تابعنا على فيسبوك وتويتر

بلاغة التركيب في الاصدار الموسوم ( دراسات في الموال العراقي) للدكتور خيرالله سعيد
إشبيليا الجبوري

من الواضح أن أثر الدراسة للموال العراقي قد تجاوز حدود التراب الجغرافي للعراق كما هو محدد في عنوان الكتاب، ليخترق آفاقا بعيدة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا لتضاريس
الجغرافية، حيث أسهم في نشر الاسلوب له وتخليق الحياة العامة واقتراح حلول جديدة لمشكلات الإنسان قديما وحديثا في كتابته واوزانه كما جاء في الباب الثاني والثالث بفصولهما. وقد لوحظ في الفصل الأخيرة اهتمام الباحث بالعينات، وهو نزوع كوني يدل على التفرغ الروحي لاهتمام معاصرة المعانات و انعكاس متم به من ألم الغربة والاستلاب النفسي، مما جعل النصوص تبحث عما في ذات الباحث بالاختيار للعينة ليغطي به مانقصت عنه بعض الدراسات في التحقيق، هذا التعويض لنقص المكتبات البحثية عنه، اختزله الباحث من خلال الإقبال على أخلاقيات في الكتابة عن (الموال) وإحياء القيم الروحية ذات البعد النفسي والسلوكي للبيئة الانسانية-الاجتماعية للتراث العراقي وفلكلوره، وواقعه المعاصر دون شك، فوجد في الموال العراقي بغيته ومراده.

يعرف الموال بحسب اهتمام البحث وما ألت اليه الدراسة الحالية، الى اهمية دراسته اليوم، لتغلغل الروح الصوفية للموال في أوساط اجتماعية عديدة، داخل مجتمعات مادية في داخل المجتمع العراقي، وشعوب الدول المحيطة له، وبتأمل مصدر هذه الروح يتبين أن الموال العراقي له أثر واضح وتأثير بيِّن في توجيه الحياة الروحية لتلك المجتمعات، ولعل ذلك راجع لخصوصية (الموال العراقي) كما اظهرتها الدراسة للباحث، الذي اتسم عبر تاريخه الطويل بسمات عدم التماييز، والتقابل بالوسطية، ونموذج الاعتدال والتوجه بالمرونة، وقبول المخالف والمحبة بالتعايش، والتعاضد بالتسامح، والتشاركية بالتعاون، والتبادل بنفع الاخر.. وغير ذلك من القيم النبيلة التي يحتاجها الإنسان العراقي او العربي المعاصر، والتي كانت سائدة حينذاك بحسب ما اتسم بها البحث، والذي وجد ضالته في الموال العراقي، فأقبل عليه ممارسة ومُدارسة شعبيته كما ورد في (الباب الثالث)، وأنشأ فروعا لزوايا عراقية متخصصة، كما انتشر بتلاقح مع بقاع عديدة من المعمور.

بالعودة إلى خصوصيات الموال العراقي الذي اشار اليها الباحث في مقدمة الابواب 1-5 في العراق، نلحظ أن الزوايا والطرق (لاداء ومسميات الموال) كما في الفصل الثالث من الباب الاول والفصول الاخرى، مسهبا بها، للتوضيح عنه بنعومة ورشاقة، وإن كانت كثيرة ومتعددة، إلا أن مشربها واحد، وقصدها واحد وهو (خدمة لثقافة التراث وتوعويته وايضا هوية الوطن؛ أما خدمة لثقافة التراث وتوعيته وهوية الوطن/الامة فمنهجها: القويم فيها يتمثل أساسًا في الاعتصام بالاسلوب والاداء، وإشاعة المشهد وتهذيب النفس، بالإكثار من الذكر به، وأما هوية الوطن/الامة فتتمثل أساسًا في القيام بالواجب نحو المعنى النصي المخفي والظاهري لمعظم الحقبة التي تمثلها علاقة الامة بحقائق تراثها، والحرص على خصوصيات الموال العراقي الثقافية؛ حتى لا تضمحل تحت تأثير كل المشاكسات الدخيلة والمتطفلة في فرط الدراسات غير العلمية في القطيعة الابيستمولوجية عن الاتصال تاريخيا . ومن ثم فإن الاهتمام بدراسة الموال العراقي، وكشف روافده وامتداداته جغرافيا وثقافيا وسلوكيا.. هو اهتمام بالهوية الأصيلة للثقافة العراقية خاصة، والمعمورات المجاوره له عامة، في الامتداد والتلاقح الحضاري معا. وتعزيز الانتماء للوطن وثقافته التراثية، ودعم الثقافة الفلكلورية للوطنية التاريخية، وترسيخ للوحدة الروحية والترابية، التي تجمع كل العراقيين أينما كانوا او حلوا، جمعويا، او تجمعوا اقلية، وكذلك كما اكد عليها الباحث بوقفات متعددة من بحثه، حول التعبير عن تشاركية ثقافة الفكر للموال العراقي، متمثلا في الجانب الروحي، وقوة الاداء للموال العراقي خاصة، وقدرته على الإسهام في المرونة، والحدة الروحية والثقافية للشخصية العراقية، ونشر ثقافة الخطاب بالموال في اشارات للسلام والتضامن والتعاون والإخاء بين بني البشر، ولعل هذا التوجه، يشكل خصوصية في الثقافة العراقية، التي حافظت على قوتها واستمراريتها، وشكّلت نبراسا لباقي الشعوب والدول، يستفيدون منها في دعم تماسك تراث وفلكلور ومعاصرة مجتمعاتهم التاريخية، وحماية الأفراد من الاضطراب والانحراف اللاحقة التي قد تنالهم.

