تابعنا على فيسبوك وتويتر

القسم الثاني

( 7 )
المسافات تعبث معه.. تحيله إلى ساحة مضيعة للوقت ..تنهش بأعصابه، فيبدو أمامه السراب كأنه صفحة ماء تتلألأ بتموجاتها الشذرية اللامعة المتصلة في حركة مخاتلة.. فتبتعد عنه كلما اقترب منها.. ممنيا نفسه بشربة ماء حالما يصل إلى تلك المنطقة البراقة التي تدعوه أن يركض إليها و يقطع المسافة. ولكن السراب بقي أمامه.. ومازال يركض باتجاه الماء ولسانه امتد خارج فمه.
كان الصيف يرسل أشعة شمسٍ لاهبةٍ، تصفع رأسه بشعره المنفوش. والنهارات الطويلة تتحرك ببطء شديد ليزداد عطشه. ولا سبيل آخر للتشبث غير إصراره لأن في نهاية المطاف اللاهث سيكون الماء بانتظاره.
ظل يتخبط في الصراع المحتدم في رأسه ، مواجها البراري .مفعما بالشكوك واليقين. يركب أرجوحة تصعد به إلى قناعاته وتهبط تارة أخرى إلى درك مخيف. فهو لا يريد تسليم نفسه نادمة لتمضي إلى حتفه.. الموت من اجل الماء،لأن حلمه المعلق مثل سراج يلوح له ان يمضي.. وليعتبر الأحداث المأساوية ما هي إلا اختبارات يجب اجتيازها. بعد أن أتعبه اللهاث الذي قطع سبل أخذ شهيق مريح.. و كان زفيره اكبر من صدره. مكث في مكانه. يلتقط نواة أوكسجين هارب من رئتيه. يشكو الصداع القاتل واليباس المتناسل. وقف، وقد أسبل جفنيه وتراخت يداه وانثنت ركبتاه وانحنى رأسه الى الثرى، لعله يشم رائحة ترحيب ليستكمل دوائر الانتظار. فمزقه الضجيج الدائر في جوفه والمستغيث لقطرة ماء ان تدنو. لكن وجهه تحول الى عدسة مقعرة لامتصاص حرارة الشمس، وقد تقشع جلده وتحولت بثوره الى موضعٍ لتوهج الألم. وفقد هيكله شكله الذي اعتادت روحه أن تمرح به. وأحس انه كسول. بل انه تحول الى أبله لا يقدر على فك ارتباط الشك من اليقين. لا يهم. فالماء ليس الطريق الوحيدة للحياة فحسب وليس السبيل الأوحد للموت ..أغمض عينيه، لعل رؤى خاطفة تمرق في الظلام، فتعينه على الإمساك بتلابيب القوة. عليه ان يعتاد العذاب وان يكون حذراً من أي مجهول. وان يعاود توجيه إصراره لشق الطريق. لكن هذه الحرقة في لهاته، وتكلس لوزتيه، وتشقق شفتيه، وتجعد جلده.. والتهاب بثوره التي تنز جراحاً. لا تمنحه فرصة للتأمل. لان التأمل يحتاج الى هدوء.. والهدوء بحاجة الى إشباع الرغبات، والرغبات مرهونة بتوفير عناصر الوجود. فأخذت عيناه تدوران في اتجاهات النهار الصاخبة والضاجة بحرارة الشمس.. يبحث في ضباب الرؤية عن خرم يرى فيه بصيص ضوء فقده في سراب أفكاره المتضاربة في رأسه و يبتعد قليلاً عن التشكي حتى لا يصاب بالصم. وأن يقلل من لهاثه. حتى لا يزداد غباء.. فترك يديه تحكان مكان عورته بأظافره. جعلت نفوره يستفز من جديد بعد توقد الحرارة اسفل بطنه. وتذكر انه لم يتبول منذ إشراقات شمس عديدة.
وقف في دائرة قلقه مسيطراً على عموده الفقري باستقامة مؤلمة.. كمن خرج لتوه من أصفاد قفص صغير. ليحدد اتجاه سيره. فالمكوث في المكان لا يبعده عن المخاطر ولا يجلب له المبتغى. فهو الآن أسير عكاز مكسور.. يتكئ على عوزه لقطرة ماء. وعيناه الذابلتان طلاهما الملح. سار بتقتير أنفاسه حتى لا يتعب أعماقه أكثر. سرعان ما طواه نعاس اخافه، فربما يسقط الدود في منخريه.. فتهالك في مكانه. وفي آخر لحظة تفكير قبل الإغفاءة تعكز على اجتراح الأمل ، حتى لو كان فيه حرق .
