تابعنا على فيسبوك وتويتر

zeki aljaber 3إشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة . ومازالت الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد ترفد الملف بنصوص وصور مهمة للراحل الكبير فشكراً لها.

المقالة : 
قد لا نضيف جديداً إذا ما قلنا بأن ’’العولمة‘‘ ليست بالمفهوم الطارئ على الإنسانية وجداناً وفكراً وممارسة! إن إخضاع العالم برمته تحت غيمة واحدة تدر الخراج لم تداعب مخيلة هارون الرشيد فحسب بل كانت عند أباطرة الصين وهم يحملون الشمس شعاراً، الشمس واحدة والعَلَم واحد تحت أسرة صين واحدة. وكانت كذلك مع قياصرة الروم وهم يقهرون شعوب الأرض قبل أن يُغلَبوا في أقاصي الأرض، ولم تكن بغريبة عن مِخيال الأكاسرة الذين يتباهون بلقب ’’ملوك الملوك‘‘.
لقد ارتبطت ’’العولمة‘‘ وجوداً وتطلعاً بالطموحات الإمبراطورية على النحو الذي جسده أولئك الذين وصفوا امبراطورية الإنكليز بأنها الامبراطورية التي لن تغيب عنها الشمس! ولطالما تغذت الطموحات الامبراطورية وتطاولت بتطاول القوة العسكرية، ولطالما تلقى شباب الامبراطورية بصدورهم النِبالَ ورؤوسَ الرماح وسحقتهم العجلات الحربية واختلطت دماؤهم بالأوحال من أجل أباطرة يحلمون بالعولمة، أو إن شئت سَمِّها بالعالَمِيَّة.
وإلى عهد قريب كنا نشهد عولمة تقترب من هذا المعنى. ألم يكن هناك من معتنقي الشيوعية من يعتقد بتنوير العالم، وبأن ترفرف الراية الحمراء على كل أرجاء الأرض. إن العالم لم ينس بعد نغمة الأُمَمَيّة، كما لم ينس الخطاب الهتلري الذي ساق الآلاف للموت لكي يذعن العالم، كل العالم، للسوط النازي ولقوة ’’السوﭘرمان‘‘ الألماني.
إذن، ما الجديد؟
إن مُنَظِّري العولمة الجُدُد لا يوردون المصطلح مُعَلَّقاً وحده في فراغ، بل يقرنون به دائماً ’’السوق الحر‘‘، ويضيفون إليه كذلك ’’التدفق الحر للمعلومات‘‘ مع إغفالٍ لمصطلح ’’التوازن‘‘ الذي طالما حفلت به أدبيات اليونسكو في فترة الدعوة إلى نظام إعلامي عالمي جديد دعائمه التدفق الحر المتوازن للمعلومات. وهكذا أصبحت القوة العسكرية تتساكن خلف العولمة بوجود راسخ بحراً وبراً وجواً في وقت وضعت هذه العولمة على رأسها تَبِعَتَين: الاقتصاد والإعلام.
وإذا ما تحدثنا اقتصادياً فإن دعاة الفكر الاقتصادي الليبرالي وأنصار السوق الحر يرون أن العالم يسير في طريق واحد، ولا مناص لكل دول العالم من السير في هذا الطريق المحدد، طريق العولمة. إنها السَيْرورة التي ما زال يوالي فرضها بنجاح هذا النَسَق الكوكبي الذي تأخذ فيه الدول موقعها التَراتُبي بالنسبة لأهميتها في هذا النَسَق، وعليها التنافس لكي تتصاعد في السلم الدولي مرتبة أو مراتب.
وفي هذا النسق الكوكبي الاقتصادي يتعايش نسق كوكبي آخر، ذلك هو نسق الإعلام الذي لا ينبغي له، ولن يستطيع إذا أراد، أن يشكل عقبة اعتراضية في سيرورة العولمة ولأي سبب من الأسباب حتى لو كانت متصلة بالقيم الدينية أو القومية أو الوطنية. ولقد أدرك قديماً الأباطرة أهمية ’’الإعلام‘‘ وإن كانت الحيلة قد أعجزتهم بحكم تخلف الأدوات التقنية. لقد لُقِّب القيصر بباني الجسور لما للجسور من دور حربي تواصلي، كما أن خسارة نابليون لكبرى معاركه قد عُلِّلَت بفقدان التواصل بين قطعات جيشه.
