تابعنا على فيسبوك وتويتر

fuad kandil 5 (2)إشارة :
برغم صدور روايته الأخيرة “الفاتنة تستحق المخاطرة” في القاهرة قبل رحيله بوقت قصير ، فقد خصّ الروائي الكبير “فؤاد قنديل” موقع الناقد العراقي بنسخة وورد عبر البريد الإلكتروني اعتبرها هدية منه متمنيا علينا نشرها في الموقع. ووفاء له تقوم أسرة الموقع بنشرها في حلقات.

الحلقة الخامسة :

(5)

كنت يوم 17 يوليو 1831 ضمن المدعوين لحضور الغداء الذي أقيم على متن باخرة فرنسية اسمها «الأقصر» راسية في نيل بولاق، حضره إبراهيم باشا والكولونيل سيف.. كانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن هناك باخرة قادمة من فرنسا لنقل إحدى مسلتي معبد الأقصر بناء على توصية من العالم الأثري شامبليون، مكتشف اللغة الهيروغليفية، وفي هذا اليوم دعاني الكولونيل سيف لمرافقة البعثة الهندسية التي ستنقل المسلة كمترجم، حاولت التهرب، وكنت قد أوضحت له في مناسبة سابقة رغبتي العودة إلى باريس لأن عمي مريض، وكان هذا صحيحًا بسبب إدمانه الشديد للخمر، إلا أنه قال:
– لقد فات الأوان، فقد أبلغت الباشا الكبير بأني أرشح للبعثة مترجمًا إلى العربية والعكس. فقال: أعلم أن هناك مترجمًا فرنسيًّا قدم من باريس. قلت له: مهما كانت مهارته فلن يكون مثل «جوزيف» وهو مصري – فرنسي. رحّب الباشا بالفكرة، ويجب أن لا نرجع عنها مهما كانت الظروف.
نكّست رأسي ولم أجد كلمة أقولها لرجل أحبه ولا يصح أن أرفض له طلبًا.
أضاف جوزيف أنتيلمي سيف:
– لا تنس أنك بعد أن تبقى معهم عدة أشهر ستسافر إلى باريس في الباخرة ذاتها.
كنت أود أن أعود إلى باريس حيث ألتقي بجان جاك روسو في كتبه الرائعة.. «العقد الاجتماعي» و«إميل» و«هيلواز الجديدة» و«الاعترافات».. وغيرها، وحيث يوجد فولتير ومونتسكيو ولامرتين.
كانت الباخرة قد تم تنظيفها وتزينت ورست في عرض النهر الكبير.. مضت عشرات المراكب الصغيرة تنقل الضيوف وتشق الماء الرقراق بمجاديفها والمويجات من حولنا ترقص، بينما الأيدي تعبر عن سعادتها بالجو الجميل بإنزال أصابعها في الماء والاغتراف منه ثم نثره في الفضاء فتحمله النسمات، وسرعان ما يسقط منها كحبات اللؤلؤ الصغيرة.
على سطح الباخرة اصطف أكثر من مائة ضابط وبحار وجندي فرنسي في صفين طويلين أمام صفين من الأسِرّة المعلقة التي طويت بكل عناية وتخفي وراءها عشرة من المدافع الثقيلة.. كان كل شيء يبدو في موضعه مهندمًا ومتألقًا ومتأهبًا لاستقبال إبراهيم باشا الذي أطل في مشية عسكرية تزيد من مهابته، وسرعان ما أطلقت المدفعية ثلاث طلقات تحية للقائد المصري الذي طارت شهرته إلى شرق العالم وغربه.. لم يكن طويلاً بشكل لافت. هو تقريبًا في مثل طولي (175 سم)، لكنه عريض الصدر. مدكوك وقوي.. جذب العيون بشاربه الكث المبروم والمدبب من طرفيه كقوسين يحيطان بالفم.. كان إلى جواره الكولونيل سيف.