إن منظور الكتاب الذي نناقشه لهذه الفقرة هو الباحث ومحدداته، وتسميته للعنوان بالموال العراقي بخصوصياته العراقية، لا علاقة له بالروحانيات الموجودة في كثير من المذاهب وأنماط التعبد، كما لا علاقة له بالبدع والضلالات الشائعة في التصوف الطرقي. ومن ثم فالموال الذي استشهد الباحث بها بعينات مختارة منه، هو الذي يستمد أصوله من الموروث الديني-الاجتماعي، وما تناكبت به الاحدث بحسب ماتروي بقرأتها، وليس كما يزعم بعض المستشرقين والباحثين من أن الموال يستمد أصوله خارج الثقافة الإسلامية والصراع الديني-الاجتماعي.

كما أن الموال كأداء ممارسة تعبدية-تصوفية بالأساس ان صح التعبير، وليس منتوجا تاريخيا منسلخا، أو تعبيرا عن حاجات اجتماعية أو سياسية بالضرورة ربما كما يراها البعض، كما نلاحظ من الدراسة ايضا، انها ربطت الموال بالتوظيف السياسي والاجتماعي، وتسخيره لأهداف بعيدة عن روحه ومحتواه، او ربما العكس قد يكون في الفرضيات الاحتمالية في الاستدلال. وهكذا فإن هذا الكتاب تقارب التصوف في الموال العراقي، باعتباره عملا سلوكيا على منهج خير البشر، فهو يخلق شخصية مطمئنة القلب، وليس كما يزعم البعض، من أن اداء الموال هو تعبر عن الشخصية الصوفية التي تنمي القلق لا الاطمئنان، وتنمي ميول الانهزام ومشاعر تفكك الحياة، كما اثارته بعض النظم لها، كأمثولة تحجها، وللمزيد من الامثلة قد تجدها في الباب الاخير من الكتاب. وهو يعكس موال تصوفي يقوم على استنهاض الهمم، وحفز العمل، وبذل الحركة والجهد في سبيل رقي الذات والمجتمع، ولا علاقة له بأي أزمة أو تخلف كما يحاول البعض ربط نشوء الموال بالأزمة في مختلف تجلياتها.

إن الموال العراقي كما جاء به الباحث في متن بحثه، والذي يحاول هنا تسليط الضوء عليه هو موال عراقي، سلوكي تطاوعي، الزامي ربما، عملي أخلاقي، برمزية الاداء لخفايا اوجاع صراعات ثقافية دينية او جبهوية مناطقية او قبائلية او تخاصمات فرديه. ينطلق من العقدية الصراعية المتشابكة والمعقدة الفهم ليعود إليهما. يخلق الموال شخصية مطمئنة، ومجتمعا متوازنا، ويؤسس إنسانا مسؤولا وفاعلا في بيئته، يبني ولا يهدم، ويوحد ولا يفرق، كما يراها الباحث مجسدة في تنابع المعرفة والتحليل المتواصل بين السطور.

