تابعنا على فيسبوك وتويتر

sadek-almakhzomiإشارة :
إذا كان نزار قباني قد ألبس القصيدة الغنائية قميصا وبنطلونا وجعلها تتجوّل في الاسواق، فإن شاعر العراق والعرب الكبير مظفر النواب قد جعل – أوّلاً – القصيدة السياسية شريانا يمتد بين قلب الإنسان العربي وقضيته. كان أشرس من مرّغ أنوف الملوك والرؤساء المتخاذلين بلا هوادة. وثانياً فإن ثورة النواب العامية هي ثورة إبداعية كبرى لم تبزها حتى اليوم أي ثورة أخرى في الوطن العربي. وثالثا، فإن النواب هو الأنموذج العملي الجسور للشاعر الشجاع الثائر الذي حمل قضية أمته من العراق إلى ظفار فأرتيريا ففلسطين حيث قلب القضية. أعاد مظفر للشعر كرامته النضالية المهدورة. فتحية له في محنته. تدعو اسرة موقع الناقد العراقي الأحبة الكتاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف المفتوح زمنيا بالدراسات والبحوث والصور والوثائق.

المقالة : 
عايش النواب في مطلع حياته أجواء عائلية مشبعة بالموسيقى والصور, إذ كان والده يعزف على العود ووالدته تعزف على البيانو, وتأثر بالأجواء الكربلائية التي تكتنز بها الكاظمية حتى انه مارس فن الرسم, ولما نظم الشعر في أوائل الخمسينات جاءت أشعاره تجانس بين الألوان والروائح والأصوات والحركة لتشكل صورا للحزن العراقي والثورة والغربة.
ولئن سُجل على النواب، على الرغم من كونه ماركسيا، أنه وظَّف رموز التراث الشيعي بخاصة, فيجدر القول أنه لم يتناولهم تحت ميول مذهبية وإن نشأ في بيئة شيعية, بل تعرض لهم من حيث المظلومية التاريخية وأن موقعهم تحت دائرة الظلم الأول في أبجدية الصراع بين الخلافة والامامة في أزمات الحكم وفهم الولاية هو الذي فجَّر الثورة ومد خيوطه الى أجيال, ومِن بعد مَن تبناهم وقع تحت رحى الظلم الآخر يستشرق ثورة.
ولم تخص هذه الرموز الشيعة فحسب بل عني بها عامة المسلمين, فهم معين لا ينضب, وكل يأخذ منه بغيته, ولذا هم عند الشاعر إيادُ الحق وأقطاب الثورة, حينما أريد دولنة الدين طبقيا بعيد الشورى, وتسييس قميص عثمان إثرَ ثورة الأمصار وأبان انتخاب الخليفة حقا من جبهة المعارضة وتيار الفقراء, فمن هنا أراد الشاعر أن يقرأ التاريخ من وجهه الآخر الناصع.
بيد أنه وظَّف أسماء عديد من الأنبياء والوصيين ورواد الثورة يستنطقهم , وحيثما يبلغ السيل الزبى بالشاعر من رجس عمل الحاكمين, ولم يشفع له استحضار الأنبياء والصالحين والثوريين عبر التاريخ, فانه يستصرخ أمجاد فرعون ويستغيث به ليته يحضر. ففي “عروس السفائن”:
“أفرعونُ, يا من تخلد أهرامك الموتى
أسرع, هنالك من يقتني هرما للمخازي” .mothaffar 5

