تابعنا على فيسبوك وتويتر

الشاعر عبد الله الخشرمي

(أنا أربك الفوضى
وأحدث هدأة الأشياء
أقتلكم بموتي
ثم أمضي
حين أمضي
سوف تبكي كل فوضاكم
ترتيلي
وصمتي
أنا
أربك الفوضى
وأحدث هدأة الأشياء )
(عبد الله الخشرمي)
قصيدة (فوضى)
(وجهان للمنفى) هي المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر السعودي (عبد الله الخشرمي). ضمت المجموعة أربعة وثلاثين نصا منها: قلق، افتضاح، هذيان، وبكيت تومي، شتات، ضياع، طفولة، سدرة المنتهى، أنثاي .. وجهان للمنفى ، آية الإبهار ، فوضى.. وغيرها.
وتتسيّد موضوعة الإغتراب الذاتي والشعور الممض بالنفي في المكان الأمومي على أجواء المجموعة .. غربة ماحقة عن الذات.. عن الآخر.. وعن الموجودات. وحين تمزق ذات الفرد أحاسيس النبذ واللارجاء والخيبة فإنه يصبح أكثر هشاشة أمام ضربات معاول الموت والتهديد بالفناء. هكذا يخيم الشعور بالقابلية على الإنجراح .. بالخيبة.. بلاجدوى الأشياء وخواء الوجود على كل شيء:
(وأنا أجيء من البكاء
ملثما بمباهجي
وحدي
أواري غربتي
امضي يقينا
أحتسي ريي ) –قصيدة “قلق”-
وقد تقسام الصوت الشعري في المجموعة ضميران: ضمير المتكلم/ الأنا من جانب ، وضمير الشخص الثاني / المخاطب من جانب آخر. لكن “الأنت” مشتق من “الأنا”.. الشاعر ممزق الروح والوجدان.. وفي خطابه الملتهب الموجه إلى “الأنت” يقف موقفا “إسقاطيا-   projected ” يشخصن فيه ذاته الموجوعة في الخارج كفعل نفسي دفاعي:
(وحيدا
يعقّك ظلكَ
منتعلا آخر الطيبين
له قامة من وطن
وتنهض وحدكَ
بلد ترى الأرض فقدك
مرسى الثغور فواتك
تلتاث بين يقين وظنّ
أكلّ السيوف عُصاتكْ ؟ ) –قصيدة “ضياع”-
ولكن الإقتدار الشعري العالي يتجسد في الكثير من القصائد التي يستهل “حكايتها” – والسمة السردية واضحة في قصائد الخشرمي ، وهذا من عوامل متانتها وتعزيز وحدتها الموضوعية- بصوت الأنا المفجوع والمحاصر بالخسارات ليتحول بعد خطوة من الإعلان الماحق بالفناء والخيبة إلى ضمير المخاطب.. موسّعا دائرة الفجيعة:
(وأسرف في اللغو
أسرف في تمتمات الأساطير
حين يفرّ من الشمس ظلّي
يمتدّ ليل القبيلة في أضلعي
عسسا ووعيد
…………..
…………….
أنت وحدك
تنتخب السيف 
ماضون في صوتك الرخو
كل يدب إلى قوته
والحصون الشواهق
تختار ميقاتها
لتميد ..) – قصيدة “هذيان”-
ويتجلى اقتدار الرؤية الحاكمة – والرؤية تقنية وأساليب وطرائق … مبنى وشكل- حين يصمم الخشرمي المقابلة الحوارية بين الأنا والأنت “الأنت الأنوي ” بصورة محتدمة وسريعة وذات روح درامية صاخبة ومنجرحة تضفي على الموقف روحا دينامية صراعية. لعل الأنموذج الأكمل هو في قصيدة “قيامة”.. وبسبب هذه السمة الأسلوبية فإن نصوص الخشرمي هي اكثر النصوص حاجة للتشكيل (تقييد الحروف بالحركات) وهذا ما يعبر عن عبقرية اللغة العربية المظلومة التي يتداعى أبناؤها الأشاوس إلى حرقها:
( في بيد أسلافي
امتطيتُ معارج الشمس اليتيمة
زملتكَ الظلمة البلهاء
قلْ ما شئت أو ما لا تشاء
وحدي أقلّبُ دفتر الدنيا
وأقرأ صفحة فتفرّ أخرى
قِفْ على (إيوان كسرى) عاريا
إلا من الأسمال
واللغة العراء
وانفثْ هلامك في هلاكك
ما تريدُ .. ولا تريدُ خبا )
