تابعنا على فيسبوك وتويتر

-11-

صار الهذيان سمة بارزة في هذا المكان لا أستطيع رفضه،به تواصل ذاكرتي هيجانها..كان الجزع يواصل نقصانه وتزال رويداً غشاوة الإكتئاب؟؟هكذا شعرت فجأة،إذ فكرت، أن حضور التفكير وهو يدور في أروقة رأسي،له فضيلة السلطة، لقد شرحت ذلك..واكتفيت بأن الساعات التي انقضت تجاوزت خط النسيان،وحملت تأثيراتها إلى هذا المكان..حتى لكأنني أصنع أشياء جديدة، ليس بالضرورة أن تحدث الأشياء لنتخيلها، بل من الممكن صناعتها، أن تستقر فكرة ما تعجبنا وهي تتربع في منطقتها تحت الجبهة فوق العينين.. لنلمّ تفاصيلها،عندها سنجدها تصرخ بواقعيتها، لقد شوّشت الحرب إستقامة الأشياء.. لكن المعيب ألّا نستفيد من الوضع الجديد،أن نستغل هذا التشويش لنصنع منه استقامة ترسمها كتاباتنا. كان أبي يقول :أن لك ميولاً خيالية،من أين تأتي بالقصص،إذ كنت وبدلاً من أن يحكي لي قصة من قصصه الغرائبية التي نتجمع حولها شتاءً أسرد له قصة..لا أدري كيف تأتي إلى رأسي..كنت أشعر أنني أنافسه في الحكايات..وقد حفظت بدفتر صغير..أدون فيه شكل الحكاية التي سأقوم بسردها ظهراً إلى أبي..وكان فرحاً، أرى الفرح في عينيه..أنه ملهمي..وكانت أوراق الدفتر الصغير متشابكة الحروف..صاعدة نازلة ؟..وكنت أسأله..هل فهمت؟ كان يقبلني ويقول ((واصل قراءتك يا ولدي)).
هذه فرصة لإذابة الألم..هل من الممكن أن ننساق لتخيلاتننا بعيداً عن الألم؟ كنا نحلم بالسفر وهذا الحلم أحوله إلى حكاية لظهيرة..أرسم المدن في الدفتر الصغير..أقول لك لنتخيل أننا نسير في شوارع باريس أو القاهرة، بيروت أو جنيف، روما أو تونس..ننظر إلى البنايات..نتخيل على لسان شخص آخر يكون لسان حالنا..أننا وسط الشوارع والنساء، الأفلام السينمائية تساعدنا على حفظ الأسماء..نتسكع كسياح وقد ملأنا جيوبنا دولارات يسيل لها لعاب الشقراويات.. تسمع أحاديث الأصدقاء، أصدقاء أبي وبعض أقاربنا عن حارات إسطنبول وشوارع رومانيا وعمارات موسكو وسواحل فرنسا.. وجزر العراة في اليونان وشواطئ سيدني..كان أبي صافناُ..يظل صافناً ربما لم يسمع من قبل هذه الأسماء.. أو أنه لم يتخيل أن ولده يعرف هذه المدن الكثيرة..كأننا نتسلق سلالم برج إيفل, مع فتاة تحب السحنة السمراء، سحنتنا مخلوطة بالملح وقد أحرقتها شمس الظهيرات،نرسم خطوات جديدة ونصنع من تلك الحكايات الكاذبة مغامرات.كنت أقول لأبي:كان رجل قد سافر لأقطع الغائب وأوصله برأسي، وأواصل الحديث..كم أتعبتنا جبال لبنان وأدهشتنا تماثيل أجدادنا المسروقة في متحف اللوفر،كم ركضنا في شوارع أمستردام وتزحلقنا على ثلوج كندا..وكدنا نغرق في مياه الدانوب..كل شيء مع النساء، الفتيات العاريات في المخيلة,,مع لمسة من صراع غريب، أجعل أبي يصغي بانتباه شديد..لكنه..كان يفهم أنني ألفّق هذه الحكايات وكان يرى ذلك التعرّق الواضح في جبهتي، وحركاتي التي كانت تبحث عن جملٍ أجمّل فيها حكايتي..قال لي بعد سنوات((يا ولدي..لا تقترب من النساء..فأن كيدهن بلاء))..أمن الصعب الآن أن نستقر على فكرة ونحدث فيها أنفسنا ونجمّل فيها هذياناتنا؟ قلت لي لا يمكن أن نصدق أكذوبة أنت تريدها، ولكن تأكد، أن ما نقوله الآن له صلة بالحقيقة..لا شيء في رأسك خارج سياق الواقع..لأنه مخزون، وإلّا ستصيبك الكآبة حالما تستيقظ من حالتك التي تصورتها علاجا للأفكار.
