثقافته الى مستوى اعلى … لقد ووجهت اكثر من مرَّة بإشارة صعوبة لغتي في السرد وخصوصاً في القصة القصيرة وطُلِب مني الهبوط الى مستوى ثقافة القارىء فكان ردِّي ان احدى مهامي التاريخية هي الارتقاء بالقارىء لغةً وتصوراً وافكاراً لأجل اثرائه وجعل ما يقرأه ذا فائدة ، وانت تعرفين سيدتي أن القراءة لم تعد وسيلة للتسلية وقتل الوقت إنما تفاعل واهتمام وادراك وصولا الى التهذيب وصقل الشخصية ، ومن ثم اخذ المجتمع الى مراتب عليا من الثقافة والمعرفة .
* ما يميز روايات زيد الشهيد أنها لا تقف عند الواقع مباشرةً لتصويره ، انما تعتمد احداثاً ماضية ـ فيظهر هذا الماضي بوصفه معادلاً موضوعياً للواقع الحاضر ؟
– لا شك اننا نعيش في مجتمعات عربية لا زالت تحيا على ايقاع متراتب يتكرر كل عشرة الى عشرين عاماً بفعل عدم رغبتنا في التطور والقفز عن رقعة الشطرنج التي نتحرك عليها . لذلك حين تراجعي الزمن القريب ابتداء من اوائل القرن العشرين الى يومنا هذا ترين ان الاحداث والوقائع يتشابه حدوثها كل حقبة زمنية قد لا تتعدى العقد او العقدين .. ولأضرب لك مثلاً : الكثير ممن قرأ روايتي ( افراس الاعوام ) بأحداثها التي جرت منتصف القرن العشرين نزولاً إلى اوائله قال ان احداثها تشبه ما يحدث اليوم في واقعنا ؛ على عكس ما يحدث وحدث لشعوب غيرنا . فمثلاً أوربا التي تناحرت وتصارعت ودخلت حربين عالميتين قاهرتين في النصف الاول من القرن العشرين تجاوزت واقعها المرير فشرَّعت معاهدات ومواثيق وقوانين غيَّرت المجرى التصارعي والعدائي وخططت وبرمجت لسعادة الانسان وابعاده عن الحروب والدمار والعسف . فما يكتبه الكاتب الأوربي الآن لا يمكن لقارىء ان يقول انه يتشابه مع أيَّ حقبة من تاريخ أوربا لان الوقائع تغيرت وسعي الانسان الى السلام والتخطيط عبر برامج متتالية هدفها اسعاد مواطنيهم وجعلهم في اعلى درجات التفاؤل . وهذا للأسف ما لا تجده عندنا ؛ لذا يتراءى للباحث القارىء أن الاحداث التاريخية ومعاناة الانسان تتشابه في حقب واقعنا العربي . وحين تدخلين الى تاريخ العرب من اوسع ابوابه ستندهشين لمشاهدة الاحداث والتصرفات والسلوكيات تتشابه بقدر كبير لا يمكن رفضه او عدم تصديق موائمته مع ما قبله وما بعده .
* أنت اليوم صاحب نتاج ادبي وروائي مهم وكبير ، هل تعتقد ان شهرتك كأديب توازي ما قدمت له ؟
– يبقى الانسان صاحب الرسالة طموحاً ، يتطلع الى آفاق اوسع لإيصال رسالته عبر تلقيها وتقبلها والاهتمام بها . ولقد تناول اعمالي الادبية نقاداً وقراءً كثيرون ، واستطعت بحمد الله ان اؤَثر في قرائي واجعلهم يحبون ما اكتب .. ومن هنا وضعت قدم رضائي على ارض تفاؤلي وشعوري انني مؤثر . ومما يجعلني سعيداً بما قدَّمت وأثَّرت وزاد من رضائي هو وصول اعمالي ( في الرواية تحديداً ) الى الميدان الاكاديمي . فنوقشت رسائل ماجستير ، وهناك رسائل في طريق الاعداد والنقاش … واذا اريد ان اذكر الفضل في ذلك فالواجب يحتِّم عليَّ ذكر الاساتذة الاكاديميين الكرام الدكتور فاضل عبود التميمي ، والدكتور محمد فليح الجبوري ، وجنابك الدكتورة فوزية الجابري ، والدكتور علي حسين الضفيري ، والدكتور علي متعب ، والدكتور عزيز الموسوي ، والدكتور خالد علي ياس ، والدكتور ثائر العذاري ، والاستاذ محمد فاضل المشلب وغيرهم كثيرون ممن اسهم في ايصال ما كتبت الى خزائن عقول الطلبة .
* أحلام زيد الشهيد الادبية والروائية تحديداً .
– كل حلمي ان اوصل كل ما كتبت الى القراء والمتلقين ، ففي الجارور اعمال ادبية مسودة وجاهزة للنشر في مجال الرواية والقصة والمقالة والترجمة والرؤى خارج التنصيص .. واشعر ان العشرين كتاباً التي اصدرت غير كافية للدخول الى ميدان الادب العراقي والعربي والانساني .

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"