تابعنا على فيسبوك وتويتر

aisa alyasiri 8إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الشهادة :
رؤوس محشوة بمخاوف وأحلام هائلة , صنعتها أساطير وخرافات تحولت إلى أكثر الأكاذيب صدقاً ,لذا فقد احتشد رأسك بكل أساطير القرية , طقوسها السحرية , نبوءات عرافاتها , كنت تطبق وصايا جدتك وأمك كلها باستثناء وصيتين خرجت عليهما , أولهما عدم النوم في الظهيرة تحت ظلال الأشجار أو الجلوس وحيداً فيها , وثانيتهما عدم الذهاب إلى المراعي البعيدة , لأن ّ فيها جنيات على هيأة نساء جميلات يرعين الغنم , لقد خرقت هاتين الوصيتين , ومن يومها وحتى اللحظة وأنت تهيم على وجهك عبر قارات الأرض ,حيث ضيعت َطريق العودة إلى البيت , وحكمة الأب , وحنان الأم ,وحضن الزوجة , والتجوال مع حبيباتك ,ودفء الموقد الذي يجمع حوله الأهل والأصدقاء وموسيقى المطر .
أحلام غامضة , خيالات مبهمة , إحساس مبكر بالخوف والغربة , فقدان شيء لابد وأن تعثر عليه ربما كنت َ تسميه ” الحرية ” التي قال عنها ” الروماني تزارا رائد الدادية ” :
” عندما نظل نصرخ طالبين الحرية , ستتحول تلك الحرية قيدا ً, وعبودية جديدة ” .
وهكذا, وعندما أغلقت مدرسة القرية , أرسلك والدك إلى مدرسة ” الكميت ” ,هنا رفعت طفولة حريتك يدها محذرة , وأعادتك إلى قريتك ومراعيك .
دموع وأحزان غضة بكرت لتحل ضيفة دائمة على عينيك , أقواس قزح , أغاني طيور مرحة , عويل نساء تحمله ريح ليل شتائي بارد , فراش بأجنحة ملونة , حقول خضراء , وشوشة أمواج تتكسر عند شاطئ أشقر ثم تعود ممزقة إلى أحضان النهر ليرممها من جديد , رماد أشواق مخذولة , هشيم ليالي سمر غاب أصحابها , عدد لايحصى من أجمات الشوك والعاقول وهي تغرز إبرها في القدمين الغضتين , ومن ثم شفرة سكين عمياء فاجأت أول حلم من أحلامك وأنت تفتح ذراعيك للربيع , ولم تعرف أن ّمن أسماهم ” لينين ” برعاع المدن كانوا يترصدون بك خلف جذع شجرة خريفية ذابلة , حتى لا ترفع صوتك بأغنية فرحة على غرار أغنية ” بوريس باسترناك “: “التي يقول فيها ..
” ليت الحياة تظل تحتفظ بهذه النضارة ” .
إذن عن ماذا تبحث أيها الطفل الذي لا يريد أن يبلغ سن الرشد … ؟ كنت َ تكره المدرسة لأن لها جدرانا ً من حجر , تكره أحجارها لأن ّ لها أبوابا ً تغلق , كنت طائراً يخشى أن يسجن في قفص , كم حلمت َأن تكون طائرا ً لتعيش بعيداً عن المدارس والصفوف ومقاعد الدرس , وقامات العصي التي تمسك بها أكف بعض المعلمين .
أول أغنية أحسست بها تتخلق في أعماقك حركها مرأى شجرة صفصاف كانت أغصانها تتدلى نحو مياه النهر , كانت كف الريح تغمرها بالماء الجاري , ثم ترفعها إلى أعلى لتجعلها نظيفة حتى تسرحها في ما بعد بأمشاطها , لقد أعاد لك هذا المشهد ذكرى امرأة , رأيتها تجلس إلى ضفة النهر, تغسل شعرها الطويل , ثم تمسك بمشطها الخشبي لتسرح به جدائلها , وقتها اقتربت َ منها ,أخذت المشط من يدها , كنت صغيرا ً وبريئا ً , كانت تأتمنك النساء على أسرارهن,وتضاريس أجسادهن ومتاهاتها , بدأت تمشط شعرها بطريقة فوضوية ,لكنها أخذت منك المشط , أمطرت وجهك بقبلاتها , قالت لك :
” عندما تكبر ستتعلم كيف تسرح شعور النساء .. ومن دون ما حاجة لمشط .. بل ستسرحها بأمشاط أصابعك ” .
وتطلب النجدة من والدك .. أنجدني يا أبي .. هناك شيء لا أعرفه يتحرك في داخلي .. يوقظني من النوم .. يقودني بعيداً عن أقراني الصغار .. يمضي بي إلى ظل صفصافة .. يغرقني بأحلام لاسبيل للوصول إليها ..يجعلني أجري خلف راعية صغيرة تقود أحمالها إلى المراعي .