لقد عدت سريعاً إلى سلوى..سلوى يا عزيزي، تنتظر خطواتي بشوق.. دخلت بعد منتصف الليل، متأخراً ساعتين ونصفاً، كان الباب موارباً وضوء الفانوس يختبئ في عتمة الغرفة..تاركاً خيطاً رفيعاً على طول الباب، يتسرب منه، كانت غاضبة..حين دخلت ، هزّت كتفيها وأعطتني ظهرها دون أن تتكلم..دخلت الغرفة لتقف أمام المدفأة النفطية..عرفت أنني بحاجة إلى عذر..الآن وسريعاً، وعلى سريرها الدافئ سأروي لها بطريقة غزل..أنني أحبها..قلت لها كنت مشغولاً مع أحد الأصدقاء.لم تكن تصغي كانت خائفة..عين على الساعة وعين على الباب المفتوح..أرى الخوف على وجهها وطريقة ارتدائها الملابس..ثم طريقة جلوسها أمام المدفأة كأنها تحرق الساعتين والنصف من وقت الإنتظار..رحت أداعب رقبتها، ثم كتفيها..قلت لها،كانت لنا أمسية ثقافية..أديب معروف من بغداد، وكان علينا واجب الضيافة..لم تقتنع بعد..قلت لها أخذنا الوقت بنقاشات ما بعد الأمسية وكان من الصعب عليّ الإستئذان..كنت مشغولاً بكِ..لكن الضيف كان صديقي..وإذ وجدتها صامتة، قبلتها..فلم تتحرك..لم تكن هي التي أراها..ولم أعِ كم نضج حبها وغضبها خلال وقت الإنتظار ..دغدغتها معتذراً..فبدت حركاتها تنم عن دلع واضح..وأخذت أزداد مداعبة لجسدها..فحذرتني من مغبة التأخير مرة أخرى.
– شعرت أن الدنيا ضيقة.. وفكرت أن مكروهاً حدث لك.
– ما دمت معك لن يحصل المكروه.
– كل شيء في هذا الزمن محتمل الوقوع.
– وهل هناك مكروه أكبر من الحرب.
وعرفت أن كل شبر من مساحة الحب الجديد..إنما حصلت عليه كضريبة لهذا الزمن..فأرادت أن تريني حبها.فتصنعت حركات غنجة، سرعان ما انهار عصيانها..وتدلت سلالها..خلعت سترتها، فبدت لي وهي على تلك الحال من القسمات أكثر جمالاً.. كانت ضفيرتها تضرب أسفل ظهرها كذيل مهرةٍ جميلة.إذ لم يسبق أن رأيتها بضفيرتها..كانت تمضي وقت الإنتظار بأي شيء، حتى لو كان بشبك شعرها الطويل..شممت رائحة النوم في ثيابها..الغرفة دافئة,,وجسدي كان بارداً فالشتاء في الخارج في أوجه.