لكن الأنامل الخالقة للمبدع تستطيع تشكيل أشكال باهرة من مسلمات اللعب على أوتار الضمائر المعاد ، فلا نرانا نقول قولا معادا.. مكرورا.. مستهلكا.. لكن قولا متجددا باذخ المعاني .. مراوغا ومناورا.. فينقلنا الخشرمي وبصورة مدروسة إلى “لعبة” القرين التي من الممكن أن تضيّع من يقع في مصيدتها إن لم يكن عارفا بأسرارها ومواطن إلغازها المغيبة. والقرين وجه من وجوه الذات الممزقة.. ذات الشاعر تتمزق بلا رحمة في واقع مواتي يتفسخ ويتخشب وهو حي ( لنتذكر الإهداء الذي صاغه عبد الله لقصيدته “حرّاس الفناء” : إلى (دم الذكرى) .. إلى كل قرية ماتت حيّة ومن حولها أحياؤها أموات ).. هذه هي قرى “الزومبي” كما تعرض في أفلام الرعب حيث ينقلب العالم الأسفل ليصبح عالما أعلى .. فتذهل كل مرضعة عن مرضعها ويفر الأب من زوجته وبنيه .. ووطنه وأخيه.. وتنشطر مكونات الجهاز النفسي بنيويا.. ويصبح لنا قرين مُعاقب أو مُغوي يطاردنا كظل .. وهو فعليا ظلنا النفسي:
( وودعني
في المطار
وحين جلست على مقعدي
صار جاري
وحين وصلتُ إلى وجهتي
كان حزني معي
في انتظاري ) – قصيدة “قرين” –
ولكنني أجد لزاما علي أن أحذّر – بمعنى الكلمة – من حالة التغرّب والاستلاب والتمزّق التي يعاني منها الشاعر والتي تتمظهر بصورة صارخة في نصوصه كلّها.. هذه الحالة المدمّرة ليست مثل حالات الغثيان والشعور بالتغرّب والتقزّز والسوداوية التي اجتاحت الواقع الثقافي العربي في الخمسينيات والستينيات بفعل المد الوجودي.. فصار الشاعر العربي يعلن عن تذمره الحارق من المدينة التي تسحقه ومدننا كانت قرى ولا تشابه المدن الأوربية.. عبد الله مفجوع و(غريب الوجه واليد واللسان) ليس من أجل انكسارات ذاتية رغم أهميتها.. ولا بسبب خيبات شخصية وهي كثيرة ومستعصية ومبثوثة في النصوص ..إنهمامه الأكير هو لأنه يشاهد بروح عزلاء ، وطنّه ممزقا محطما.. وأناسه الذين نذر حياته من أجلهم يسحقون ويهانون .. والمستقبل الفردوسي الذي وُعد به وقد أصبح وهما وتطاول حاضر مرعب ودام :
( أسنّ دموعي
على محجر الليل
أصحو فتاتاً
على ما يسمونه وطناً
يتوزع بين الوكالات
في الصور الباذخات الدماء
ألملم أشلاء طفلٍ
يماثلك اليوم يا وطناً
شاهقا في الشتات
يسيل على رسلهِ  في الصحائف
مستبسلا في البيانات
واللغة المستحمّة بالخوف .. ) – قصيدة ” شتات ” –
لكن الدرس الذي يقدمه لنا لاشعور الشاعر ، بخلاف التنفجات الذكورية السلطوية ، هو انسراب الأنثى / الأم العشتارية العظيمة كصورة أصيلة “للمنقذ” .. كأداة للخلاص.. حتى الجنّة صممت على أساس حالة الاسترخاء الجنينية على “أريكة” الرحم الأمومي المنعم.. من فلسفة الرحم الأمومي انطلقت اللغة والشعر والأفكار والفن .. وفي أية محنة تكتسح وجود الفرد وتلقيه في جبّ الخيبة والخراب والفناء .. يحضر وجه الأنثى المقدس .. تحضر الأنثى الأم المانحة المعطاء .. وواجب الشعر – حسب معلم فيينا – أن يخلط المقدّس بالمدنّس ليقدم الوصفة العلاجية العظيمة :
( فُضّي كتاب الوقت
يا امرأتي
وعقّي آية الأحقاب
متكأي على كتفيكِ
أوقظ آيتي
دمُكِ النبيّ قلادتي
وجنونكِ الأخّاذ سفري
واليقين مفازتي . ) – قصيدة ” سدرة منتهاي ” –
أصدر عبد الله الخشرمي أربع مجموعات شعرية قبل “وجهان للمنفى) هي :
– خارطة المرايا
– ذاكرة لأسئلة الفوارس
– تحولات الزمن اليخضور
-منفى ..
حاشية:
————
جاء عبد الله إلى الفن من العلم .. جاء إلى الشعر من الإدارة العامة والإقتصاد .. وهو رئيس المركز العربي للثقافة والإعلام ورئيس تحرير مجلة مال وأعمال.. وقد لفت انتباهي كثرة الشعراء العرب عموما – والسعوديين خصوصا – الذين يصعدون إلى سماوات الشعر متسلحين بمهارات العلم “الأرضية”.. ترى .. كيف يعزّز الوعي العلمي المنضبط الموهبة الشعرية التي تطمح إلى تمييع الحدود وتلغيز الظواهر وتدمير القوانين ؟!


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"