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى الياسري في مرحلة الدراسة المتوسطة

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى الياسري في مرحلة الدراسة المتوسطة

عندما تسمع جدتك هذياناتك هذي تحضر برديتها , وكمية من الملح وتبدأ ” تعوذك ” من عين المرأة التي أصابتك بالحسد , تطلب من والدك أن يكتب لك حجابا ً , ولكنه يضع بيدك كتابا , يساعدك على قراءته , يوما ً بعد آخر يصبح الكتاب والمراعى والحقول والأنهار وراعيات الغنم الأصدقاء الذين لايفارقونك في يقظتك أو في نومك , ولا يفترقون عنك .
كنت َ تقرأ من صندوق كتب والدك بنهم , وبذات النهم كنت تحضن صديقتك الراعية , تظلان تتدحرجان فوق سجادة العشب الأخضر من الصباح وحتى الظهيرة , هنا يرفع دخان تنور أمك ذراعيه , يومئ لك لكي تعود إلى البيت ,عند ذاك تنفصلان عن بعضكما وتسرعان نحوالأكواخ .
متى ترى أمك ثوبك الذي غسلته لك بالأمس متسخاً, ملوناً بخضرة الحقول توبخك , تطلب منك ألا تعود بثوب متسخ.. وإلا ستحرمك من اللعب بعيداً عن البيت .
لا شيء يبقى على حاله , الزمن لص محترف بسرقة عشبة أيامنا , لذا كبرت َ سريعا ً , ومعك راحت تكبر أحلام مستحيلة التحقق , أحزان لا حصر لها , جراح تتسع فوهاتها بمرور الوقت تصبح أكثر وجعا ً وإيلاما ً , ومن ثم , وذات مساء أكثر كثافة من الحزن ترتحل العائلة , وكمن يسير في أرض موحلة , كنت َ تنتزع أقدامك التي تنغرس عميقا ًفي تراب الأرض التي حملتك طفلا ً, وصبيا ً, وشابا ًمحطما ً, ولم تعرف أن ّ هذه الخطوات, سوف لن تتوقف عن الطواف حول العالم حتى نهايات العمر, كنت تعتقد أنها رحلة مؤقتة , تنتهي بانتهاء الوباء الذي اجتاح كل القرى , وباء ” الهجرة الجماعية ” عن الأرض بعد اغتيال نهر ” أبو ابشوت ” في ليلة تموزية راكدة الهواء , مطفأة النجوم ,ملبدة بالدم والبارود والنواح .
إنه حشد هائل من الخسارات ,يتطلب منك أكثر من مرثاة لتأبينها , أكثر من حلم لبعث الحياة في خساراتك تلك , وتبدأ المحاولة , كنت َعدت إلى المدرسة بطريق الصدفة العمياء , التي لم تمنحها مغفرتك حتى اللحظة , أكملت دراستك ..عملت َ معلما ً, بدأت محاولاتك في الكتابة , كم عدد الصخور التي ارتطمت بها تلك المحاولات … ؟ كنت َ تتنقل مع عائلتك بين أكثر من مدينة عراقية , يمسك بخناقك أكثر من بيت آجري بعد أن انقرضت بيوت القصب والبردي , ولكن هل استسلمت لليأس … ؟ هل أنقذت نفسك مبكرا ً من ورطتك , انضممت إلى هذا العدد الهائل من المهاجرين إلى المدن , الذين لم يعد يهمهم شيء سوى أن يتصالحوا مع حياتهم الجديدة …؟
كنت َتواظب على كتابة كلماتك , تحلم أن تراها وقد نمت فوق مربع صغير من جريدة أو مجلة , فمن قادك إلى هذا الطريق يا ابن ” السيد حسن الياسري ” … ؟ وهل تمتلك العدة التي تؤهلك أن تدخل بيتاً أحكم غلق أبوابه ونوافذه أمام الطارئين , عابري السبيل , المتطفلين على دخول ممالك الآخرين , وأنت من أولئك الصعاليك الذين يتزرون الخرق , وكثيرا ًما يأخذهم الطريق نحو الخرائب المهجورة , بعد أن تفقدهم الخمرة الرديئة صوابهم … ؟ .