كنت أتطلع إلى عينيها الناعستين، وشفتيها الطريتين مثل قطعتي كبد خروف.. رفعت نظرها نحوي، لم أكن أفاجئها بصمتي..فقد تعودت على فترات مشابهة..لكن الذي فاجأها سيطرتي على المطاولة في كشف ملامحها، بهرتني فتحة شفتيها وهي تبتسم..لم تكن قد تكلمت بعد..كان ضوء الفانوس قد أباح لي هذا الإختلاس أو تصورته كذلك..لكنها كانت تراقبني.. تريدني أن أفتح الباب،باب الليل دون أن أفزعه..وكنت لم أزل جائعاً وكمن غزاه الإنتشاه..فكّت مشابك ضفيرتها..فتماوج ضوء الفانوس على صبغ شعرها الأصفر..مددت يدي إلى خدها فانساب الخدر سريعاً، أسراب من دود وهمي..يمتد من أصابعي حتى قحفة رأسي، هلمّ أيها النسيان..أغربي أيتها التعاسة واضمحل أيها الخجل لا وقت لحساب الفضيلة ..ألف مرة قلت أن التواجد في حضن إمرأة يعادل التواجد في ساحة الحرب..كان نابليون خاطئا تماماً..قال مهند: حين استبدل كلمة المرأة بقاعة الامتحان..كلاهما المرأة والحرب صناعة وفوز وحظ ونجاة..ضحكت وقلت لناهض: ما رأيك ..قال: تعاستي والحرب توأمان..ليس لي الحظ الذي تفوه به الشاعر..فأستغلها مهند لمناكدته: هذا لأنك ليس شاعراً.. لا تشعر بطعم الكلمة ،فقط تنظر إليها بمنظار من ينتقدها.
قلت لها:
– سلوى لابد من الغياب ليكون الإشتياق حاراً.
– إذا تأخرت مرة أخرى..فهذا يعني أنك لا تحبني كما أحبك..أنت من تشعرني أنني ليس قطعة أثاث أكلها الغبار.
– أنت مخطئة يا سلوة قلبي.
أردت ممازحتها فغنيت لها أغنية أم كلثوم وهي تدعو الشمس أن تعود بعد سنة..وأن يطول الليل..كان صوتي رديئاً، لكنني وجدتها تصغي..كان سلوكاً طبيعياً ما أراه..كأنني حبيبها الوحيد..تتحرك على سجيتها، كأنها طفلة صغيرة تتمتع بجاذبية سهلة..دون أن تنتبه لزوجها ، وقد حولته كردة فعل شرسة إلى قطعة اثاث لا أحد ينظر إليها.. كانت بحاجة إلى كلمات..بينما كانت حيلتي لم تتدرب بعد..إذا أخذتني من ذراعي..فإن كل أحجار الكواكب البعيدة تتساقط، فلا تحدث دوياً إلّا في داخلي,,ويبدأ سريان العطش، يتخبط بين مسامات جلدي..أريد أن أركض مستكشفاً النضج المتأخر لقوتي وتفاهة المصائر..حتى لكأنني أحببت العالم بين ذراعيها.. بل أحببت وجودي في الدنيا،أذهلتني السهولة التي أجدها فيها وهي تشق طريق الفراش كمن تنام في حضرة زوجها..ربما لم تفعل مع زوجها ما تفعله معي..وأنا أنوي الركض..ليس الركض بساقين، بل لأحتوي الزمن، أوقف الوقت ليستطيل..فقد تحولت كل تلك الحكايات الملفقة إلى حقيقة.
سحبتني..مدت أصابع كفها الدافئة..لتأخذ مني السيكارة وتسحقها في المنفضة..دائماً تبدأ هي..كأني تائه في قلقي..طارت أعشاش الدود..,خرجت إلى دفء أصابعها..تدحرجت أمامي..اسمع همسات الروح..تيقنت من استجابتي..وحسبت أنني قد تظاهرت بالزعل..أعارتني جسدها..وقالت لي، تمتّعْ..هزّني بيديك ليتساقط مطر الرغبة المكبوت..أسمع دواخلها..أعصر ثمر السنين واستخرج عسل الأيام على مهلك.؟.أنه كثير ما دام الدم يسري في عروق شبابها..يتلوى، منطلقاً من حبسه في جسدِ غض..أسمع فحيحها..خذ ما تشاء، ورتّق جيدك المنهك وقرّب إليك تغضنات البرق وأزل شظية القلب بعيداً..إبعد عنك وساوس خاوية.. في المقابل..لم أزل مرتبكاً..وخائفاً أن ينتهي كل شيء ويموت كما الأحلام..لأن لا اطمئنان.
