تابعنا على فيسبوك وتويتر

-13-

قالت سلوى:
– لا تصفن..
لم أتوقف عن التفكير بزوجها،منذ أن شعرت برفضه لوجودي وأنا أمارس غرامياتي الليلة على فراشه،أنهيت ما تبقى من تلك الليلة أحدق في صورته.فقد انقضى زمن ولم أكن أعي وجوده، بل أحاول ألّا أنتبه إليه ولا أريد أن أعرف حتى أسمه، وضعت خطين متقاطعين، ملغياً إحساسي بأن يمر يوم ويحدث شيء، مطمئناً تماماً لغيابه.شعرت به رجلاً عجوزاً يعيش آخر أيامه متألما من شكله، ربما كان يخرج متلفعاً بيشماغه تماماً ليخفي تضاريس وجهه شديدة البؤس.
ضحكت، كأنها تريدني أن أنسل من عالمه.كانت تقول: يكفي ما سمعته عنه. لكن إصراري على معرفة قصة إصابته لأضمنها فصلا من الرواية هو الذي حرك فيّ الرغبة..أو ربما ضرب على وترٍ حساسٍ حين جعلني لا أفارق صورته..وما أدراني أنها تخبّئ مرارة السنوات العشر ويكون القشة التي قصمت ظهر ملذاتي مددت أصابعي المستوفزة بإرادتني وضغطت على زر مكهرب لأشعل الحريق، في اللحظة السريعة ذاتها وأنا أطلب منها أن تسرد لي حكاية إصابته.
كنت أنظر إلى وجهها،أنفها المدقوق، وعينيها العسليتين فبدت لي قطعة مغموسة بالشهد. تطاردني رائحتها وتزيد من مآربي تشبثاً، متمنياً أن يكبلني طعمها فترة أطول،وألّا يقطع قيدها،لأني أعرف أن مثل هذه العلاقات لابد أن تنتهي في يومٍ ما،حسبته يوماً مشؤوماً لا أريد التفكير به،لم تكن تلاحظ اختراق أسئلتني لحياتها،فقد أقنعتها تماماً أنني كاتب رواية.أسأل عما يصادفني وما كان ينقص معلوماتي وقد كتبت فصولاً من مسودة روايتي.
أدرك أن زوجها قد عشفها بجنون..لقد ذكرت لي ذلك بهدوء ((أحببنا بعضنا حتى تصورنا أننا لم يمسنا سوء)).كانا زوجين يسبحان بماء العشق ((لا يملّ من تقبيلي)).لحظات صمت كنت أداعب فيها خصلات شعرها لأزيل عنها إرتباك الحديث..((كان كل حياتي..لا أعرف في الدنيا غيره..أنتظر إطلالته لأكون عروسه))كانت تنزف كلماتها وبدأت تخرج ما يعتري دواخلها من ألم..ورأيت إطلالة دمع تغطي سواد عينيها..وكلما استفاضت في الحديث، أصبحت أشد حزناً ووضوحاً..كأنها بدأت تعي أن حياتها صارت مطعونة..شبحٌ حلّ على أيامها التي أطلقت عليها (السوداء) لتختفي الرقة أمام الشبح البغيض..لقد أحبته منذ صغرها..وزرع فيها بذرة الحبل التي افتقدتها بيتمها المبكر.,..وكانت تحسب حساب هذا الحب الذي يكبر أمامها((كنت أراه بملابسه الخاكية كرجلٍ لا يهاب الخوف وأنا مغروسة في روحه.كنت على استعداد لأن أفعل أي شيءٍ لأخطب ودّه))
شعرت في حديثها وكأنها تتحسس فعل الخطيئة..لكنها لم تكن تقوى على ردة فعل أمامي، حتى أنني حسدت نفسي على قدرتي الفائقة لإستمالتها..وكأنني الحب الوحيد في حياتها، حتى لو كان حباً قاسياً.