ضربته شمس نهار غاضبة حركت البثور من سكينتها. بينما الحزن أخذ يطرق أبواب عافيته بلا أجراس، وهو يتفحص المكان.. ففقد الحيلة في كل تصرف جيد خاصة وان الأيام صارت خالية الوفاض. وان تنقله صار عبثاً وعبئاً عليه.. دارت الأرض به وأخذت تميد تحت قدميه.استنجد برأسه. وجده وقد التحف الذبول.. وتحول ضوء النهار الى سباق في اختلاطات الظلام. فهتف بداخله بحروف يسمعها تسقط في مستنقع راكد. الى متى هذا اللازمن؟. متى تخرج لي أيها الساكن أضلعي وأحلامي وأفكاري.. يا محول حياتي من السكون الى الفوران؟. أين كلماتك أيتها العرّافة لتفكّ هذه الأقفال الصدئة وأتحول الى كائن يعرف ما يريد؟
تحايل على ضعفه. صانعاً مظلة بكفه المتهالكة. مقلّلاً من رؤية الآفاق. فاتحاً فمه اليابس لحبات الرمل.. لم يكن لمرفقه القدرة على حمل ذراعه فسقطت يده، وخارت قواه، وأقعي مثل كلب مجروح. أخذ يزحف بلا أثر.. وراودته فكرة الوصول الى الفشل. فقطرة الماء أضحت بعيدة المنال. تراءت له كارثة حياته تلوح له بصور مرعبة. حاول التخلص منها.. لكنها كانت ملتصقة بشدة. رأى أفواه مدينته تضحك عليه. رأى سبابات اكفهم تشير.. هذا مجنون. رأى أطفالا تركض صارخة (مْخبّل.. مْخبّل). وغائطه يكشف عن خذلانه أمام أنظار زوجه الواقفة على مبعدة بلا حراك. لا تضحك مع الضاحكين أو تهزأ مع الهازئين أو تصرخ مع الصارخين. مكتفية بالتحديق الحزين. تجدف تعابيراً في غاية الخيبة والإحساس بالمرارة. دون أن تبالي بإشاراته المستغيثة. سمع عن قرب ضحكات قوية، خارجة من فم كبير يتوسع كلما طالت ضحكاته بقهقهاتها العالية. عرف انه الرجل الحكيم الذي كان يخافه ويحسب لكلماته ألف حساب. كان معارضاً له كلما تكلم أمام الآخرين بضرورة تجميع الألسن للانبثاق من جديد. وكان الرجل الحكيم ينبه عن هذه الأفكار التي لا تخرج عن كونها تصب في بعثرة العقول. اغمض عينيه هرباً من هذه الصور المرعبة التي تزيد من إحباطه. لكن الأصوات صمت أذنيه. وتكور كما القرد الأجرب. فارتفعت هراوات وفؤوس وسواطير وسياط تلوح فوق رأسه. وبانت المدينة كلها تكرهه.. وانها ستنهال عليه ضرباً. افتضح أمره. لم يكن أمامه خط مستقيم غير زوجه الواقفة بشعرها المنفوش. فتوسل بها أن تنقذه.. أن تبعد الأكف عن رأسه.. أن تخرس الألسن. فوجئ بأنها تقف على صفحة ماء عذب..له ألوان قوس قزح.. تخرج من رأسها نافورة ماء الورد.. وحبات لؤلؤ وماس تحيطه أوراد الياسمين. زحف إليها لتسقيه جرعة ماء تعينه على النهوض.. ليقاومهم، فربما استغلوا خواره وخواءه. كانت تبتعد عنه.. تتبعها خيوط الماء. بينما هو ظل في مكانه كما المجرم.. ينتظر الإعدام أمام الشعب. واكتشف ان غضب الناس تحول الى استهزاء وضحك. وعرف ان مكان عورته مفضوح