لا تصفن في وجهي يا محسن..ما أقوله هو الصدق..كنت غارقا..في دخان سيكارتي..كنا ندخن بعد انتهاء كل تمرين..مختلسين النظر في استراحات قصيرة بعيداً عن عيني نائب الضابط، قرب السياج..كان يصيح((لا تدخنوا..حتى لا تصير صدوركم مل بالونات صغيرة..التدريب يحتاج الى صدور عامرة)) رياضة..وهل يمكن للصدور المنساقة أن تكون مرتاحة بلا تدخين؟كنا ندخن..نضع جمرة السيكارة بين الكفين في ليل الحرب..افضل شيء صنعه الغرب هو التبغ..في زحمة الحرب تتذكر، أنك دخنت لتوّك فتصول..والدخان يصول في الجسد.. عندما نتأمل تكون السيكارة بين يديك..وأنت تكتب فأن رائحة الدخان تجذب الأفكار إلى الورق..لا يهم،متى يسقط صدرك؟ المهم أن تفوز بلحظتك.
كنت أدخن وعيني على سلوى..وردة تفتحت لتوها..وداخلي تتراقص عل أنغامه الأحزان..فتتلفع بعباءة الفرح..لأني نجحت أخيراً أن أعيد للوردة نضارتها..هذه ليست ازدواجية، لأن ما يهمني ليس الناس.. بل يهمني أنا..أسقطت عليها ضوء الشمس وبللتها بالماء فاستفاضت إخضراراً وتقوست أوراقها لتستقبل النور..لمَ لمْ يستطع زوجها أن يعيد طراوة الأوراق؟..إنه يرتكب جريمته بدم بارد..ليس للأمر علاقة بعمله..فوجهه بكل شناعته قد تعود على منظره..وإلّا كيف كان يقضي معها سنوات الزواج الأولى؟ قلت لك ذلك..وأضفت..أن خطأ زوجها يزيدني تعلقاً بها..أتساءل الآن..عندما يأتي الفجر..ألا يفكر بها لينام ويتوسد عينه الباقية..ألا يرى هذه العذوبة الطافحة؟ أم أن الرغبة قد ماتت.. حين اخترقت الشظية وجهه؟
أشعر يا محسن أن صراخها حاد..وصوتها مذبوح، يبعث رعشة رهيبة مثل احتاج لا يملك وسيلة أخرى..لأن هبة الله أن نكون كما هي الآن..إمرأة بين ذراعي رجل يعرف حاجة وردته من ضوء وماء وهواء..ولكن.,.لماذا لم تجبني على سؤالي..أريدها أن تقص ليّ أصابته.
سقطت عينان على صورته..رأيت ابتسامته باهتة..ولم أنتبه إلى كلماتها..ويا ليتني لم ألح عليها وأطلب منها الاستماع إلى قصته..وتمنيت، لو لم افكر بالكتابة عنها..كنت لحظتها مشغولاً بابتسامته العريضة ..تخيلته يقوم الآن بتنظيف أرضية المعمل من ذرات الإسمنت..طوال الليل،يجمع ما يتساقط من الإسمنت بين المكنسة والمجرفة ليضعه في الدلو..كان هناك خيط رفيع آخذ بالإمتداد بين عيني وعينه..ربما كان خيط خصومه..أرادت سلوى أن تبعدني عنه..وضعت نصف برتقالة في فمي..أطلقت نكتة لم أضحك وظلت البرتقالة بين أسناني..مرت لحظات ثقيلة..أحاول فيها توبيخه لأنه سمح بإهماله أن يترك وردته بلا غذاء..تساءل..هل السبب الحرب..أم الحصار..أن بسببه هو.