بدأت أدخن، لأدسّ كلماتها بين رفوف ذاكرتي..انتهزتها فرصة لتغيير الحديث.
– ما بكَ كأنك لا تشتهيني!!.
بدأت ذراعاها تزيد من عريها، هاربة من إجابات كئيبة..إذ ما نفع الكلمات التي تخرج رؤوساً شوكية تصيبها بوجعٍ لا ينفعُ معه الندم ،كانت الطريقة المثلى هي أن تقترب مني لتقدم لي أكسير الغرام ولا رجاء كان في تلك الليلة..أو حتى مجرد ورود احتمال بأنني من الممكن أن أستغني عن سماع الحكاية بهذه الطريقة.قاطعتها بلهجةٍ محببةٍ أن تواصل الكلام..مضيفاً عليها كلمات من مخيلتي..لأنها موضوعة مشوقة..وأن صاحب الحزن لا يمكن له أن يبقي الحكاية مسجونة في صدره..كرّرت الهوة لها أن تتكلم لتزيل عن كاهلها تعب السنين..لتنتشل الحصى من طريقها وتسحق الأشواك..فما تفعله المرأة، إذا تركها زوجها وحيدة الفراش، دون أن تكون هي المسببة في ما حصل له؟ حسبت نفسها وقد سقطت في صندوق وجدته مزيناً بمزايا افتقدتها..ووجدت نفسها بعد ضياعٍ مشبوكة بحرير له طعم الفاكهة،طعم التفاحه..قلت لمهند ذلك، فقال: إنك تصفها بطريقة الشعر..فكيف تريد الكتابة عنها بهذه الطريقة..فأجابه ناهض: أن الرواية لم تعد إلّا فنّ المعقول..لقد ولى زمن التصعيد للصراع، وعليك أن تكون قادرا على معرفة حزنها وفرحها..ثم لا تنسَ الأسباب، فمن خلالها تستطيع أن تصل إلى حلّ العقدة..كانا يتحدثان بطريقة حسبتها لا تقترب من مشغلي..إذ لابد أن يكون لسلوى اهتماماتها الأخرى وأن تكون حزينة لفعلتها..إذ أنني يا محسن منذ لحظة اهتمامي بها، وجدتها إمرأة لا تلعن حظها العاثر.. ولا تشكي من ماضيها.بقدر ما تلعن الظروف التي دعتها أن تنزلق في غياهب الأحداث المتسارعة، فكم من خسارات تقدمها الحروب.
لقد غيرنا الموضوع يا محسن..دعني أواصل القراءة تحت صهيل المولدة..إسمع..إكتشفت أنني باقٍ معها..وأن لا خوف عليّ، حين رأيت صورته الثالثة..تساءلت وماذا بعد هذا المكان؟ هل استسلمت لوضعٍ حاد بي عن الطريق السوي؟ إلى طريقٍ مسدودٍ لا يفضي إلّا لجسد سلوى الممزق بتفاهات الحرب؟ ربما تكون لسلوى اسبابٍ معلقةٍ في سقف الغرفة، تتدلى بغياب زوجها التعب، المقذوف من زمنٍ أغبر،بعيداً عن رحمة الآخرين. حقيقة ، صرت أشعر بوجود زوجها، كتبت مرة قصة عن جريحٍ فقد ساقه في الحرب، وعندما أراد الخروج إلى الناس، تصور أنه سيكون ذا مكانة مرموقة، لكنه وجد الصدود..حتى أن أجزاءه الباقية رفضته،غادرته هي الأخرى…لأنها لا تريد المكوث في جسدٍ استسلم لآهات قدره..أتذكر هذه القصة يا محسن؟ لقد أسميتها ((رجلٌ من فراغ))..ها هو أمامي وأنا في بيته..أنا واحد من الذين رفضوا الإعتراف بحده..هل ثمة أفضع من هذا الألم الذي بدأ يسري في أوصالي ويحيلني إلى شخصية أحسّت بالذنب متأخراً؟
قلت لسلوى:
– أريد أن أرى صورته الثالثة مرة أخرى.