الرؤية. فتعالت أصوات النساء. بصق عليه الرجال وقذفه الأطفال بالحجارة والحصى، ودارت به الأرض.. فعاد يستغيث بزوجه المبتعدة التي راحت توزع الماء على الآخرين.. تاركة إياه يلعق خيبته. وضاق به المكان وشعر بالاختناق.. دفن رأسه بذراعيه محاولاً إبعاد ذاكرة ملعونة توقظ فيه شجون موحشة مرعبة. صرخ برأسه.. أن يلعن العرّافة الشمطاء التي لم تدله على الوجهة الصحيحة.. وانه سيموت.. سيتعفن إن بقي يلاحق سراباً وضباباً. فالفصول كلها توقفت عند أبواب الصيف اللاهب. ولا شيء في الأفق يهبه الأمل المنشود. بل ما يراه عبارة عن مياه آسنة. وهذه الأحلام المزعجة أخذت تلاحقه كلما حاول الإغفاءة لتعصمه من إغماءة محتملة. ولم يدع للشك مجالاً ليوسوس في رأسه من انه أخطأ تشخيص ذاته.. فأوثق نفسه بحبل يقينه، من ان المخلوق سيد نفسه. يستطيع أن يفعل ما يشاء لو استغل استنطاق دواخله. وانه بحد ذاته ما هو إلا جسد متحرك. وما بداخله ليست روحاً بل قدرات خارقة تتحكم بالانفعالات. رفع رأسه إلى السماء.. خلصني مما أنا فيه.. اجعلني قادراً على الاعتقاد بوجودك، بخلاصي من هذا العطش القاتل برؤوسه الحادة التي تمزق أحشائي. لم أكن إلا مسحوراً. خلصني وإلا سأعود إلى نكرانك.
زحف على ركبتيه.. إذ ان البقاء أوحى له البداية الأولى لعملية الموت.. حتى إذا ما جاء الليل.. اختلطت عليه الطرق.. كأن الأرض قد نبذته وهو يعود إلى نفس دائرة الإرهاق وأن قلبه لم يعد ينبض إلا نبضة واحدة كل عشرين شهيقا.. تساوت أمام ناظريه الأرجاء وأخذ يقح كمن أصيب بموجة ربو مفاجئ. وكان بلعومه يابساً.. فشعر بتشقق لهاته. لا نفع للتقتير.. قال لأنفه.رطب شفتي.. قال للسانه اليابس .تفحص طريق الدلالة.. توسل بأذنيه.اسمعي رنين الخطوات و صدى الأنفاس.. استغاث بعينيه. وقبل حنجرته لعلها تخرج حرفا واحدا طويلا يسمعه تائه أو راعي غنم.آه.. تعبت.. لا أدري ماذا أفعل.. أما زلت في خطوات الامتحان.. أم شارفت على الولوج الى غابة الموت؟ قد أكون في دوامة.. عجبا.. كم مرة أكرر هذه الهلوسات.
فرك عينيه لإزالة حبات الرمل و الملح.فتصادم الظلام و صدف الضوء ليولد حركات متداخلة.أهدته رعبا جديداً.فبرز وجه امرأة يعرفها.أخذ يتوسع بين جفنيه وباطن كفيه. أنت!!. لماذا تنظرين الي هكذا؟ لا تبحلقي بأجزائي المفتتة؟ سرعان ما تلتصق وبقوة اعظم. سيعود رأسي الى التفكير الصحيح.لن أتخاذل. وسأبتسم عنوة.. لأنك لن تدخلي رعشة الفشل.. ولكن أسمعي كلامي. أنا الذي يتكلم، وعليك الاستماع.. أعرف ما يجول بداخلك. لا نفع مني ومن أفكاري. لا نفع لرجولتي. الرجولة ليست جهاز بول و نكاح.. أعرف ان الرجال يحاورونه اكثر مما يحاورون عقولهم.. ولكني سأحتفظ بحاشية إصراري وأكون سيد نفسي.. نعم سأكون.
