تابعنا على فيسبوك وتويتر

hamid-alhraizi-2فقد يبدو وصف الكاتب ينطبق على مشكلة صعبة تواجه (الشيوعية)) في مراحلها العليا ولكنها شيوعية بلا روح نسخة متطرفة من ألـ((ستالينية)) أو ((الماوية)) فاقدة لجوهرها باعتبارها الفضاء الأمثل لغنى روح الإنسان وتخلصه من ضياعه!!!

أم إن ((الحضارة والازدهار)) مرحلة النضج التام للبنية التحتية للاشتراكية والشيوعية التي تمكن الانسان إن يعيش مرفها في حال تخلصه من هيمنة رأس المال وخلاصه من الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج؟؟؟ كما أشار المفكر وعالم الاجتماع العراقي الكبير علي الوردي:-

((إن النظام الذي تطمح إليه البشرية هو ذلك النظام الذي يجمع في نفسه محاسن الرأسمالية والشيوعية معا أي غزارة الإنتاج وعدالة التوزيع فهل في مقدور البشرية أن تتوصل إلى مثل هذا النظام المثالي؟؟)) (24).

إن هناك معضلة فكرية كبيرة أو أسئلة صعبة تواجه الكاتب ربما استعصى عليه الإجابة عليها مما اخل في صحة وصف روايته ((بالخيال العلمي)) لتقترب من وصف ((الخرافة)) وخلخل بناءها الفكري.

أم إن الإنسان أصبح متماهيا مع الآلة وكأنه جزء منها فالكل يعمل والكل يستهلك ولا ندري هل أن هذا الإنسان يستهلك يموت أم لا؟؟

أسئلة بحاجة لامعان الفكر فيها، أو أسئلة سابقة لأوانها لان تفاصيلها لم تزل في رحم الخيال.

العودة للطفولة الأولى ليس حلا

((التخلفيون هم البقية الباقية من الناس الذين رفضوا التكيف مع متطلبات العصر وقاوموا العقل الأكبر،وبعد شن حملة تأديبية عليهم،هربو إلى جبال الهملايا، واعتصموا هناك وما يزالون يعيشون حياة بدائية متخلفة)) (25)

يأخذنا الكاتب إلى نموذج الإنسان البدائي الذي يعيش حياة ((المشاعيه البدائية)) في فجر الإنسانية الأول حيث عيشة الكفاف والمساواة والتكافل والتضامن بين أبناء القبيلة الواحدة في ذلك الزمان فالواحد للكل والكل للواحد ولا معنى لإنسان الفرد خارج المشاعة.

يبرز لنا الكاتب القوة الخفية التي يمتلكها الإنسان البدائي(ألتخلفي)) تمكنه ليستعيض عن الكثير من الأجهزة ووسائل التقنية والتكنولوجيا الحديثة لو استطاع تنميتها واكتشافها وتقويتها بالمران المستمر وكأنه يشرح لنا كتابات كارل يونك وكولن ولسن حول الإنسان وقواه الخفية وطاقاته الخارقة,

في سياق الرواية يستطيع البطل ((جودة الساير)) أن يهرب ويلتحق بعالم ((التخلفين)) في جبال الهملايا!!!abdulhadi-alfartosi-2

أما لماذا الهملايا وليس اهوار العراق مثلا التي كانت ((شبابته)) رمزا من رموزها الروحية،فهل لكونها منبعا للروحانيات الشرقية أم بسبب ارتفاع وحصانة جبالها كوسيلة دفاعية يمكن أن يتحصن بها ((التخلفين)) للدفاع عن أنفسهم من عباد ((الآلة))، أم إن الكاتب كان لا يريد أن يكشف أوراقه وانحيازه وأحلامه وأمانيه المشاكسة إن لم نقل المعارضة والمقاومة لنظام الحكم الديكتاتوري آنذاك حينما تكون ارض العراق مسرحا لحوادث روايته خصوصا وهو كما معروف قد تعرض للملاحقة والاعتقال بسبب معارضته للنظام ؟؟

قدرات مدهشة

وبعد إن يستعرض قدراتهم المدهشة في الكشف عن الماضي والمستقبل والتخاطر مع الأرواح وقدرتهم في شل حركة العدو والسيطرة عليه مهما بلغ جبروته وقوة آلته. يؤشر الكاتب عن الحياة الدافئة والحميمية والمشاعر الصادقة التي تسود العلاقات داخل مجموعة( (التخلفيون)) والوفاء الذي لا مثيل له في الوفاء للحبيب أو الزوج ويظهر بوضوح على لسان معلمه فن التخاطر عن سر صدود فتيات قريتهم عنه عندما سأله:-

((.. أرى أن الحب لا مكان له في قلوب فتياتكم)) (26).

