تابعنا على فيسبوك وتويتر

talal hasanتوفي في الموصل ـ العراق ، الفنان التشكيلي الكبير راكان دبدوب ، عن عمر جاوز الخامسة والسبعين عاماً ، وسبق لي قبل أعوام أن كتبت كتابا عنه ، وهذا هو الفصل الأول من الكتاب ، مع مجموعة من صوره ولوحاته وتماثيله .
طلال حسن
راكان دبدوب في سطور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ ولد في مدينة الموصل عام 1941
2 ـ تخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1960 ـ 1961
3 ـ عضو نقابة الفنانين العراقيين .
4 ـ عضو جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين .
5 ـ أقام ” 33 ” معرضاً شخصياً داخل العراق وخارجه
6 ـ شارك في معرض الجريدة الايطالية السنوي للفنانين الايطاليين والأجانب في روما ، وحصل على دبلوم شرف ومدالية فضية لسنتين متتاليتين 1962 ـ 1963
7 ـ حصل على جائزة دانتي في معرض أقامته العلاقة الثقافية الايطالية العربية في روما سنة 1962
8 ـ الجائزة الثانية في مسابقة سان فيتو رومانو الذي أقامته بلدية رومل عام 1962
9 ـ شارك في المعرض التايلندي في نيودلهي لعام 1966 وعام 1975 .
10 ـ شارك في معارض الفن العراقي المعاصر الذي أقيم في : موسكو 1971 ، والكويت 1971 ، وجمهورية ارمينيا السوفيتية 1972 ، و جمهورية مولدافيا 1973 و 1974 ، وبيروت 1974 ، وتركيا 1974 و 1980 ، ودمشق 1975 و 1979 ، ولندن 1977 ، و وباريس 1976 و 1980 ، والقاهرة 1977 ، والأردن 1982 واليونان 1982 ، وليبيا 1979 ، مصر والسودان 1983 ، والمغرب وتونس ومراكش 1983 ، وبرلين 1983 ، وأمريكا ، نيويورك ـ واشنطن ، سان فرانسيسكو 1979 .
11 ـ شارك في مهرجان الواسطي 1072 و 1984 و 1985 .
12 ـ شارك في مؤتمر العربي للفنون التشكيلية ببغداد 1973 .
13 ـ شارك في المعرض اللبناني العربي الأول ببغداد 1974 .
14 ـ شارك في معرض كان سور مير في فرنسا 1976 rakan 4 (2)
15 ـ شارك في معرض التمييو العنصري الذي أقيم بمناسبة المؤتمر التشكيلي العالمي ببغداد 1976 .
16 ـ شارك بمعرض افتتاح مركز صدام للفنون 1986
17 ـ شارك في معرض يوم الفن للفنون 1987 .
18 ـ حصل على جائزة الدولة التشجيعية 1989 . شارك في جميع معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين ببغداد .
19 ـ شارك في معارض مهرجان بابل الدولي ـ ببغداد 1993 .
20 ـ شارك في مهرجان الفنون التشكيلية ـ عمان 1993
21 ـ شارك في المعرض التكريمي لفناني جامعة الموصل 1995 .
22 ـ شارك في معرض مشترك على قاعة دمشق للفنون والتعاون مع صالة حمورابي .
23 ـ شارك في المعرض الافتتاحي لصالون الخريف الأول ـ قاعة الساعة ـ الموصل 1998 .
25 ـ شارك في معرض الإزميل والقلم ، معرض نحت وتخطيط ـ قاعة الساعة 2001 .
26 ـ شارك في معرض ” انظر إلى مدينتي ” قاعة الساعة ـ 2001 .
27 ـ شارك في معرض مهرجان بغداد العالمي الثالث للفن التشكيلي 2001 .
28 ـ شارك في معرض صالون الخريف الثاني 2001
29 ـ شارك في معرض ” أزاهير نيسان ” 2002 .
30 ـ شارك في معرض جماعة نينوى 2002 .
31 ـ شارك في معرض مهرجان بغداد 2002 .rakan 5

شهادات
ـــــــــــــــــــ
خلال خمسة عقود تقريباً ، قضّاها راكان دبدوب منغمراً في أتون الفن التشكيلي ، وأنتج خلالها مئات اللوحات والتماثيل ، عايشه وتابعه عشرات الفنانين والنقاد والمثقفين ، قالوا فيه الكثير ، وهذا بعض ما قالوه في الصحف والمجلات العراقية :

ـ راكان فنان بين مئة يرسمون ، لأن فيه هوس المبدع برؤياه لأن لا فن بدون هذا الهوس .. الأديب الفنان جبرا إبراهيم جبرا .