نفض رأسه من حلم أبله.. مازال يكابر على فراغ لا يمنحه إلاّ التفتت والسراب. ففي لحظات الشعور بالانهزام تنبع المكابرة. وينطلق العناد.. لعل السبيل الى النجاة يبرز من ثنايا الأعاصير. هل حقاً انه أخذ يهذي لتراوده صور غاية في السواد. وانه مازال قادراً على المطاولة ؟.. ربما أصابه الجنون. نعم.. أنا مجنون. شعر برغبة عارمة للبكاء. يسمع حواراً يصف حالته التي فقدت الشيء الكثير من وسامته. فانطلقت من تذمره رغبة بالغناء. وزاحمت حاجته للبكاء. قال: أأغني أم أبكي؟ أبكي أم أغني؟. أم أبكي وأغني معاً؟ شيئان اجتاحاه دفعة واحدة و أزعجاه في نفس الوقت.. وانحاز للغناء. ففيه عناصر المكابرة والشعور بالانتظار والإحساس بالانشغال.. أكثر من رغبة البكاء التي تشعره بالخيبة والخذلان والخسارة. غنى.. بمواويل حشرجته الباقية في أسفل البلعوم. فكانت آهة طويلة بلا كلمات.. جعلت شرايينه ترقص على بقايا صوته المبحوح. ولكنه في نفس الوقت حصل على جرعة جاءته في الوقت الضائع ليشعر ولو لوقت قصير بالأمل، والصبر. فتراءى له جسده مفعماً بالحيوية.. وان باستطاعته صقل الأفكار من جديد وإزالة الصدأ. لكن آهاته تقطعت.. ولوحت بداخله ألحانا جديدة .مرّ بغنائه على أطوار أخرى أكثر خفة.. راقصة.. لوحت له بغيمة سوداء حبلى بالمطر الذي سيحيل الرأس الى أرض خضلة.. لماذا لم أغنّ من قبل عند الشعور الأول بالخيبة والعطش؟ تذكر طريقته المثلى مذ كان طفلا. كلما أصابه الضجر. كان يضحك ويغني.. يرقص في الخفاء.. ليزيل كدراً أصابه حتى لا يترك الشيب يغزو رأسه الذي مازال فرحاً بسواده. غنّ.. غنّ يا نصف مخلوق. غنّ.. غنّ بأعلى صوتك.. أنطلق بإخراج حروف متعبة.. محرّراً أعصابه من سجن الخوف. وتحركت ذراعاه تمايلاً وطرباً. مخترقاً بغنائه ظلام الليل.. يلهو كطفل على قدم واحدة وتارة يدور كغجري متمرس.. اخترع حوارات وحضور.. وتصفيق.. كأنه أخرج سكاكين حادة ليقتل وحشته.. لقد وصل إلى رقص يحتاج إلى جهد مضاعف لجسد لم يتعب منذ أسبوع. دار دورات متصلة. فأختنق بحشرجة آهة طويلة كخاتمة مغن محترف ليعلن لجمهوره بانتهاء الأغنية. شعر ان صوته لا يتعدى شفتيه.. لم يسمع تصفيقاً.. لم يسمع إلاّ خفقات قلبه التي كادت تخرج عظام صدره.. فعرف انه بحاجة إلى رأفة. بكى على حاله.. وتحولت دقائقه الراقصة إلى بكاء، لم تكن في عينيه دموع..انزوى حاضناً ركبتيه. وتخبط كثيراً.. ناسياً كيف تخرج الدموع.. عصر جفنيه حتى اصطدمت جبهته بوجنتيه. حاول البكاء.. ليخفف مرارة ألْقت القبض على إرادته.. تخاذل في صحراء روحه..راح يتابع قصر تأملاته الذي تهدم شيئاً فشيئاً.. راقبها من نوافذ مطلة على أطلال خربة.رأى مشاهد مقطعة.. لا شك انها ذات المشاهد المكررة التي أنزلته من لحظة التوهج إلى عصر الوهم. ولم يستطع البكاء. ففي اللحظة المرة التي انتابته فيها حالة البكاء. أفرحته الفكرة. لأن في البكاء بعضاً من ترطيب الخدين المقشرين. ولعل ماء الدمع إذا انساب يصل إلى فمه اليابس. وفكر وهو يواصل الضغط على عينيه في عملية البكاء الميكانيكية. ان في الدموع وسيلة لغسل العيون من القذى المتراكم المنبعث من رماد يأسه المتطاير.. تمنى لو انزلقت دمعة.. نصف دمعة لتصل إلى لوزتيه المتورمتين. إلا ان عينيه أطلقتا قرقعة فارغة.. خفية.. حملت في طياتها زوابع انهيار.. كأنها مرّت بأعاصيرها على أكواخ آيلة للسقوط.. أرهق رئتيه من محاولاته لعصر معدته وصدره. أتعب قلبه في طلبه بضرورة تجهيز القدرة المنهارة إلى العقل.. دحا جسده لكي يعيد قوته.. حاول الغناء مرة أخرى..لم يكن ينفعه أي شيء. اخترق ضمور أمنياته .صرخ مزمجراً، فاقت زمجرة قطيع من الكلاب.. رافعاً بالكاد رأسه إلى السماء. فخرج صوته كنهيق حمار.. محتجاً على ربه لأنه لم يسمع دعاءه.. ولم يساعده في العثور على الماء على الأقل. باءت دعواته بالفشل. انك لا تريدني أن أحبو من أجل الصلاة إليك. بل لمواصلة نكرانك.
