تابعنا على فيسبوك وتويتر

تلك الأيام البعيدة.. وول سوينكا

هدية حسين

الطفولة هي ذاكرة الناس عن حياتهم الأولى وخزين سنواتهم، مرتع البراءة والاكتشافات المدهشة، وحين تمضي قد لا تكون فاعلة في حياة الكثيرين، لكنها بالنسبة للمبدعين كنز لا ينضب وحياة مستدامة، تحفر عميقاً في وجدانهم وتديم زمنها، فتخرج من حين لآخر ساطعة وبهية الحضور، حتى وإن كانت تلك الطفولة معذبة وبائسة ومتصدعة، يستعيدها المبدعون على شكل رواية أو سيرة ذاتية أو قصائد أو قصص، أو تتسلل الى ريشة فنان تشكيلي فتلون أيامه الغائمة، وقد تسكن أوتار الموسيقى لتخبره أنها ما تزال تتربص بنوتاته.
وول سوينكا واحد من هؤلاء المبدعين، الذين غادرتهم الطفولة مبكراً، إلا أنها بقيت حاضرة في العديد من أعماله، ممسكة به، مشعة في ذاكرته وروحه، وظلت سيرته الذاتية (آكية، سنوات الطفولة) هي الأقرب إليه، والتي تضعنا مباشرة أمام هذا المبدع الخلاق الحائز على جائزة نوبل عام 1986، وقد ترجمها المصري سمير عبد ربه، وصدرت عن مكتبة مدبولي.. إنها رواية طفولة وتاريخ بلد اسمه نيجيريا، وتوق لحياة كانت غائبة إذاك عن الناس الذين يرزحون تحت وطأة الاستعمار الغربي.
يبدأ سوينكا بوصف عام للمكان الذي يدعى آكية، وهي مدينة أرضها متموجة ومترامية الأطراف، بيوتها من الطين الهش ومن دون كهرباء، وكانت تنهار بسرعة عند سقوط الأمطار أو بفعل رياح قوية بحيث تطوّح بألواح الحديد الى أسطح أخرى، وكثيراً ما تسقط على ساكنيها، وهناك، عند المرتفعات يقع رأس التل، ثم الطريق المتعرج الصاعد من سوق صاخب الى سوق آخر يطل على أكثر مداخل الدير سرية، كما يوجد اسطبل القس وكنيسة بطرس حيث تدوي منها الموسيقى، أما القس فيسكن في بيت مشوه بشبابيك ذات إطار خشبي أسود، ويقع فناء الأساقفة في أحد الأدوار.
في تلك الأيام البعيدة كان الطفل سوينكا في المدرسة الابتدائية، كانت روائح الأشجار والفواكه تحيط بالمكان، وشجرة الرمان هي سيدة البستان، وفي بداية الأمر كان الأطفال يظنونها شجرة تفاح، وحين يسألون البستاني عنها يضحك ويخبرهم أن التفاح لا ينمو في تربة الرجل الأسود، وكانت الخفافيش والثعابين وأنواع الطيور تحيط بالمكان وتتسرب في زواياه وتحط بين أغصان الأشجار..كان سوينكا في الأرض المنخفضة حيث المدرسة وحجرات نوم الطلبة، وحين يحل موسم الأمطار تظهر تلك القواقع بأشكالها المختلفة.
من المخاوف التي بقيت في ذهن وول سوينكا وجه ذلك القس الذي يظهر فجأة من بين النباتات المعرشة، يصفه بأنه ذو وجه خرافي، وله عينان جاحظتان، حتى أن الطفل حين يراه يظنه أحد الأشباح.. وكان الطفل يتساءل: ماذا بعد هذا المنخفض؟ وعندما تقوم أمه ذات مرة وهو في صحبتها بجولة تتجاوز المنخفض، يكتشف للمرة الأولى خرطومين أسودين مسنودين بعجلات من الخشب وواقفين على أعمدة أمام (المقر) حيث الحراسة مشددة للرجال البيض، اندهش الطفل وسأل أمه عنهما فأخبرته بأنهما مدفعان يستخدمان في الحروب، وعندها أدرك لماذا يطلقون على “باديلومو” المدفع، فهذا القس أسود البشرة ضخم وله رأس كبير يشبه كرة المدفع، وكان يسيطر على “آكية” بأسرها، وهو أيضاً يخيف وول سوينكا بنظراته، ويبدو أن سوينكا لم يكن منذ طفولته على توافق روحي مع القساوسة، فهو يصفهم في أكثر من مرة بأنهم فقراء الروح ومواعظهم مملة.