ـ أنا أرى راكان دبدوب أحد القلائل الذين يمتلكون شخصية متميزة في أعمالهم أصالة .. خالد الرحال ـ فنان تشكيلي عراقي .
ـ العلامة الفارقة بين أعمال راكان ، وهي تلك الاسطوانة البارزة ، التي يأخذ تجويفها المظلم العيون إلى الغموض ، والتي تظهر وكأنها مواطن السر في العمل الفني .. جميل حمودي .
ـ استطاع راكان دبدوب مزج أحاسيسه كنحات ورسام في لوحاته باستعمال الزيت والمواد المختلفة بتقنية خاصة به وبتجريدية عالية للأشكال والشخوص والرموز الواقعية المتميزة بالاختزال والتجسيد الناضج ببهجة الحياة .. نزار سليم ـ أديب عراقي .

إن الفنان راكان دبدوب ، المعروف بغزارته وولعه بالفن ، وحرصه الشديد على أن يجسد الفن قيماً إنسانية عالية ، قد توصل إلى خلق عالم فني خاص ومتميز ، وبذلك استطاع أن يشكل حيزاً في الساحة التشكيلية العراقية .. فاروق يوسف .. ناقد تشكيلي .

ـ حضور المرأة يشكل حضوراً شاملاً ورمزاً خالداً يطالع المتأمل من كل زاوية ، فهي الأرض ، وهي الوطن والأمان ، في عينيها تتدفق ينابيع السكينة وسط عالم ممزق تجتاحه الوحشة ، وهي الأم تلتم بين كفيها عصافير الحب ، إنها الحبيبة تطلع من أناملها الأغصان .. بشرى البستاني ـ شاعرة من الموصل .rakan 6
ابن الموصل
ــــــــــــــــــــــــــ

راكان دبدوب ، الفنان التشكيلي الكبير ، هو ابن الموصل ، ونتاج بيئتها الطبيعية والاجتماعية ، وهو يكن لمدينته الحبيبة الموصل عشقاً خاصاً ، حتى إنه يرى أن لها رائحة خاصة تختلف عن رائحة أية مدينة أخرى في العالم ، ولابد أن عشق راكان لحبيبته الموصل جعله يشم فيها ما لا يشمه الآخرون ، ومهما يكن فإن الموصل الغنية بطبيعتها وثرواتها وتنوعها الحضاري والقومي والديني ، هي المنبع الأول والإلهام الأول والرحم الدائم الخصوبة للفنان .. راكان دبدوب .

على خط البداية
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

والآن لنصغ ِ إلى الفنان نفسه ليحدثنا عن مسيرته الحياتية والفنية ، يقول راكان : ولدتُ في مدينة الموصل ، في ” 29 / 5 / 1942 ” ، وأنا أنحدر من عشيرة عربية هي عشيرة ” العكيدات ” التي يمتد تاريخها إلى الجزيرة العربية ، ويتصل بالصحابي الجليل ” ابن معد كرب ” وقد قدمت عائلتي من مدينة دير الزور في سوريا ، قبل ثلاثمائة عام ، وسكنت مدينة الموصل ، واشتغلت بالتجارة ، وخاصة تجارة الأغنام .
وكان لجديّ ، وكذلك لأمي ، دور كبير في حياتي الفنية ، تعرفتُ على الشعر والحكايات وأحببتهما عن طريق أمي ، وأخذت الكثير من المعارف من جدي لأمي الدكتور المعروف داؤود الجلبي ، أما جدي لأبي عبد المجيد ، فقد كان دليلي إلى أعماق الموصل ، وإلى ريفها الغني ، ومضارب البدو والقرى الجبلية ، وقد انعكس كلً هذا ، في ما بعد ، في رسوماتي ونحتي .rakan 7

