تابعنا على فيسبوك وتويتر

saeid-adnanإشارة :
من المؤسف أن تمر الذكرى السنوية لرحيل شيخ النقاد الدكتور “علي جواد الطاهر” من دون الإحتفاء بمنجزه النقدي العلمي وتراثه البحثي وهو “الطاهر” تربويا وعلميا. ويسر أسرة موقع الناقد العراقي أن تُعدّ هذا الملف عن الراحل الكبير وتدعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة فيه بما يتوفر لديهم من مقالات ودراسات ووثائق وصور.

المقالة :
إنّما التحقيق ضرب من العلم ، جليل لا ينهض به إلّا من كان ذا بصيرة نافذة ، ومعرفة صحيحة متماسكة ، وجُبل ، من قبل ، على حبّ التثبّت ، وأخذ نفسه بالأناة حتّى تبلغ به اليقين أو ما يقترب منه . وقد استقرّ ” للتحقيق ” معنيان : الأوّل : الضبط ، والتصحيح ، وتحرّي الصواب ، ونفي الخطأ ؛ والثاني : إخراج الأثر القديم على ما تركه عليه صاحبه ، أو أقرب ما يكون إلى ذلك ؛ وبين المعنيين قدر جامع مداره على توخّي الحقّ ، والابتعاد عن الباطل ، وإنزال الأشياء منازلها ؛ من أجل استقامة المعرفة ، ووضوح نهجها . ولقد كان للطاهر نصيب موفور من المعنيين كليهما .

كان كثير القراءة ، يقرأ القديم ، ويقرأ الجديد ؛ يقرأ الأدب ، والتاريخ ، والفكر ، ويقرأ كلّ ما يتّصل بذلك ؛ كان يقرأ وبيده قلم رصاص فإذا مرّ بخطأ ما علّم بإزائه ، وربّما كتب الصواب على حاشية الكتاب ، ومضى في قراءته ؛ وكلّما وجد خطأ علّم عليه ؛ وقد يستدعي ذلك الرجوع إلى المصادر ابتغاء مزيد من المعرفة حتّى يتكامل صحيحها ، ويرجع إليها وضوحها . وقد كان ينفِر من الخطأ ، والزلل ، ويؤذيه أن يجد كلاماً مرسلاً ؛ ولا يُرضيه إلّا تمام الصواب . وكلّ ذلك من التحقيق ، وضبط المعرفة ، وإشاعة الصحيح . ومنهجه ؛ أن يورد الخطأ بنصّه ، ثمّ يورد الصواب بعبارة وجيزة مبينة ، بعد أن يكون قد رجع إلى المصادر ، واستوثق من التصويب . ولا يقف عند ما هو رأي ، أو وجهة نظر ممّا لا يوافق صاحبه عليه ؛ بل وقفته عند صريح الخطأ . وكان قد شرع ينشر تلك التصويبات منذ الخمسينيّات ، بعد رجوعه من فرنسا في سنة 1954 ، كان ينشرها في مجلّة ( المكتبة ) ، ثمّ وجدت سبيلها إلى مجلّة ( الأديب ) اللبنانيّة بعنوان ثابت هو : ( تحقيقات عُرضيّة ) وقد لقيت من القرّاء قبولاً حسناً ؛ لفائدتها في التقويم ، وإشاعة الصواب ، ولما جاءت عليه من رصانة وهدوء ؛ فليس من غاية كاتبها تطلّب الأخطاء ، وانتقاص الآخرين ، وليس من وكده أن يُساجل أحداً ؛ بل هو يعلن الصواب ويمضي . لقد كان يَزينها علم رصين ، وخلق حميد . ثمّ ضمّها مع غيرها كتاب ( تحقيقات وتعليقات ) الصادر بطبعته الأولى سنة 1986 ؛ فإذا بها درس في العلم والمنهج والخلق ؛ وهي أشياء ثلاثة لاتنفصل عند علي جواد الطاهر ، ولا يستقيم أحدها من دون صاحبيه ! ali jawad altaher 2  jpg