ابتسم معلمه ابتسامة ماكرة وقال:-

-لا مكان في قلوبنا للحب الزائف. المرأة عندنا تحب في حياتها رجلا واحد تحبه بكل جوارحها وتخلص له، وتمنحه كل ما تملك، والجل كذلك (27).

إن غريزة الحب عندنا قد عادت إلى سجيتها الأولى، في طفولة الإنسانية وتخلصت من الانحرافات التي خلقتها حضارة الآلة واستغلال الإنسان للإنسان (28).

فتعدد العشاق، والخيانة الزوجية، النزوات العاطفية العابرة..لا مكان لها بيننا، الحب الذي تتحدث عنه ليس حبا حقيقيا.انه نزوة مؤقتة لا تعرفها نساؤنا ولا رجالنا)) (29).

من الواضح ماركس. الرؤية وهذه القيم في الحب والزواج والعلاقات التي تحكم الرجل والمرأة إنما هي امتداد لقناعات الكاتب وميوله أو تبنيه للفكر الماركسي الذي يعطي أهمية كبرى مقدسة للعلاقة بين الرجل والمرأة وعلاقتها الزوجية التي يجب إن تكون مشبعة بروح المحبة والوفاء والصدق وخصوصا في المجتمع الشيوعي الذي يفتح كل آفاق روحانيات وطاقات الإنسان في ظل مجتمع الرفاهية والعمل الحر المنتج الذي يشبهه ماركس باللعب نظرا لتخلصه من عبودية رأس المال والعمل المأجور وتخلص الإنسان من أحكام الضرورة لينعم في فضاء الحرية حيث تكون الثروة ملكا للجميع وفق مبدأ ((من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله)).

-يتساءل ((جودة الساير)) عن أسباب عدم استثمار((التخلفين)) لقدراتهم الخارقة ، لماذا يرى حياتهم وصناعة أو اختراع وسائل الراحة والنقل والسكن والتعليم للحاق بالعالم المتقدم.

– ((إذا كنتم تملكون مثل هذه الطاقات فلماذا لا تطورون حياتكم المعاشية؟؟؟)) (30).

-..وماذا ينغص حياتنا؟؟ (30).

-فيرد الحكيم على تساؤله قائلا:-

– (( السعادة تكمن في أن يعيش الإنسان حياته بدون منغصات، السعادة تكمن في خلو المجتمع من الأمراض، كل أمراضكم الاجتماعية قد اختفت من حياتنا)) (31).

-(الكذب لا مكان له بيننا لأننا قادرون على كشفه بسهولة، الجريمة لا وجود لها،لماذا يسرق الإنسان؟؟ ولماذا يقتل مادام قادرا على الاستفادة من أي شيء موجود بين أيدينا؟؟ لذلك لا نرى في قرانا سجونا ولامحاكم ولا رجال شرطة ،لان الجريمة لا وجود لها بيننا…)(31) .

-انه تعداد لميزات المجتمع اللا طبقي مجتمع المساواة والتكافل والتعاون دون تمييز بين البشر على أساس اللون أو الجنس أو العرق.

على الرغم من ارتياح البطل الفنان للحياة في القرية من حيث القيم إلا انه يرى إن عليه واجب إكمال رسالته في إعادة الروح للإنسان في مجتمع ((الحضارة والازدهار)) وتحريره من عبودية الآلة وهيمنة((العقل الأكبر))،وكأنه يعبر عن لسان حال الكاتبة الأمريكية بيرك باك:-

((إن باستطاعتنا أن نجعل هذا العصر الجديد امجد عصور التاريخ البشري أو أشدها دمارا، بوسعنا أن نقيم مدنية جديدة رائعة إذا كانت مدنية عالمية )) (32).

((من واجبات الفنان إن يخطو إلى خارج الخوف، حتى يستطيع الآخرون أن يتبعوه)) (33).