السبعة والفنجان
والياء والبطة
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول راكان دبدوب عن لقائه الأول مع سحر الفن : في الصف الأول الابتدائي ، طلب مني المعلم أن أكتب رقم ” 7 ” على السبورة ، وأمسكت بقطعة الطباشير ، وأمام أنظار التلاميذ ، رسمت هذا الرقم ، فابتسم المعلم ، وقال لي : هذا ليس رقم سبعة ، يا راكان ، بل فنجان .
ثم أخذ قطعة طباشير ، ورسم شكلاً بيضوياً في أعلى الرقم ، ووضع له عروة في طرفه ، وإذا هو فنجان ، ووقفت أمام هذا السحر ، الذي أشعل في أعماقي جذوة الإبداع ، وأبعدني عن الرياضيات .
وفي البيت ، كانت أمي ، ولكي تعلمني كتابة حرف الياء ، ترسم لي بطة ، فأحببتُ رسم البطة أكثر من حبي لحرف الياء .
وفي مرحلة الدراسة المتوسطة ازداد اهتمامي بالفن ، واكتشفت أن الفنان في أعماقي لا يشبع جوعه إلا الإبداع ، فصرتُ أرسم في البيت ، وكذلك في المدرسة ، وكان الرسم يشغلني عن الدراسة ، حتى أن دفاتري المدرسية ، كانت تمتلىء بالرسوم مما أثر سلباً على مستواي الدراسي ، وخاصة في دروس الجبر والكيمياء والرياضيات ، فرسبت في الصف الثالث متوسط ، ولولا قانون الزحف عام ” 1958 ” لما تسنى لي الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة .راكان 12

الإبداع موهبة وعمل دائب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفن ليس موهبة فقط ، وإنما دراسة وعمل مستمران ، لا توقف ولا استراحة فيهما ، وهذا ما أكده الفنان راكان دبدوب طوال حياته الفنية ، التي شارفت على الخمسين من السنين .
يقول عن دراسته في معهد الفنون في بغداد : كان القسم التشكيلي في المعهد ، يضم قسما للرسم وآخر للنحت ، وثالث للفخار والسيراميك ، ومن الأساتذة المعروفين في قسم الرسم ، فائق حسن وفرج عبو وعطا صبري وإسماعيل الشيخلي ، ولعل تعلقي بالنحت الذي لا يقل عن تعلقي بالرسم جعلني قريباً من المثال خالد الرحال ، فساعدته في الكثير من أعماله المهمة .

طريق الفن يؤدي إلى روما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس كلّ الطرق تؤدي إلى روما عند راكان ، فالطريق الوحيد إلى روما عنده هو .. طريق الفن ، الفن التشكيلي بالذات .
يقول راكان عن هذه المرحلة : إذا كانت بداية دراسة الفن في بغداد ، فإن البداية الحقيقية كانت في روما ، حيث التحقت بأكاديمية روما عام ” 1961 ” .
وبعد أن كنت في بغداد تلميذاً للفنان خالد الرحال ، صرت صديقاً حميماً له ، لا أكاد أفارقه سواء في مقهى العرب أم في مشغله ، في روما .
وعن هذه المرحلة الحاسمة في حياته الفنية ، يقول راكان : تقدمتُ إلى دراسة النحت ، عند الأستاذ كوريزي ، المختص بالأسلوب الكلاسيكي ، وبالإضافة إلى النحت كنا ندرس التشريح ، والنقد الفني ، وهناك دورات كنشاط لا صفي ، لتدريس التخطيط والرسم المعماري ، ونحت المرمر ، ومن هنا كانت بداياتي الجديدة ، فأنتجت أعمالاً كثيرة ، وشاركتُ في معرض الطلبة ، في روما ، وفي عام ” 1962 ” شاركتُ في معرض للطلاب العرب ، أقامته العلاقة العربية الايطالية في روما ، حصلتُ فيها على جائزة باسم دانتي ، كما حصلتُ في نفس السنة على دبلوم شرف وميدالية فضية في معرض عالمي أقامته في روما الجريدة الايطالية .راكان 10

