تابعنا على فيسبوك وتويتر

ali lafta saeid-4-

إنتبه يا محسن،كن يقظاً فأنا مغمض العينين .تعب، بل مرهق وهذا العمل الجديد لم أستوعبه بعد،بك أرى الأشياء، تنبهني كي نرى معاً ما نريده لتخزين الذاكرة أو الإستعانةِ بما نراه لما نكتبه أو نريد إكمال كتابته، أنظر من فوق إلى تحت..قد تجد في حركة تلك الرؤوس ما يعنيك..الرؤوس الباحثة عن مبتغاها، أو التائهة عن رؤيتها أو الماضية بثبات الصبر.لها أفكار مختلطة بين المعقول واللامعقول..الشيء الوحيد الباقي لي من تلك المغامرة التي جنحت بي إلى حساب الضمير أنني أدركت في لحظة إنني كنت ضعيفاً وما بقي لي هو التفكير,أن أستنتج بطريقة ما حلاً يناسب حالتي،ليس لاستنتاجي علاقة بالرياضيات، أو علم الفلك أو آلام السياسة..بل بما تؤول إليه سلوى أخيرا لأنني أريد نهاية توائم واقعية ما كتبناه..وها نحن نتساءل:لماذا تتحرك الرؤوس؟عمّاذا تبحث؟ولماذا لا تركن إلى السكون؟هل كانوا كذلك من قبل،آباؤهم،أجدادهم؟ هل تعطيني حركة الرؤوس علاقة برأس سلوى أو رأسي؟ لنحسب مربعات الأمتار، بطريقة جديدة..أن نأخذ عينة في هذا المستطيل الذي أمامي..ثمة مستطيلات ، متوازية ومتلاصقة..لكن هذا الذي يسمّونه بطن الشارع الذي يلتقي مع الشوارع الثلاثة الأخرى، المؤدية إلى أسواق مكتظة،تقول لي..لا شيء..كلّ يركض أو يمشي على همومه أو أشغاله ومكاسبه..لتشرح لي رؤيتك..لم يكن هناك متسع لأن نفترس العمق دون تدخل التأنيب،لأن ما نراه لا يقبل أن نقتنع به أو تستقبله العين بقليل من الراحة..عبث..كل شيء يقود إلى العبث، صخب الرأس..أو أخرس مصاب بالصخب..أتمنى لو أدخل العقول..لأعرف كيف يخططون..أو يفكرون..هل يهتمون بالأحداث أو يريدون نسيانها ليواصلوا الحياة..في السياسة نتعلم أن الأحداث التي تسير معك، إسْبقها واستفد من دروسها..فشلها ونجاحها..بؤسها وفائدتها.لا توجد أحداث بلا فائدة..على مقولة الحكمة المشهورة ربّ ضارة نافعة..ما دام العقل الباطن لا يمنح لوحده رؤية واضحة..من أجل أن أكتسب مهارة الخيال..عليّ أن أقرأ الكتب. فالإزدواجية يا محسن،صارت سمة العصر ومثلما الهذيان صار علامة الوحدة،بل علامة الحياة..أرى الجميع يهذون، يسيرون فرادى ويهذون، حركة الشفاه ودوران الرؤوس واختلاف الخطوات إنتشال لرائحة الأنانية،إزدواجية مقيتة في عصر صار الكلام فيه أرخص من الكذب. إختلط الكيمياوي بالقنابل والقصف..إختلط الحابل بالنابل أي حابل يا محسن؟
كلْ الخبز مع الماء، وانتشل جثتك من الموت بكثير من الصبر،الذي يقول لك هذالم يرَ الحرب بأمّ عينه، لكنه يدعي انه مناضل عتيد،يتلاعب بالكلمات، كمن يفتح حصناً عندما تنام البنادق في المشاجب، وفي الحقيقة أنا وأنت وأمثالي من كنا نخرج البنادق من مشاجبها لنحارب, لا شيء أفضل من أن تحارب وذاك العتيد كان يحمل مناماته ويفرك عينه على إستعادة الصباح بين أحضان زوجته،داعياً ربه ألّا يدعوا مواليده،أو متسائلاً:ألم تتوقف الحرب؟أنا وأنت كنا نفرش أرواحنا كجناحين على الرمال،نركض..أركض أروم الوصول إلى أقرب نقطة دالة،نعطش ونجوع ونأكل الطعام المغمس بالحصى والماء الذي يسبح فيه الذباب والدود الفارسي .نتنفس البارود والدخان حتى غدت صدورنا مخرومة لولا عناية الله، جعل في أمعائنا مرشحان تمنع مرور الشوائب إلى الكلى والذباب إلى المعدة والدود إلى الأمعاء.وكنا نركض،أحملك وتحملني،أرواحنا تتقافز مع أقدامنا،هنا وهناكن كأنا نرتدي أثواباً بلاستيكية ،لم يكن صراخنا ما ينزفه القلم أثناء الكتابة..