تخيل يا محسن أن هناك شيئاً ما شدني لانتزاع العاطفة وارتداء ثوب العقل..شعرت بامتعاض، سمعت صوتكَ..صوتك الذي يأتيني دوماً ويشاركني لحظاتي..أن أنتبه..إنتبه رجاءً..كان يفتح فمه ليزجرني..مرسلاً من عينيه المفتوحتين تحذيرات متصلة..كأنها تنزل من علو..أعلى من الصورة وسقف الغرفة…مما جعلني أهابه..لأول مرة أشعر بوجوده، كأنه كان يراقبنا..وسينتهز الفرصة للإقتناص..لابد أن تأتي هذه اللحظة وتعلن الفضيحة..كان يدس كومة الإسمنت المتساقط في الدلو..سمعت أعماقي ربما إلتقيته هناك..في الصحراء..ربما كان منقذي من الهلاك..يوم طاردتنا الطائرات..كنا نركض..والحرب خلفنا..ربما هو الذي أركبني في سيارة الإيفا..متحدياً الموت ليقلني آخر عشر كيلومترات إلى البصرة..ويعفيني من المسير؟ لم أكن أقوى على تحريك ساقي..صارت البندقية أثقل من جبلٍ على كتفي، لا أستطيع رميها لأن هذا الجبل عاصمي من قبل ليلة.
قلت لسلوى:
– أيحبكِ زوجك؟

-12-

في حوض من الرمال يمتد من البصر إلى البصر كانت عشرة أقدام تسحق الطريق باتجاهٍ رسموه في مخيلتهم، متتبّعين آثار الأقدام التي سبقتهم..كانوا خمسة جنود جمعتهم الصحاري في ليلٍ لم يعد كما الليل..في غفلة قذرة من غفلات الحرب التي لا تعرف ولا تعترف بقيمة الإنسان .كانوا يلهثون فوق الرمال..بحر الرمال الذي لا يخلّف زبداً.. وقد حطت قلوبهم في قناني المجهول الذي لا يريدونه ينتظرهم . كانت الأرض هشّة والهواء مشبعاً بالملح والبارود , كأنه يحيطهم بتأجج مسعور وكانت الرؤية تعتمد على ما تمنحه النجوم التي تركها الله لهم لتكون عوناً , يستدلون بلمعانها المغافل لقطع الغيوم , طريق الهرب .. إلى أين المصير ؟ المصير الذي لم يعد يلوح لهم بأعلام الأمان على إيقاع طبول حرب غير متكافئه تزخر بأبواقٍ تنعق بفتحات البراميل المشتعله كأنها تزأر ..هل من مزيد، تحرض الرجم على الإنفلاق الى مديات أوسع ..لتأكل اخضرار الأرض..وترشف ما تبقى من رحيق ,لإعلاء كلمة القوة ..كان الليل في ذلك الحين يخفي حَرَد الجريمة .. الشيء الوحيد الذي زاد من رعبهم خارج نطاق الليل الذي تعوده جيدا..هو أنهم يعبرون جثث أنهكتها الشظايا..فلم يسمحوا لأقدامهم بالتوقف , خشيةً ملاقات المصير وهتك اجسادهم.
كانوا يركضون , يعتصمون بقوة مخبوءة في أجسادهم .. وقد كمّموا افواههم عن الكلمات .. يزاحمون في متاهةً الامنيات الذي زادتهم تخبطاً والمسافات التي تفصل بي البقاء الخوف والرعب والوصول ألى الأمان . ما زالت في عالم الغيب .. لا يعرفون الآن كم تبعد البصره .. لكن همهم كان تحويل أجسادهم الى قطارات يجتازون بها هذه الليلة.
