تابعنا على فيسبوك وتويتر

في عام 1938م ، صدرَتْ رواية بعنوان : ( في الحبِّ والزواج ) ، لمؤلفها زكي حسن ، المكنى بأبي أنيس ، وأنيس هذا هو ولده البكر على ما يبدو ، وبلغ من اعتزازه بأبوَّته له أنْ يقدِّمه على اسمه ، وكذا درج الدارسونَ والمعنيونَ بالبيلوغرافيا أثناء تناولهم الرِّواية ـ تعليلا ً وشرحا ً  أو تنويها ً وتعريفا ً ـ أنْ ينصُّوا على هذا التقليد ويلتزموا به ، بعد أنْ عُدَّت تلك القصة أو الرواية من نوادر الآثار والنفائس المفقودة على ما انطوت عليه من سذاجة في تناول موضوعها المتداول من لدن كـُتـَّاب تلك الفترة ، فقد ظلتْ تشير إلى سمات طور من أطوار التأليف القصصي .

       ولا بُدَّ أنَّ أنيسا ً كان صغيرا ً ناشئا ً في تلك الآونة ، لكن ما أنْ حلَّ عام 1957م ، وجازَتْ البشرية قبله طوال عشرينَ عاما ً ألوانا ً من الخطوب    والكوارث ، مرورا ً بالحرب العالمية الثانية وفجائعها وأهوالها ، حتى وجد نفسه شابا ً يافعا ً مكتملا ً ومؤهلا ً لأنْ يقتفي خطوات الأب وينهج نهجه في أنْ تكون له رسالة يتجاوز بها الشَّوط الذي أوفى عليه ، ويضطلع بآراب ووجائب غير التي ألفها السَّابقون ، ويبدو أنـَّه ألفى الثقافة العربية بحاجةٍ إلى الترجمة والنقل عن اللغات الأخرى والاتصال بالتيارات والاتجاهات الفكرية المعهودة لدى الأمم الغربية أكثر من حاجتها إلى التأليف .

       وكان العصر عصر منير البعلبكي وعكوفه على نقل روائع القصص العالمي والمدوَّنات التاريخية المعنية بالإسلام وحضارته ومعها السلاسل الـفكرية المستقصية في ما خامر عقول جهابذة الفكر من نوازع واهتمامات ، وقد خرجوا من الحرب الأخيرة مثقلينَ بأوزارها وأوصابها ، فلم لا ينبري لمراس هذا الفن ـ فن الترجمة ـ وهو الطالب المتميِّز والمتفوق على أقرانه ولداته بدار المعلمينَ العالية وقتذاك ، وكان صدور كتاب ( اللا منتمي ) لكولن ولسن الشاب الإنكليزي الوافر الإطلاع والمنفتح على ثقافة العصر بشكل يسترعي الأنظار ، نقول عُدّتْ هذه السَّابقة في التأليف والترجمة حدثا ً ثقافيا ً بارزا ً في حياة المؤلف نفسه والمترجم العربي    أيضا ً .