جثا على ركبتيه. لا يلوي على فعل شيء يمنحه فرصة للتفكير.. ويمكنه من مجابهة عواصف الانهيار الجارفة. كان يدور في كهف مظلم.. أدخله الخوف في تفاصيله.. ليختبئ في روحه المطفأة. ضرب جبينه كما النساء، ولهاثه يتصاعد من أعماق تبخرت فيها كل معالم الأوكسجين. سمع صوت ارتطام الغازات. دفع باب عجزه ليلج إلى إحساس بأنه مازال في متسعه أن يشعر بوجوده ومازال قادراً على إعطاء دواخله ولو مجرد غازات. فقام بمجهود لإمالة مؤخرته على أحد جانبيه. ليريح انتفاخات بطنه.. عصر نفسه.. ضاغطاً على كليتيه، ورئتيه ليحرز نصراً ولو صغيراً في إثبات وجوده.. لكن الهواء لم يخرج.. لم يسمع صوتاً أو يشم رائحة. أرتاب من ألم معدته الخاوية. وأحس بنار وهمية متقدة. تغزو تقرحاته وانها ستحرقه.. قرص نفسه. فوق ثديه الأيسر. أمسك خصيتيه الكبيرتين المتدليتين. عصرهما. ليتأكد من حركتهما مع تنفسه. أو ليشعر بألم يريحه. فبوله صار أشبه بشتاء لا مطر فيه ولا غيوم.. وأزعجه التفكير هكذا. فقد القدرة على التحكم بانفعالاته. خاصة وانه دخل غابة النسيان في عملية حساب الزمن. لا يدري كم من الشموس أشرقت وكم دورة لحركة القمر مرت عليه، وكم مرة ردد في داخله أسماء الخوف، وكم مرة حبل قلقه بأشياء مخيفة. له جوقة تردد في داخله ألحان الهلع. ازداده توتره. وانخفاض إحساسه في مقياس إسطرلابه الذي لا يدري إلى أي اتجاه يريد. ومن خلف نصف إغماضة.. تراءت له خنازير ودببة وذئاب وأسود ونمور وأفاع وقرود.. أفواه شرهة.. شرسة.. جائعة.. فتحت أشداقها لتأكله.. استفز محاولاً تشديد الحراسة حوله.. فوجد نفسه لا تقوى على إعطاء أوامر إلى قوته لأن تستنهض. فقرفص كرجل عار.. شاحباً.. ترن في صدغيه.. خشخشة أوراق خريفية.. وان صوره المشوهة تبرز له في ثناياها أشكالاً تتقدم له، تتبادل أماكنها.. فتارة تتقدم الأفعى ومرة الذئب.. ليزأر الأسد ويكون في مقدمة الركب القادم للقضاء عليه. جرجر قدميه، ليتخلص من مكان ضايقه بأحلام تشاركه الصراع بين اليقظة والإغماء. وكل المعطيات التي أمامه تعطيه شأناً من نبأ لا مفر من الاعتراف به أنه تحول إلى وهم.. وان قدرته باتت أشبه بكيس منفوخ لا يستطيع الضغط عليه. بل ان الأشباح حولت اتجاهها إلى مكانه الجديد. مقتربة من روحه المتشبثة ببقايا هيكل يتنفس بصعوبة.. بالكاد حرك حاجبيه. بعد أن سقط للمرة العشرين. ربما. ثم أسدل جفنيه ليهرب من الأشباح.. فهو وحيد أعزل.. لا الله استجاب لدعواته.. ولا من دخل في رأسه قبل عقود برز له.. لم يبق فيه غير حطام.. لهث بقوة.. محاولاً ألاّ يتخيل شكل الموت. لقد باءت كل محاولاته في التدخل لإنقاذ عطشه بالفشل. فلم يكن يرى غير ما أبصره في اللحظة التي سبقت إغماضته.. سمع صوتاً يرن في رأسه، يوجه إنذاراً يشوبه التحذير من مغبة الاستسلام بانتظار الموت.. وانه أُنجب من أجل إحياء الانبعاث الدنيوي سيكون ذا شأن في توطين أواصر ما يكرهه