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى حسن الياسري بالملابس العربية ايام قرية المحسنة

صورة نادرة للشاعر الكبير عيسى حسن الياسري بالملابس العربية ايام قرية المحسنة

ليال طويلة تلك التي سهرتها , وأنت تدير حواراً مع نفسك , لتثنيها عن رغباتها المستحيلة ,وغير المصرح بها , ولكن وكما يبدو, أن ّ الجنيات اللواتي حذرتك جدتك وأمك من الاقتراب منهن قد تمكن منك , واستوطنت كل واحدة منهن جزءا ًمن كيانك .
كم هو عدد مرات الفشل التي اصطدمت بها , لكن.. لماذا يصر والدك على مواصلتك لطريقك , يحذرك أن تستسلم للهزيمة …؟ هل كان يريد أن يحقق ذاته من خلالك … ؟ أم أنه فعلا ًوجد عندك ما يستحق هذه المعاناة … ؟ كان والدك معلما ًشجاعا ً, إنه لا يريد أن يعترف بفشل تلميذه لذا كان يواصل الطرق على أكثر المناطق حساسية في أعماقك , كنت تريه ردود الصحف على
ماترسله إليها , كان يقول لك .. أن الجميع مروا من هذا الطريق ويواصل :
” لقد وضعت قدمك على طريق الآلام ,وعندما تتراجع سوف لن تعرف طريقا ً غيرها ,عندها ستتخرب حياتك إلى الأبد ” .
كم مرة طلبت َمنه الرحمة ..كان يمنحها لك بكل سخاء .. لكن ذلك الشيء الذي استوطن أعماقك ظلّ يقودك طائعا ً إلى ذات الطريق .. بقيت َ تحلم بنافذة تنفتح أمام ما تكتبه .. نافذة ولو بسعة ثقب ” إبرة ألنفري ” التي أجلسه فيها الله وطلب منه ألا يبرح مكانه , واشترط عليه أن يفسح للخيط طريقا إذا أراد أن يمر .
وفجأة ً .. وكما هي شطحات خيال الصوفي تنفتح أمامك تلك النافذة .. إنها نافذة “مجلة الآداب” التي يرأس تحريرها الأب الروحي لكل أجيالنا العربية الدكتور الراحل ” سهيل إدريس ” الذي نشر قصيدتك التي وصلته بالبريد بسرعة قياسية .. وكان الناقد المصري المعروف الدكتور ” صبري حافظ ” أمد الله في عمره .. والذي نقد قصائد العدد التالي.. أول ناقد عربي يبشر بك َبطريقة جعلتك تصاب بالدوار .. وهكذا تنفتح أمامك الصحافة الأدبية لبلدك .. تقف على رأس أكثر من منبر ثقافي .. تبدأ كتبك بالصدور تباعا ً عن ” دار الشؤون الثقافية ” .. لكن ّ العثرات ظلت ترافقك َ.. كنت َ طائرا ً يحلق بعيدا ً عن السرب .. طفلا ًينطوي على نفسه .. يقمطه الخجل.. تحاصره المخاوف .. تبتعد عن حلبات مقاهي الأدباء التي تضم ” الأقطاب ” الذين يحاول كل منهم أن يؤكد ريادته الشعرية بتخطي اللغة والواقع .. ” بالمريدين ” الذين يتحزبون لهذه الأقطاب .. كان عالم هؤلاء لا يعنيك كثيرا ً.. كنت َتنظر إلى الإبداع على أنه حاجة ذاتية ترتبط بالواقع وباللغة معا .. لم يلتفت لك من النقاد المحترفين إلا القلة بذريعة أنك تكتب ” بغنائية رومانسية ” تجاوزها الزمن .. ونحن في مرحلة “تفجير اللغة ” ناسين.. أو ربما لم يطلعوا على رأي الشاعر ” الروماني تزارا ” رائد الحركة الشعرية ” الدادية ” , والذي سبق نقادنا بنصف قرن في دعوته إلى ” تفجير اللغة ” هذا الشاعر قد وصفه الناقد ” جان كاسو ” وهو يكتب عن مجموعته الشعرية ” الإنسان التقريبي ” بأنه ” كتب أروع قصيدة بدائية تتسم بحس رومانسي ” , معللا ً ذلك .. بأن الشعر لن يستطيع أن يتخطى الواقع .. ومن هنا فإنه لا يستطيع أن يتجاوز اللغة .. وكنت َ دائما ًتتمثل قول الشاعر الفرنسي – إيف بونفوا – حيث يقول : ” بين ما يقترحه الشعر تجنب الوصول إلى مجاعة روحية تتغطى بملاءة الثقافة الممسوخة “.
لم يهزمك هذا التهميش .. فقد كتب عنك بعض النقاد المحترفين .. والكثير من النقاد المتذوقين الرائعين .. والقراء المتأملين بكل محبة وتشجيع كنت بحاجة إليهما .. وكانت كتبك التي تطبع منها ” دار الشؤون الثقافية ” آلاف النسخ لكل كتاب تنفد بسرعة مذهلة من المكتبات ..ومخازن توزيع الدار الوطنية .. ولكن ّهذا لم يغير شيئا ً .. فلم تدع إلى أي من دورات مهرجان ” المربد ” الذي يعتبر أهم مهرجان شعري في العالم العربي .. لم تشارك كتبك في أي معرض للكتاب خارج العراق .. لأنك تدرك أن ّالشعر ” ليس وسيلة للتكسب .. والجلوس إلى مائدة ” السُلطة ” والتغني بامجادها المزعومة .