لم تكن تعرف يا محسن مقدار الهلع وأنا أدون هذه الكلمات وهو يجتاحني .. في هذه اللحظة , تتكور الذكرىات في لفافة كبيرة..حدث هذا في يوم هلكت فيه كل حلقات الاحتياطات التي تمني فيها نفسك في ان تصور بدقه ما حدث..إن من الصعب نقل الصوره إلى كلمات.. كنا نشعر بتوتر .. ليس التوتر الذي يجتاحنا الآن وأنا أحاول أن أعطي دفقاَ دلاليا للمفردة ..بل هو التوتر الذي لا وصف له.. عيوننا وحدها تخترق تجاويف الليل . لنتمسك بقوة غيبية أمدها الإيمان بالوصول، لا شيء أمامنا غير الأفق المجهول..كأننا وحدنا..تلك الجموع المتفرقة..الأفراد الراكضون..العربات المزمجرة..الصيحات المتتالية . كلها غابت لم نعد نرى أحداً أو نسمع صوتاَ .. وحدنا في دائرة قطرها الظلام ومركزها النجوم وسقفها الغيوم وجدرانها البرد . ضللنا الطريق ولا ضل لنا إلا الانفاس المتسارعة كل شي يرتسم في المخيلة .. مجرد رسم لكنه يتحول الى شبح مخيف .. لحظات , نرى فيها وجوهنا بوضوح على ضوء الانفجارات الذي يشبه البرق. ثمة معركة هناك تدور رحاها بضراوة.. فتأتينا قنبلة هنا , وقنبلة هناك..نضغط على أسناننا , حتى لا يتحول الرعب إلى غول فتخرج القلوب من أقفاصها , مختنقة من سرعة تدفق الدماء في العروق..ما عدنا نحتمل الألم أو..أن الألمَ كان خفيفاَ أمام ثقل المجهول.. فكلما ركضنا خطوات،إنحنينا وانبطحنا حين كنا نسمع صوت الإنفجار .. كنا نعرف انها بعيده لكننا بلا شعور , كانت ردة فعلنا لتلافي الخطر ..مما أثار سخطنا ضد أنفسنا التي أدركناها فتية ,لم ينضج توردها بعد .كل ما حولنا يوضح بعداً غير أمين في صورتها الباهتة..في خضم المواقف الصعبة , تتعلم اشياء..أو تستطيع أن تحصن نفسكَ بشيء من الإصرار , حتى لو كان مرتبكاً . قلنا..لم تحن ساعاتنا بعد.. ولن نتلقى طعنة الموت هنا..كان جوابنا سريعا وتلقائيا..قلت لهم (( ليكن ضوء الانفجارات دليلنا )) كل شيء خلف ظهورنا..ونهرول ..وإن اقترب القصف, نتوقف للحظات.. ربما كانت الأقمار الصناعية تترصدنا..ثم نركض..نركض,وأفواهنا مفتوحة باسم الله .. والصحراء لا تريد أن تنتهي..كانت الكلمات الوحيدة الجاهزة هي أسماء الله،وحدها التي تتردد في الصدور ويعلم بها الخالق , وتسمعها آذاننا.. لم نصدق أن أحداً منا قادر على الصمت ,أمام آفة الحمى المسجورة التي عاثت بالأرض ..كأننا بانتظار صياح الديك , لتعلن أن الفجر آت. ولأن الايل الشتائي طويل..تساءلت (( هل نحن في الطريق الصحيح ؟ هل نصل قبل أن تمزقنا الشضايا ؟ (( الأجوبة صعبة ,لا يمكن لها الخروج من بين أسناننا , تبقى لهاتنا تتقلب على جمر الخوف ونار المجهول..وحيث طلبنا من الله الطريق , وأن يمنع اقترابهم منا..ثم ليمتنا بين أهلينا. قبل ان يتعاظم إحساسنا باليأس.. صاح أحدنا ..وقد مدّد جسده على الرمال
– لم يعد في داخلي قوة لأواصل.
كان يئن .. كأن الإعصار مر به وأنهت عواصفه قدرته على الركض..أو حتى المسير.شعرت بعطش. وأن شفتي يابستان..وصار الهواء يبتعد عن ملامسة شفتينا المتباعدتين .
قلت له :
– هل تريد ان تموت هنا ؟
أبتلع كميةً من الآهات :
– ارجوكم دعونا نسترح قليلا .. خمس دقائق.