فيقرر العودة لعالم ((الحضارة والازدهار)) مستغلا مناسبة النزول المليوني للناس هناك للاحتفال بمناسبة مرور 150)) عاما لحكم ((العقل الأكبر)) مستفيدا من العمل التحريضي الذي يقوم به داعية ألتغير((ابن الأرحام)) العالم((عاطف)) ورفاقه الآخرين،ولكن محاولته تبوء بالفشل لاكتشاف أمره وإيداعه السجن في ((تابوت)) يبقي ((الروح)) الإنسانية محجوزة فيه للحفاظ على ديمومة وبقاء نظام ((العقل الأكبر)) عقل الآلة والرأسمال عالم ارتهان الإنسان واستلابه واغترابه وانفصال روحه عن جسده!!!.kh-abdulhadi-7-2

الإنسان والتقدم التقني:-

“في عصرنا لا يوجد في المدن حر ولا برد ولا مطر ولا عواصف”ص36

“كالمعتاد أربع دقائق ونصف”

وكما وصف هذا التطور في نظرة تنبؤية ثاقبة العلامة علي الوردي قائلا:-

(( يقال إن الفرد في القرن القادم أو الذي بعده سيكون لديه صاروخ((كبسولة)) يحمله إلى أقصى الأرض في دقائق معدودة، أو انه سيحمل في جيبه هاتفا في مقدوره مخاطبة أي إنسان ورؤيته أو انه سيملك إلى جانبه حاسوبا يمكن أن يعطيه أية معلومة يطلبها في أية لحظة…)) (35).

((السعادة تكمن في إن يعيش الإنسان حياته بدون منغصات، السعادة تكمن في خلو المجتمع من الأمراض. كل أمراضكم الاجتماعية قد اختفت من حياتنا…لا ترى في قرانا سجونا ولامحاكم ولا رجال شرطة الآن الجريمة لا وجود لها بيننا)) (36). هذا الوصف ماركس.يأتي على لسان حكيم((التخلفين)) وكأنه يتحدث بلسان اريك فروم مبينا إن صفات الشر والهيمنة ليست من جوهر الإنسان وإنما هي صنيعة ظروفه الاجتماعية ((ليس عند الحيوان حسد ولا تدميرية من اجل ذاتها ولا رغبة في الاستغلال ولا سادية ولا رغبة في الهيمنة فكل ذلك أهواء تكون عموما لا توجد عند الحيوانات على الإطلاق، وهي تظهر في الإنسان لا لان لها جذورها في غرائزه بل لأنه تنتجها شروط مرضية معينة في بيئته التي تنتج الخصائص المرضية في الإنسان)) (37). لو القينا نظرة على ما تقدم من نصوص تصف حياة الإنسان في مجتمع″الحضارة والازدهار” لتوصل إلى استنتاج.فولكوف حيث يصف هذا العصر بأنه(( إن الرأسمال هنا في شكل آلات واتومات وعمل لاحي مجسد- يهيمن على حياة العمل، فيستلب العمال الكادحين ويحولهم تدريجيا إلى كائنات مجانسة لذاته، ينسخهم أجزاء في خط اتوماتيكي لا أكثر يصيرهم ((ريوبوطات حيه)) (38).

فان المتحكم في ظل نظام الرأسمالية هو الأشياء كما يقول اريك فروم

:-((القوة اليوم للأشياء… الأشياء التي تحكم الإنسان وتسوده)) (39).

وان التطور العلمي والتقني قد بلغ حدا لا يمكن تصوره فمثلا يمكن بلوغ أية نقطة في العالم خلال “أربعة دقائق ونصف فقط” ولكنه في المقابل يمسخ لإنسان ويعطل قواه الروحية في المجتمع الرأسمالي المبني على الربح ووقت العمل والإنتاج هذا الأمر الذي أثار حفيظة الكثير من علماء وفلاسفة ومفكري العالم حيث يقول جورج جسنج:-