يخبرنا سوينكا في هذه السيرة بأنه في طفولته كان كثير الأسئلة الى حد الإزعاج، يسأل عن كل شيء يصادفه، وله أفكاره الخاصة التي كثيراً ما تتقاطع مع الأطفال الآخرين، أما ما يميزه فهو عشقه للدراسة، تسري الغيرة في كيانه كلما رأى اخته التي تكبره وهي ترتدي ملابس المدرسة وتحمل الحقيبة وتمضي مع رفيقاتها، ويرى الأولاد جميعاً على هذه الشاكلة، وتأتيه أصوات التلاميذ من المدرسة وهم يغنون الأناشيد فيشتد عشقه، غير أنه لم يكن في ذلك الوقت أكثر من ثلاث سنوات، وفي أحد الصباحات قام بارتداء زي يشبه الزي المدرسي، وتناول بعض كتب أبيه وتبع اخته، ثم دخل الصف وجلس الى جوارها فضحك التلاميذ من وجوده، لكن المعلم الذي كان صديق أبيه لم يضحك بل سأله: هل جئت لمرافقة اختك؟ ولأن عشقه كان أكبر من سنواته فقد أجاب: لا.. جئت من أجل المدرسة.. وسأله المعلم ثانية: أليست هذه كتب أبيك؟ فأجاب: هي كذلك وأنا أريد أن أتعلم.. وأمام إصراره العجيب سجل المعلم اسمه في القائمة.
في تلك الطفولة كان وعيه يتفتح ويتشكل، أما الحكايات التي يتداولها الكبار عن الموتى الذين يعودون للحياة فقد علقت بذهنه وتحولت الى يقين، تلك التي تقول إن الموتى يعودون بهيأة خراف وثعابين ونمور.
يقبض وول سوينكا بالذاكرة، يُخرج منها الزمن المعتق في ألواح الخشب الذي ينخر فيها النمل فيسقط السقف على الرؤوس، وفي صور أجداده المعلقة، وذلك الوشم الأخضر فوق أجساد النساء، وتلك التعاويذ التي تدرأ الشر، والصندوق المهجور تحت السرير، الذي يحتوي على صناديق صغيرة متآكلة، وتلك الصناديق الغامضة التي يخفيها الأب عن الأبناء، وكان سوينكا يشعر بالغيظ لأنه لم يتمكن من معرفة أسرارها على الرغم من أنه أحدث ثقوباً فيها.
يمر في سيرته مطولاً على الحرب والطائرات التي تحلق في الجو وتحدث أزيزاً مفزعاً، واشتعال السفن وسقوط القنابل، إنه الزمن الذي جاء فيه هتلر ودق طبول الحرب، ولم يستطع الانكليز الذين استعمروا بلاده أن يدافعوا عنها، وصلت الحرب الى آكية الهادئة وصار شبح هتلر يطارد الجميع.
في هذه السيرة يؤرخ وول سوينكا لأحداث كثيرة، يحكي عنها بإخلاص أكثر مما يحكي عن نفسه، يحكي عن الناس الذين كانوا بذرة التمرد الأولى، عن بساطتهم، معتقداتهم، مخاوفهم، صراعهم مع الطبيعة، الضرائب التي كانت تقصم ظهورهم، الاستعمار الذي سرق خيرات البلد ولم يدافع عنه في أعنف أيام سنوات الحرب.
لقد دفع وول سوينكا الكثير من حياته ولم تجعله جائزة نوبل سعيداً كما صرح في أحد الحوارات، هذا الإفريقي الثائر سجن لمدة 22 شهراً أثناء الحرب الأهلية بسبب مناهضته للديكتاتورية.. سيظل اسماً كبيراً على خارطة الأدب الإفريقي والعالمي، فهو الروائي والكاتب المسرحي والشاعر الذي مايزال قريباً من طفولته ومن بسطاء الناس.

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"