تابعنا على فيسبوك وتويتر

أول لقاء لي معه.. كان يتجول فوق ورقة بخفة فراشة كان يتجول.. يخاف أن يكسر غصنا.. أن توجع أنامله زهرة حية تحاول أن تفتح نافذة برعمها، لتبتهج بالشمس والنسيم، هل كان هذا الذي يسير فوق قماشة تلك الورقة ظلا، هواء أثيريا.. شعاعا أفلت من رداء غيمة..؟ في صالة “المنصور ميليا” كان هناك عند زاوية مضاءة، لم أكن قد رأيته منذ أن غادرت حقل ورقته لكن صورته لم تشحب أبداً في ذاكرتي، عندما اقتربت منه، ترك سيجارته مرخاة على كتف المنفضة، نهض فاتحا ذراعيه كذراعي أب التقى ابناً غائبا، العام 1978،الشتاء يلملم آخر حقائبه، مرة اخرى ألتقيه، لم يكن لقاء عابرا هذه المرة.. المكان “دار الجماهير للصحافة” القسم الثقافي لمجلة “الف باء” حيث انضممت إلى فريق العمل فيه، وكما قابلته في حقول أوراقه.
وزاوية “المنصور ميليا” المضاءة.. استقبلتني ذراعاه الأبويتان، كنا شبابا، وكان شيخا في إهاب طفل.. في ليل بغداد البهي.. كان يصحبنا رحلتنا.. كنا نقطع شارع الرشيد.. مرورا بساحة التحرير.. نتناول معا خمرتنا الصوفية.. نفترش أرض حدائق “أبو نواس”.. برودة العشب الصيفي المبتل بالندى.. قمر ليل بغداد.. نسأمها الناعم.. ثرثرة أمواج دجلتها.. كل هؤلاء أصدقاء سهرتنا.
في بعض الأحايين.. نكون ثقلاء.. وبصبر الأب.. يربت على مشاكساتنا الثقيلة.. يشاركنا مرحنا.. لايريد أن يشعرنا أننا بعيدون عنه.. ومتى نبكي المجهول الذي ينتظرنا.. تمتد أصابعه المباركة لتقطف براعم دموعنا.
وتغيبني عنه “قلعة التسفيرات”.. نزلت بضيافتها شهرا.. كنت متهما بنشر “ديانة المحبة”.. عندما غادرتها امتد الشهر إلى سنوات من العزلة.
ظل يبحث عني.. ويقوده قلبه الأبوي إلي.. كان حضوره مطرا.. دموع فرحه بالعثور علي قنديلا.. ومرة أخرى تجمعنا “مجلة أسفار”.. لتضيئنا ابتسامته التي لاتنطفئ.
وتطبق العتمة على آخر ضوء شاحب يدلنا على الطريق.. ويتفرق سرب طيور المحبة.. وفوق تلال وطرقات “عمان” العصية على الأرتقاء.. وبدلا أن نكون عكازه.. صار عكازنا.
أيها الشيخ الذي يحمل ابتسامة طفل.. أبانا الذي نحب.. من سيجفف دموعنا في منافينا القطبية.. بعد أن غادرتنا لتقيم في أبديتك الأنيقة؟.

*عن موقع صوت العراق


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"