تابعنا على فيسبوك وتويتر

نقش الشاعر “احمد الشطري” تعاليم و اخبار و وصايا مسلته التي ضمنتها وحملت اسمها مجموعته الشعرية الاخيرة “مسلة المدن المهاجرة” وكانت النقوش نصوص شعرية كتبت بلغىة امتعت جمالية القبول الشعري، وبفعل دينامية هذهِ اللغة في مستوياتها الشعرية العليا ،وبمعنى توصيف “جان كوهين” للغة الشعر في تسميتها “اللغة العليا “1
،وقد حملت كتاباتها الشعرية اختلاجات الشاعر وشعوره المتوهح القلق و النتشضضي بالحنين لعودة مدنه المغربة والمهجرة على طول نصوص المجموعة، وفق افتراضات مفارقة عابرة لمفهوم جغرافية المكان،الى مكان فضائي هجس به مخيال الشاعر بروح الاغتراب والهجرة ،وهو يصف غيابها مع مجريات الاحداث والظواهر والاسباب الدالة لهذه الهجرة وابعادها النفسية والحسية والشعور الدافع والمطالب لإسترجاع اصالتها الانسانية الحاضنة والمعبرة للحياة السعيدة،وفق حوارات وتساؤلات شعرية حملت انشاد الشاعر لهذهِ المدن وتجلياته عنها.
فمن الوجود المكاني للمدن ،وهو وجود لايقبل الحركة والرحيل بمعنى الفعل الواقعي الميكانيكي!!! ،كانت قراءاتنا لنصوص المجموعة إستقراء و إستبيان وتوضيح لقصدية الشاعر في دالة عنونة المجموعة كعتبة اولى في دخولنا القرائي لها،تلك الهجرة التي تمثل أزمة وجودية حسها الشاعر وسكنته ،كمهيمنات ضدية طاردة له.
ومن الاضفاءات المغيرة لعامل ظرف الزمان بنعناه التجريجي والاخر التاريخي على مكانية المدن وتصيره المحرك لهجرتها وغربتها حتى اتسامها بالقلق والخوف والتشتت، وكما في دالة البعثرة للبيت الشعري من القصيدة التي تحمل عنوان المجموعة “مسلة المدن المهاجرة…
(بعثرت اشوااقي على المدن التي — هاجرتها فاشتاقت الارجـــــاءُ)
ومن المتغيرات اللاغية للمدن والطاردة للانسان والحاصلة لمدن المجموعة والمصيرة لهجرتها المكانية كمكون فضائي لمكانخا الذي انتجه مخيال الشاعر ، ومن غياب القيم الجمالية بمفهومها الشمولي في العلاقات الاجتماعية وإرتباكها الانساني ،ليزرع هذا التغريب شعور لدى الانسان الشاعر ، الهجرة بمعناها “الهجرة داخل الوطن” المطابق للمفهوم السسيوسياسي “المنفى داخل الوطن”وهو اشد حالات النفي كاحساس يعيشه الانسان داخل وطنه الام ـوبوجوديه طاردة يلفها الحزن والتساؤلات القلقة الباحثة عن مسبباته والتي تتضح في النص…
أنا إلف هـــذا الحزن .. إلف كآبتي — (فالضحـْك) صوتي والبكا.. أصداءُ
أنا ذلك المطر الشـــهي ..تساقطي — للآن ماحلمت بــــــه الأنــــــــــواءُ
قــلــقي حضاراتٌ وجرحي وجهةٌ — ودمي على ليــل الرجاء ســـــــناءُ
بل يذهب الشاعر ليعلن عن ضياعة بعد تياه طريق العودة وهي حالة معبرة عن قسوة غياب مدنه وتياهه معها كما اعلنها في النص (مواسم الجفاف)
(الغت الريح خطوتي فطريقي — ضل عني وقد جفاني الايابُ)
ويذهب في التعبير عن غربته في البيت الاخر من النص…
(النهارات والليالي سواءٌ — صرن عندي فكلهما استلابُ)