الأستاذ عيسى الياسري يتحدث في مؤتمر لتكريمه في هولندا

الأستاذ عيسى الياسري يتحدث في مؤتمر لتكريمه في هولندا

في عام 1987 تحضر شاعرة و ناقدة أسترالية تدعى ” آن فيربيرن “.. ويأتي من يخبرك َبأنها تبحث عنك .. وتلتقيها لتقول لك .. إنها وضعت موسوعة تضم كبار شعراء اللغة العربية بمساعدة الشاعر السعودي الراحل ” غازي القصيبي ” بعنوان ” الريشات والأفق ” بالعربية والإنكليزية .. وأنها وضعت أسمك بين هؤلاء الشعراء الكبار .. ابتداء من ألجواهري والسياب والبياتي ونازك الملائكة وحسب الشيخ جعفر وسعدي يوسف وصولا ًإلى أدونيس والقباني والماغوط وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وحجازي وحاوي وكثيرين غيرهم .
كانت تبدو مبهورة بقصيدتك ..أعلنت عن إعجابها بالقصيدة في أكثر من مقابلة أجرتها معها الصحافة العراقية .. قالت إنها حاضرت عنها في أكثر من جامعة أوروبية .. استعانت بأستاذك الكبير الاستاذ الدكتور ” عبد الواحد محمد ” ليساعدها في ترجمة نصوص لك ..أقامت لك حفل تكريم في دار السفير الأسترالي في بغداد .. عندما عرفت أنك ممنوع من المشاركة في مهرجان
” المربد ” دعت إليه العديد من الشعراء والملحقين الثقافيين الأجانب .. قرأت هي عليهم القصيدة باللغة الإنكليزية .. وقرأتها أنت بالعربية .. وكان الأستاذ عبد الواحد محمد والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والمترجم سعدون الزبيدي من بين الحضور .. ولم يكترث أحد لهذا الحدث .
وتدور الأيام سريعا ً .. ويدخل البلد في نفق مظلم لاسبيل للخروج منه , حروب عبثية لا تعرف لم قامت وكيف انتهت , تبعتها سنوات حصار.. حصد فيها الجوع ونقص الدواء الألوف من الأطفال والمسنين.. وهنا وجدت نفسك مهددا ً أنت وعائلتك بهذا الوباء .. لأنك لم تكن من الشعراء والأدباء الذين باركوا الحرب .. وكتبوا مدائحهم لمشعليها .. بل كنت َتشعر بالخجل من هؤلاء الذين يمجدون حروبا ً وضعت البلد على طريق مرتدة لأكثر العصور ظلاما ًوتخلفا ًوضياعا ً.. تركت وراءها عراقا ً محطما .. سرعان ما وقع ضحية احتلال أمريكي أعاده قرونا ً إلى الوراء .