رأت في عيني إلحاحاً،لم نكن بعد قد آوينا إلى الفراش .في الليلة السابقة حرفت صورته مكانها في رأسي، جعلتني أكتب بضع كلمات عنه في المقهى،وكنت أوي ساعات النهار لأسألها راوغت بكشف بقايا نهديها النافرين.وكان يفترض بي أن أعيش في بحبوحة الفراش،لكن الليل أدركني بظن مخيف أن أحدا في البيت يراقبني،ربما تقول لي أنني أكرر هذه المسألة على مسامعك،لا يهم أن الضوء الذي سُلّط،كان مزحوماً بصوت حلم ترددت أصداؤه في رأسي ومن الصعب الولوج إلى جهة أخرى، وخاصة وأنني عرفت.أنها أخفت الصورة بعيدا، لحكمة متأخرة، فالواقع يقول،أنه منذ اليوم الذي رأيت صورتيه،لم يشكل لي إلّا حافزاً لاستمرار العلاقة.ولكن مع استمرارها طاوعني الفضول لمعرفة كل شيء عنها.والواقع الآخر الذي اكتشفته وهي تخفي الصورة الثالثة، أنها ما زالت تحبه، فدهمني شعور بالإشفاق عليه أغرقني في ضجّة الخجل.وكانت سلوى تشاطر الوقت لأهجم على عريها وأنسى أمر الصورة،ولأنها وجدتني بارداً كما الطقس خارج البيت.اندفعت على حين غرة، إلى الفراش المنضود. مدت كفّها تحت طيّات وأخرجت الصورة،بانت وهي تناولتي إياها وكأنها غير منهكة، ولم تجاهد أعصابها لتلمّ شجاعتها وبضع كلمات تواسي بها نفسها.
– أليس من حقي أن أبحث عن ذاتي..وهو فوق كل ذلك لم يعد يتقرب مني؟.
ترك الرجل ملامحه الجديدة، بين أصابعي، لذلك أردتك يا محسن أن تعين عاطفتي لتتماسك، نصف لوجه ضامر والنصف الآخر منتفخ..أشكال غريبة في النصف الأول، وجه بعين واحدة مفتوحة، وعين مغلقة بل أثار عين ألتحم الجلد حولها من ثلاث جهات..جلد العين والأنف والوجنة.. نصف الوجه يشبه نصف وجه الصورتين..رغم نحافته في الصورة الثالثة..والنصف الآخر، تبرز منه خطوط عرجاء نزلت من أعلى جبهته حتى أسفل أنفه، لتنزل بوحشية وقد أكلت نصف شفته العليا..ملتحمة عند حافة الشفتين..لكأنه يزم نصف فمه بقوة، لم يكن فرحاً حين إلتقط الصورة الصغيرة التي تؤخذ للمعاملات الرسمية..كانت آخر دمعة قد حبسها بل أن يضغط المصور على الزر..وتبين أنه كان يحرق أنفاسه وهو يعرض وجهه الجديد أمام الملأ، كان وجهه مطرزاً باحمرار وبقايا خيوط عملية جراحية وهي تلحم ما هشمه جرحٌ قالت. قررت أن أجد وسيلةً للمقارنة لتبدأ أسئلتي تتقافز من جديد شاعراً بكسوف في داخلي.اختلست النظر إلى الصورة المعلقة..كان الشاربان طويلين، أطلقت حسرة أكلت صدري ..رجلاً عنيداً خلق ليكون قوياً..وليس عامل تنظيف في معمل الإسمنت..وفي الوجبات المسائية دوماً..قلت لك..أنه قد شارك في هروبه بما جرى لزوجه..أنه المسؤول عن حياة البيت..
– عشرة أشهر وهو مختفٍ عن العيون.