و من غربة مدنه المهاجرة والمبتعدة عنه وفق فعل العامل النفسي وتداعياته المولدة لشعور هذه الهجرة، ليصورها ويعبر عنها توالياً ،ليبلور ذلك الياٍس ومن انكساره في بحثه عن مدنه وتوصيفه لها بالعملية العاقرة التي لا تولد له ما يحقق لهفته وتشوقه وحلمة في انوجاد مدنه وملاقاتها، ليشبهَ سفنه المبحرة الباحثة للوصول ، بابحار فوق جدب الرمال وبمثل ذلك العِنادْ المانع للوصول في نص “عِنادْ”
(سفينك فوق الرمل يبحر طائشا — وكل احتمالات الوصول عواقرُ)
ويتضح حرص الشاعر في بنائاته الشعرية على تدفق طبيعة وانسيابية اللغة وملائمتها في خلق التلقي الواسع وإستإناس قراءاته،حيث جمالية ايقاع المعنى المصاحب والمنسجم مع الايقاع اللغوي وبلوغه لمكون “شكلانية المعنى ” Formal meaning”،ومن الوصف المعبر والمتوزع بين التشبيه والاستعارة والتوظيف والكناية ، لتعزيز صناعة السبك اللغوي و الممتد للتسريد الشعري،وهو موئل الشاعر في انضاج وايضاح ما يمكن تسميته ب”ستراتيجيته الشعرية”،كما يتجلى واضحاً في اشتغال المجموعة ومنتجها الشعري والواضح في اتسامات النصوص ومنها النص المذكور سابقاً “مسلة المدن المهاجرة”…
(لا النار تحرق قامتي لا الماء — اني هنا في غيبها اطفاءُ
بعثرت اشواقي على المدن التي — هاجرتها فشتاقت الارجاءُ
ونثــــرتُ آمالي بصحراء الرجا— فاعشــــوشبت تحلو بها الصحراءُ)
وهنا الشاعر يشير الى علو قامته في الصعاب الحياتية وعدم قدرة هذه الصعاب بوجهيها المرمزين بالنار على حرق قامته او ذلك الماء على اغراقها بمعناها المجازي، وكانت كلمة “اغراق” غير ماثلة كتابياً ولكن ماثله شعرياً ومن استقراءنا لغير المرئي في النسق الشعري هذا،وما يظهر اعتزاز الشاعر و وثوقه النفسي الاعتباري، و وجوده بعد بعثرته لاشواقه، راحت ارجائها للاشتياق له،وكذلك تلك الصحراء وهي دالة على الجدب ، تقبلت رجاءه حتى اعشوشب باخضراره وهذا من المفارق المقبول وبما يعني الغرائبية المثيرة للادهاش القرائي…
كما قول الشاعر …(كل النوارس تسنغيث بشاطيء — وتنام فوق وسادتي الاضواءُ)
هذا البيت الشعري المفعم بجمالية الوصف المؤثر والبعيد عن النرجسية،ومن دلالة كلمة طير النورس، وهو الطير برمزيته،و الذي يطلقه البحارة حين تياههم في البحر للبحث عن المكان او الشواطيء المؤمنة لهم المكان المخلص و المغيث لهم من الغرق، وكما يوضحها من ترشيد اضواءه الباقية الانارة على وسادة نومة ليدلل على بقاء اضواءه صاحية و واعية في نومه لارشاد النوارس له…كما في تالي النص …
لقد شهدت هذهِ المجموعة انوجاد رؤى “احمد الشطري” في كيفية و وظيفة الشعر وقيمه، كما يتجلى في هذا البيت من النص نفسه (يستشــــهد الحرف النبيّ على فمٍ مرٍّ.. ويبــــــــــدأ من فمي الإحياءُ ) حيث يضحي الحرف ليمنح الشعر الحياة في تأدية جمالية شكل المعنى الذي حرص الشاعر على التصريح فيه لما له من اهمية في فلسفة الشاعر “احمد الشطري” الشعرية وتعريفها للاخرين في مجريات النص …
(يستشــــهد الحرف النبيّ على فمٍ مرٍّ.. ويبــــــــــدأ من فمي الإحياءُ