كان حبّ التثبّت سجية فيه لا تفارقه ؛ يأخذ به في ما يؤلّف ويكتب ويتحدّث ، ويريد من الآخرين أن يتثبّتوا مّما يكتبون ، وأن يستوفوا ما يعالجون على قدر ما يستطيعه المرء إذا صدق النيّة وبذل الوسع ؛ غير أنّ الكمال شيء بعيد المنال ؛ فلا بدّ من أن يظلّ باب ” التحقيق ” مفتوحاً ، وأن يتّصل به باب آخر هو ( الفوات ) . فما من مؤلِّف إلّا أن يكون قد فاته شيء هنا ، وشيء هناك ، أو سها عن أمر ، أو خفي عليه آخر ؛ فإذا نُبّه عليه ، وذُكّر به استقامت المعرفة في ذلك الجانب منها ، وتكاملت عناصرها . وقد كانت للطاهر ، مع ” التحقيقات ” وقفات مع ” الفوات ” ممّا فات المؤلّفين في مسألة ما ؛ سهواً أو جهلاً ، اجتمعت في كتاب : ( فوات المؤلّفين ) وقد استهلّه قائلاً : ( إذا كان الكتاب جزءاً لا يتجزّأ من حياتك فأحببته ، ولازمته ، وحرصت على أن يكون سليماً ، وأن ينجو مؤلّفه من العثرات ؛ سجلت وأنت تقرأ على هذا الكتاب أو ذاك ما وقع فيه المؤلّف سهواً أو خطأ ، وبمعنى آخر سجلت فوتاً . ويصعب أن يوجد مؤلّف بدون فوت في المنهج إن لم يكن في العلم ، وهنا وجب عليك خدمة للمؤلِّف والمؤلَّف والقارئ ، والعلم والحقيقة أن تنبّه إلى ما تعثر عليه أو به ، وتصحّح ما أمكنك التصحيح .) وقد بُني ” الفوات ” على ما بُنيت عليه ” التحقيقات ” من علم رصين متماسك ، ومنهج واضح قويم ، وخلق رفيع سمح ؛ يحبّ المعرفة ، وأصحابها ، ومن يكون منها بسبب. kh-altaher-4
لقد كان ممّا يؤذيه أن تقع الهفوات ممّن يقدر أن يتجنّبها ؛ لو بذل مزيداً من الجهد ، ولم تدركه العجلة ! وقد وجد في ( الموسوعة العربيّة الميسّرة ) ، وهو يقرؤها ، كثيراً من الهفوات التي ما كان لأعلام الأدب والفكر الذين قاموا عليها أن يقعوا فيها ؛ فرأى أن ينبّه على الخطأ حتّى لا يشيع ، وأن يورد الصواب على نحو موثّق سليم . وليس يسيراً أن يتتبّع امرؤ ما وقع في الموسوعة من زلل ؛ لكنّ الطاهر بما له من منهج محكم ، وسعة في المعرفة ، وجبلّة صافية تتجه به نحو الصواب ، وبما له من محبّة الكتاب ؛ كان قادراً أن ينبّه ، وأن يصحّح ؛ وقد صدر الكتاب بعوان ( ملاحظات على الموسوعة العربيّة الميسّرة ) ، يقرؤه قارئه ، وهو يرجع إلى الموسوعة ، فتزداد المعرفة عنده وضوحاً وسلامة .
بل إنّ هذا الضرب من التحقيق لم يُقصر على هذه المؤلّفات وإنّما هو جارٍ في كلّ ما كتب ، وما ألّف ؛ يأخذ به نفسه أوّلاً قبل أن يأخذ به غيره ؛ فلا غرو أن تجيء كتابته محكّكة منقّحة لا أود فيها ؛ قد بذل فيها من الجهد ، والصبر شيئاً كثيراً . kh-altaher-6
ذلك ضرب من التحقيق زاوله الطاهر مقتدراً ، مدّة حياته ، وبقي ضرب آخر ؛ كان له فيه قدم صدق أيضاً ؛ هو : إخراج الأثر القديم ، ونشره على نحو ما تركه عليه صاحبه ، أو أقرب ما يكون إلى ذلك . وقد عُني بالمخطوطات منذ دراسته في باريس ، إذ كان من تمامها أن يحقّق أثراً قديماً من آثار العربيّة ؛ فشرع يحقّق : ( درّة التاج من شعر ابن الحجّاج ) اختيار الإصطرلابي ؛ بإشراف أستاذه المستشرق بلاشير حتّى أتمّ التحقيق على أصوله المعتمدة فاكتسب تجربة غنيّة في معالجة النصّ القديم ؛ سوف يُفيد منها ويزيد عليها ، من بعد . ولقد كان من شعراء العصر السلجوقي الذين درسهم في أطروحة الدكتوراه ؛ شاعر أحبّه ، وأحبّ قصيدة له ، ولم يكن ديوانه قد نُشر النشر الصحيح ؛ ذلك الشاعر هو