تابعنا على فيسبوك وتويتر

إشارة :
يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ للشاعر العراقي الكبير “يحيى السماوي”. وقد ارتأت أسرة موقع الناقد العراقي أن تعمل على تقديم ملف ضخم عن منجز هذا المبدع الذي حمل قضيته؛ وطنه؛ العراق الجريح، في قلبه وعلى أجنحة شعره الملتهبة لأكثر من خمسين عاماً كانت محمّلة بالمرارات والخسارات الجسيمة التي اختار علاجا لها الكيّ الشعري الفريد والمُحبّب عبر أكثر من 20 مجموعة شعرية. تدعو أسرة الموقع الأحبة النقّاد والقراء إلى المساهمة في هذا الملف وإثرائه بما لديهم من مقالات ودراسات وكتب وصور ووثائق. تحية للمبدع الكبير يحيى السماوي.

المقالة :
السماوي يحفر التاريخ على جذع الوطن
شوقي عبد الحميد يحيى 
عندما يتعرض الوطن لمكروه، يتناسى أفراده ومواطنوه أنفسهم التي تتماهى فيه، ويصبح هو الهمّ الأكبر.. ذلك ما نستطيع تبينه بوضوح في ديوان الشاعر العراقي يحيي السماوي “نقوش علي جذع نخلة”* ذلك العنوان الدال والمعبر أبلغ تعبير عن الديوان، وعن تجربة الشاعر فيه، خاصة إذا ما عرفنا أن العراق تعتبر من أكبر – إن لم تكن بالفعل أكبر – الدول العربية غرسا للنخيل.

كما أنها – أيضا – من أكثر الدول العربية المشهور بالنقوش علي الجدران – بحكم ما للعراق من تاريخ، وعلى اعتبار النقوش أحد أهم سبل التأريخ – وهو ما يقودنا إلي أولى خصا ئص وعلامات يحيي السماوي الشعرية في كل أشعاره، وفي هذا الديوان بصفة خاصة، ألا وهي:

ألأصالة والمعاصرة
1 ـ الشعر التراثي
أ – جمع السماوي في ديوانه بين الشعر العمودي والشعر الحر، أو إن شئنا الدقة : بين شعر التفعيلة والشعر النثري أو النثر المشعور، وكأنه يؤكد لنا أنه يكتب الشعر الحداثي – نعم – إلا أنه لم يتخل عن تراثه الشعري، مستفيدا من إمكانيات كل ٍ من الإسلوبين في الوصل لرسالة أراد توصيلها لشعبه ولوطنه، المهم أن تصل الرسالة، وهو ما يؤكد إقتناع السماوي بدور الكلمة في المقاومة، وفي تخليص الوطن من غاصبيه، سواء كانوا من أبناء البلد (في إشارة إلي صدام وأفعاله) أو من الغازين الاستعماريين (في إشارة إلي المحتل الأمريكي).
ولم يقتصر هذا فقط علي مجرد الشكل، بل، تجاوزه كذلك إلي المضمون متمثلا في (تلبيس) الحاضر في الماضي، بما يعني وجود الماضي في الحاضر، وتأثيره عليه.
فلننظر مثلا إلي قصيدة “يا آسري”، حيث نجد نهج الفخر المشهور به الشعر الجاهلي.