بل هو الصراخ الذي يحثك على الركض.أركضْ.. أركضْ أقول لك، وتقول لي و( البسطال)أثقل من سرفات دبابة..والطائرات خلفنا..فوقنا الصواريخ تبحث عن أشكالنا، تعبر المياه واليابسة من أجل عيوننا لتريحنا من تعب الحياة، ينزلون كتعويض القدر من الطائرات،تعرف أننا حقيقيون، رغم أننا،أنا وأنت،لم نمارس الكذب على الورود؟ كنت أحس بها قبل أن تراني أثناء عودتنا في إجازاتنا الدورية..أرفع بصري ,أراها في كل الأطراف..فترفع بصرها لتهديني رائحة زكية..كنا أمامهم..نركض..قلت لي: إن وصلت إلى خط النهاية قبل أن تصاب يعني أنك انتصرت، أن تحافظ على رمقٍ حتى لو كان نحيلاً يعني الإنتصار.لم أكن وقتها أعرف قصدك..وكنت تصرخُ في رأسي..لا تدعهم يقتلونك..أقتلهم بنجاتك.. وأركضْ والمدينة بانتظار أن تسمع موسيقى أقدامك.. والرمال ..لولا الشتاء لكان الموت في رحابها..الله جعل الحرب في الشتاء ليقينا لهيب القصف.صحراء الموت ..تلك حرب نذلة .كل شيء من أجل أن نموت.. وقف الحرب خدعة..دوائر الجمر ما زالت تحيطنا..آه يا محسن..اضطرام محا زرقة النهار الآذاري ليندس في الرمال الجنوبية، كم مرة أردنا أن نكتب هذه الفلسفة..بصيغة السرد فخفت على فردوسك من مقص أحدهم..بحجة أنك لا تفهم اللعبة..إسأله..هل تفهم لعبة الحرب؟فكيف لكتاباتي أن تسير على خطوط متوازية؟
قلت لناهض وكان مهند معنا..إننا إذ نكتب علينا أن نجعل القارئ قريبا منا ليفهم أن تهشيم الحرب لا يوازي تهشيم النص ولكن عليه أن يعرف..زعل ناهض وضحك مهند..فانتهزتها فرصة لأوبخ ناهضا على فعلته التي أقدم عليها.
ورحت أكيل إليه الشتائم والنعوت، عندما نزلت من رصيف النقاش..استدرت إليه وكان كأنه جسد عظمي..لكن عينيه ظلتا شرهتين بانتظار أن أقول شئياً له..وحين بدأ لساني بتأنيبه، هرب وترك لمهند أن يطلق العنان لضحكاته وهو لم يفهم شيئاً بعد..مثلما كنت لا أفهم شيئاً بعد..حين كنا نركض..أركض..أريد تخليص روحي من سلاسل الموت وليذهب الجميع إلى جهنم..نقول..كما قلنا..علينا بأنفسنا أولاً..تلتفتُ إلى الخلف، ترى جنوداً بوجوهٍ حمر وقبعات أنيقة وملابس ملائمة لقيافة جميلة..عكس بيرياتنا الكبيرة وملابسنا الرثة ووجوهنا الصفر التي أتعبتها البطون الجائعة..كانوا خلفنا..نتصورهم جاءوا من كل خطوط الطول والعرض..ينزلون من مروحياتهم ليمارسوا لعبة الطعن في البطون أو الصدور أو النحر..لا فرق..المهم أن يموت الجنوب..قد لا يعلم العالم بما حدث..لكن الذي سيكون ولو عدة سنوات أن قنبلة هيروشيما انفجرت ببطء شديد في رمال الجنوب وسيكتب العالم عنها..تصور ، أن الجنوب سيكون بعد دهرٍ من السياسية..مكانا لزيارات الوفود من أجل حساب أماكن الموت..فهل يموت الجنوب يا محسن؟
أنت تركض معي..كنت تائهاً، وأنا أستغيث بك أن تعينني ،هل نضحك الآن؟ المهم ألا تقف،تقول لي:كنت ومجموعة من الجنود، التحفنا الرمال، لا تتوقف يا محسن..كنت أصرخ بك..إلحق طريقك للوصول، عليك أن تدرك النهار..إركضْ، لا تتوقف..إنزعْ ملابسك..خفف من أحمالك..إرمِ الخوذة وانزع البسطال وإذا أردت، أنزع القمصلة العسكرية..قلت لك،لا، فهي دفئي القادم..قلت احتفظ بالبندقية وبمخزن رصاص واحد ورمانة يدوية.. فربما صادفوك في الطريق..إنتبه للنهار واجعل الشمس قبالتك واركض..سيارات الإيفا والواز..كانت هدفا مرصوداً..أركضْ كانوا يا محسن قتلة..تراهم يمسكون بوجوه تشبه وجهك..يحفرون لحودهم أمام أعينهم..قيدوهم بالأنطقة واليشاميغ ..أركضْ..لا تنظر إلى الخلف ..أركض فقط.