جاءه آخر وصاح غاضباً :
– خمس دقائق تكفي لأن يبقروا بطوننا .. أما تر هذه الجثث ؟ إنها كفيلة بمنح بقايا جسدك قوّة.
-إذن دعوني واكملوا طريقكم .
مسكته من ذراعه لأنهضه:
– لن نتركك ..توكل .. استدع كل الانبياء الصالحين .
أنهضته..كان يجرجر قدميه..وصور الجنود المصفودين تصطفق برؤوسنا
– قل يا علي يا ابا الحسن.. سيأتيك المدد فهم شفعاؤنا.
نظر لي مشدوه العينين , كأنه يسبر غوري ..
– قل يا علي..واترك الباقي على الله .. لن يتركك طعماَ للموت.
-إتكئ على ذراعي إن الله يرانا.
رأيته ينظر إلى عمق الليل ويصرّ على أسنانه ليجذب حروف الدعاء إلى رأسه..وينهض ..ثم أخرج طيف ابتسامة من ثغره وتقدم . ثمة قوة دبت في كفه الممسكة كتفي .. وظننت إنه محا تماماً من جسده العجز وعادت قوته من حيث لم يكن يتوقع ..متحولاً إلى جندي آخر..هبّت عليهِ نسائم أول الفجر الدافئ والمنعش.. رحت أكلمه عن وجهٍ يحبه..ينتظر أن يطرق الباب عليه..لم أنتبه إلى الثلاثة الآخرين ..قد تتصور إنني نسيتهم أثناء الكتابة ..كما قلت لك..لا يمكن الاحاطة بكل شيئ لأنه ليس أمامي لوحه..مجرد حروف علي صياغتها..والحرب ,لا تستطيع ان تتخيل الأشياء..بل عليك أن تستذكر الواقع..لتخرج إلى القارئ بفكره تدهشه..أنت الآن عليك ان تصدق..إننا كنا صادقين مع الله في تلك الليلة..وأننا رأيناه بشكل آخر ..كان قريبا منا . أو لنقل اننا كنا قريبين منه إلى حد التصور إنه يحفظنا ..لأن الانفجارات كانت تتوالى , بل أخذت تلاحقنا تحاصر خطواتنا..كأنهم عرفوا ،أن خمسة جنود ما زالوا أحياء في كنف الليل.سرنا ،ميمّمين وجوهنا صوب أضوية ذهبية مؤتلقة في القلوب.
حسنٌ سأطلق عليهم أرقاما..فربما تكون أفضل من الذكر أسمائهم ..فهذا لا يعني القارئ بشيء .
صاح الثاني :
– سأنحر ذبحيه عند ضريح العباس .
قال الثالث :
– سأطلي باب عبد القادر الكيلاني لثلاثة أيام بالحناء .
أراد رابعا أن يتكلم خرجت حروفه لاهثة..ثم رسمه صليباً على صدره..قلُت له:
– سيكون عيسى وأمهِ مريم حاضرين معنا.
وقف قبالتي..انبلج ضوء ساطع ابرز وجهينا..كان وجهي حائراً كأن الفكرة ..فكرة الدعاء لديه,أبعد من أن تكون حصانة وسط هذا الهلاك..بلع ريقه .
– يا مريم العذراء .. سأهب نفسي للكنيسة .. وأوزع اقداح ( الشربت) لعشره قداسات.
وركضنا..ظهورنا المحنية ، تبحث عن فراغ..فوجدت نفسي كما لو أنني اجتزت هوّةً عريضة..فجأة هدأت الإنفجارات..ساد صمت رهيب.. أقمنا مع أنفسنا حفلة إلتقاط الأنفاس، وعلّقنا على وجوهنا أكاليل الإصرار لأن نواصل المسير..كانت الريح قد توقف نشاطها..ودب الدفء في ليل الإنسحاب الذي جعلنا نتمنى ألّا يكون هناك انسحاب يقدم لنا الموت على طبق بلا نار.