فعلى نهج السموأل حين قال:
رسا أصله تحت الثرى وسما به إلى النجمِ فرعٌ لا يُـنالُ طويلُ
وقال السماوي في قصيدة يا آسري:
فلأنَّ لي طبع النخيل تشبثا ً ولأن صون العهد من أخلاقي
حيث نجد كليهما قد استعان بموجودات البيئة (النخيل) لتصوير تجذر الخاصية في طـين الأرض (وهـو ما يجعـل أساسا متينا – مرتبطا بالأرض) {رسا أصله تحت الثرى} {فلأن لي طبع النخيل تشبثا}. كما نستطيع تبين استخدامات السماوي الكثيرة للنخيل في التصوير من جانب وفي التعبير عن العراق من جانب آخر، حيث يفرد قصيدة كاملة بعنوان ” في وطن النخيل ” وكأنه يقول، في وطني العراق – كل شيء مستباح – يقول فيها: في وطن النخيلْ
يحقُّ للقائدِ – باسم الأمن والسيادة ْ
أن يمنع العبادة ْ
إلآ إذا تعهَّـد ” الإمامُ ” أن يتختتم الصلاة َ
بالحديث عن مكارم القيادة ْ
**
في وطن النخيلْ
يحق ُّ للمحتـلِّ أن يصادر الإرادة ْ
ما دام أن التابع الذليلْ
ينوب عن كل الملايين التي تبحث
عن خلاصها من عسف الدخيلْ
ب – ولعل من أجمل استخدامات النخيل في التصوير، والربط بين الإنسان والأرض، ما جاء في قصيدة ” يا صابرا عقدين إلا بضعة ً ” والتي بدت فيها ملامح الشعر الغـنائي – الشحيح في الديوان – والذي مزج فيه الشاعر الهمَّ الشخصي الموجع بابتعاده عن الوطن وغربته، في ذات الوقت الذي اغترب الوطن ذاته عن ذاته :
النخلُ نفسُ النخل ِ…إلآ أنه مستوحشُ الأعذاق والسعفاتِ
لكأنَّ سعف النخل حبلُ مشيمة ٍ شُدت به روحي لطين فراتِ
فإذا كان هو علي البعد يعاني، ولم يفصله عن معاناة وطنه شيء وكأنه مربوط به بحبل المشيمة فكم تكون آلامه عندما يشعر بأنه مربوط عاجز علي البعد بينما الوطن هناك يعاني الإغتصاب، ويصرخ في عاجز أن يسعفه. لشد ما تكون المرارة والشعوب بالعجز:
ليلاك في حضن الغريب يشدها لسريره حبل من السرفات ِ
تبكي وتسـتبكي ولكن لا فتىً فيفـك ّ أسـر سـبيئة ٍ مدماة ِ
يا صابرا عقدين إلا بضعة ً ” ليلى “مُكبلة بقـيـد “غزاة ِ”
ج – والهجاء الذي كان أيضا أحد أساليب الشعر الجاهلي (أزهى عصور الشعر العربي) إلآ أن هجاء شاعرنا هنا ليس للأعداء بقدر ما هو لأهله الذين استعبدهم الدولار، أي انه هجاء استنكاري – إن جاز التعبير – مليء بالسخرية المرة والرافضة في ذات الآن.
في قصيدة ” جلالة الدولار ” يقول السماوي :
جلالة الدولارْ
حاكمنا الجديدُ.. ظلُّ الله فوق الأرضِ
مبعوث إله ِ الحربِ والتحرير والبناء والإعمارْ
له يُقام الذكرُ..
تـُنحَـرُ القرابينُ
وتـُقـرَعُ الطبولُ
تـُرفـَعُ الأستارْ
وباسمه تكشف عن أسرارها الأسرارْ… الخ
د – إستخدم السماوي الكثير من أبيات الشعر القديم وأدخل عليها بعض التعديل كتقنية لاستمرارية الزمن، واستمرارية الحدث، وما يقوم به من تعديل يدلُّ على ما استجد في كل ّ ٍ ٍمن الزمن و الحدث، بمعنى التشابه وليس التطابق. فنجده مثلا استغـل بيت الشعر المشهور (وأعتقد أنه للشاعر الجاهلي ابن أبي سلمى) القائل:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي حتي يراق علي جوانبه الدم
فأراد التعبير عن العار الواقع على الوطن من جراء الاحتلال الأمريكي، فكتب في قصيدة “نقوش علي جذع نخلة”:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي
حتي يُزالَ الإحتلالْ
2 ـ القرآن الكريم
استطاع العرب في صدر الإسلام أن يسودوا الدنيا، وتصبح لهم الغلبة علي مساحة لا يستهان بها من الأرض. أما عرب اليوم، فالوضع التردي لهم وهوانهم لا يخفي علي أحد.
ويكثف يحيي السماوي هذا الرأي بصيغة شعرية مكثفة ومعبرة بأقوى ما يكون التعبير، حين يأتي بأيات القرآن الكريم، تلك التي كانت أحد أسباب ازدهار الإسلام وسيادة رجاله، حين وعوا معنى الآيات، وجوهرها، وعملوا بها، فكانت لهم الغلبة.