من هذا المنظور إذن، يمكننا مقاربة الموال العراقي باعتباره (“وجدانا عراقيا رمزيا” كما عبرت عنه د. شعوب، د. ابوذر 2014) وايضا كما اضاف د. الغزالي الجبوري بانه بحسب ما جاء تعبيرا لما وجده في الدراسه بان ما جاء به الباحث يعبر، بحسب رأي د. الغزالي بـ(“تراث ثروة وطنية غير مادية”) قابلة للتداول والاستثمار المعرفي والثقافي في تعزيز تواصل (“الانتماء للوطن وتراثه”، د. شعوب 2014) و(“الافتخار بالهوية العراقية”، د. د. ابو ذر 2014)، و ايضا دعم جهود التنمية الثقافية والتاريخية وتعزيز (“الوحدة الوطنية للعراقيين”، د. ابو سلام 2014) و(“…الدفاع عن الثوابت الأصيلة للعراق….والتي هي سر قوته ومصدر نبوغه ونبراس مستقبله وحاضره…” د.ابو سلام 2014)، ومن ثم فإن هذه الكتاب، لا يطمح نحو الكشف عن هذه الخصوصيات فحسب، وإنما أيضا الكشف عن امتداداتها في ثقافات أخرى، ومقاربة تأثيراتها الإيجابية، في دعم الثقافة والتراث والفلكلور العراقي الموازية في تعزيز مكانته.

كما ان البحث، أشار الى أهم رواد هذا الاتجاه من الأوائل، وتعرضت الدراسة لذكرهم وتوزيعم كما جاء في الباب الثاني والثالث والرابع ايضا. كما الحقيقة، بان الدراسة لم تهمش البنية القديمة، ولا يعني التمرد الكاسح والخرق الكلي لعمود الخليل، والخروج المطلق عن كل الأسس الإيقاعية لدراسات الموال، وإنما يعني عدم التزام الباحث المعاصر بضرورات محددة، ويكتفي فقط بنقل موحد، ويكون لديه معجم موسوعي يستدر معانيه من ضرع القاموس والدراسات القديمة، بمعزلا عن ملاحظات الظواهر لها، ونشؤها، وينتهجها نهجا إيقاعيا جديدا. وللباحث هنا رغبة منه لجعل الموال العراقي وحدة متماسكة، يعبر عن المضمون الفكري المرتبط بقضايا العصر، وإحباطات الإنسان المعاصر وعذاباته، فالموال يتقيد بعدد محدود من التفاعيل لكل بيت، ويلتزم بجميع أحكام العروض التقليدية كما يرى البعض، بل ايضا نرى يسمح لنفسه بتنويع الإيقاع مجاراة لما يتطلبه المضمون الفكري والعاطفي.

لقد سعى الباحث إلى تشكيل رؤاه الخاصة، في ظل المستجدات والقضايا التي يعرفها الواقع المعاصر، بآليات فنية وتعبيرية مختلفة وتراكيب جديدة، فأصبح الموال رؤيا تتطور بتطور العالم، ومدى الانفتاح المؤدي للموال بثقافته وحرصه عليه، وإحساسه الشامل بحضوره فيه، موظفا رموزا وأساطير لتجسد مشكلاته، وقلقه والصراع العميق مع الذات والواقع البشري. فان التنوع في الباب الثاني وتفننه المشار اليه لاحد اصنافه في الباب الثالث، اتخذ (موالا) لتفعيلة الشكل انطباعيا، يختلف عن الشكل السائد للبواقي الاخريات لنظام الموال التقليدي، كما اوضحه الباحث في كتابه، فاعتمد الباحث بأنتقاءات شعرية متفاوتة الطول والعدد، وظف فيها التوقف عند التفعيلة توظيفا مغايرا للموال بكتابته واداء اقدميته، ليحقق الانسجام الإيقاعي بين الأسطر الشعرية، ويُخضع طول السطر الشعري أو قصره لطبيعة الدفقة الشعرية لديه للموال كما هو واضح في الباب الثالث والخامس والاخير، في عينات الدراسه التشخيصية للاشكالية. وأنبنت هذه العينات والتصنيفات بنية مفتوحة، يتفاوت فيها طول البيت بحسب التفعيلات، ويرتبط هذا التفاوت بالإيقاع النفسي للشاعر ودفقته الشعورية. قائما على توزيع الأسطر والكلمات وتجزيئها حسب الحمولة الدلالية لكتابة الموال، فتتفاوت الأسطر أو تتساوى لخدمة النسق المضموني، الذي بنيت به الموال المسمى بحسب التوزيع، (للمزيد من الامثلة قد تجدها في متن الدراسة التي نحن بصددها).