وتبدأ بحثك عن عمل .. وتجده أمام ” محكمة بداءة الاعظمية ” ففي يوم 12-5-1992 كنت َتجلس لكتابة ” العرائض ” وبيع الطوابع المالية لتحمي عائلتك من غائلة الجوع التي راحت تطبق عليها الخناق .. لأنك لم تدخر درهما ً أبيض لأيامك َ السود هذي .. كان كابوسا ًمروعا ًاستمر ست سنوات لن تنسى خلالها موقف الصحافة العراقية المشرف .. الذي وقفته مدافعة عنك بكل شجاعة رغم القمع .. ثم كان رحيلك عن “العراق ” .. حيث كتبت لأصدقائك :
” إذا أردتم أن تؤرخوا رحيلي عن الحياة فاعلموا أنني غادرت الحياة في الساعة الثانية بعد ظهر يوم 29-9-1998 لأن الرحيل عن العراق شبيه بمفارقة الحياة ” .
وتصل ” الأردن ” , البوابة الوحيدة التي ظلت مفتوحة أمام حشود العراقيين الهاربين من ” الموت الأبيض ” وهناك لم تجد من يعرف من هو ” عيسى حسن الياسري ” .. إذن ستون عاما ًيا ابن ” السيد حسن الياسري “.. وستة دواوين شعرية .. وعشرات المقالات النقدية التي كُتبت ْعنك َ, ومثلها كتبته ُأنت َعن مجايليك , أو التي بشرت فيها بالعديد من الأدباء الشباب عراقيين وعربا ً.. وأنت لا أحد يعرفك في بلد عربي مجاور لبلدك .. فمن يعرفك في البلدان العربية الأبعد ؟ أما كان الأجدى لك ولعائلتك لو أنك امتهنت عملا ًآخر.. ؟ فأية صدفة رعناء وضعت قدميك على هذا الطريق وأنت بلا إعلام ثقافي رسمي ؟ بلا انتماء حزبي أيديولوجي أو ديني يبشر بك ..؟ بلا مواهب تصنع منها إعلامك الخاص الذي يجيد فنونه آخرون بطريقة يحسدون عليها ..؟ أنت لا تعدو عن كونك فلاحا ً بسيطا ً وساذجا ً .. لا تجيد شيئا ً سوى أن تبكي زمانك الضائع .. أطلال قراك المنقرضة .. النساء اللواتي أحببتهن وأحببنك .. فكيف تستطيع أن تتخلص من عزلتك وخجلك وانطوائيتك وأنت خارج بلدك ؟بعيدا ًعن أهلك وأرضك ؟ كانت محطتك الجديدة في ” الأردن ” لا تقل عن ألم معاناة كتابة العرائض .. ذات الوحدة .. ذات الانكفاء على الذات .. ذات المكابدة من أجل ألا يجوع أولادك الذين أبقيتهم على حافة عوزهم وفاقتهم .. ذات الخوف من أن تضطر إلى الارتماء في أحضان فئة ما .. وإن لم تنج من هذه التهمة رغم براءتك منها .. كنت َدائما ًالبريء .. المطعون في براءته .. والذي يبكي له الله من قمة عرشه السماوي.. هذه التهمة التي تسببت في إيقاف رسالتي ماجستير قدمتا عن تجربتك َ الشعرية إلى جامعتي بغداد والمستنصرية .. كما تسببت في إيقاف طبع روايتك ” أيام قرية المحسنة ” والتي كان من المفترض أن تصدر عن “دار الشؤون الثقافية ” في بغداد .aisa 11 (2)