أما حين أفرغ المسلمون (والعرب) الآيات من جوهرها ومضمونها، كان حالهم ما نراهم عليه اليوم، وما نرى العراق ـ تحديدا ـ عليه اليوم. فأورد السماوي الآيات بصيغة الحاضر، بإسلوب الحاضر، الحاضر الشعري (الشعر الحر) والحاضر المعاش (واقع العرب) في القصيدة التي تحمل سم المجموعة:
إذنْ
أعدُّوا لعدوكم – عدو الله – ما يرهبهُ
من قوة اللسانْ
وما استطعتم من خيول الخطب العصماءِ
والبيانْ
ذودوا عن التراب والمال ِ
وعن عرض المحصَّنات بالأشعارْ
حتى يـفـرَّ القاتل المحتل من بستاننا
وتـُستعاد الدارْ
فإذا كانت الآيات الكريمة تقول [وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل. ترهبون به عدو الله وعدوكم (الآية 16 من سورة الأنفال (في دعوة لإعداد القوة اللازمة لتخويف العدو وردعه. أفرغ العرب الآيات من معناها وأبقوا – وأبقي السماوي – على مبناها، فأصبحت القوة هي قوة اللسان والكلام.
وكأنها إشارة إلي مأساة العرب عامة، لا في الحروب فقط، حيث أفرغ العرب الدين من معناه، وأبقوا علي مبناه، فأصبح الدين قائما ً علي العبادات – الطقوس – فقط دون الجوهر ودون الروح. فكأني بالسماوي يشخـّص مرض العرب الحديث، وفي ذات الوقت يرشدهم للصواب وللطريق، بالتمسك بأصل الآيات. بالقوة، وبرباط الخيل.
وكأن السماوي يرفض أن ينهل من الماضي فقط فيصبح أسيرا له، فسعى للنهل من الحاضر إلي جانبه. فعندما تشابهت الظروف، تشابه الموقف، وتشابهت الرؤى. فلا أحد ينكر تمام التشابه فيما حدث للعرب في يونيو 1967 (الهجوم الإسرائيلي علي مصر)، وما حدث للعرب في مارس 2003 (الهجوم الأمريكي علي العراق). فكلاهما كان نكسة للعرب، وكلاهما كان نتيجة طبيعية للحروب الكلامية، والغزوات الخطابية التي قادها الزعماء والأشاوس العرب، تحذيرا للعدو الذي يشرع في الاعتداء وكانت النتيجة أيضا واحدة في الحالتين. فكتب السماوي الأبيات السابقة:
أعدوا لعدوكم – عدو الله – ما يرهبه
من قوة اللسانْ
وما استطعتم من خيول الخطب العصماء
والبيانْ
ذودوا عن التراب والمال
وعن عرض المُحَصَّـنات بالأشعارْ

وكتب نزار قباني عقب النكسة في يونيو 67 الأبيات الآتية:
لابد أن نخجل من أشعارنا …
إذا خسرنا الحرب.. لا غرابةْ
لأننا ندخلها
بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابة ْ
بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة ْ
لأننا ندخلها..
بمنطق الطبلة و الربابة ْ
وإذ كان السماوي قد التزم في الكثير من ديوانه بذات موضوعات الموروث من الشعر العربي، فإنه لم يلتزم به في الشكل فقط، ولكنه شمل النهل منه شكلا وموضوعا، وكأنه يؤكد مقدرته علي أن الحديث من أساليب الشعر والشعرية، قادرة علي أداء ذات المهمة الشعرية، بل وتجاوزها في خلق أنماط جديدة لم تكن في هذا الموروث، وهو ما يقودنا إلي الخاصية التالية من خصائص شعر السماوي عامة، وفي ديوان ” نقوش علي جذع نخلة ” خاصة، وهي:
هذا عراقك يا “رشـيد” كبـا به جورٌ وعدوان وفأسُ شِـقاق ِ
لو أن لي أمرا علي قلبـي فقد عجَّـلتُ من تهيـامه بطـلاق ِ
الشعر الدرامي:
يعاني يحيي السماوي ألمين في ذات الوقت. ألم الغربة عن الوطن، وألم انحباس الوطن – من قبل ومن بعد – أي من قبل الاحتلال ومن بعده. فيحاول كسر الغربة بمد الحوار بينه وبين وطنه – ناسه – لكسر حدة الغربة. ويسعي لحثهم علي الجهاد والتحرير لمقاومة حالة الإنحباس. أي أن الأمر في الحالين يتطلب إقامة الحوار، وهذا ما أدى بالسماوي إلى الاعتماد علي الشعر الدرامي الذي يتفق مع الموضوع، وليأتي اتفاق الموضوع والشكل في الديوان. فإذا كان طه حسين قد اعتبر الغنائية في الشعر – مع غيره كثيرين رأوا نفس الرأي – هي مرحلة بدائية أولية. وأمام نكبات الوطن – العراق – تباعدت الاهتمامات الشخصية للشاعر، وانزاحت إلي مراحل أبعد، واحتل الوطن وشؤونه وشجونه مقدمة الاهتمام. فكان ضروريا أن يأتي ديوان السماوي مختلفا، لا من حيث الشكل فقط، وإنما شكلا ومضمونا. فالديوان يقوم علي خلق الحوار، خلق الصور المجسدة والمشخصة، خلق الديناميكية، التي تعبر عن الحركة، ورفض الاستكانة والاستنامة التي لا تحرر وطنا، ولا تطرد محتلا، وسواء جاء هذا الحوار في صيغة مباشرة، أو بطريقة ضمنية. وقد عبر عن هذا الانزياح وذاك التزاوج – والزواج – بينه وبين الوطن العليل في هذه الأبيات:
عَـقـدتْ ـ ولا ندمٌ ـ عليه قِـرانها
روحي فمهري – غربة ٌ– وصِداقي

أخفقت في عشقي فكنت طريده
إنَّ التغـرُّب منتهي الإخفـاق ِ
وقد تعددت صور الدرامية والحركية في الديوان، بتنويع الضمائر لتغيير بؤرة الحدث، وتغيير موقع المتحدث، وكذلك تعدد الأصوات الشعرية التي تصنع – أيضا – حركية ديناميكية، فـتـنشـأ الحركة عل نحو ما سنرى:
1 ـ في أولى صائد الديوان “اخرجوا من وطني” جاءت القصيدة بضمير المتكلم، موجها الخطاب للأعداء، وكأنه يبدأ المواجهة :
فاتركونا بسلام آمنين ْ
نحن لا نستبدل الخنزير بالذئبِ
ولا الطاعون بالسـلّ ِ
وموتا بالجذامْ
فاخرجوا من وطني..
خوذة المحتل لا يمكن أن تصبح عُـشـَّـا ً للحَـمامْ
فاخرجوا من وطني……} إلخ إلخ
2 ـ ثم تعلو نبرة الدرامية وتوضيح الصورة، فنرى العراقي (كما لو أنه موسي) وقـد انـتحي جانبا بأحد الشـيوخ (وكأنه الخضـر) فـي قـصـيـدة “أصل الداء” لتشخيص العـلة بعد استعراض الأعراض في عملية أقرب (للحكي) للسرد حتي أوشكت موسيقى الشعر الظاهرة أن تغيب:
أربعة كنا مصابين بداء ٍ
أعْـجَـز َ الطبيبَ والعطارَ في مدينة ٍ
جميع أهلها يعانون من التعاسة ْ
ومرت الأيامُ
حتى حـلَّ في البلدة شيخ طاعـنٌ
مهنته الفراسـة ْ
زرناه نستفهم عن أمراضنا
بادرني بقوله: من أي شيئ تشتكي ؟
قلت: من الضباب في بصيرتي
ومن شعور ٍ غامض ٍ
أفقدني الوقار والكياسـة ْ………..
إلي أن تصل القصيدة إلى نهايتها يكون الثلاثة قد عرضوا شكايتهم وأوضحوا عـلتهم، فيأتي تشخيص العلة على لسان الحكيم :
فأطرق الشيخ ُ مَـلِـيّـا ً..
ثم قال جازما ً:
أمراضكم جميعـها مصدرها
“جرثومة الكرسيِّ “في” مستنقع الرئاسـة ْ !
وكأنه يتحدث عن الأمة كلها، لا عن عراقها فحسب.
3 ـ ثم يَشخـُص – السماوي – إلى بغداد… ويقف الشاعر أمامها ليخاطبها (ضمير المخاطب) في قصيدة ” لا تسأليه الصبر”:
لا تسأليه الصبر لو جَـزعا مما رأى.. بغداد ُ.. أو سـمعـا
فـرد ٌ ولكن بين أضـلعـه وطـنٌ وشـعـبٌ يخفقـان معا
صادٍ يبلل بالـلظى شـفة ً ويصـدُّ عن مسـتعذب ٍ نبـعا
أنف انتهال الراح لا بطرا أو خوف ملـتصّ ٍ ولا ورعا..إلخ
فالشاعر هنا يقف أمام “بغداد” متضرعا ومناجيا في صورة تشخص أمام العـيان مرتسمة في ذهن القارئ فور قراءة رجاء المخاطب “لا تسأليه”
صورة أخرى يستحضرها الشاعر في قصيدة ” ذعـر ” حيث يستحضر الطفولة مجسدة مذعورة شاخصة أمام العيان، باستحضار مجموعة المشاهد التي عـبّـرت كلها عن فترة الطفولة:
مذعورة مرت علي شباك ذاكرتي الطفولة ْ
مذعورة مرت طيور يفاعتي
وحبيبتي مرت علي بستان أحلامي خجولة ْ
والدرب مر علي مرتبكا ً
ومـرَّ النهر محتضنا نخيله ْ
هربا من الأرض الذليلة ْ
وأنا مررت عليَ.. بت اثنين:
صحراء.. وسنبلة عليلـة ْ !