قالت كلماتها بتذمّرٍ وبدأت ترتدي ملابسها.يئست من محاولاتها إخراجي من هوس أسئلتي، إذ كانت تبدو وكأنها تقدم عرضاً للإغراء من أجل ألّا أدس أنفي كثيراً..أخرجت سيكارة، أريد منها المزيد الأسرار ((كان يضع بين يدي عصارة حبه، أسحب من عضلاته تعب الأيام)) أعدتها إلى الحديث يا محسن..كان زوجها قد طلق الدنيا وتزوج ما تريده..وجد فيها واحته العذبة..فيها يري قدميه المعصورتين ببسطال الجيش..فيجدها بانتظاره((لكي أمتعه تماماً، فليس لي غيره في هذه الدنيا)).
كنت أنصت لوقع الحب، وقد داخلني الإستغراب،أنظر إلى صورته الثالثة بعين العطف..لقد تغيرت الحالة بالنسبة لي..صرت أشعر أن هذا الرجل ضحية مثلما هي ضحية. ليس لديها الحيلة لفعل شيء ما وقد تبين إنها عاقر حين سألتها عن عدم وجود أطفال..وتقول إنها كانت تلح عليه أن يتزوج لتنجب له أطفالاً يقول لها إنها كل حياته..وأنه مرهون للحرب((كانت كلماته تطرب لها روحي)) وكانت ترقص له مثلما يريد((كنت أقف أمام المرآة، أشعل له جهاز التسجيل لأختار حركات جديدة.)).
أمام سلوى التي كان عمرها خمساً وثلاثين سنة يقف المرء حائراً، فكل ما فيها ينطق بالحب،مولعة بالورود، تقتني الأزهار الجميلة وتربي في قفصٍ كبيرٍ أنواعاً من طيور الحب..((تعلمت كيف أربّيها وأبيع منها ما زاد قبل أن تموت)). كانت رهيفة لا تقوى على موت طير أمام عينها،غزالة صغيرة بقوام ممشوق،وعمرها لا يقبل إلّا حالة استنفار، فقد حسبت عدد سنوات الجفاء وطرحتها من عمرها الحالي فوجدت أن الحرب أوقفت نزيف الأنوثة فيها منذ أن كان عمرها خمساً وعشرين سنة.هل يمكن يا محسن أن تدرك ذلك؟هل باستطاعتك الآن، ونحن ندوّن هذه المعلومة،أن تلعن الحرب وتكفر بكل امتيازات العالم الجديد؟؛حقاً..ظلت أنفاسها تردد في ظلمة البيت وربما كانت تنام وأصوات الخفافيش قد نشطت دوراتها بدلاً من الموسيقى الراقصة..
قالت بعصبية:
– أرث لي سيكارة ارجوك..لقد هيّضت المواجع.
كظمت نفسها عن بكاء محتمل يفسد علاقتنا ربما بسبب رنين الذكريات.لكن السؤال الذي قفز أمامي:من المسؤول عن قتل الحب؟وضعت سؤالي الجديد مع الأسئلة الأخرى، فوجدتني أسألك من جديد،هل أنا مسؤول عن قتله؟ سمعتها يا محسن تتحدث بحشرجة((كل شيء انقلب منذ ذلك اليوم المشؤوم الذي جاءني به مشوهاً))كانت تنتظره ..تأخر كثيراً مع اشتداد المعارك وتضارب الأخبار..كان يأتي حتى لو لليلة واحدة ليردم هوّة الظمأ بسخونة الشوق ويذهب عنهاالشجو والشحط.صار البرد بعد حين يتغلغل في الفراش مثلما يتغلغل الحرق في مساماتها.لم تعد تشعر بوجوده،لم يسمعها كلمة حب واحدة،كانت الموسيقى الراقصة تبعده عنها. مرة، حاولت أن ترقص لتبيّن له ان كل شيء على حاله.وجهه الجديد هو ذاك نفسه في عينيها،وما حاجتها الآن إلّا لسانه الجميل،لكنه خرج من الغرفة ليجلس وحيداً على درجات السلّم يدخن. حاولت معه أن تفعل أي شيء يرضيه، وكانت ردة فعله قاسية عليها،لم تكن تدرك بعد الأسباب ((لا أريد مفارقته لأنه أصيب، انا أحبه.ولأني أعرف أنني زوجة رجل عسكري..إذن فالإصابة كانت أهون من الموت،أردت الحفاظ عليه)) ظلت تبكي لا تدري ما به لتبقى وحيدة تعيش مع جسدها وهواجسها بعد ان كانت ترى نفسها محظوظة..ذاقت طعم الحياة وسط خيبتها في الإنجاب، وكان الصمت قد بدأ ينسج خيوطه(( بقيت صابرة عشر سنوات وهو بعيد عني))لم تعد الكلمات تنفع، إكتشفت أن روحه معطلة وان جسده تحول إلى خشبة.