وتأسيساً على كل ما تقدم يأخذ مصطلح العولمة معناه القائم بعيداً عن الضبابية متمثلاً في قوة ضاربة توظف أشد أنواع الأسلحة فتكاً وتدميراً لأغراض ﭘوليسية، وسوق تجارية حرة تجد فيها قوى الإنتاج العالمية الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسية مجالها الرحب، وإعلام لا يخضع لأي حارس من ’’حراس البوابة‘‘ (مصطلح كرت ليفن وأتباعه من علماء الاجتماع والتواصل).
وقد يبدو طبيعياً، بعد ذلك، أن تتضاءل في مجالات الصراع/الحوار الحضاري مكانة الدول الأضعف تراتبياً، كما تأخذ هويتها الثقافية بالهزال، إن لم نقل التلاشي، إزاء ثقافة شمولية توظف الأقمار الصناعية وصناعة الموسيقى الالكترونية والجينز وأضواء الديسكو. كما يبدو طبيعياً الانتقال التدريجي من نظام التبادل التجاري الدولي إلى نوع من هيمنة إنتاج يتصف بالغزارة والتنوع والجودة.
يضاف إلى ذلك أن التحكم في توجيه النشاط الاقتصادي والإعلامي والعسكري يأخذ بالانقلاب من أيدي الإدارات الوطنية إلى أيدي إدارات عالمية تمتلك قدرات ذاتية، اقتصادية وإعلامية وعسكرية، ونفوذاً فعالاً في المنظمات الدولية من سياسية واقتصادية وفكرية.
وإذا ما كان الادعاء بأن العولمة هي الإدارة التي يمكن أن تأخذ بالعالم، كل العالم، إلى درجات متقدمة من النماء والرفاهية، وأنها الأداة التي يمكن من خلال توظيفها تجنيب الإنسانية ويلات الحروب فإن هذا الادعاء، بالرغم من تزايد معتنقيه وأنصاره على الأصعدة الوطنية والعالمية، فيه مخاوف ينبغي الإشارة إليها، ليس من باب التحذير من العولمة بل من أجل فتح أبواب النقاش وتسليط الأضواء أمام الأرادات الوطنية لكي يكون في وسعها قيادة شعوبها إلى شواطئ مستقبل متميز بالطمأنينة والارتفاع النسبي في أنماط العيش. ولعل أهم ما يمكن تدوينه في حدود هذه المقالة يتمثل في:
1. التَخَوُّف من إيقاع الهزيمة بالذات من أجل الحفاظ على سلام يضمن مصالح القوى الكبرى. وإيقاع الهزيمة بالذات يعني شيوع أدبيات جَلْد الذات وتضاؤل الشعور بالهمّ القومي، بل الوصول إلى حد الاستهانة بالكرامة القومية وضياع الاعتزاز بالتراث الحضاري والتراب الوطني.
2. التخوف من إساءة استخدام القوة العسكرية. إن الأسلحة المتطورة الفتاكة لم تُصنَع لتوضع في المتاحف أو لتكون أدوات زينة. إنها أدوات تضعف أمامها قوى التسلح الوطني، كما أنها أدوات إرهاب وسيطرة يمكن أن تستخدم بموجب أية ذريعة من الذرائع ضد السيادة الوطنية.
3. التخوف من إساءة استخدام القانون الدولي والمنظمات الدولية، وتوظيفها من أجل مصالح القوى العالمية المهيمنة. ففي الوقت الذي تجد فيه القوى المسيطرة الذرائع القانونية لتوظيف قوة الپوليس من أجل توطيد النظام العالمي الجديد تجد الدول الأقل أهمية من حيث التَراتُب في هذا النَسَق الكوكبي نفسها غير قادرة على أن تجد في المحافل الدولية ما يسند أو يبرر حفاظها على استقلالية قرارها السياسي.
4. التخوف من ضعف قوة الدول النامية في مجمل عملية التوازن العسكري والاقتصادي والسياسي، وبذلك تصبح تابعة وهي التي بذلت ما بذلت من أجل أن تصل إلى مراحل متقدمة من الاستقلال الوطني.
5. التخوف من استمرارية انقسام العالم إلى ’’مركز‘‘ و ’’أطراف‘‘ وترسيخ ذلك الانقسام. ’’مركز‘‘ يتقدم باستمرار عسكرياً واقتصادياً وإعلامياً، وأطراف تستمر في معاناة التخلف العسكري والاقتصادي، والتخلف على صعيد العلم والابتكار، والتخلف في مجالات صناعة الخبر وضروب الإنتاج الإعلامي، وبتعبير آخر ترسيخ التبعية بمختلف أشكالها.

(1) نشرت في صحيفة البيان (الإمارات).
2-5-1997


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"