فالبدء باستعمال الحال (مذعورة) يشخص الحال أمام العيان، ثم يأتي بالفعل المرتبط بشخص الأب، وكأنه يستحضره كذلك ليحيل الفعل للآن:
وأبي أطـلَّ عليَ من أمسي:
نصحتك أن تكف عن التحدث باسم ِ زنبقة ٍ قتيلة ْ… إلخ.
4 ـ الشعر أساسا فن صوتي، وكان في السابق يقوم علي الإلقاء – وكان هناك من اشتهروا في إلقاء الشعر – لذا كان للنطق في الشعر دور كبير في إيصال شعريته، والوقوف علي جماليات الشعر، خاصة في الشعر الحديث القائم علي الموسيقي الداخلية أساسا للجمال.
وفي أطول قصائد المجموعة، والتي منحت المجموعة اسمها ” نقوش علي جذع نخلة “والتي تعتبر القصيدة الأم في المجموعة، والحاملة لكل عناصرها – تقريبا – نستطيع تتبع الأصوات العديدة الممتدة عبر مقاطع القصيدة الثلاثين، والتي تتغير فيها لغة الحديث، ودرجة الصوت، إرتفاعا وانخفاضا، مما يشكل تغير الإحساس، وبالتالي خلق الحركة الدرامية.
يبدأ المقطع الأول من القصيدة، بلغة رصينة، ومعان ٍ فلسفية عالية النبرة:
الكون مرآة ُ..
كل النهاياتِ بدايات ٌ..
إذنْ
كل البداياتِ نهاياتُ..
وتلك آيات !
وبعد التأمل يرتفع الإحساس باليأس من الحياة ومن كل شيء:
أتستحق هذه الحياة أن يعيشها الإنسانْ
مسخا.. ذليلا.. خائفا.. مُهانْ ؟
وتزداد مساحة التنقيط (النقط) بما يدع مساحات للتأمل والمرارة – فعندما يثقل الإحساس علي المرء يشعر بثقل العالم علي صدره ويفقد الكثير من القدرة علي(الكلام). فكأن السماوي يرسم الحركة بالكلام، ويحدد للممثل، هنا يتكلم، هنا يصمت. هنا يرتفع الصوت، وهنا تخف النبرة.
وفي المقطع الثالث يبرر أسباب اليأس والمرارة:
ما قيمة ُالتحرير ِ
إنْ كان الذي هَـبَّ إلي نجدتـنا
حررنا
واعتقل الوطنْ ؟
فإذا كان الذي تصورناه جاء لنجدتنا وتحريرنا، لم يكن مبتغاه مصلحتنا، [ فلم تكن الديمقراطية الأمريكية المزعومة ] وإنما كان هدفه الوطن ذاته، مصلحته هو، فكنا (كعرب) كالمستصرخ من الرمضاء بالنار.
وفي المقطع الخامس، يعود السماوي إلى التاريخ، وعندما يأتي ذكر التاريخ، فالعبرة هي المبتغى. فيذكر أخت ثمود، وثمود هو أصل قوم نبي الله صالح، والتي كانت في أرض الحجاز واليمن – القريبة من العراق -، وفي إشارة إلي الأصل الرافض للإيمان والنصيحة {يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} الأعراف: 79. وكأن الشاعر يقوم في قومه نبيا ناصحا، محذرا من تأصل الأصل الرافض:
لثمودَ أخت ٌ
أشركت يوما.. وبايعت الضلالْ
دينا ً
فأوحل في الينابيع الزلالْ
فاشهر حسامكَ
أيها الشعب الموزع بين خوف المستريبِ
وبين عار الاحتلالْ
فـإذا كان هـنا يدعـو لإشهار الـسـلاح، فـإنه في المـقطـع الـتالي ” السادس” يبرر أسباب هذه الدعوة ويعلن أن الخطأ ـ بل الخطيئة ـ هي الاستسلام والخنوع، أو الشكوى للظالم نفسه:
خطيئة ٌأنْ يستمـرَّ الجرحُ
في شكواه للسِـكـّيـنْ..