نزلت دمعتها وانزوت تداري إحمرار عينيها متخذة من الصمت طريقاً لقناعة موهومة،لعلّ الصبر يمنحها حلاً في آخر المطاف.
-14-

ديكة المدينة آوت إلى أقنانها مع الدجاجات ومازلت أعد برنامجاً حافلاً فوق سطح الفندق..برنامجاً غير منسقٍ.أجفاني ما فتئت تحدثني عن لسعة البرد. أهالي المدينة عادوا أدراجهم، أو أنهم في طريقهم إلى البيوت إلّا أن حركة الناس ضائعة بين حشود البرد،وأناشيد الذكرى، تصدح في الرؤوس،الذكرى العاشرة.. الجيوش عات إلى أوكارها وما عدنا إلى الهدوء وبقيت الإذاعات تنزف الأخبار .هجوم أمريكي متوقع على العراق،والناس لا يريدون التفكير أو الحديث وأن كان هناك حوار سرعان ما يُقطع بأعذارٍ أو حججٍ أو أسبابٍ.الحرب حرب والمصالح تتكلم. لقد إضطرمت أشواقنا بحثاً عن ورود جملة مفيدة عدنا للطواف حول الحرب من جديد ولم تكن اللامبالاة تنفع لإخفاء عذابات التفكير.القلق هو ذات القلق الذي كنا نشعر به قبل عشر سنوات،هل تقع الحرب؟هل يقصفون؟لم يعد ممكناً أن نمضي دون إكتراث لأن المسألة أبعد من أن يكون هناك قصف حتى لو إستمر أشهر!كيف لي يا محسين أن أكتب هذا ،الحل الوحيد هو أن أنتظر ثم أكتب.ما يغلي في الرؤوس ليس بالمستطاع الإمساك به لأنه مجرد فقاعات لا تصلح للكتابة،المسالة هذه المرة كما قلت أبعد من ذلك،أبعد من القصف..فكرة الهذيان صائبة.
أحاول أن أسرع، أحمل مشاعري بين كفي،مشاعر مفككة، خجل وخوف وإضطراب،وسلاحي الوحيد هو الصبر.بينما الكتابة التي اعتقدت أنني في يوم ما سأصبح من ورائها مشهوراً ،لم تعد تكفيني لحاجياتي الأساسية.المولدة ما زالت تعمل بهديرها،فأحس أن الفندق يهتزر بل أن الفضاء الذي يحتويني يهتز هو الآخر،الأرض تهتز.كم مرة اهتزت الأرض ولم تستطع الشظايا أن تنال مني؟ أضحك..صورة الأمريكية وهي تخرج مؤخرتها بلا حياء للرجل، صورة عالقة في الذهن،لا بد ان اكتب قصة عن مؤخرة الأمريكية..ما الذي يتبقى من العقل..كان أبي يقول لي..غطّي نفسك جيداً حتى لا تحلم أحلاماً مزعجة،لا تترك مؤخرتك عرضة للبرد. اللعنة عليك يا محسن لم أعد أتذكر متى شغّلت المولدة.دعني أختلس النظر إلى الساعة لأعد أربع ساعات.هل أكملت دورته؟لم يحب بعد الوقت ،لا يهم دعني أغلق باب السقيفة البرد يزداد شراسة.هنا من أجل بضعة آلاف من الدنانير شهرياً لا تكفي لشراء ما يعوزني،ما حاجتي من الملابس الجديدة.القوت غير مناسب لشرائها،أنا بحاجة لشراء روايات جديدة، روايات مستنسخة يبيعها مكتب استنساخ في العاصمة صاحبه شاعر وتأتيه روايات مترجمة من دور نشر عالمية.يزيل عن أوراقها صمغ المطابع ويقوم باستنساخها،ثم يقوم بكبس وإلصاق الأوراق وتغليفها بغلافٍ ملون ليكون بمتناول الأدباء.آخر صيحات الحصار وابتكارات العصر الجديد.نصنع من اللاشيء أشياء.ما هو الحل؟ سؤال أنتظر جوابه.حلول أنتظرها، نهاية الحكاية مع سلوى..الأوراق الناقصة..نهاية الأخبار المتسارعة..