رفع بحارة الباخرة العلمين الفرنسي والمصري وعزفت الموسيقى، وقام الضباط والجنود بتقديم التحية العسكرية للقائد، بينما أسرع المدعوون بالوقوف والتصفيق، وتقدم منه المسيو دروفيتي، القنصل الفرنسي، والمسيو هنري القبطان، والمسيو ريشار كبير المهندسين، فرحبوا بهم ورافقوهم إلى المقاعد المخصصة في صدر المائدة الكبيرة العامرة بكل ما لذ وطاب وألقى «دروفيتي» كلمة.. أوضح فيها أن الملك لويس فيليب شخصيًّا كلفه أن يعلن باسمه ونيابة عنه سعادته بهذه المناسبة التي توطد العلاقة بين البلدين، والتعبير عن رغبته العميقة في توجيه التحية للباشا الوالي وشكره على كريم تعطفه بالموافقة على منح فرنسا قطعة ثمينة من التراث المصري العريق التي ستزين قلب باريس.kh fuad kandil 7
ألقى إبراهيم باشا كلمة قصيرة عن علاقة البلدين وتمنياته بالتوفيق.. ثم ألقى «دروفيتي» مجددا كلمة مختصرة وبها قدر من خفة الظل، ثم قطعها بأن أوضح أن من يستحق الكلام في الحقيقة هو المسيو ريشار، كبير المهندسين.. تكلم «ريشار» عن المشروع منذ كان فكرة، وها هي الفكرة توشك على التحقق، وتنفيذها يقتضي مراحل عدة.. توشك أن تنتهي مرحلته الأولى بوصولنا إلى الأقصر، والثانية، وهي الأصعب، وتتمثل في نقل المسلة من قاعدتها ومستقرها الذي قضت فيه واقفة في ثبات وثقة أكثر من ثلاثين قرنًا من الزمان، والثالثة عودة الباخرة حاملة تلك الكتلة الحجرية التي تزن نحو مائتى طن، والرابعة والأخيرة رفع المسلة في ميدان الكونكورد.. صفق الحضور لهذه الكلمة الموجزة المثيرة للخيال الباعثة على الأمل في مستقبل يحفل بالتعاون الجميل والمثمر بين البلدين.
وجه السفير الدعوة للجميع، وبخاصة الباشا، لتناول الطعام، ورفع كل طاقم الباخرة الفرنسيين كؤوس النبيذ تحية لمحمد علي والملك شارل والعلم الفرنسي وللحضارة المصرية المرموقة.
لست أدري ما السر في أني لم أرفع رأسي عن وجه إبراهيم باشا طوال الحفل.. كنت معجبًا بانضباطه وعسكريته الفطرية وتركيزه الشديد في مهامه وخططه. تشغلني في أحيان كثيرة طبيعة القواد العسكريين.. تحجر القلوب والانضباط والانشغال بالجغرافيا وعشق التدمير والجثث.. كلما كان القائد ذا بطش صار بطلاً عظيمًا يستحق الخلود على الأرض، وفي جهنم أيضًا.
لقيت إبراهيم باشا ثلاث مرات. لاحظت أنه لا يتكلم كثيرًا ولا يبتسم ولا يميل إلى الصداقات المتعددة ولا يحفل بالمتع؛ إلا حرصه على تجرع القليل من الخمر، وقد أكثر في هذا اليوم من ارتشافها، ولم يهتم كثيرًا بالطعام. أعلم أن كل تفكيره وشروده في المعارك والحروب والخطط العسكرية ومحاولة التفكير في أوامر والده التي لا يستطيع رفضها مهما كانت عجيبة.. يكاد يكون نسخة من الكولونيل سيف أو «سيف» نسخة منه.
خطف بصري زي جندي ألباني ظهر من دون مقدمات.. تقدم من إبراهيم باشا ومال عليه وهمس بكلمات. أشار له القائد بيده ليغادر. لحظات ثم هب واقفًا وانصرف دون بروتوكول معقد.. أعرف أن الاستعدادات لحملة الشام تجري على قدم وساق.
غادرت الباخرة بولاق في احتفالية نهرية مدهشة كأنها مناسبة زفاف عروس إلى أمير.. موكب يتكون من عشرات المراكب الصغيرة التي كانت تركض إلى جوارها وقد بسطت أشرعتها لكنها كانت تسبح ضد التيار، بينما كانت الجماهير تحيي الباخرة وطاقمها بالتهليل والتصفيق والتلويح.. أدهشني أني سمعت النسوة يزغردن وهن بالتأكيد لا يعرفن سر «الهيصة».. النساء يشتقن للفرح حتى لو لم تكن هناك مناسبة لذلك، فما علاقتهن بالباخرة المتجهة لانتزاع مسلة من عشها القديم؟!