ولكن ..هل بقيت َمجهولا ًفي الأردن لمدة طويلة … ؟ لم يحدث لك هذا ..إذ ْ سرعان ما أخذت طريقك إلى صحافتهم الأدبية .. ومؤسساتهم الثقافية .. وبعد عام من إقامتك َفيها دعيت للمشاركة في “مهرجان الشعر العربي ” الذي أقيم في الأردن لمناسبة افتتاح ” بيت الشعر الأردني ” وربطتك صداقات مع الكثير من أدباء هذا البلد الذي ستظل تذكره طويلا ً.. سيما أهل “مدينة الكرك الجنوبية ” التي وجدت فيها مدينتك َ ” العمارة نجمة الجنوب ” ذات القدمين الحافيتين.. والشعر الأشعث .. والثياب الرثة .
وتأتي ” كندا ” , وتضع أنت طفل القرى الدافئة رحالك عند حافات العالم الثلجية .. وتظل ” جريدة الزمان اللندنية ” نافذتك الوحيدة .. التي تشي لمن يعرفونك أنك مازلت على قيد الحياة.. ومن خلالها يعثر عليك أحد أصدقائك القدامى الذي وصل “كندا ” شابا ً يتأبط قصائده , وأحلامه الغضة وبكر في الرحيل إليها , وهو الشاعر والصديق النجيب ” ضياء الدين العلاق ” الذي حملك على جناحيه الناصعين ليوصلك إلى أرض ” هولندا ” حيث ينتظرك “مهرجان الشعر العالمي “الذي أقيم في “روتردام ” عاصمة الثقافة الهولندية لتتقلد ” جائزة الكلمة الحرة العالمية ” هناك ترتقي المنصة التي قادك إليها الشاعران الرائعان ” كريم النجار ” و ” صلاح حسن ” , المنصة التي ارتقاها قبلك كبار شعراء العالم وأهمهم شاعر اسبانيا الخالد ” رافاييل البرتي ” ,هذه الجائزة التي لا تعرف عنها شيئا ً.. كل ما تعرفه أنّ صديقا ً صحفيا ً من “السودان ” زودك بعنوان مؤسسة ثقافية في هولندا تساعد الأدباء المغتربين على طبع كتبهم .. وأرسلت رسالة إلى هذه المؤسسة .. بينت فيها سيرتك الذاتية وبعضا ًمن قصائدك المترجمة .
وفي العام 2012 تصدر لك عن دار المأمون مختارات شعرية , ترجمها استاذك ووالدك الروحي الكبير الدكتور عبد الواحد محمد , وتحمل عنوان ” العشبة ” , وتتقدم بنسخة من المختارات إلى “اتحاد كتاب كندا ” مرفقة برسالة تطلب فيها الأنتماء إلى الأتحاد , وبعد شهر واحد تصل الموافقة على قبولك عضوا في هذا الاتحاد , وهنا تحقق انتماءك لأسرة الأبداع العالمي .
وبكيت َ.. بكيت .. وبأسى عميق .. كنت َتتمنى أن يكون هذه الاحتفاء بك قد قدمه لك بلدك “العراق ” , الذي زرعت َ في كل حجارة من أحجاره أكثر من أغنية.. أكثر من حلم .. لكن ما يحمل لروحك التي تتخبط في وحشة أحراش المنافي المواساة والأمل .. هذه السلة من ثمار شجرة الأساتذة والأصدقاء.. الثمار الأكثر عذوبة حتى من أحلام طفولتك .. الأحلام التي ولد أكثرها تحت ظلال أشجار الصفصاف ..إنها السلة الملأى بمقالات نقدية .. بقصائد.. بوقائع احتفاليات أقامتها لك منظمات المجتمع المدني .. بكلمات مؤثرة عن حياتك .. عن جلوسك َ الشجاع لكتابة العرائض .. عن كتابين نقديين عن تجربتك.. مختارات شعرية تُرجمت لك .. حملتك على اجنحتها ..لتحط بك عضوا ً محتفى ً به في “اتحاد كتاب كندا ” .. رسالة ماجستير سبقت بها “جامعة القادسية ” كل جامعات العراق وتقدمت بها الباحثة ” آلاء محسن حسن ” .. ومن ثم هذا الينبوع الصافي من محبتهم .. التي تقودك من عتمة مغرب الشمس إلى فيضان أنوار شروقها .. وتبشرك أن مسيح هذا العالم ” العراق ” .. الذي مازال يواصل رحلته على طريق ألآلام سينزل من صليبه .. وسيفتح ذراعيه مرة أخرى.. ليوقظ البراعم التي لم تتفتح بعد .. والينابيع الغافية بين أحضان الصخور .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