الناس سراً وعلانية. وانه تفرغ من أجل هذا.. ولا يجوز التفكير.. مجرد التفكير بالاستسلام.. فمعنى ذلك.. انه غير مؤهل لأن يستلم عصا الانبعاث من مكتشف قدراته الذي مارس معه لعبة التحويل في تكويناته الجسمانية والعقلية. حرّك رأسه وهو يستمع إلى ذبذبات أشبه بشفرات مرسلة إليه وان بإمكانه تحليلها فوراً إلى معاني غاية في جمال القوام. لكنه كان قد سلم أمره تحت الضغط المكتوم في صدره. وضغط العطش القاتل الذي صار أثقل من جبل صخري. فهناك أسباب كثيرة تجعله في منأى عن تمكنه باستلام فرصته لهذا الصوت الذي تأخر إلى حد كبير في الدوران داخل تجويف رأسه. فأجزاؤه المفككة هربت منه تباعاً وأعلنت رفضها البقاء في جسد ليس بإمكانه إيجاد قطرة ماء. إلا رأسه الملتصق عنوة برقبة مرتخية.. ثم من أين له القدرة على تصديق كمية التحذير هذه وتحويلها على الأقل إلى عزاء للإفلات من قدره وان عليه مقاومة العطش. وأن يستدل على طريق جديدة تصفه له هذه التحذيرات التي تحمل في طياتها عناصر إلهامه التي تشبه قيثارات كانت تعزف له لحن الانبعاث نحو عالم جديد يحوله إلى كائن آخر. غير هذا الذي كان أشبه بمهروس يرتدي ملابس الآخرين ويأكل كما يأكلون. لقد هزل جسده. وها هو يخرج لسانه كما الكلب.. وقد ضاعت مفاتيح الاطمئنان أمام أقفال رفض قدره العثور على الماء.. شاعراً ان الصباح الآتي، ربما المساء القادم.. لا يدري.. أبعد ما يكون عن التكون. بل ان موسيقى متداخلة مع عزف القيثارات الأنيقة أخذت تعزف موسيقى جنائزية، وأصوات طبول عزاء. وقد وجد جسده معلقاً في سقف رأسه. فرآه أشبه بالمسجى وثمة سكين تلوح له بأنها ستطعن رقبته في لحظة قادمة ستحدد فيما بعد. فتداخلت الأصوات، وتشابكت الصور، وكونت مولوداً مشوهاً لأفكار لا تمنح نفسها فرصة الوضوح. رفع جذعه.. متذكراً ربه مرة أخرى. لعله يعطيه فرصة ثانية للبقاء. لم يجد ما يمكنه إطلاق دعائمه. ولكنه تذكر.. ان الله لا يحتاج إلى دعاء بكلمات مسموعة. فتراءى له الله قريبا. لكنه لم يدرك سر الاقتراب منه واسترضاءه والتوجه إليه ليوليه عنايته. ولكن من قال ان صدري يحتفظ بكلمات يحتاجها الله ؟. وقد أقر مع نفسه وربما للمرة العشرين أيضاً. وبدون شك انه ماضٍ إلى الموت. فأوعز إلى رأسه أن يستغيث بالله. أن يتذكر كلمات الآخرين الذين تعاملوا مع إلههم. فقد نجح الخوف بالاستحواذ عليه. إلهي.. من جزع الروح.. من بثور الموت. أتضرع إليك. أن تقبل توبتي. لم أكن إلا مخلوقاً مسكوناً بالأفكار. ذاكرتي لا تحتفظ إلا بالانغماس في وهج الهلوسات التي جعلتها العرّافة تسطع في رأسي وتستحوذ على كياني. لأجد نفسي وكأنها في لحظات الخلوة ما هي إلا شيء آخر لا ينتمي إلى عالم البشر الساكنين وسط اختلاجات الروح التي تناديهم إلى مضاجعة النساء أكثر من مناجاتهم إلى التمسك بالانطلاق نحو عوالم لم يرونها.. إلاّ أنا. كن رحوماً واعتقني من هذا الهلاك.