من النحت إلى الرسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول راكان عن نفسه ، وكذلك يقول عنه بعض النقاد ، أنه ينحت حين يرسم ، ويرسم حين ينحت ، وربما تأتى هذا من دراسة راكان للرسم والنحت معاً ، وعشقه لكليهما عشقاً عميقاً راسخاً .
يقول راكان دبوب : تخرجتُ من قسم النحت ، وتقدمتُ إلى قسم الرسم في أكاديمية روما ، وقد قبلتُ في الصف الثالث ، بعد امتحان المقابلة ، وكنتُ متميزاً بين طلاب قسم الرسم ، فبعث بي الأستاذ جنتليني إلى القاعة الحرة ، حيث الطلاب المتميزون ، ويشرف علينا الأستاذ جنتليني نفسه .
وفي هذه القاعة الحرة تعلمتُ الشيء الكثير ، من خصوصيات إبداعية كالملمس الخشن لسطح اللوحة ، وتجربة التكوينات الحديثة ، وبدايات استخدام الثقوب السوداء ، التي أصبحت علامة فارقة في أعمالي .
ولم أكتفِ بالدوام صباحاً في قسم الرسم ، فرحتُ أداوم بعد الظهر في قسم الخشب ، في مدرسة جاكومو ، وكان عدد الطلاب في هذا القسم خمسة فقط ، وكنتُ متميزاً بينهم ، وقد أحبني الأستاذ ، وأخذني لمشاهدة أعماله في مرسمه الخاص ، وعلمني التقنية الأصلية في نحت الخشب ، ومعرفة الخشب وأنواعه وأدوات نحته .
وإلى جانب دراستي الصباحية والمسائية ، تقدمت لتعلم صك العملات والمداليات ، وبالرغم من إنني لم أداوم في هذا القسم إلا كورس واحد ، إلا أنه كان له أثر بيّن على رسمي ونحتي .

روما .. روما
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ويتحدث راكان عما تعنيه روما له ، وأثرها على مسيرته الفنية ، فيقول : روما تعني لي أولاً منهلاً لدراسة الأصول العلمية للنحت والرسم وتاريخ الفن وعلم الجمال والنقد الفني والتشريح ، وثانياً الجو الفني في روما وايطاليا عامة ، الغني بالآثار الرومانية ، وروائع الفن في النحت إلى جانب صالات العرض العديدة ، المختلفة الأساليب الفنية ، في تقديم الفنية الحديثة والمعاصرة ، وثالثاً الالتقاء المفيد والمتميز بطلبة الفن من كل أنحاء العالم ، ، وخاصة الطلبة العرب والعراقيين والكثير من هؤلاء الطلبة صاروا بعد تخرجهم فنانين في أوطانهم منهم : إسماعيل فتاح الترك وزوجته ليزا وغازي السعودي وميران السعدي من العراق ، ومؤمن صفوت وخزيمة علواني ووائل بتي من سوريا ، والعلمي من تونس ، وجوزيبي من مالطه ، وأرياك من الهند ، ونعيم ضومط من لبنان ، إضافة إلى العديد من الطلبة الايطاليين ، ورابعاً الفنان الكبير خالد الرحال ، الذي تعلمتُ منه حب الفن العراقي القديم ، وإشاعة الروح العراقية في الفن المعاصر ، كما تعلمتُ منه الكثير من تاريخ الفن ، وسير حياة الفنانين العالميين ، وطالما أرشدني إلى الصحيح والرصين في العمل الفني ، وصناعة اللوحة والتماثيل بملمس وتقنية معاصرة . راكان 11
عودة الفنان إلى وطنه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عاد راكان إلى الوطن ـ العراق عام ” 1965 ” ، بعد أن أتمّ دراسته في روما ـ الفن ، ليبدأ مرحلة جديدة في حياته الفنية ، تميزت بالمتابعة والتجريب والنضج والتقدم ، عن هذه المرحلة الجديدة يقول راكان : عدتُ إلى الوطن ، ممتلئاً بالخبرة والحماس للعمل في مجالي المحبب ، مجال الفن ، وعُينت أولاً في كلية الطب في جامعة الموصل ، ونقلتُ في عام ” 1968 ” إلى المجموعة الثقافية ، وأسستُ في عمادة شؤون الطلبة متحفاً للأزياء والحرف الشعبية الموصلية ، ونُقلتُ في بداية السبعينيات إلى بيت الفن ، وقد أنجزتُ في هذا المرسم مع الفنانين نجيب يونس وضرار القدو لوحات فنية كبيرة ومتميزة عن تاريخ الموصل والحرف الموصلية القديمة ، عُدت نواة لمتحف الموصل . ورغم أن عملي كله كان في مجال الفن إلا أنني كنت أطمح للتفرغ في العمل ، وتحقق لي هذا التفرغ عندما أحلتُ على التقاعد عام ” 1993 ” .