بدأنا نتباعد تدريجيًّا عن بيوت القاهرة المتراصة بكثافة جهة اليسار حتى أهملتها عيوننا فطالعتنا من جهة اليمين أهرامات الجيزة وسقارة ودهشور ثم ميدوم لتظل تلك المعالم تحت أعيننا عدة ساعات، ثم نمر بأطفيح والواسطى وبني سويف.. الباخرة تشق طريقها بارتياح وانسيابية في نهر النيل الذي اتسع جدًّا وبلغ عدة مئات من الأمتار.. الأفق أمامنا مفتوح والنسمات تلاحقنا وتحاول جاهدة أن توفر لنا مناخا بديعًا تمنينا أن يدوم عطاؤه الذي تنشرح له الصدور، وقد تحققت أمانينا فعلاً فاستمر فاتنًا ثلاثة أيام إلى أن لاحظنا أن الوادي قد ضاق بسبب اتجاه المجرى نحو الجبال الشرقية ولم يعد طريقه مستقيمًا.
تتوقف الباخرة في المنيا لزيارة مقابر بني حسن التي أفاض كتاب «وصف مصر» في مدحها، ونكتشف أنها أفضل مما كتبه الفرنسيون عنها، وفي اليوم التالي تحاذي الباخرة «جبل أبو فضة»، وهو ممر مائي خطير يشتهر بوجود الكثير من الدوامات التي كادت تقضي على المراكب الصغيرة الموثوقة بالأم الكبيرة.. اندفعت الباخرة بشكل مفاجئ ومرعب تجاه سفح الجبل الذي يبدأ من ضفة النهر الشرقية فينكسر شراعان للباخرة على الرغم مما بذله القبطان والبحارة للسيطرة عليها، وقد تطلب ذلك استخدام الحبال والخطاطيف لمحاولة كبح اندفاعها المجنون للارتطام بالجبل، وقد صرخ الجميع وكتموا أنفاسهم من شدة الفزع وخشية سوء العواقب، لكن الله سلم.
طلبنا من القبطان بعد هذه المنحة الإلهية أن نأخذ راحة ونضمد الجراح التي سببتها للباخرة تلك الدوامات العنيفة التي انشق النهر عنها، ولا أظن ذلك دليل غضب. صعدت نظراتنا تمسح الجبال التي كانت تثقبها المقابر في مواضع كثيرة حيث يدفن الموتى وحيث يتخذها المطاريد مقرًا لهم وملاذًا من بطش السلطة، كما قال جندي مصري مرافق لنا كلفه معاونو إبراهيم باشا اصطحابنا مع مصري آخر وأربعة من الجنود الأتراك للحماية والإرشاد وتذليل العقبات.
إذا كان ما بالنهر من مياه أقل من نصفه فقد كان اعتماد الباخرة الأساسي على الرياح التي تدفعنا نحو الجنوب بعد أن تجمعها الأشرعة، لكن الرياح لم تحضر ومن ثم تأثرت حساباتنا التي أكدت أن بالإمكان بلوغ الأقصر خلال أسبوع، ولذلك اضطررنا للتوقف في دندرة بعد أن سارت الباخرة ببطء شديد لعدة كيلومترات تجاوزت خلالها عددًا من المنحنيات، فقد نصحنا أحد المصريين:
– لا داعي للتوقف.. يُفضل السير بروية حتى الوصول إلى دندرة ففيها ما يمكن أن تتسلون به.
صدق الرجل.. فقد شاهدنا بالقرب من الشاطئ معبد دندرة الرائع المدفون نصفه في الرمال.. معبد سليم الأعمدة والجدران والسقف، لولا السناج الأسود المطلي به السقف في مواضع كثيرة.. أما الرسوم فقد بدت فاتنة وطازجة بألوانها النابضة والناصعة كأن فنانوها انتهوا منها فقط منذ أيام.