قلت لهم:
– لا تيأسوا من رحمة الله..فنحن أقرب له.
واصلنا التقدم و(بساطيلنا) امتلأت بحبات الرمال..من له القدرة على نزع بسطاله الثقيل، ليخرج حبات الرمل؟.ابحرنا صوب المدن..لم نكن قد مررتا بهذا الموقف ..مقاتلون لا يقاتلون..قالوا ان الحرب انتهت..فماذا يفعل الجندي غير أن يترك الأرض الحرام ويتشبث بقدميه ليصل إلى أرضٍ لا تقبل الحرب على ثراها؟
أعرف يا محسن إنك سمعت بعد ذلك بقصص رهيبة سأبعثها ذات يوم من واحة المخيلة إلى الورق، في النهار الأول الذي لم نكن نعلم أن قرار وقف إطلاق النار قد صدر.ربما كان عدم الدراية هدية من الله،لأننا كنا مكثنا في مواضعنا المحفورة على يمين خط النار.كان النهار الأول ذاك قد تحول إلى مجزرة،لا أريد أن أكتب ما سمعته لأنه لا يجعلني أصل إلى رسم الواقع بدقة،..المهم لم يزل الليل على حاله،كم من المساقات قطعنا وفي أي الإتجاهات صرنا،لا نعرف، رحنا ننصت لطنين الصحراء، لصوتٍ هامسٍ يتعالى صهيلاً سادراً في الأعماق.خيول مترعة من الأمان..تحمل على ظهورها أواني استبرق وفضة وصولجانات وسيوفاً عربية.أرى عن بعد، حدائق ونافورات ونخيلاً وعصافيرَ ووجوهاً متعبة،مدناً وسيارات وبنات عائدات من المدارس،أطفالاً يلعبون الكرة فأشاركهم بصنع الهدف،مياهاً هادئةً لنهرين عظيمين يصبان قريباً من خطواتنا،وجه أبي الطافح بالانتظار لأن يرى وجهي ويقبل جبهتي،حاضناً ما تبقى من جسدي بين ذراعيه،أراه الآن واقفاً أمام الباب،يسأل،هل عاد الجنود؟ لقد أعلنوا عن وقف القتال،فأين ولدي؟ وضع أبي يده على قلبه..واستغفر ربه..سمعته يهمس ،أن أبني يزحف الموت خلفه..أنظر إلى الخلف..ثمة حرائق بعيدة..لا أرى إلّا ضوءاً أحمر مائلاً إلى السواد في الأفق البعيد..قلت لأبي:إنتظرني في البيت..أنتظر عودتي..أدخل غرفتك وأوصد بابك وأغلق النوافذ،فثمة غازات تحيطك.أرجوك، ضع منديلاً على وجهك،لكن أبي ظلّ واقفاً،حتى اختنق بالصبر والغازات،حين أفقت من هذياني..إنتابني شعور غريب،أنني سأصل حياً، هذه رؤية لا تخطئ التفسير. قلت لهم:
– أريد أن أدخن.!!
طوّقوني بقمصلاتهم،فتأرجح عود الثقاب على وجهي المخنوق..ثم أوقدوا سكائرهم من جمر سيكارتي.رحنا نعب! الدخان والسكائر بين أكفنا،يخرج الفلتر من بين السبابة والإبهام، للدخان دور في ترتيب الأعصاب، والإحساس بعدم الحاجة إلى الطعامِ.أردت أن أسألهم، إن كانوا خائفين,ربما لم أمن أريد أن أظهر أنني الخائف الوحيد وعليه كان من الصعب الّا أفكر بالخوف، مهما كانت تلك الكلمات التي أتشدّق بها مع نفسي..فالحرب ليست شجاعة بل هي الخوف أيضا.
فجأة سمعنا صوتاً أجْفلنا، وكانت ردة فعلنا الأولى أننا أطفأنا سكائرنا في الرمل..قلت:
– جهزوا بنادقكم ولننتشر على مساحة نصف دائرة.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"