فالباحث هنا، أراد أن يرمز بالشكل للواقع التراثي المهم المتآكل، فكان يريد جاهدا أن يوظف شكل الدراسة بمراحل وتجدد وتمايز متناقضا متآكلا، ليبرز تآكل المجتمع، أو تآكل المعاني والقيم فيه، وشروعَ هذه القيم في التراجع. فلهذه جماليته الخاصة، حيث تنتج الدلالة للدراسة، بتوظيف الرمز للواقع على هذا النحو التشكيلي الرائع، الذي يلمح إلى إمكانية جعل الدراسة للشكل في ذاته، مبينا موضوعيا للموال من ناحية، وعنصرا دلاليا من ناحية الهوية والتراث من ناحية اخرى.

الدراسة ترتبط بـ(الموال العراقي) أساسا، والتي تتألف منها فروع الدراسة، إذ تتوزع هذه الفصول كما ذكرنا إلى محطات أو مجموعة ابواب وفصول، من مخضبات الموال العراقي المنسجمة فيما بينها، يفصل بينها الباحث بعلامات، أو أرقام، أو عناوين فرعية، أو أشكال أوبياضات، أوفراغات.. وتسمى كل مجموعة مقسمة، مقطعا. وقد حدد المقطع للموال بنواة دلالية، توحد بين أسطره، أو جملة، أو عبارة معينة، أو لازمة تتكرر في بداية كل مقطع أو نهايته. (يرجى مراجعة الكتاب لوفرة ما يفيض من امثلة دلالية تشير الى ذلك).

كما نود الاشارة الى ان الدراسة، هنا، هي عبارة عن بوح لوني متميز وفكاك لايقونة بصرية، ذهنية احتفالية، تسكنها مغامرة عقلية ذوقية رفيعه مفتوحة على جمالية (المتسع اللا مكتمل. د. شعوب). التي تُؤمن إمكانية القراءة، والتأويل، والبحث المتجدد، وهي ما تَحمل المتلقي العام والخاص على الشعور بجمالية تَمْتع من الخصل للبنة اداء الكامل لأدواتها التفعيلية. فالباحث الذي عوّدنا على نفسه بصرامة مفضوحة، على عدم التهَرب من الضغوطات العلمية في البحث، وتعلمنا على ثنايا توجيهاته، وأنهلنا معرفة خصبة، علمنا ان نحترم أصول فن البحث العلمي والتحقيق المدون. فتدبيره الجمالي، يرتكز على عُدة معرفية معتبرة وغاية في الاهمية والاهتمام، ورؤية ذاتية لا تنقصها روح المغامرة. لهذا نجد منه متابعين برسم –الحيوية الفاعلة في التتبع – وهو ينفت في دراستة القييمة حيويات عديدة، تشكل حركيتها الذاتية فاعلية عظيمة. وهي تتطلب إقامة علاقة معلرفية تنبيهية مغايرة الاتجاه، في تقلب الاصطفاءات. فصفاء الإشارة وخفة الدال اللذان يميزانها، في غير افتعال، يرتكزان على روح لما يكتبه بسابقية واعية بشرطها الإبداعي.

فهدوء الباحث الذي يستفيض بكل البلاغة التركيبية والاستعارات الدالة، على الحرية الصارمة العلمية في البحث والتحقيق. تلك تضيف مسحة جمالية بليغة للمتن المعرفي، لا يتوانى على مزاوجة عمله البحثي بين التشكيل والدلالة، الذي له فيه اسهامات نقدية وتحقيقية فارقة، ليس لأن منحوتاتة البحثية مسكونة بتكتيف دلالتها المتداخلة بين السكون والحركة في الموال العراقي فحسب، بل إعماله المتابعة والنشطة للشخط والتشييد والامحاء، وإنما لما بحوثه من تحمل هذه الشذرات المعرفية النقية، من صفاء الإشارة وخفة تعبيريّتِها الدؤؤبة، تسندها رؤية لذائقة فنية، أوعزها الباحث إليها بحرص كبير وعناية وافرة بقامتة العلمية المتفردة.