خوفي الطفولي اشــــــتهاءٌ راعفٌ وصباح أحلامي العذاب مســـــــــاءُ
عطشاً يكاد الحرف يخرج من فمي متيــبســـــــا ًومواجــعي إطـــــــراءُ
أنا صوت هذا البحر في الزمن الذي غادرتـــه.. وبقيــــتي الإصـــــــــغاءٌ)
وتظهر الانساق الشعرية المدى البعيد للانسجام اللغوي في بناءات النصوص ،والقائمة على إستجلاء بواطن المعنى وكتابته ، لكونية الشعر في الابتعاد عن التسطيح المعنوي وتبسيطه،لما فيه من الغاء المهم في لذة التلقي ، وفق مفهوم التلقي كحوار لذوي بين النص والقاريء،ليكون الحرف لدى الشاعر بمثل النبي الذي يوصل ويبشر برؤى الشاعر الذي ينفخ بالحرف روح الحياة لينطق بعد استشهاده في تضحيته، وهذا من جميل القول الوصفي اضافة للجة الرغبة الشعرية داخل الشاعر ووصفها بالرغبة العابرة للمنع و التأجيل لانثياليته الشعرية المتوثبة وكما في نص “مديح الغوايات الجميلة” قائلاً –
خارج من بين احضان امرأة —– اتهجى الله كي لا أخطأه
أم هو الشعر الذي يحرقني ——- حينما ادنو له كي اطفأه
ما ألذ الشعر تغوينا به —— حلمات حلوة كي نقرأه )
ولم تكن الغوايات الجميلة كما رسمتها لنا عتبة القصيدة باعتبارها هاجسا ايروسيا ،بل باعتبارها طهرانية حسها الشاعر وهي بعيدة عن الاشكال والاتهام، لتبقى عند الشاعر عابرة عن سرائر ممنوعاته بالكشف الواضح، لتكون خطاباً عقلانياً،كما في تهجيه لإسم الله في وصفيته للخلق الشعري ومعانقة تولداته مثل الخارج من احضان امرأة الشعر، وهو يقارن بقياسته للذة الشعر عنده بمثل تلك الحلمة الغاوية للثمها كجمال شعري يدفع الشاعر لمعاقرته.
وتمثل جدلية اللفظ والمعنى القاسم الجمالي المشترك في خلق البناء الشعري المؤدي لقبولية التلقي و اتساعها،وهذا من المائزة في نصوص المجموعة كتلائم وانسجام وسمة بارزة من سمات بناء النصوص،وقد حرص “احمد الشطري” على بناء نصوص مجموعته هذهِ بأنتباه لغوي وبإتقانة معرفية وثقافية منسجمة مع رؤاه في التكوين الشعري،و بما يؤدي للم وتفعيل جميع العوامل الصانعة لجمالية النص، وفق العامل المشترك لتعدد هذه العوامل، ليُمَكن الشاعر من تنطيق شواهد عوالمه الكونية و اليومية التي تمور وتلح على البوح ، والتي تضخمت مرائرها المسكونة بالتساؤلات عن غربة هذه المدن ،كما في تساؤلات نص “الى خاتم الرؤى” .و تساؤلاته الحوارية المختزلة والاشارية الموحية مع التميز الموظف للنبي يوسف وتشبيهه المجازي للحس التأريخي الفاعل، ويمكننا هنا من فهم مكانية الجب” كاحد مدن المسلة الشاهدة على جريمة التغيب المميت للانسان والمتمثلة باقسى حالاتها في هذا التوظيف للقص القرآني ، حين يكون الاخوة هم قتلة الاخ،وهذا ما يجسد ويظهر للقاريء اسباب غربة المدن وهجرتها عنا بالمقاس الوجداني والاخلاقي للخطاب الشعري و بتساؤلات واضحة اربكت اليقين الظني ومن ذلك الجزع المتنامي في هذا النص ..
(فيا يوسف المعنى،ويا خاتم الرؤى — شبعنا عباداتٍ،ولم يبقَ منسكُ
وأنت على ما أنت وجه مغيب — و وعد ضبابي …به الظنُ يربك).