لم تأتِ الرياح في اليوم التالي فقمنا برحلة صيد الأرانب وطيور الحجل التي نبهنا إليها المصري الثاني.. طوال رحلتنا في الصحراء والحقول جذبت أذني المواويل التي يرددها المصريون، حتى لو البطون جائعة والقلوب تكاد تنفطر حزنًا على عزيز أو على زرعة راحت.. بدأت المواويل منذ خرجنا من بولاق. كانت تصلنا من الضفتين تشتكي الزمن أو النصيب أو الحبيب أو الحظ والمكتوب.. عدنا نستمتع ونتأمل المعبد الذي تتجلى فيه الأبراج وجداول المواقيت وحركة الشمس والقمر.. عمل حضاري بديع أذهلنا جميعًا مما دفع أحد البحارة ليقول:
– يبدو أن هناك مخلوقات هبطت من السماء وبنت هذه الأعمدة ورسمت هذه الرسوم فلم تكن لدى البشر قبل آلاف السنين القدرة الهندسية والعلمية والفنية التي تمكنهم من أداء مثل هذا العمل وغيره مما كتب عنه علماء الآثار الذين حضروا مع الحملة.
كنت مع القبطان وعدد من الضباط عندما لاحظنا معًا بالقرب من الضفة الشرقية تمساحًا ضخمًا نصفه فوق الماء. بهرني لونه البترولي المختلط بالبني والأخضر الفاتح والأصفر.. أسرع القبطان بإطلاق النار عليه، ولما رآه الطبيب «روجيه» يتخبط بشراسة ويتقلب من تأثير الرصاصات في جسمه كلف المركب الكبير بسرعة التوجه إليه وسحبه بصحبة بعض البحارة الأشداء الذين حملوا معهم الحبال. عندما دنوا منه وجدوه قد ازداد عنفًا وأخذ يحاول مثل حيوان أعمى توجيه ضرباته وأنيابه ناحية ما يتصور أنه يهاجمه ولذلك احتاج بحاران إلى طعنه عدة طعنات بسناكي البنادق حتى هدأ نسبيًّا ثم ألقوا عقدة الحبل على خطمه وسحبوه وهو لا يزال يتخبط مثل سكير عربيد تلقى ضربة في فكه من خصم قديم مشحون بالحقد عليه.
احتاج رفع التمساح الجميل الضخم إلى رجال آخرين كي يرفعوه إلى الباخرة. قال بعضهم إنه يزن نصف طن على الأقل ما دام رفعه اقتضى مشاركة ثمانية رجال.. تمدد الكائن الذي حرصت على النظر إليه بعيدًا عن قوته وشراسته وأدهشتني النظافة الفائقة التي يتميز بها فمه وحلقه ومنطقة العمليات المعنية بالتقطيع والتمزيق والبلع.. لحم وردي اللون وأنياب بيضاء مسنونة وفك ضخم وذيل نشيط جدًّا ظل لساعات يتحرك بعد أن تفرغ رئيس الأطباء وأربعة من أكفأ مساعديه لسلخه وتجهيزه للحفظ، وقد تطلب هذا العمل الشاق يومين حتى يمكن الحفاظ عليه وتسليمه للهيئة البحرية في أول ميناء فرنسي ربما يكون طولون. ظل التمساح يطفو على سطح خيالي حتى بعد أن اختفى عن العيون. لقد عاش عمره دون أن يتعرض للأذى على أي نحو فنما وكبر وتوحش، ولعله ابتلع الكثير من البشر وهيمن على النهر الكبير وتحكم في كل ما فيه من كائنات، ولم يخطر بباله قط أن الضربة ستأتيه من غرباء قدموا من بلاد تبعد آلاف الكيلومترات ليلقى على أياديهم حتفه.
قبل أن نصل إلى الأقصر بنحو عشرين كيلومتر عند انحناءة النهر هجمت علينا رياح معاكسة قادمة من الجنوب، على غير العادة، ولم تكن بالباخرة خطاطيف فقد فقدت في كثير من المناسبات وتهرأت حبال وتمزقت الأشرعة وتهشمت المراكب الصغيرة وأصبحت الباخرة مجرد تل ضخم من الخشب يستقر كجزيرة في عرض النهر.. اضطررنا للانتظار عدة ساعات من الصباح إلى الظهيرة دون أن تتوقف الرياح المعاكسة، إلى أن دنا مني المصري الثاني واسمه «آدم».. قمحي اللون مفتول العضلات.. سألني:
– هل تقبلون أن أذهب لدعوة عدد من الرجال لجر الباخرة بالحبال؟
قلت له:
– شكرًا. فكرة طيبة
سألت القبطان عن فكرة المصري.. فقال:
– لا مانع.