يظل الإشارة للموال العراقي تشكيلة كثيفة لدى هذا الباحث بامتياز، سواء في اشتغاله على التحقيق أو البحث، أو في انزياحه على مستوى أعماله الجديدة، حيت نجد أن بلاغة التركيب في الاصدار الموسوم (دراسات في الموال العراقي) هو سَند معرفي-فلسفي-اتاريخي-جتماعي من عمق المكان وزمانيته، في جعله للموال تركيب فني حواري، يلتفت إلى نفسه أكثر مما يلتفت لمُسلمات معهودة، ونقديات تَجنيسية صارت متجاوزة في مختبرات عمله. وهنا تتناشط تلك الاشارات والرموز المتطايرة والمتلاشية التي تغطي دراسات تراثية عابرة الموال/الموال العراقي في ادغامهما السعير.

عن مقترب ما سطره الباحث الجاد الدكتور خيرالله سعيد هو بحثا رصينا، جمع مايشتغله معماريان في تنقيب مزدوج، فهو نحات للبلاغة في البحث، وتركيبي دون مفاضلة في التراث والفلكلور تحقيقا. إلا أن اللافت في تجربته، ذلك التداخل بين المحققين: تحسه ينحت داخل البحث، ويتركب (أو يشكل) منحوتاته بتصميم دائرة البحث.. يمسك التاريخ كالرسام بريشة وعناية ودقة.. يبحث عن ظل المعلومة وضوئها عبر سبر تجاويفها الغائرة، كما في البحث الذي نتناوله، كي تصير الفكرة المميزة نيرة وبارزة، ويحفر في بواطنها لدى المتطلعين كي يخرجها من عالمِ السكون العابر إلى الحركة الفاعلة، ومن الصمت التأملي إلى الضجيج بالجدال، وكأنه ينفخ في أذهاننا ببعضها الطاقة التي تلزم للكلام. وحق التعبير الجاد والملتزم..

دراسات في الموال العراقي، هي اختراق لأفق كل ما هو جميل وفاتن للموال في دراسات سابقة تقليدية، هو ما جعل هذا الباحث يوظف دراسته المحددة والمشخصة كخلفية لدراسات معبرة ومتسمة دائما بإرسالياتها المعرفية المستقبلية للدراسات الادبية والفنية التراثية، التي هي احتفاء معرفي بالجسد المعرفي للتراث والفلكلور، كعلامة رمزية دلالية باذخة تشكلها تمثلات أنثروبولوجيا وروحية وثيرة في حركة الانسان وتاريخ وعيه. يستدعي الباحث كعادته ملمحة ثقافية ودلالية في حقله التخصصي، ليحرره من القوى الخفية والكامنة في انماطية التأدلج والأحادية المترسخة في الأذهان.. الموال العراقي هنا يريد له الباحث خيرالله سعيد دورا متحررا، متمردا، ومنطلقا، ومع ذلك يوافق، ليخضعه لسلطة العقل، وتنوير الاجابة بالبحوث ذات التنوير المتعدد، لا لسلطة واحدة دوغمائية .. بل الحاجة الى وعي الارتقاء والنماء والتنوع السابح بين الألوان للفكر، التي تنفجر داخله وداخل المعلومة الناضجة علميا، لا فوق ملابسات وتعبيرات ملامح عابرة، مبثورة فوق الوجوه للتواصل المعرفي مابين التراث والفلكلور لفلسفة التاريخ.

الدراسة، خلاصة مرجعية، بها نتذوق الحياة، والتراث، والفلكلور، من زاوية حريصة رشيقة ثاقبة، وذائقة فنية رشيدة هو الموال (الموال العراقي)، ونتكتشف عن الدراسة بهاءها المعرفي، وهو بهاء عمل الباحث على تشخيص قيوده ومعاقل اشكالياته وما دفن عليه من غموض مقصود او عفوي لطمره، من يوميات وواقعيات تراثية ثرية.. لا يرتب داخلنا من الدراسة الا كتلة من الرموز والدلالات المجردة بعلامات خطية، وهذا ليس كل شيء بل بانتظار جديد لمولود اخر من الجدل والنقد، التي تحفز الباحث للمواصلة والعزم الى استكمال الابواب والفصول باتساع اشداقها. بقدر ما نُسائل عن تلك الصورة الشديدة الإحراج والتي تقتنص الإحساس بالإغتراب الداخلي للمعرفة، الذي يبسط سيطرته على كامل المسافة في وجداننا المعرفي المشترك للتراث والهوية. فهذه الدراسة هي ليس الا موجز مادي لذواتنا، ودليل مضاء لضمان حضورنا في العالم. لم يهتم هذا الباحث بالملابسات فقط في حل أي شيء.. بل يتركه دوما في كل دراسته المعرفية والنقدية لعريّها مفتوحا للذي يبتغي عدم التفرقة والتمييز فليتفضل يقرأ وينقد.. فـ(الموال) تجد الناس متحدون في بنية وجدانية متساوون فيها، وهذا جانب أساس في المشروع الجمالي للباحث خيرالله سعيد، الذي يشغله بتجاوز وإلغاء كل مظاهر التفرقة بين البشر. وهذا ما تعلمناه منه دوما من روافد الخير والعطاء، الذي تعلمت منه الكثير الكثير في ارشادي وتوجيهي العلمي والمعرفي…تقدير شكري لاستاذي الكبير خيرالله سعيد على جهده الكبير والعميق…اطال الله في عمره استاذا ومعلما وموجها سديدا..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “بلاغة التركيب في الاصدار الموسوم (دراسات في الموال العراقي) للدكتور خيرالله سعيد
إشبيليا الجبوري”