و ذهب الشاعر في حواريته المتسائلة مع النبي المرمز في توظيفه داخل النص ، ليوصلها لحالة الجزع المتمثل في امر ترجيه الطالب لترك التياه المتمثلة بالأمساك بأيادي التيه المضيعة لنا والبحث عن الكف الموصلة للخلاص،ليعد هذا التعبير والتصوير الشعري اعلى حالات الخطاب الشعري عن غربة المدن وضياعها،وبمثل صَبْرَ غريب مهاجر داخل المكان المحاصر للانسان المواطن عموماً وللشاعر .
(أفقْ أنهكتنا رحلة الصبر …عد بنا —- إلى م بأيدي التيه كفاك تمسك)
وكانت انجذابات الشاعر في الكتابات النصية ، انثيالات متوترة متوالية ابتعد فيها الشاعر عن شكلية الانفعال الروحي واللغوي الطاغي،لذا حضرت بلبوس هاديء وشفيف في خطابها الشعري.
وكما في وصِفَ الشعر بانه فن اللغة،هذا الفن الاخذ باللغة لتنشيط ولادات دلالية ومعاني جديدة،والي تغني بها قاموس الامة الناطقة بها ،ومن نشاطَ وابدعَ شعراؤها المشتغلين فيها ، حتى راح الفيلسوف والمفكر الادبي مارتن هيدغر في حصر المثول اللغوي للجنس الشعري بقوله «فالشعر لا يتلقى اللغة قط كأنها معطاة له من قبلُ، بل الشعر هو الذي يبدأ بجعل اللغة ممكنة. الشعر هو اللغة البدائية الأولى للشعوب والأقوام. إذن يجب خلافًا لما قد يتوهم أن نفهم ماهية اللغة من خلال ماهية الشعر»2
وكما نرى الفعل اللغوي بتعبيره الناشط لتشبيه الوصفي المجازي في نص “ثغر”
عقدُ ذاك ام تلك شِفهْ — قربيه من فمي كي اعرفهْ
سنتي هذي فهل انكرها — أيكون النهرْ من غير ضفهْ؟
وهنا تحقيق للمهفوم الحديث للبلاغة الشعرية العابر للبلاغة اللغوية وكما في معظم نصوص المجموعة ،و يبان هذا في البناء اللغوي للأنساق والجمل الشعرية وتصويراتها،مثل الوضوح البلاغة لتصويرية في البيت الشعري وتفريقها المقارن بين العقد الجميل وشفة المرأة ومن خلال التقبيل،هذه المعرفة الغير قابلة للانكار في تلازمها له ،وبمقارنتها التشبيهية لمجاورة و وجود الضفة للنهر.
إصطفت الاسئلة كثيراً وتواجدت على طول نصوص المجموعة ، ومن غوار وتعمق روح الشاعر وكونية رؤاه،لذا راح لمحاولة النبش والتعرف على الجوهر السحري للشعر ،لذا نقرأه ونراه ماثلاً بكل كيانه في أشعاره، ليتنفس قصائده، ويتماهى مع أشياءه اللاهفة للبوح.
لقد بنى الشاعر “احمد الشطري” نفسه الشعري وفق ثقافة تجربته واشتغالاته اللغوية وامتيازها الشعري في الإيحاء المفعم بدلالات اللذة وحميمية البوح وفتنة التحول، و اوضحت مجموعته الشعرية هذهِ جمال فضاءاته وهو يعيد ترميم و تأثيث الحياة بخطاب نصه الشعري.
…………………………………………………………………………………………………………………………..
1-اللغة العليا النظرية الشعرية تأليف : جون كوهين ترجمة : أحمد درويش..
2- مارتن هايدجر في الفلسفة والشعر ترجمة عثمان امين

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “خليل مزهر الغالبي : نوستالجيا “مسلة المدن المهاجرة” للشاعر احمد الشطري”

  1. احمد الشطري- العراق يقول :

    شكرا لروحك العذبة صديقي الناقد المبدع خليل مزهر الغالبي .شكرا لقلمك الغيداق وهو يمطر علي للآلئ حروفه .شكرا لهذه القراءة المائزة لمجموعتي .وشكرا للأستاذ الناقد الكبير حسين سرمك ولموقع (الناقد الادبي) الرصين .دام ضياؤكم الباذخ

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"