(( إني امقت العلم، وأخشاه استنادا إلى قناعتي انه سيكون للبشرية عدو فاقد الضمير، وذلك لمدة طويلة جدا إن لم يكن للأبد، إني لأراه وقد أتى على كل ما في الحياة من بساطة ووداعة وكل ما في العالم من جمال وأعاد الهمجية تحت قناع المدنية، ونشر الظلام في عقول البشر، وقسى قلوبهم،وجر في أعقابه عهدا من المنازعات الكبرى وبعثر جميع الجهود التي بذلها البشر في بحر دموي من الفوضى)) (40).إن جورج جسنج كأنه يتحدث بلسان حال ((جودة الساير)) وهو يشهد حال الإنسان في زمن “الحضارة والازدهار” كذلك فانه يتحدث بلسان الإنسان الحالي في عصر الرأسمالية المعلومة الراهنة،حيث تم استخدام آلة العمل العالية التطور التقني للهيمنة على العالم وقهره واستلابه واغترابه وبؤسه، التدمير الهائل لبيئة،وهذا ما نشهده في ثقب الأوزون والتصحر وذوبان جليد القطبين…الخ، وليس هناك ما هو أوضح من الفايروس المرعب المنتج العرضي المتمرد والمتسلل من مختبرات البحوث والتجارب العابثة بالخرائط الجينية للإنسان والحيوان والنبات وكل الكائنات الحية دون اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة، فها نحن نشهد جنون البقر وأنفلونزا الطيور والخنازير والايدز والقائمة تطول ونطول ولا احد يعلم ماذا سيحل بالعالم من كوارث إن استمر الحال على ما هو عليه ودون أن يشير أحدا إلى جنون ((العقل الأكبر)) عقل ((العولمة الرأسمالية )).

موقف الكاتب

فما هو موقف الكاتب هل يدعو للاستسلام والرضوخ لهذين النموذجين اللذين وضعهما أمامنا في روايته(( عصر الحضارة والازدهار)) وعالم((التخلفيين)) في جبال الهملايا؟؟؟

إن جودة الساير يرفض النموذجين معا حيث يرى إن نموذج العزلة في الهملايا على الرغم من سموه ووداعته وتفجيره لقوى الإنسان الفرد والجماعة لكنه لابد وان يمتلك ناصية العلم والتطور التقني والخروج من عالم الحياة الطبيعية الفجة حيث يصرح:-

((إن للتخلفيون آراءهم التي ارفضها)) (41).

وفي نفس الوقت فانه لا يستكين ولا يقبل بحال الإنسان في مجتمع ((الحضارة والازدهار)) على الرغم من كونه عالماً عالي التطور والرفاه ولكنه عبارة عن “جنة” ولكنها جنة بدون إنسان أو إنسان مسلوب الروح والمشاعر والأحاسيس.

وبذلك فان ((الساير)) يتخذ قرار للتغيير عبر أسمى رموز الروح وأكثرها فهما وعمقا للإنسان “الموسيقى”(( صرت أفكر جديا بتغيير العالم الذي صنعه العقل الأكبر)) (42). بما اسماه ثورة”الشبابة” أي بروح الموسيقى التي تحمل عقوبة وبساطة وعمق وجمالية الطبيعة المعبرة عنها((بالشبابة)) المصنوعة من القصب،أي الموسيقى أو الطبيعة التي لم تشوهها الآلات الصناعية الحديثة. وهنا فالموسيقى هي فسحة الحرية والوقت الحر المعطى للإنسان للمتعة ((الحب)) كما معبر عن ذلك في العديد من المقولات والتنظيرات الماركسية الكلاسيكية والحديثة وكما ذكر ج.فولكوف (( ليس الإنسان بذلك الشخص العقلاني وحسب… ، بل العاطفي أيضا أن مجتمعا غني، بالمعنى الصحيح للكلمة لابد وان يأخذ في يد مواطنيه لتطوير مواهبهم العاطفية،والفنية،بحيث يعبرون عن ذواتهم، وما يجول في خواطرهم، بالشعر،بالفكر،…. ،بالفن.. فالثروة توزن بميزان الوقت الحر ، وليس الوقت المشغول بالعمل. فكـــــما قال ماركس ….)) (43).

ويرى ماركس يجب إن والزراعة،أن يكون صنوا للعب من حيث حرية الاختيار والمتعة والرغبة في الإبداع والابتكار الحر والهدف السامي.