  1. د.خيرالله سعيد يقول :

    جميلة هذه الدراسة النقدية للدكتورة إشبيليا الجبوري، وهي بحق تستحق ان تكون ( مقدمة لهذا العمل ) وسأسعى لذلك في الطبعات القادمة، وفخراً للنقد العراقي أن تكون فيه هذه الناقدة متفرّدة في إلماعاتها النقدية في استبطان النص ومعرفة خباياه المسطّرة بين حروفه، وتلك مسألة لا يدركها سوى متذوقي الجمال، والمليئين بالمعرفة . أتمنى للدكتورة إشبيليا الجبوري متابعة أعمالي القادمة، وخصوصاً ( موسوعة التراث الشعبي العراقي – بعشر مجلدات ضخمة ) والتي نشرت ( مقدّمتها ) في هذا الموقع ، فآمل منها ذلك، كي تكتمل الصورة الإبداعية لديها، وتحكم سيطرتها المنهجية على إنجازنا المعرفي في ميدان الأنثروبولوجيا والفولكلور – مع خالص التقدير .

    د. خيرالله سعيد

    khairallasaid@gmail.com

  2. إشبيليا الجبوري يقول :

    (( تعليق بعد التعديل))

    الاستاذ د. حسين سرمك المحترم
    اعضاء فريق عمل الموقع المحترمون

    إلى الباحث د. خيرالله سعيد المحترم

    شكرا جزيلا بأمتنان واحترام كبيرين؛ لما تفضلت به من لمحة طهارة الكلمات ولمعة نكران نفسكم الصالحة للخير والعطاء. وما تفضلت به ماكان بنظرك يستحق عليه٬ انه لشرف جزيل لي بأعتزاز. كما آنت نور ثقافة وموقف مستقيم لغيرك٬ ثق الكتاب انغماسا باهدافك النبيلةرغم المعاناة والألم؛ هو ان تضبط القاريء ثقافة٬ تحفظ اعتزاز العقل وكبرياء النفس المتأملة بالمحبة٬ وأن لا يكون مشوشا بمعاناته.
    و الكتاب لم يفارق الطموح القيميي٬ التي أعطيتم إياها لن تغفل أو تنسى أو تهاجر أبداً. بل جاءت في المتن كما ستكون مَحفوظة دوماً، إنها ليست للتفكير فيها ،إنها لتتم جمالية مُمارستها. حيث اتبعتمها هذه المحتويات؛ جزلت النفس سعادة دوما. وفطنة.
    كما جاء الهدف مواكبا من فهمكم الغائر في الثقافة هو أن تضبط العقل. وتمني احفظ مكانة لكرامة التقافة والمثقف بعيداً الجشع؛ ويناضل من أجل السلوك المُستقيم، والذهن الصافي والكلمات الصادقة. هذه وصاياكم من اكتاباتكم ٬ ثاقبة الكتاب؛ فَكر دوماً ببقاء المحبة لا في زوال حياتك؛ لتكونوا قادرين على مُقاومة الجَشع والغضب، والتمكن على تَجنب الشرور. وتلك من لب اهداف قراءتك في الثقافة الإنسانية. وجدتَها من خلال ما تكتبه أن ننتبه إلى العقل الميال والمتورط في الجشع، يجب علنا إخماد وضبط الإغراء٬ كقول منبه للقارئ : كُن سيدا لعقلك”.
    واخيرا٬ متمنية لحضرتك الصحة والعافية٬ وبآنتظار جديدكم القادم بإذن الله… (كن سيد وعدك عن الجديد). وفقك الله ورعاك بكل خير.
    إشبيليا/ طوكيو

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"