2 تعليقان لـ “عيسى حسن الياسري : شهادة في الشعر والحياة (ملف/75)”

  1. علوان حسين يقول :

    تحية للياسري عيسى حسن شاعرا ً نبيلا ً رفض الطغيان وقاومه ولو بالصمت ولم يك من زمر المثقفين الذين اندفعوا في توظيف الكلمة المقدسة وتدنيسها خدمة ً لدكتاتور أرعن ! لست بوارد الحديث عن تجربة الشاعر الغنية والمهمة التي تستحق التأمل الطويل والسبر العميق لكني أود الإشارة لمسألتين سها عنهما صديقي الشاعر الياسري ربما لم تسعفه الذاكرة حين لم يشر لي بأنني من رشح أسمه لحبيب الزيودي مدير دار الشعر في الأردن وقتها ورافقته في ذلك المهرجان , المسألة الثانية عن التعريف بالشاعر كان لي شرف إجراء حوارين مهمين ومتميزين معه نشرا في جريدة الزمان اللندية ومجلة المسلة وقتها , كل الحب والتقدير للشاعر القروي الجميل عيسى حسن الياسري مع الود .

  2. عيسى حسن الياسري يقول :

    الشاعر الجميل اخي علوان حسين .. ما اروعك وانت تتابعني بقلمك وبقلبك .. شكرا لما كتبت .. واعذر اخاك الذي سها عن ذكر اسمك النبيل .. أنا لا انسى مواقفك المشرفة معي في عمان وما اكثرها .. وقد كتبت الكثير عنك في مذكراتي – غيمة عابرة – منذ لحظة لقائنا الاول .. اقبل قلبك ايها النبيل .. ودم مبدعا افخر به .

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"