هذا ليس وقت الحديث بهكذا أمور فما زال أمامي الكثير لمعرفة النهاية فوق سطح الفندق، أنتظر..إذن لنعد إلى أوراقنا..ولكنني أسألك:أليس هذا الجديد مفخرة من مفاخر الحصار وقد جاءني هدية لأكون مقيداً تماماً في المكان؟
سمعت وقع أقدام تقترب من السقيفة..جاءني الصوت:
_أخرج من السقيفة فصوت المولدة يصمّ الآذان
كان صوت مهند وتبعه ناهض:
– دعنا ندخل فهذه الأصوات ليست غريبة علينا..الجو هنا بارد.
كيف صعدا إلى سطح الفندق؟من سمح لهما بالدخول أصلاً؟هذا الفندق للزائرين الأجانب.إذن سأتركك وحدك،نؤجل قراءاتنا.وضعت القلم على المنضدة الصغيرة.
– إدخلا ..البرد لا يرحم.
أطلا برأسيهما.كان ذلك ضروريا لهما ليعلنا عن اشتياقهما لرؤيتي مع ابتسامة كبيرة,الحقيقةأنني لم أكن أستغرب في رؤيتهما لي وأنا في هذا الوضع..إذ أن بناء السقيفة لا يمنع من تسرب البرد إلى أضلاعي.
– كيف صعدتما؟.
قال ناهض:
– وهل هذه مشكلة؟.
قال مهند:
– جئنا نطمئن عليك ونرى عالمك الجديد.لا بد أنك تستغله للقراءة والكتابة.
قاطعته سريعاً:
– بل أستغله في الهذيان.
همس ناهض في أذني:
– لدي شيء لك، سأقوله في النهاية.
لم أنشغل بما لديه ولم يدر بخلدي ما يخبرني به.فكل ما لديه لا تتجاوز قراءته الأدبية واكتشافاته الجديدة في النقد الجديد.
راحا يقلبّان الأوراق.قاما بعملية تفتيش سريعة..جلسا على السرير..وأخرج مهند قصيدة جديدة له.بين يوم وآخر له قصيدة،أعترف أنه يكتب في بعض الأحيان قصائد جيدة فثمة صور في قصائده القصيرة، تحيلنا إلى استنتاجات موجهة إلى تأويل عميق..يحاول أن يتلاعب بالمفردة لإستخراج تضادات تشاكس القارئ.قرأ لنا قصيدته،كان وجهه مبتسماً وقد إتّكأ على الجدار ماداً ساقيه على فراشي،بينما كنا أنا وناهض على طرفي السرير،نستمع ..أحست أن ثمة وجعاً يرسل إشاراته نحوي رغم أن القصيدة كانت عن الحب ولأول مرة يكتب مهند قصيدة مغايرة.كانت حركاته طائرة وصوته المسرحي ليصل بموسيقى المفردة إلى إطرابنا، واضطرني الملعون إلى التذكير بسلوى وأستشعر آلام زوجها وهو يخرج مع غروب الشمس ويعود قبل طلوعها..لا يراه إلّا العاملون والمهندسون الصاعدون معه في سيارة الشركة.؟يختفي عن عيون الناس..تهز أحشاءه تلك المرارة القاتلة في وجهه..أسترجع تلك الغراميات الليلية على فراشه..فتثبت في أحشائي مرارة فاقعة..أحالتني إلى إنسان يبحث عن سبيل للتفكير عن خطاياه.