لا توجد حرب بلا موت.أركض الشفلات تهيل التراب فوق الأحياء..وسنقرأ بعد سنوات اكتشاف مقابر جماعية لعراقيين في الصحراء..أتخيل المشهد.سينقلب السحر على الساحر وستكون هذه المشاهد مرعبة لما سيحصل بعد حين ستكون هناك عناوين كبيرة ستهز العالم..أسألك الآن يا محسن عندما كان الموت حاصل ضرب الرصاص مع تشنجات الوجوه المعزولة،من كان أهون عليك..أن تدفن حياً أم تموت بالرصاص؟أضحك أضحك وبعدها أبكِ..على ذلك المشهد الذي هزّكَ ورحت تركض بقوة مع مجموعة من الجنود.لم يصبر أحد الذين قيدوهم أن يرى ( شفلات) الدبابات تهيل عليه الرمال..فصرخ بهم (إنكم أنذال يا أولاد القحبة) ضحكوا على صراخه فبصق بوجوههم فاردوه قتلاً وربما هو الوحيد الذي دفن مع عشرات الرصاصات التي خرمت جسده. أتفارقك هذه الصورة؟ إبكِ إذن،ليس عيباً أن يبكي الرجال بعد الحروب.
ظننت في البيت أنني لن أقوم مرة أخرى، ليس باستطاعتي أن أقف على قدمي لنصف دقيقة..بل سأنهار قبل أن يرتد طرفي لثلاث مرات..حيث نزعت البسطال أول مرة بعد صراعٍ مع الألم.لم أكن أعرف إن كنت فرحاً بوصولي أم تعيساً لما أشعر به من الألم.ثلاثة أيامٍ وليلتين ونحن نركض حتى وصلنا البصرة..لم نمت بالقصف او بالقبور الجماعية ،في البصرة أمضيت يوما كاملا حتى حصلت على سيارة أقلتني إلى مدينتي..إنزويت مع الأغنام..رائحتها وبعرورها الأسود أطيب من رائحة البارود صوفها يقيني من برد الريح العاتية التي تضرب حديد بدن السيارة الخلفي تلتفت حولي، فأضع رأسي بين رأسي خروفين سمينين متمنياً أن تطلع شمس النهار لأرى القباب الذهبية تستقبلني بنشوة عارمة..أول شيء فعلته ذهبت إلى الزيارة،هناك عند الضريح بكيت لأُسْمع الإمام الصالح صوت نحيبي..وألثم شباكه بكثير من الحب ،كنت أشعر بدفءٍ عجيب تغلغل في جسد..وشعرت أنني ولدت من جديد.