بمعنى إن ((جودة الساير يسعى، من اجل أن يربط بين التقدم العلمي الهائل في عصر (الحضارة والازدهار)) وبين روح الإنسان الحية المبدعة المبتكرة في عالم((التخلفيون)) ليبلغ الإنسان أوج سعادته وأمنه وهذا ما يراه العديد من منظري الماركسية هو ما يمكن أن يتحقق في المجتمع الاشتراكي الشيوعي حيث يقول فولكوف:-

(( الإنتاج سيشكل نظاما اتوماتيكيا واحدا ،يدرج سعيا وراء الفعالية القصوى.. جميع فروع الصناعة والزراعة ،ويتحكم بها مركزيا،استرشادا بخطة شاملة موحدة… وستحكم حياةصوتي،مع قوانين الوقت الحر لا وقت العمل وهكذا)) (44).هل هذا الوصف موجود في عالم اليوم أو هل إن عالم اليوم هو طموح (جودة الساير)) الذي يرقد ، الآن سجينا في تابوت الكتروني غارق في ظلام عصر ((الحضارة والازدهار)) وسط صمت ثقيل يصرخ من اجل حريته وحرية بني الإنسان جميعا ولا احد يسمع صراخه:-

(( صرخت بأعلى صوتي ،وصلت الصرخة لمسامعي صدى لنداء مخنوق ، فأدركت بان صراخي لا يتعدى جدار التابوت)) (45).

هل سيسمع البشر صوت الساير ويتوصلوا إلى مفتاح خلاصه كما يراه ماركس:-

(، دون إلغاء الملكية الخاصة هو إذن الانعتاق الكامل لكل الحواس ولكل الصفات الإنسانية)) (46).

والذي يقول أيضا:-

(( عندما يكون الإنسان قد تعرف إلى ((قواه الخاصة)) ونظمها كقوى اجتماعية، دون إن يفصل عن ذاته السلطة الاجتماعية،على شكل سلطة سياسية،حينئذ فقط سيتحقق كليا التحرر الإنساني)) (47).

في الختام يمكننا إن نسمي ((الزمن الحديدي)) بزمن ((ضياع الإنسان))،فمرحلة الضياع هذه هي في الوقع الحلقة الأخيرة من سلسلة ضياع الإنسان فان كل ما أنجزته البشرية حتى الآن لم يزل ضمن ((التاريخ الطبيعي)) للإنسان حيث مر هذا التاريخ بعدة مراحل أولها انفصال الإنسان عن أمه الطبيعة وبهذا الانفصال احكم الإنسان سيطرته عليها وسخرها وكيفها لخدمته((لا حر ولا برد ولا مطر ولا عواصف ولا فيضانات)) ومن ثم انفصال الإنسان عن ابن أمه وأخيه الإنسان وبذلك خلق المقدمات الضرورية للانتقال إلى إنسانيته الحقيقية-تدمير العلاقات الأبوية والبطريركية ألما قبل مدنية وقطع الحبل السري للإنسان بالقبيلة والقرية وخلق الإنسان الفرد- وفي مرحلته الأخيرة انفصل الإنسان عن ذاته التي تبلغ أوج مراحلها في ((الزمن الحديدي)) أو في زمن العولمة الرأسمالية المتوحشة حيث يبلغ الإنسان ((عريه التام)) ليكون مجرد ((قطعة لحم في آلة)) كما يقول ماركس.وهنا لابد للإنسان إن يستعيد ذاته بإبطال مفعول سحر ((مسخه)) إلا وهي ملكة السحر الأسود الملكية الخاصة وكما قالت الروائية الأمريكية ليليان سميث في مقال بعنوان ((الروائي يجب أن يلتزم)) ((إن الحرب هي العدو الثاني للجنس البشري إما عدوه الأول الذي يزحف وينتشر بإصرار على أوسع نطاق فهو امتهان الإنسان)) (48).

حينما صنع إنسان ((الجاهلية)) في الجزيرة العربية إلهه من فائض التمر الذي بين يديه،كان يلجا إلى أكله عندما يمسه الجوع أي انه يأكل معبوده حفاظا على وجوده، ولكن هذا الإله ((المال)) و((رأس المال)) يطبق بمخالبه على خالقه في مرحلة ((الرأسمالية المتهالكة)) كما يسميها سمير أمين.