لم أكن أسمعهما بأي حوار مشغولان.كنت مشغولاً بسلوى،لم أرها منذ أن أعلمتها بقراري أنني لن آتي لزيارتها مشغولا بأسئلة عنها.أما زالت تنتظر خطواتي؟ أما زال الباب موارباً بحاجة إلى أصابعي؟كيف حالها الآن.. هل أخذت كلماتي على محمل الجد؟كانت الإجابة هي صوت ناهض الذي انفجر بوجه مهند..أن الشاعر رجلٌ انفعالي عليه أن يعيش الحالة أو يراها لينفعل
– هل تكتب إلى إمرأةٍ مجهولة؟.
– الخيال هو القاسم المشترك..ربما تكون إمرأتي قابعة في الذاكرة..
ضحك ناهض واستقام واقفاً.. وراح يشرح طبيعة الشعر.. ثم أخذ مهنداً من يده واتجها صوب سياج الفندق الحديدي
– أنظر إلى هؤلاء..في كل واحد منهم تكمن قصيدة أو قصة وحتى رواية
كنت أمسك بسطوع بتعابير زوج سلوى، صار يطاردني..كأنه يلعنني..متمنياً لو كنت أنا من أصيب بالحرب..وحتى تحوّل إلى إنسان فارغ..تخيلته ينزل من الصورة المعلقة في السقيفة ..الرجل العجوز الصامت.وقال لي:
– أرجوك إحترم غيابي..إحترم وجودي..إنها المرأة التي تقاسمني وجع الوجود.
لماذا لا تساعدني يا محسن..لأتدبر أمري..أن كل شيء يناديني الآن..وأنا بين نقيضين..وما أريده بعيد المنال حتى هذه الحظة..إبعد عني رغبة الذهاب..كنت تقول لي.. ها هي العاشرة قد أزفت..وأقفلت الشوارع..مرة بكت..لأنني قلت لها بطريقة المزاح، أنني سأبتعد عنها..كنت شاهداً على ما فعلتْه بنفسها..وقالت إن ابتعدت سأنتحر..أو سأصاب بسكتة قلبية..لأن النار ستبدأ بالغليان من جديد ولا أريد أن أتحول إلى إمرأةٍ عاهرةٍ..وراحت ترجوني من جديد أن لا أعتبرها كذلك،ها هما الإثنان يعودان إلى السقيفة وأنفجر مهند أمامي..أن ناهضاً لا يفهم ما يعانيه الشاعر..قال ان الناقد لا يعرف الأحاسيس ..يعرف ما هو مدوّن أمامه
قلت:
– على مهلك .. على مهلكما خذا كل واحد منكما سيكارته كواجب الضيافة وبعدها إرحلا عني..هذا يومي الأول ولا أريده الأخير قد يتصور صاحب الفندق أن سقيفته تحولت الى قاعة لإتحاد الأدباء
خرج اولا مهند وتبعه ناهض الذي سرعان ما عاد خطوتين الى الوراء وهمس في اذني:
– سألت عنك اليوم سلوى..إلتقيتها صدفة عصر اليوم ولهذا انا جئت لزيارتك
شعرت بنارٍ تسري في أوصالي.
– وماذا قلت لها؟
– قلت …إنني لا أعرف أين انت الآن..هل أذهب بدلاً منك؟
قل يا محسين ما الذي أفعله لو جاءت إلى هنا..كيف سيكون التفكير عندئذٍ؟


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"