في البيت..نزعت جوربي..كأني أخلع روحي..قروح وعرق وطين وملح..تحولت الأشياء إلى صمغ إيبوكسي، وحين لامس هواء نبضات القروح..سقطتُ متأوهاً..وعينا أبي الحمراوان تزيداني صبراً..كان فرحاً..أشبعني قبلات تعادل كل سنوات عمري..أتذكر أن قبلاته تشبه يوم كنت صغيراً ووحيده ..مثلما هو وحيدي..تركتني أمي وذهبت إلى ربها راضية بعذاب مرضها قبل ثلاثين عاما..لم أكن أنتبه لأبي..لم أنتبه إلى الوجود..كان انتباهي مشدوداً إلى حبل الوجع..لكنه كان يكابد ألماً في معدته..وأسفل بطنه..بدأ لتوه،عرفنا في ما بعد أسبابه التي أدت به إلى الموت..كان يريدني أن أنهض لأستقبل المهنّئين بسلامة الوصول..ألم أقل لك..أن الوصول حيا يعني الإنتصار بينما الدروب التي أمامي لا تفضي إلا إلى سراديب مظلمة من الوجع الذي لا يراه غيري..هل أصدق أنني قطعت كل تلك المسافات الصحراوية على ساقي..أتحدث إلى الجالسين..فأرى العجب على حافات العيون وفتحات الحلوق..كنت مصراً على ان أوضح لهم حجم الألم وحجم مأساة الحرب..رأيت على وجوههم علامات الانزعاج لأنني لم أنهض لاستقبالهم همس أبي في أذني:
– تحامل على ألمك وأنهض لاستقبالهم..عيب أن تبقى جالسا..أنت جندي والجندي قوي.
أكان بمقدوري في تلك اللحظة أن أتجرأ وأقف ولم يمضِ على نزع جوربي سوى عشر دقائق؟قلت لهم..كانوا يطاردوننا في الصحراء ،من لم يصل يمت ومن لم يمت مات بالقصف.قلت لهم:في ليلة البصرة حدث قصف شديد،مات عشرات الجنود في الساحة الدائرية.وجرح المئات فهربنا نحن الأحياء نبحث عن نهار وسيارة.
فرشت لهم أخمصي..وعيني على وجه أبي.
– انظروا إلى جروحي وأعذروني.
أطلق بعضهم آهة وآخرون صفيراً وطلبوا مني عدم التحرك..رأيت أبي ينهض ليستقبل أحد القادمين،كانت ساقاي مفروشتين وسط الغرفة. نهض الجميع ليسلم عليه بطاعة خجولة وقبل أن يصافحني،نظر إلى ساقي وابتسم
– لا يهم أيها البطل..كل شيء يهون..المهم أنك عدت سالماً.
كأنها جمل مختبئة تنتظر فرصة للخروج في مكان عام لتنهض من سباتها النائم في العمق.وتعلن ميلادها أمام حشد الألم الذي يأكل قوتي..هل كان لحظتها على استعداد لسماع مثل هذه الكلمات؟ هل جرب كيف يركض وهو خائف؟كيف يقاتل وهو محاصر؟لو كان خلفه قطيع كلاب لما استمر لعشر خطوات.فكيف بي وأنا خلفي وأمامي عشرات القطعان والذئاب النذلة..هززت رأسي وعينان مثبتتان عل الفقاعات البيض التي طرزت باطن قدمي.. وأحالتهما إلى لون أبيض باهت.
جلس إلى جانبي..يدخن سيكارته..
– كيف وصلت..هناك واسطة نقل؟.
كيف أجيبه..عشرات بل قل آلاف من الجنود ركضوا وانبطحوا وزحفوا وقاتلوا ليصلوا إلى بيوتهم..يدققون في الشوارع متسائلين..هل وصلوا طريق الأمان؟هل غادروا أرض النفط وعبروا أنهار الدخان ليشموا رائحة العنبر ويتفيأوا بظلال النخيل؟ لا أدري يا محسن كيف أجيب هذا الرجل المتسائل فقط لكونه مسؤول في الدولة.
قلت للرجل:
– أنظر إلى باطن قدميّ..ولنبدأ بحساب المسافات..وما بين المسافات تصور كم من الموت جاء..كم مرة أريد مني انتزاع الروح ورميها تحت عجلة مسرعة أو تصيبها شظية أو طعنة حربة.
كانت عينا أبي تذرفان الدموع بين طيات يشماغه فتخيلت أمي..لأصرخ في حضنها.. أكنت بحاجة إلى صدرها لحظتئذ ؟أبعد هذا العمر الذي أمتد لأكثر من ثلاثين عاما أحتاج إلى أمي لأبكي؟ آه يا محسن كم شقينا في طفولتنا المعذبة. اللعنة يا محسن..إذهب إلى المولدة،فهذا يومي الأول وأنا وأنت ليس أمامنا سوى كلمات.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"