هبت ريح خفيفة.. سرعان ما لفت صدره وانطلقت بما يحمله من كلمات الى مجهول. فعرف ان ربه بعيد عنه.. لا يستجيب الى من سكنته المعاصي. من قال إنها كذلك؟ سأغني وأشدو.. ولتكن بعيداً عني. هذا لا يهم. سأبقى أقاوم انهياري بهلوسات تقودني حتماً الى البقاء اكثر من الركون والخضوع الى الاستسلام.
ظل يتخبط في هلوساته. يرتجف من الحمى التي صاحبته طوال نهارات وليال عنيدة.. كشفتا عن عيوبه وشيخوخته.. وصار مثالا للشفقة.. وماتت رغبته كأنه تجرع الكأس الأخيرة ولن ينهض غداً. وسيطير عبر شياطين او جان الى سماوات بعيدة.. ولن تحمله الملائكة.. وصار حجمه أشبه بجنين متكور. بثوره ازدادت تقرحاً تشقق جلده وتحول الى جروح مالحة تحت بقايا ملابس معفرة بالرمال والأشواك.. لا عرق تحت إبطيه أو بين فخذيه.. ليلحسه.. رغم الحرارة المتقدة في جسده.. لم تنفعه كل المحاولات التي قام بها للحصول على قطرة ماء ليجرب مضغ الأشواك اليابسة..ان يمص غذاءها. لكن خيبته أخذت تستنسخ نفسها. وتمنع عنه الحصول على قطرة ماء. كأنها تعرف ان قطرة واحدة تجعله قادراً على استعادة وعيه على الأقل. فقد علمته الحياة وهذه المصاعب أن يعتمد على نفسه.. كما نبهته العرّافة. ان طلب أي معونة من أي مصدر أو جهة معناه اضمحلال الآمال وسيغيب من يتقمص هيكله عنه نهائياً وسيكون أشبه بمجنون وألى الأبد. لذلك فقد أحال غياب الإدراك الذي هو عليه الى عدم قدرة وعيه على استيعاب التأمل.. فقد كان من الأجدر أن يواصل جلساته.. ليس من المعقول أن ينتبه الى الخطوات الجديدة دون جلسات كما السابق. ولكن كيف لعقل أن يتفاعل مع جسد متهالك تتكاثر فيه الأمراض ؟ زحف باتجاه حزمة أشواك كانت تميل برؤوسها باتجاهه. فتح فمه بشفتيه المشققتين..نبتت الرؤوس الدبوسية بلسانه وشفتيه.. سقط رأسه على الأرض متألماً لهذه التعاسة الجديدة. التي تمنع عنه أن يطال قطرة ماء ينحني أمامها إجلالا وإكبارا إن وجدها. بل سيرقص لها حتى يتهالك قبل أن يبتلعها.. وبخ نفسه على هذا الحرمان.. وهذه المشكلة الجديدة في كيفية استخراج هذه الرؤوس الشوكية. بغتة انتابته حالة من التفكير المفرح. عليه ان يستخرج الرؤوس.. لعل دماً يخرج فيبتلعه.. لا فرق بين الدم والماء في مثل هذه الحالات.. شيء سائل افضل من العدم. مد إصبعين نحيلين.. واخرج أول رأس شوكي. فسحب جزء من جلد شفتيه.. وكاد يصرخ ألماً.. منتظراً خروج أول قطرة دم. عاود الكرة.. أخرج الرأس الثاني والثالث والرابع حتى انقضى نصف النهار الجديد، أخرج كل الأشواك.. ولم يخرج الدم. كأن جسده قد تفسخ.. ترك الألم يغزو مكان الرؤوس الذي سرعان ما تلاشى بعد لحظات. فاستهوته اللعبة.. أو خطة البحث عن الدم في جسده. فحفر بإصبعه أحد الجروح في ساقه.. ولم يخرج الدم. أوسع جرحاً في أخمصه.أأعيش الآن بلا دم؟
ترك جسده عرضة للريح.. لحظات المقاومة التي كانت تنتابه والتي سرعان ما تتخاذل أصبحت متلاشية نوعاً ما. وانه تحول الى رمال.. فهاجمته النيران المنتظرة لحظة الإيقاد ، لتشحذ غور جروحه. حاول التقلب على التراب ليطفئ النيران. رفع مؤخرته وسقط مغشياً. يقاوم صوراً جديدة سطعت له.. وتوضحت.. فكان وجه زوجه ماثلا أمامه لتذكره بلحظة خيبتها وهي ترجوه ان يبقى وان لا يزيد نيران خذلانها إشعالا.
