تابعنا على فيسبوك وتويتر

abdulreda jbara 2إن المقاربة النقدية الهادئة لخارطة الشعر العربي في العراق. في العقدين الماضيين لا تشي ببيانات نوعية متميزة بسمات خاصة لأنها لم تترك النصوص الأدبية بريئة في مناحي تطورها وقدرتها على رسم خطها البياني الخاص فإذا كان الشعر أكثر حراكا من كل نواحي المعرفة الاجتماعية وأنماطها ، فهذا يعني قدرته على التأثير بمواقع الخراب التي اجتاحت كل شيء ليس من ناحية عجز عن إعادة تقديم قراءة شعرية لسيرورة المنظومة المعرفية فقط ..

بل ومن ناحية قدرته على امتلاك لغة جديدة ومعاني مكتملة أكثر قدرة على صياغة منظومة جمالية تتجاوز ولا تجمد، تكشف ولاتصف، تتمرد على الواقع ولا تستسلم له، وبالتالي لم ترتسم معالم بيانات خاصة لعمل إبداعي يعلن استمرار بيانات الحداثة التاريخية والذي تجذر بعد منتصف القرن الماضي وأظهر معالم منظومة إبداعية سواء في الشعر أم في النثر اتضحت معالمها ودلالاتها على أيدي عمالقة الحداثة من المحيط إلى الخليج وإذا كنا قد لامسنا الانكسار والتخبط في أغلب الأجناس الأدبية بعد ان تعرضت الدولة العربية بشكل عام إلى هزات سياسية عارمة فان سبب ذلك إلى عجز بنيوي في المنظومة المعرفية التي تستند عليها مواقع انطلاقات النصوص الأدبية عموما والشعرية منها خصوصا .. وباستثناء أسماء قليلة جديدة وقصائد أقل منها . وعبد الهادي الفرطوسي الذي نحن بصدد دراسته هو أحد تلك الأسماء القليلة التي نضع من خلالها بيانا شعريا. ونلتقط خارطة جديدة متماسكة البنية. فتجربته الشعرية تمتد عبر (القصيدة والقصة . والرواية . والدراسة النقدية الممنهجة ، والمسرحية ، وهو في كل هذه الأجناس الأدبية قد حقق علوا إبداعيا ليس على مستوى كتابة النص الإبداعي .. وإنما على مستوى الاستبصار المتقدم في كتابة واقع النص المنسجم مع كيفية التلقي لذلك فلا بد أن يتعرف القارئ الكريم على أدب الدكتور عبد الهادي الفرطوسي بكل تنوعه وتعدده لأنها تفتي بمضمون أنساني خصيب وتعطي نموذجا للتكنيك الذي يصلح بين الشاعرية ومتطلبات البناء بين الدقيقة الوجدانية الحارة … والواقع … نعم انه يعطي احد الأمثلة النادرة على قوة التأثير الذي يمكن ان يحدثه ضغط الأفكار .. والانفعالات في إطار القصة والشعر . وليس هناك أمر أكثر طبيعية من أن يجري الإنسان بلهفة ليرى الدروب والخيارات التي يحترمها بالتجربة … والمعرفة ولأن الخلق الفني هو فعالية وإنسانية معقدة يتدافع في مجراها الوعي واللاوعي … الوجدان … والعقل … الفكر … والإحساس ، الثقافة والموهبة . المجرد والمحسوس الخيالي … والواقع . فان هذا الخلق يصبح المادة الأغنى عند عبد الهادي الفرطوسي abdulhadi-alfartosi-4لتتبع التفاعل المؤثر لهذه العناصر ورصد العمق . الشمول والأحادية / النجاحات والانتكاسات الناتجة من هذا التفاعل والانتقال من ثم … الى المستوى الفني لتبيان العلاقة (علاقة التأثير ) والتأثير بين هذا المردود المعنوي والشكل الفني . ان لحظة الشعر مرآة حقيقية للوجدان المتشبث بحركة الحياة بكونها واندائها صورة الوجدان بكل عنفه وعنفوانه واضطرابه وهدوئه لكي تتجسد وتتراءى لنا كاملة . تتراءى بحالاتها المنعشة المفعمة بما هو إنساني ولقد توحدت في شخصية عبد الهادي الفرطوسي صورة الشاعر .. والمثقف المعاصر والتاريخي والإنسان . لذلك فان الحديث عن تجربته الأدبية وعن التصور الشعري . هو في الواقع حديث عن تجربة إبداعية بكامل ذخيرتها المعرفية . ولقد ساهم الفرطوسي من خلال منجزه الشعري في كتابه نص شعري متسم بالجمال وبالعذرية فكان إسهامه في الكشف الجديد للشعر مفتاحا غنيا بمؤشرات الوجدان الإنساني وتلمساته المعاصرة. وكانت تطويراته الأسلوبية الواقعية والرمزية. والتاريخية قد أوصلته إلى لغة شعرية خاصة به.