المراحل الخمس للفن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول راكان عن المراحل الأساسية ، التي مرّ بها ، وخاصة بعد عودته من روما الدراسة والفن إلى الوطن والعمل المبدع : بعد عودتي إلى العراق ، مررتُ بخمس مراحل فنية ، تختلف الواحدة عن الأخرى اختلافاً كبيراً ، ففي المرحلة الأولى ظهرت في أعمالي تأثيرات المدرسة الايطالية المعاصرة ، نتيجة لدراستي الأكاديمية في روما ، وخاصة تأثيرات الفنان الايطالي الكبير سيروني ، وقد أقمتُ أول معرض شخصي لي يحمل مواصفات هذه المرحلة عام ” 1965 ” ، وبعد معرضي الأول هذا بدأت التخلص من تأثيرات الفن الايطالي والروح الأوربية ، لتحل محلها تأثيرات الشرق عامة ، والبيئة المحلية بشكل خاص كعناصر تنسجم مع مفردات الأسلوب التجريبي ، وقد تمثلت هذه التأثيرات بإدخال بعض العناصر الشرقية كالخزف والقطع الفخارية الصغيرة وقصاصات من الورق والقماش بأسلوب الكولاج . راكان 13
وخلال فترة السبعينيات ازدهرت الحياة الفنية عامة ، والفن التشكيلي خاصة ، ونشطتُ خلالها بحيث كنتُ أقيم معرضاً شخصياً كل عام ، تقدم فهمي للتراث العراقي والفلكلور والبيئة الموصلية ، وتطورت النتوءات حتى غدت فوهات تتكرر في أعمالي ، وتأخذ مكاناً معبراً في اللوحة أو التمثال ، جلبت انتباه النقاد والمشاهدين ، حتى أصبحت سمة خاصة في أعمالي .
وخلال الثمانينات ، واصلت مرحلتي الرابعة ، بإنتاج غزير في الرسم والنحت ، كما واصلتً محاولاتي للبحث عن خصوصية الموضوع العراقي والعربي بصورة عامة ، وخصوصية التقنية والصناعة الفنية خاصة ، وقد تخلصتُ في هذه المرحلة نهائياً من التأثيرات الأوربية والايطالية ، وتزايد تأثري بالأجواء الشرقية والمحلية ، وإدخال الاكسسوارات الموصلية في اللوحة مع بقية عناصر اللوحة التشخيصية وأطر الأشكال الواقعية والابتعاد عن التجريد ، كما ظهر جلياً تأثري بالفن العراقي القديم ، وخاصة السومري وكذلك الآشوري .
أما المرحلة الخامسة ، والتي بدأت في نهاية التسعينيات ، فقد امتازت أعمالي فيها بدراسة الفن الإسلامي ، واستنباط ميزاته ، واستخدام بعض مفرداته في أعمال كالحرف العربي والتسطيح في إظهار الأبعاد ، واستعمال الخط الخارجي في رسم الأشكال ، وإدخال القوس والاكسسوارات المستعملة في البيت العراقي الموصلي ، والتركيز على الكتلة والتكوين الشرقي في علاقات عناصر العمل الفني .راكان 9

الخط الخارجي
بين البدائية والمعاصرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحول استمراره على التأكيد على الخط الخارجي ، واهتمامه المتزايد به في لوحاته الأخيرة ، قال راكان : الخط الخارجي أستخدم في حضارات عديدة ، وخاصة لدى الشعوب البدائية ، ولاحظتُ أن الخط الخارجي يبرز بجلاء في الفن الإسلامي ، وخاصة في تزيين القباب ، ثم اندثر مع الزمن ، حتى غاب تماماً عند الانطباعيين ، ودرستُ الخط الخارجي جيداً ، واخترت استخدام اللون الأسود ، وراح هذا الخط يزداد عرضاً عندي ، كما يبرز في لوحاتي الأخيرة .