قلت لـ«آدم»:
– وافق القبطان.
أسرع يركض ناحية سور الباخرة ثم قفز في الماء. شملتنا الدهشة.. تابعناه وهو يسبح بنعومة وسرعة غريبتين حتى بلغ الشاطئ ثم اختفى بين الأشجار.
بعد ساعتين عاد ومعه نحو مائة رجل كلهم حفاة ومهترئو الملابس.. صدورهم مفتوحة وضلوعهم يمكن عدها وشفاههم بيضاء من الحر والظمأ .. ألقي إليهم البحارة كومة من الحبال.. ربطوها في قاعدة حديدية كبيرة في مقدمة الباخرة واصطفوا على طول الحبال وجروها بعرض النيل نحو الضفة الشرقية وصعدوا إلى الضفة وبدأوا سحب الباخرة التي تشبه جثة حوت ميت.. انحنى الرجال وانغرست ألياف الحبال الخشنة في جلودهم التي لا يفصلها عن هياكلهم العظمية أي طبقة ولو رقيقة من اللحم.. كانوا يغنون ذلك الغناء الإيقاعي الهادئ الذي يعينهم على العمل وعلى احتمال الشقاء الدائم.. سأل بعض البحارة «آدم» عن المجاري الحمراء العريضة التي تقسم ظهور الفلاحين.. قال «آدم»:
– إنها سياط السلطة التي تجلدهم باستمرار.
سأله البحار:
– لماذا تجلدهم؟
قال آدم:
– لأسباب كثيرة ومتنوعة.. كل يوم هناك سبب جديد لا يخطر على البال.. الباشا لديه كل يوم مشروعات جديدة تحتاج إلى أن يجلد بسببها الفلاحين، ومن يفكر في رفض الجلد ليس عليه إلا أن يهرب، وعندئذ عليه أيضًا أن يثق أن الجنود إذا قبضوا عليه فسوف يذوق العذاب مضاعفًا، وفي الغالب سيحين أجله، لذلك ففي معظم الأحوال لا يفكر الكثيرون في الهرب.
واصل الفلاحون الجر والغناء على الرغم من العرق الذي يسيل في مجاري ظهورهم المحنية ولا يملكون مع هذا الوضع إلا النظر إلى الأرض.. بينما الجنود الأتراك الذين اصطحبوهم من حكمدارية قنا يواصلون جلدهم كي لا يفكرون في الراحة، ولكي يستمروا في الجر بهمة زائدة.. كنا فوق السفينة ننظر إليهم وقد تحطمت قلوبنا تمامًا وتجمدت الدموع في بعض المآقي.. ليس من البشر على أي أرض من له القدرة على احتمال مثل هذا العذاب.
بلغنا الأقصر عند منتصف الليل وأسرع الرجال يسقطون في مياه النيل الباردة.. يجففون العرق ويطفئون النيران التي تكوي جلودهم ويُهدئون من آلام السياط ويطفئون لهيب الظمأ.. ظلوا في الماء أكثر من ساعة بينما كنا قد نزلنا إلى المرسى نتلفت حولنا.. كان البحارة يقومون بترتيب بعض الأوضاع اللازمة للنوم فالكل مجهد إلى حدود غير مسبوقة والظلام هو سيد الزمان والمكان. ومر بعض الوقت قبل أن يشعل البحارة بعض المصابيح التى أحضروها معهم.
أخيرًا سلم «بول»، المسئول المالي للبعثة الفرنسية، مبلغًا كبيرًا من المال للمسئولين الأتراك الذين حضروا منذ ساعتين من مديرية قنا، وسلموا بالتالي للفلاحين أجورهم.. حصل كل فلاح على نصف جنيه، في حين كان ما دفعته البعثة جنيهًا لكل فلاح. عرف الفلاحون الخدعة والاحتيال، فلم يقولوا شيئًا ورفعوا القروش إلى أفواههم وقبَّلوها ثم رفعوها إلى جباههم وعادوا يقبّلونها ويحمدون الله على النعمة، ثم تمددوا على الأرض وما لبثوا أن غرقوا في بحر من الغطيط العالي الذي تفوق على نقيق كل الضفادع حتى الصباح.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"