الطغرائي ، والقصيدة هي لاميّته ؛ فكان لا بدّ أن يُعنى به ويهيّئ مخطوطاته لكي يخرج منشوراً نشراً صحيحاً بريئاً من الآفات . وقد ظهر الديوان بمشاركة يحيى الجبوري ؛ وهو على الغاية ممّا أراد له . وكان من قبل ظهور ديوان الطغرائي ، قد ظهر له ديوان الخريمي بمشاركة محمّد جبّار المعيبد ؛ وكلا العملين جاء على أصول النشر الرفيعة ؛ من حيث استيعاب النسخ المخطوطة ، واتّخاذ أفضلها أمّاً ، ومقابلة الأخريات عليها . لقد كان من منهج الطاهر في النشر أن يؤدي النصّ القديم أداء تامّاً أميناً ، من دون أن يُثقل الحواشي بالشرح والتفسير . ذلك أنّ تحقيق الأثر القديم ونشره شيء ، والقيام عليه بالشرح والتفسير شيء آخر ، وليس من الحكمة الخلط بين هذا وذاك . ومع تحقيق الأثر القديم ونشره ، فقد كلّفته وزارة الإعلام مع آخرين بتحقيق ديوان الجواهريّ ، حينما أرادت نشره ، ثمّ كلّفته بتحقيق ديوان الجعفريّ ؛ فالتقت لديه تجربتا تحقيق الأثر القديم ، والأثر الحديث ؛ فأغنت كلٌّ منهما الأخرى .kh altaher 12
ويتّصل بتحقيق الأثر القديم ونشره ، ويكاد يكون منه ، ما يقال له : نقد التحقيق ؛ وقد زاوله الطاهر على أتمّ وجه ، منبّهاً على ما وهم به المحقّقون ، أو ما فاتهم من معنى الصواب ؛ سهواً ، أوغفلة ، أوتثاقلاً عن بذل الجهد ، واستفراغ الوسع . وربّما يكون المحقّق عالماً فاضلاً ، ولكنّ سعة الأثر القديم ، وتشعّب موارده قد تفضي به إلى شيء مّما يخالف الصواب كالذي كان من إحسان عبّاس وهو يحقّق ( وفيات الأعيان ) فقد خفي عنه المراد في بعض الموارد ؛ فلمّا قرأه الطاهر أخذ يكتب ملاحظاته على التحقيق جزءاً جزءاً ، مع الثناء على جهد المحقّق ، وينشرها في مجلّة مجمع اللغة العربيّة بدمشق حتّى استوفى الكلام على الأجزاء كلّها ، ثمّ أصدرها في كتاب بعنوان ( ملاحظات على وفيات الأعيان ) . وقد كانت منذ نشرها في مجلّة المجمع تلقى رضا إحسان عبّاس ، وقبوله ؛ إذ وجد فيها جهداً صادقاً حريصاً على تكامل العمل .
وكان يأخذ نفسه ، على قدر الوسع ، أن يقف عند الكتب المحقّقة التي يقرؤها ، وينبّه على ما فات المحقّق ، ويذكر الصواب ، من أجل أن يستقيم النصّ ، ويظهر للناس كما تركه صاحبه ، أو أقرب ما يكون إلى ذلك . وصار لديه قدر من ” الفوات ” يصلح أن يكون كتاباً ؛ فأصدره بعنوان ( فوات المحقّقين ). kh altaher 13
وكان الطاهر ، من قبل ، قد عُني بابن سلّام وكتابه طبقات الشعراء عناية واسعة ؛ عُني به مخطوطاً ومطبوعاً ، وجعله موضع درس ؛ فلمّا نشره الشيخ محمود محمّد شاكر ؛ بعنوان : ( طبقات فحول الشعراء ) كانت له على منهج التحقيق جملة ملاحظات ؛ نشرها في مجلّة ( المورد ) ، ثمّ ضمّها في كتابه : ( محمّد بن سلّام وكتابه طبقات الشعراء ) .
لقد كان يولي نقد التحقيق قدراً كبيراً من جهده ، ويرى فيه أمراً لا غنى عنه من أجل رعاية النصّ القديم واستقامته .
إنّ الطاهر ، وهو يزاول التحقيق بضربيه ، محقّق ثبت قليل النظير ؛ يزينه علم رصين ، ومنهج قويم ، وخلق رفيع …!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"