الفوتوغرافي ـ راكان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم يُعرف الفنان راكان دبدوب ، في أوساط الفنانين ، بغزارة إنتاجه فقط ، وإنما عرف أيضاً بتنوع هذا الإنتاج وتميزه ، فهو رسام ونحات وخزاف ، وكذلك مصور فوتوغرافي مبدع .
ويرى راكان أن التصوير الفوتوغرافي قد أفاده كفنان تشكيلي ، وأضفى قدراً من الغنى على أعماله ، وفي هذا الصدد يقول : إن الفوتغراف عندي قنص المشاهد الحياتية بسرعة ، وأنا في هذا المجال لا أترك شيئاً للصدفة ، وإنما أصنع المشهد كما لو كنت أصنع لوحة أو تمثالاً وقد أفادني التصوير الفوتوغرافي كثيراً في اقتناص الفكرة ، وتحويلها عبر تخطيطاتي إلى لوحة أو تمثال ، هذا إلى جانب إنني أدخل في لوحاتي بعض العناصر المستمدة مما صورته في الأماكن الشعبية في الموصل ، وخاصة الاكسسوارات الموصلية ، وأعني الأدوات المستعملة يومياً في البيت الموصلي القديم ، والأشكال المحكمة الإخراج في اللوحة ، على الرغم من حداثة الموضوع والأسلوب ، فإنها من تأثير الفوتوتغراف على أعمالي التشكيلية .راكان 8

أنا ونزار قباني
ـــــــــــــــــــــــــــــ
خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي ، جاء الشاعر نزار قباني مراراً إلى الموصل ، مرة في عام ” 1971 ” بمناسبة مهرجان أبي تمام ، ومرات بمناسبة مهرجان الربيع .
ولأكثر من مرة ، زار الشاعر الكبير الفنان راكان دبدوب ، وأعجب كثيراً بلوحاته ومنحوتاته وتخطيطاته ، وقد طلب بعض التخطيطات ، التي تتناول المرأة بالذات ، ليزين بها دواوينه ، وبالفعل صدر ديوانان للشاعر ، في تلك الفترة ، تزينها التخطيطات الرائعة للفنان راكان دبدوب .
وفي إحدى زياراته لراكان ، اصطحب نزار قباني زوجته العراقية بلقيس ، وحين التقت بالسيدة أم بلال ـ زوجة راكان ـ قالت لها : هل لديكم بيبون ؟
وابتسمت أم بلال ، وقالت : نعم .
فقالت السيدة بلقيس : أريد كوبا من البيبون .
وعلى الفور أعدت أم بلال البيبون ، وقدمت لها منه كوباً ساخناً .راكان 7

على مشارف السبعين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد هذه الرحلة الطويلة والمثمرة مع الإبداع ، التي ناهزت حوالي الخمسة عقود ، سألت راكان : وأنت على مشارف السبعين ، كيف تنظر وراءك ؟
وعلى الفور ، أجابني راكان : أنا لا أنظر ورائي ، فالمستقبل هو ما أنظر إليه .
وصمت لحظة ، ثم نظر إليّ ، وقال : لم يعد في حياتي الآن سوى الفن ، إنني متفرغ كلياً للفن ، حتى أني لا أكاد أبتعد عن مرسمي ولوحاتي ، الفن ليس عندي بديل الحياة ، بل هو الحياة نفسها ، في الماضي كنتُ أبحث وأجرب ، أما الآن فإنني أجد ، وأضع الشيء في مكانه ، ولم أعد أدخل اللوحة أفقياً وعمودياً ، بل أدخلها محورياً إلى أعماق الأشكال ومضمون المرئيات ، صار العمل الفني عندي خلاصة ثقافية ، مأخوذة من كل تجارب الحياة ، ولكن من خلالي وخلال لمسلتي الخاصة ، التي تميز شخصيتي الفنية .
ورغم تقدمي في العمر ، فإنني ، عند كلّ صباح ، عندما أصعد السلم إلى مرسمي ، لا يشغلني سوى .. اللوحة القادمة .. فالمستقبل عندي هو .. اللوحة القادمة .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"