تابعنا على فيسبوك وتويتر

سلاماً
للوحشِ الغافي في صدري،
أطعمُهُ كلّ مساءٍ قلقي على وطني
ملتاعةً مجزوعةً
أُلقي إليهِ حمولةَ الأملِ
أوزّعُها على صغارِهِ
أقبّلُ جباهَهُم المُتغضّنةَ
أُواسي كهولتَهُم المسرعةَ
وأُرجئ شيخوختي.

سلاماً لهُ
علّمني حينَ توقفْتُ عن العدوِ
أنْ أتأمّلَ خطوتي
أنْ أقبضَ على لحظاتِ يومي
بأصابع رضيعٍ يتشبّثُ
بثدي أُمّهِ
أنْ أَغرِفَ من لونِ الغروبِ
ما أُلوّنُ بهِ شروقَ غدي
أنْ استعيدَ أغاني صباي
التي هَرَّبَتْها عقودُ الحروبِ الكابيةِ
أنْ أبرمَ هدنةً -لا أَنقضُها بعدَ قليلٍ-
بيني وبينَ نفسي
بيني وبينكم
أنْ أُرْخيَ أصابعَ مجنونةً
تُقَلِّبُ الأيامَ في مفكرتي
لأصغي بصبرٍ إلى مَنْ أُحب.

اكتشفتُ الآنَ أنَّ آلاف التفاصيل
المُرهِقة المتشابهة
لم تكنْ أبداً مُهمّةً
لصُنعِ كتابِ حياتي!

الأحلامُ،
المُنجزُ منها والمُرجأ،
هاجسُ التطوافِ في الشوارعِ الحزينةِ،
الحوارُ المُضني مع الأرواحِ الغريبةِ
انتظاراً لمعجزةٍ لم تردْ في الأسفارِ،
الكتبُ والصفحاتُ التي التهمتْ عينيَّ،
الوجوهُ التي اتعبتْني بلا مبالاتِها،
الآن أقذفُ بها جميعاً
من نافذةِ أيّامي حين أطلَّ الوحشُ
بصمتٍ من خلالها،
بعد أن أرهقتُهُ بنَزقي
بتجاهلِ رسائلهِ التي بثَّها سرّاً
بحذرٍ شديد
وأهملتُها بحكمةٍ متعاليةٍ
وخلودٍ موهوم.
الآن إذ صمتَ جوقُ العصافير
المعشّشِ في رأسي
منذ ولادتي
أصغيتُ لنحيبِ الوحشِ الغافي
في صدري.

مازلتُ أشحنُ قلبي
بحمولةِ الأملِ
واضبطُ وجيبَهُ على أنّاتِ الوطنِ
غير أني
أطلقتُ أسارَهُ
وانطلقتُ متخففةً
منهُ
ومِني.

. *كاتبة ومترجمة وأكاديمية عراقية مقيمة بأسبانيا

 


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

7 تعليقات لـ “باهرة محمد عبد اللطيف* : “بوحٌ لا يعني أحداً سواي””

  1. د. كريمة حسن يقول :

    الست باهرة عبد اللطيف كاتبة راقية ومتميزة ، النص رائع بحزنه بألمه وبحسرته ومفرداته التي تخاطب الروح ، واقول للكاتبة انه بوح يعنينا ايضا فهو يخاطب الوجع ، لك مني كل التقدير

  2. Wijdan Ali يقول :

    رائعة أنت بكيفية أيقاظ الوحش النائم في دواخلنا ،،، نحاول دائماً التغاضي عن وجوده ، وتأتي كلمة منك لتذكرنا بنزيف القلب والوطن
    وتذكرنا بلوعة الفراق … لك مني كل الحب 🌺

  3. Baida Aljubori يقول :

    نص رائع وراقي كرقي روحك وفكرك..وحشك هذا الي انتصرت عليه موجود في دواخلنا جميعا.. كل منا له وحشه المتربص به ولا ندري متى سنطلقه ونتحرر منه.. وهدنتك التي أبرمتها مع نفسك ومعنا ادعوا الله ان تدوم.. محبتي ودعائي لك ايتها المبدعة الرائعة❤️

  4. حمودي جاسم يقول :

    انها المواجهة التي يتحتم علينا ان نقف عندها. حتى ونحن على عتبات الهزيمة نغربل الايام ببصر ثاقب وعزيمة الامل الجبار التي تمنحنا السلام والرضا.. سلام لقلبك وسلام للعراق الذي حملناه جريحا وسلام على المراجعات التي تدلنا على تيهاننا..

  5. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    ردا على تعليقات الصديقات والأصدقاء الأعزاء الدكتورة كريمة حسن والدكتورة وجدان علي والاستاذة بيداء الجبوري والدكتور حمودي جاسم ، أقول:

    شكرا لوقوفكم المتأمل وقراءتكم المتأنية لنصي. شكرا أيضا لأنكم عبرتم بكلماتكم الجميلة عن تصادي تجربتي وتجاربكم فالوحش الغافي في اعماقنا انما هو رمز واستعارة تصلح لكثير من المعاناة والالم المشترك على المستويين الخاص والعام، ولعل المرض يعكس وجهاً واحداً منها فقط.

    شكرا لأنكم بكلماتكم السخية اثبتم لي بطلان ما أعتقدته بوحا لايعني أحدا سواي.
    تحياتي وامتناني لكم .

    تحية وتقدير أيضا للأخ العزيز الدكتور حسين سرمك على جهوده الصادقة في إدارة الموقع.

  6. نص بديع صديقتي الباهرة. باقة ورد لقلبك النبيل .. دمت بكل خير ياغالية..محبتي وتقديري

  7. باهرة محمد عبد اللطيف يقول :

    شكري وتقديري لك صديقتي الغالية الشاعرة بلقيس على كلماتك وانت العارفة بظروف كتابة هذا النص. محبتي واعتزازي.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"