سحر اسود

إن الفرطوسي حسب ما نرى يوجه رسالة إلى كل بني البشر لتخليص ((جودة الساير)) الفنان من ((تابوته)) المحتجز بقوة صاحبة السحر الأسود ، وتنكب ((شبابته)) أداة ستر الإنسان من عريه وعودته لذاته ليبدأ التاريخ الحقيقي للإنسان مودعا مئات القرون من ((تاريخه الطبيعي)) ، عارفا الفرطوسي واجبه كأديب وكفنان ليتبعه ويسترشد برائه وتأشيراته الآخرين وكما تقول الكاتبة الأمريكية بيرل باك في مقالتها الفنان في عصر العلم( من واجبات الفنان أن يخطو إلى خارج الخوف،حتى يستطيع الآخرون أن يتبعوه إلى العالم المتسع الآفاق)) (49) .في خاتمة القول لا يسعنا إلا إن نثمن عاليا قدرة وجرأة الكاتب والأديب الدكتور الفرطوسي في تناول مثل هذه الإشكاليات الكبيرة التي نواجه حاضر ومستقبل البشرية وتطورها العلمي الهائل والمتسارع إن يكن وحيد الجانب أي منصبا على تطوير واغناء الآلة وإهمال روح الإنسان لتتصحر يوما بعد آخر، كذلك نثمن قدرة الكاتب باضفاءه لروحه الشعرية الجميلة لتضفي طراوة عذبه على مثل هذه الروايات التي ترتدي ثوب العلم الجاف.

إما بالنسبة لاجتهاداتنا في التأويل والتحليل وملاحظاتنا وتأشيرنا على بعض الثغرات والهفوات في ثنايا الرواية فإنها لا يمكن أن تنال من الرسالة السامية التي استطاع الكاتب أن يوصلها إلى قراءه في زمن صعب زمن الديكتاتورية يجبر الكاتب الأديب والفنان صاحب الرسالة إن يواري مقاصده ورسائله للمتلقي النبيه بين ثنايا النص وتأويلاتها في زمن يحضر التصريح ويلاحق التلميح، وهذا مما قد يكون السبب الرئيسي فيما نراه من ثغرات أو إغفال أو هفوات وهنا لابد لنا إن نستشهد بقول الكاتب الانكليزي سومر ست موم حول فن الرواية كيما نكون أكثر موضوعية في دراسة أية رواية:-

(( إنني كلما فكرت في عدد العقبات التي على الروائي إن يجتازها ، وفي مهاوي الزلل التي عليه أن يتجنبها ،لا ادهش حين أجد حتى أعظم الروايات لا تخلو من العيوب ولكني أدهش فقط لأنها ليس فيها إلا هذا القدر من العيوب….)(50)

الهوامش والاحالات:-

1- الفرطوسي عبد الهادي رواية ((الزمن الحيدي)) ص49.

2- نفس المصدر ص31.

3-نفس المصدر ص19.

4- نفس المصدر ص40.

5-نفس المصدر ص 20.

6- سمير أمين (مابعد الراسمالية المتهالكة ) ص99.

7- الفرطوسي عبد الهادي رواية(( الزمن الحديدي) ص23.

8- نفس المصدرص24.

9ص24.

10= ص25.

11-= ص 27.

12-= ص26.

13-=ص35.

14-=ص32.

15-=ص53.

16-=ص43.

17-=ص47.

18-=ص 49.

19-=ص56.

20-=ص57.

21-=ص66.

22-= ص66.

23- صائب خليل موقع الناس في 2/6/2009.

24- علي الوردي في النفس والمجتمع العراقي جمع سعدون هليل.

25- الرواية 48.

26-الروايةص80.

27-الرواية ص 80.

28-الرواية ص 80.

29-= ص81 .

30-=

31-= ص 75.

32- الفنان في عصر العلم ترجمة فؤاد دوارة –سلسلة الكتب المترجمة 41)) ص25.

33- نفس المصدر ص29.

34-الرواية ص36.

35-علي الوردي(النفس والمجتمع البشري- عن جريدة الاتحاد(جمع سعدون هليل) ص250.

36-الرواية ص75.

37-اريك فروم –فن الإصغاء – ص75.

38-الإنسان والتحدي التكنولوجي(47) \ج. فولكوف ترجمة سامي كعكي(دار الطليعة بيروت ط1

39-اريك فروم –فن الاصغاء- ص193.

40-فلسفة العلم د. صلاح قانصوه منشورات دار الثقافة للطباعة والنشر 1981ص233-234.

41- (الزمن الحديدي)ص.

42-= ص79.

43-ج.فولكوف الانسان والتحدي التكنولوجي(ص144) –ترجمة سامي كعكي دار الطليعة.

44-نفس المصدر ص168.

45- الرواية ص89.

46-ماركس المخطوطات 1844- ترجمة الياس مرقص.

47-= ص38.

48- الفنان في عصر العلم ص59

49- == =======ص 49.

50-= = = ص 50.

*عن صحيفة الزمان


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"