– هنا تدبر أمرك. لأنك ستضيع في بحر الخوف وقلق الوحدة القاتل.
كان يضحك. وهي عارية تنتظر سحب رحيق وردتها وقد حدد سببين لحالتها التي لا تخلو من عدم الحياء. أولهما لإطفاء شهوتها المتوقدة مثل نار المجوس. والتي تركها تلعق بكارتها وتلعب بأوراق الوقت وأصابعها. وثانيهما لإغراقه في لذة الجنس لتفقده صواب تأملاته. ولأنه لم يجد القدرة في جسده وفي عضوه على الانغماس فيما تريد. فكانت أول امرأة تفضح رجولته وستكون آخر امرأة يرى جسدها وهي تفتح له نوافذها لفحولته المعطلة من آخر الأزمنة.
قال لها.
– لم أولد لكي أضاجع و لابد لي من بلوغ قمة الانبعاث.
– إذن لماذا ورطتني معك بحب تحول الى كابوس لا أستطيع التخلص منه؟.
– أنا المتورط وليس أنت. لأنك سبب من أسباب أخطائي التي يجب أن لا أقترفها.
– أنت تحلم أن تدار لك الرؤوس.
– ما الضير في ذلك.. لا شئ مستحيل.
انزلق في دوار وهو يرى شبح زوجه يطارده الآن. ويمد إصبعا الى انفه.. ليوقظه من غيبوبة هو أحوج ما يكون إليها الآن للتخلص من اللهاث لعله يستيقظ فيجد حلا بين يديه. أنتبه الى ان هيكله كان مغطى بالرمال وان العطش مازال يفتك به. والجوع المرير أخذ يهدده هو الآخر بقطع رقبته.. فتصور انه داخل لحد يضيق مدماكه عليه والرمال مدلهمة. فأستنفر قواه الملدوغة. يا صاحب الرؤيا. أخرج لي الآن. أما أنت أو صوتك. امنحني القدرة.. استجب لي، لتوسلاتي وخنوعي وقلة حيلتي. انني أتعهد إليك بأن أصون ما تأمرني به. ولكن لا تتركني أتغرب هكذا.
كانت عيناه باتجاه إشراقة الشمس. لا يوجد له جفنان ليغمضهما. وجسده أخذ يصغر وانه في طريقه الى التلاشي. رفع سواد عينيه الى اسفل جبهته واستسلم أخيراً. فربما هو ذاهب الى الموت أو ان الموت قادم إليه.
من بعيد كانت الزوبعة تصعد الى عنان السماء. تقترب بسرعة كاسحة.. يصاحبها رعد مكتوم وسحابة من حصى.. فاتحة نوافذها لحمل كل ما يصادفها الى داخلها.كانت هائجة.. عندما فتح عينيه في آخر رؤية له. أخافه ما رآه. حد الارتعاش كما الطير. لم يكن لديه الحق في اختيار طريق التفكير. ان كانت الزوبعة جاءت إليه لتقتله أم انها تحمل في طياتها المطر.لكنه فكر.. في آخر تفكير له.من انه سيموت حتماً. اختناقاً لا محال. تمسك بالأرض. قابضاً بأصابعه حفنة من الرمال الهشة.. سرعان ما تساقطت ذراتها.. أدار رأسه بالاتجاه الآخر. فرأى الزوبعة ذاتها. فعرف انها التي قتلت حماره. وجفّفت البحيرة وهربت المياه واقتلعت الزرع ورمته في متاهة السراب.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"