       أما بالنسبة للمؤلف الأصلي فقد صار معروفا ً ومتفايض الشهرة لدى القرَّاء العرب ، وقد تداولوا كتبه بعد ترجمتها إلى لغتنا بأقلام نخبة من خيرة المترجمينَ ، لا سـيَّما من الفلسطينيينَ الذين أنسِوا بتعاطف كولن ولسن وقضيتهم العادلة ، وكأن أنيس زكي حسن هو الذي دلـَّهم على هذا الكاتب فأزمعوا على إنباهه وإشهاره ، وكذا نفدَتِ الطبعة الأولى من كتاب ( اللا منتمي ) بسرعة مذهلة فلم تجد دار العلم للملايين مناصا ًمن إعادة طبعه ثانية وثالثة ، وكان مشجعا ً له على المضي في الترجمة لنظائر وأشباه في المنطلقات والتوجهات للمؤلف نفسه وللآخرين من متنوري الأمم والجماعات في غاياتهم وإستشرافاتهم ، وكذا ظهرَتْ مؤلفات شتى أبينها : ( المعقول واللامعقول ) ، ( وسقوط الحضارة ) ، ( التحريفية في الأدب ) ، ( وأسطورة سيزيف ) ، ( السقطة ) ؛ والأخيران من آثار البيركامي ، وهما بالفرنسية وقد نقلهما إلى البيان العربي السلس عن نص بالإنكليزية ، كلُّ هذا والمترجم قد شغل وظيفة بوكالة الأنباء العراقية فور تخرجه في كليته ، وقد بلغ درجة من التمكن والحذاقة بحيث أنـَّه شرَع بتأليف رواية مدارها على اغتراب الإنسان في هذا العالم الصاخب ، متأثرا ً بقراءته في الآداب الأجنبية وقد كتبها على الآلة الكاتبة كما حكى عنه عشراؤه والمقرَّبون منه في عمله بالوكالة ، وهذا عمل عسير وصعب خاصة إذا رام الكاتب لكتابته قدرا ً من العفوية والترسل ، فأعجب لهذه القدرة الفائقة أنْ يغني هذا المؤلف عن التفكير في صوغ تعابيره وحبكها ونسجها بأتمِّ ما يـقتضي للعمل الرِّوائي من الإشراق والبداعة وقوَّة التصوير وكان له ما أراد ، لقد كان العنوان الأصلي لكتاب ( اللا منتمي ) هو ( الغريب ) ، وآثر المترجم هذا اللفظ ، وكتب له الانتشار والتداول ، وضمَّ فصولا ًضافية في تحليل آثار نخبة من مفكري الغرب وفلاسفتهم وروائييهم ، دلل فيها على إطلاع واسع واستيعاب غزير وانطلاق في التفسير والتحليل ، وقد توزَّع المثقفونَ والمستنيرونَ في ديارنا مذاهب شتى في التعرُّف على حقيقة هذا ( اللا منتمي ) ، واستجلاء طويته ، إلى أنْ عثرتُ بتعريف مُبْتسَر عنه في كتابة رفيق خوري حول جبران خليل جبران في مجلة ( العلوم ) البيروتية في أمس البعيد ، فقد اكتنه الفارق المباعد بين جبران في ثقافته ورهافة حسِّه ونفسه المطبوعة على حبِّ الفن والإخلاص له ، وبين البيئة الجامدة أو الوسـط المتخلف الذي عاش فيه وبلا مرارته ، فلا هو قادرٌ على أنْ يتكيَّف والمألوف السائد ويجاري الناس في أهوائهم وملابساتهم ، ولا هم بوسعهم احترام مشاعره والرقي إلى مستواه من النضج العقلي وسمو الملكات ، فكانتْ الهوَّة الفاغرة بين الطرفين ِ ، وهذا أصدق وأبين تعريف لـ ( اللا منتمي ) في حسبان رفيق خوري .

       لكن أكان أنيس زكي حسن لا منتميا ً وفق هذا التفسير والشرح ، أم انـَّه اهتدى إلى هذا الضرب من الأدب والفكر بمحض المصادفة فعلق به ؟ ، لقد كابد في حياته كثيرا ً من اللغب دون أنْ يشتكي ويئنَّ ويتوجَّع ، وإلا ما اخترمه الموت في سني نضجه وإبداعه وتألقه ، مسجلا ً هزيمة الذكاء والنبوغ أمام الجهل والغباء .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

3 تعليقات لـ “مهدي شاكر العبيدي: شيء عن “أنيس زكي حسن””

  1. مؤيد داود البصام يقول :

    والله ما عهدتك يا استاذنا الا الرجل المنصف المبدع القدير، الذي يعطي لمن ضاع حقه حقه، لقد قرأت ما كتبته عن انيس زكي وكل كتاباتك الرائعة التي اتابعها عن كثب، وانك والله لمنصف لان تظهر مكانة هذا المبدع الذي ضاع بين لجج الجهل وقتامة التخلف، لقد عرفت انيس بقلقه ودأبه ، وزارني في يوم ما شاب في تسعينيات القرن الماضي في مكتبي مع خطيبته وحملى معهما صور وكتابات عنه، ولا اذكر أكان الشاب ابنه او الفتاة، ووعدتهما أن اكتب عنه، واخذت قسم من المعلومات لاجل معجم أدباء العراق الذي ما زال في الدرج لعدم استطاعتي من نشره لحجمه، ولكن أسفي اني لم أكتب عن انيس كما وعدت، فشكرا لك ايها الرائع  أن اوفيت ما لم نوفي به.

  2. بوركت يا عممهدي على لمحاتك وبورك جهدك دوماوما أضيفه أن الصديق أنيس مازال يعمل في باريس وقد كان زميلا ليأثناء الدراسة في دار المعلمين العالية التيتخرجنا فيهاعام1960 وقدسبقنا أنيس بعام ومن (دغعته) الاصدقاء صلاح نيازي وجليل كمال الدين وحميد الهيتي وسائر الافداد من اللامعين أبد الدهر العراقي حشرنا وأياهم محشر صدق يوم الخير وأنت معنا بأدنه

  3. ابنة شقيقة انيس زكي حسن يقول :

    السلام عليكم
    الاستاذ المرحوم انيس زكي حسن قد انتقل الى رحمة الله سنة 1982
    في بغداد
    رحمك الله يا خالي

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"