وبتجلياته الناصعة . كتب الفرطوسي . إنجيل أم سعد .. وبوصلات بخلاصة الروح المجربة بكل اغواءات المعرفة وخطاياها . ومن نسيج هذه الأمكنة / الأزمنة / فينهض شكل القصيد ليرفع معه ساريتها في إبحار خطر صوب اللذة وشهوة الكلام . يخضع النص الأدبي في مجموعتي الشاعر عبد الهادي الفرطوسي لجدليتين أولاهما: اجتماعية .. وثانيتهما مماشية للممارسة الإبداعية ومعنى هذا أن النص يتمتع باستقلال ينبني عن الواقع الاجتماعي الذي أنتجه. رغم العلاقة الحميمة الموجودة بينهما .. والنص على هذا الأساس يخضع لجدلية خاصة داخل خضوعه جدلية أعم وأشمل .. فإذا كان المجتمع يسير على وفق جدلية مادية تاريخية بالتالي يتم تحوله من خلال قوانين تتحكم فيها البنية السفلى للمجتمع بأن النص الأدبي يأتلف مع هذه الجدلية العامة التي تقوده من الخارج ولكنه من ناحية أخرى يختلف عنها مادام يصدر عن قوانين داخلية تمس عالم الكتابة. فالشكل يتطور ضمن حدود معينة بحسب قوانينه الخاصة مثله في ذلك مثل كل تقنية أخرى وهو نفس ما يؤكده كاريل تيج، مستندا في أحكامه على توجيهات (لينين) وإعادة هذه الجدلية الباطنية للأعمال الأدبية ليست بخافية على كثير من الباحثين .. ولهذا أصبح من الضروري الانتباه إلى هذا الجانب المحايث للتطور الأدبي .. والشعر وللتفاعلات الحاصلة ضمن هذا الجانب السري للإبداع .. ونخرج من هذا التحديد لطبيعة النص الأدبي عند الشاعر المبدع عبد الهادي الفرطوسي بقناعة مبدئية تتلخص في الاعتماد على النص الذي نريد أن تجعل منه مجالا للتحليل والدراسة. فالناقد يجب أن يعطي الاعتبار الكامل للنص وألا يضيف شيئا له، لان النص هو أساس، وهو المقصود في مجال هذه الدراسة الموجزة . وهذه الملاحظة كثيرا ما غابت عن أذهان بعض الباحثين.

من هذا المنطلق فاني سأستند الى (المنهج الاجتماعي الجدلي) كوسيلة للبحث عن تقنيات نصوص المجموعتين: (بوصلات) الصادرة سنة 1998 و(إنجيل أم سعد) سنة 2000 ومن المعروف أن هذا القانون غير متعلق بالواقع الاجتماعي فقط. ولكنه ينسجم مع البنية العامة للمتن فالظاهرة الشعرية المعاصرة في تقديري قائمة على أساس نفس القانون لان المتن الشعري يتغير ويتحول باستمرار ولا يبقى على حاله واحدة ولا يثبت عند مستوى من التطور ولكن الواقع التحولي لمجمل الظواهر والوعي به لا يمنع من تحديد مرحلة زمنية للبحث تشكل فيها بنية عامة وعميقة يمكن ان تتضح علاماتها الدالة بعد الدراسة والتحليل. من هذا المنطلق فقد اعتمدت على النص الخاص في المجموعتين (بوصلات ) و (إنجيل أم سعد) في محاولة للقيام بقراءات ذات مستويات متعددة لأن النص بدوره يمر بمراحل معقدة أثناء التركيب وتحقيق ما نطمح إليه يفترض الابتداء بالجزئي حتى نصل إلى الكلي وبالبسيط حتى نقبض على المركب … ومن هنا سأبدأ بقراءة لغوية للمتن، ولن يكون الأمر في هذه الحالة غير تقطيع وتفكيك الأجزاء والوحدات المكونة لأهم النصوص في المجموعتين، والتي تختزن الوحدات الأكثر دلالة؛ لان البحث عن الوحدات الدالة ضروري، وهو يتطلب كثيرا من الحذر . ومن المعروف أن البحث عن البنية الجزئية للمتن … ثم إعادة تركيبها ضمن الرؤيا العميقة التي يقوم عليها هذا المتن (خطوتان محايثتان للنص . تتطلبان مجهودا في رصد ما هو ذو دلالة أساسية، قد تختفي.

*عن صحيفة بلادي


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"