خطيئة أن يألف الـقـيـدَ
فلا يبذل ما في وسعه لكسرهِ
مضطهدٌ سـجـينْ.. إلخ
أما في المقطع السابع فيريد الشاعر إدخال شيء من السخرية المريرة، وكأنه يريد تخفيف حدة المرارة المعتملة في النفوس:
آخر ما تضمّـنته نشرة الأخبارْ
أنَّ إمام القصر أفتى
بوجوب السير في معركة الحوارْ..
إذن ؟
أعدوا لعدوكم – عدو الله – ما يرهبه
من قوة اللسانْ
وما استطعتم من خيول الخطب العصماء
والبيانْ
ذودوا عن التراب والمال
وعن عرض المحصنات بالأشعارْ… إلخ
وفي المقطع الثامن وما يليه من مقاطع، يعود الشاعر ليرتدي معطف الحكمة ويحاول إلقاء الدرس وبيان العبرة، ومحاولة تشخيص الحالة العراقية الآن :
وراء كل مستبـدّ ٍ :
نخبة ٌ تعمل في صناعة الألقابْ
وزمرة ٌمن المصفقين لا تتعب من نفاقها
وثلة من أدعياء الفكر تسترزق من أقلامها
تجيد فن “المدح والردح ”
أو الرقص علي وقع رنين التبر
في الموائد المدفوعة الحسابْ…. إلخ
ثم يعود من جديد في المقطع الثالث عشر ليرتدي ثوب الحكمة، وكأنه أحد أبطال العرض جاء دوره من جديد ليقول كلمته، وليعلن خرافة الذي يدعيه المستسلمون لوعود المحتل.. خرافة :
خرافة ْ…
كل الذي أدلى به الناطق باسم القصر ِ
عن تسابق الجموع في “الكرخ” وفي “الرصافة ْ”
للرقص في مأدبة اللئام ِ
تعبيرا عن الضيافة ْ
خرافة ْ
خرافـة ٌ
أن يؤمن اللبيب بالخرافـة ْ
وهكذا يستمر التنوع في الأصوات، حتي يصل إلي المقطع السادس والعشرين، ويكون الجهد منه قد قارب على النفاد، فيسوق القصص، ففي القصص عبرة {“لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأولي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ”}[1] إذ ربما فعل القص ما لم يفعله القول المباشر، ولما ييأس ويجهده المسير، يخرج الصوت كأنما هو آت من بـِيـد ٍ، يحمل اليأس، والمرارة والإجهاد، فتبكي في هذا المقطع الكلمات (الرثاء، الحرب، الريح و… العنقاء) :
من الذي أرثيه؟
يومي؟
أم غدَ البلادْ؟
أتـُبعَـثُ العنقاءُ من رمادها
وعصف ريح الحرب يا بغدادْ
لم تبق حتي حفنة الرمادْ؟

خلاصة:
تجذر السماوي في أرض العراق، وما كانت التربة لتنبت غير النخيل، فأنبتت نخلة، أثمرت النخلة تمرا، راح يوزع التمر علي أبناء وطنه الصائمين عن الحياة، وينقش لهم من تاريخهم، ما قد يثير حميتهم لينفضوا عن كاهلهم غبار الديكتاتورية التي ولت، وألا يستسلموا للاحتلال المبشر بديمقراطية مزعومة، مؤكدا أن الحدأة لا تقذف الكتاكيت. وأن تحرير الرقاب ليس باحتلال الوطن، فما كان الوطن ثمنا للفرد، ولكن دائما ما يكون الفرد ثمنا للوطن. فكان السماوي بذلك، ليس عبر ديوانه الحالي فقط، وإنما أيضا من خلال إثني عشر ديوانا أصدرها قبله، الشاعر الذي يعيش هموم وطنه المنكوب، قبلا في طاغيته وقتل أطفاله، وبعده في احتلال مخادع، استبدل الطغيان بالاحتلال، واستبدل التمر بالرصاص. والحرية بالدولار.
فاستحق السماوي، ليس فقط جائزة البابطين لهذا العام، وإنما ما هو أكبر منها.

قاص وناقد مصري
………………….
(*) “نقوس على جذع نخلة” ط2 منشورات دار التكوين ـ دمشق 2007
الديوان الحائز جائزة البابطين لأفضل ديوان شعر في دورتها الحادية عشرة

*عن كتاب “تجليات الحنين” إصدار مؤسسة المثقف


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"