رمزية الحسين الشهيد:
الحسين توأم الثورة, وباب أبجديتها في زمان دول العهر (1), وهو على أبوب العراق رفع راية ثورة عليٍّ الحَقِّ ثانية, وهو في سماء العراق نجم يضاء بالدماء المجبولة بطين الشهادة, وسما حتى أضحى نبيَّ الزمان أو كاد. فيقول في ” عروس السفائن”:
وكان على عتبات العراق الفضاء ..
… به نجمة.. لست ادري بماذا تضاء..
وفي نجمتي تلك يجتمع الله والأنبياء..
تأخر عنهم نبي.. سئلتُ..
فقلت يزيت حد السلاح..
فإن نبي الزمان الفداء.
أو هو عنده الوحي المستمر, وتم به الله نعمة الكتاب وختم النزول ففي “الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين”:
“فضَّةٌ من صلاة تعُمُ الدخول..
والحمائم أسراب نور ..
تلوذ بريحانة أترعتها ينابيعُ مكة
أعذبَ ما تستطيع..
ولستُ أبالغ, أنَّك وحيٌ تأخر بعد الرسول”…
“بكى اللهُ فيك بصمت..
وتم الكتابُ..
فدمعُك كان ختامَ النزول”
والحسين مدرسة عالمية للثورة تلمذ عليها الثوار مثلا: زيد, وحسين فخ, وأبو عبدِ الله الشيعي, وزيد النار, ولوموبا وماندلا, والنواب؛ وهذا الزعيم الهندي ” غاندي “(2)يقول : ( تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر ), ولعل مرجعية ذلك لشموخ معلمها ورباطة جأشه حتى في لحظات سادية الظفَر, وتبختر الخيول على صدر الانتصار, فيقول في قصيدة “الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين”:
“قد تعلمت منك ثباتي, وقوة حزني وحيدا ..
لكم كنتَ يوم الطفوف وحيدا
ولم يكُ أشمخَ منك ..
وأنتَ تدوسُ عليكَ الخيول..
من بعيد رأيتُ, ورأسُك كان يُحزُّ،
حريقَ الخيام..
فأسدلتَ جفنيك فوق الحريق حنانا…
فدمعُك كان ختامَ النزول ”
ولعلها تذكرنا بمقالة راوية الطف حُميد بن مسلم:”ما رأيت مكثورا قط قتِل أهلُ بيته وأصحابُه أربطَ جأشا ولا أمضى جنانا منه” , وعلى الرغم من صدق المعاينة كانت كلمات الشاعر أبلغ منها أثرا في النفس.
ثم يجعل الدهر يبايع الحسين, والجنة تقف على عتباته تشرئب إليه وتبشره بحياة الخلود, ويقصده الشاعر ليلقي همومَه على جنباته هناك ليس كأيِّ صاحبِ حاجة. فيقول:
” وبايعك الدهر..
وارتاب في نفسه الموت مما يراك بكل شهيد..
فأين- تُرى- جنةٌ لجوازنا..
هذا مقامُك..
هل كنت تسعى إليها حثيث الخطى؟!
أمْ- تُرى- جنةَ الله..
كانتْ تريدُ إليكَ الوصول؟..
وأقِفُ ها أنا وشجوني ببابك.
ما شاغلي جنةَ الخلد, ولا أستجير من النار..
لكنني فاض قلبي بصوتك..
تستمطر الله بقطرة ماء”
ويعرج الشاعر على ظلامة شعب العراق المتهم المخدوع, وقد انفرد به الحاكم المطلق عبر التاريخ, فيقول:
” ها هو شعبُ العراق..
وقد رجّلتْه سيوفُ الحصارِ وحيدا..
ويطولُ يزيدُ بهِ.”
وما زالت ازدواجية أهل العراق تؤرّق الشاعر في قضية الحسين ( رأس الثورة), في الحب والخوف وفي الاحترام والكراهية, فكانت قلوبهم معه وسيوفهم عليه, كما قال له- على رواية- الفرزدق على أبواب مكة؛ ومنها انبثق الصراع بين القلب والسيف, وانتصرت سادية السيف, إذ وضع القلب على حدِّه فتدفقت من شغافه سوداوية الحزن في ازدواجية جديدة “حزن جبان وحزن جرئ” فالشعب بين متردد إذا ما خطا خطوة ترتد الى الذات فيتحرق ويشتكي ويشفي غله من غليله برقرقة من دموع لا تُكَفُ على شهيد الدمعة الساكبة, وبين محزون يخرج من شرنقة الشعور بالذنب التاريخي ويفجر وعاء الحزن الى ثورة التوبة والتوابين.
ولم يلبث الشاعر, كوريث أبدي لأهل العراق, أن يتكئ على مسوغ يعلق عليه عذاباته, هو عصا الرياح السياسية وسطوة تغيرها في إغراقه بضبابية الصورة بين كراهية الفراق وخجل الإطلالة, لكن شفافية العشق ترشحُ في الضمير وتتحرك على جناح فراشة أو على صهوة الرؤيا الى رأس الحسين ما دام لم يلقِ عصاه ولم يستقر به السفر على ربوات التاريخ. فـ” من الدفتر السليل”:
” ففي القلب حزن جبان..
وحزن جريء..
لكم عذبتني الرياح تُغَيِّرُ وجهتها..
دون سابقة والفراق دنيء..
والوضوح خبيء..
وكم أنت مثلُ جناح الفراشة..
في الحلم زاهٍ بطيء ..
وكم أنت تعشقُ رأسَ الحسين الذي فوقَ رمحٍ..
ولا يستريح”.
وتطفق ثمةَ حقيقةٌ تعبثُ بفلسفة الإزاحة, وهي إنَّ جدائل الثورة التي ثبتتها الدماء ولَصَقت بجداولِ كربلاءَ تزيحُ جبروتَ الحاكمين وتكشفُ غمامةَ التعنتِ في التاريخ, ولعلها بدأت بذوائبِ مالك بن نويرة, فأضاءتْ ليلَ الوحشةِ وأبَتْ أن تتحولَ الى رماد, وأشعلت ذوائبُ رأس الحسين ضميرَ الثورة والصمود بوجه مؤسسة الحكم, وحيثما مرَّ رأسُ الحسين بدأ عصرُ المتحولين الرافضين في مدائنِ العراق والشام, وأبت دماؤه إلا أن تهزَّ عروشَ الطغاة, فإن الرمح الذي رفع رأس الحسين والثورة دُقَّ في نعش السلطة الأموية, ولم يألْ بنو العباس جَهدا إلا أن كتبوا بالدماء على راياتهم السود “يا لثارات الحسين”؛ فالحسين معلم الثورة ينشده طلابها في المحن, ومفردات علمه الجروح التي حُفِرَتْ على جبهة تاريخ الإسلام بمداد من دماء, وحفظتها صدور آلاف سَرَتْ على درب الشهادةِ والحقِ, وإن ظنَّ بعضٌ أنه غلوُّ إذا ما عبَّدَتْهُ ثلةٌ من المؤمنين وبسَطتْ الأشواكَ فهذا هو الصحيح عند الشاعر.
” وكم أنت تعشقُ رأسَ الحسين الذي فوقَ رمحٍ..
ولا يستريح”..
تأبَى الذوائبُ مذْ ثبتتها الدماء..
على غدِهِ أنْ تَزيح..
ومن ثبتته الدماء يُزيح..
دعوتك أنت المعلمُ..
وإن كان علمٌ فتلكَ الجروح ..
ألوفٌ وراءك في الربِّ سارَتْ..
لينهضَ شيءٌ صحيح..
فما نامَ إلا الصحيح..
يباهي اليسارُ الصحيحُ بأنَّكَ في قلَّة قدْ حملْتَ السلاح..
وغاليت في مبدأٍ اسمُه سلطةُ الفقراء..
وهذا غلوُّ صحيح”.
ويقف النواب على جدث الحسين لا ليبكي على أعظمه الزكية بكاء معولة, كما قال السيد الحميري, ولكن ليعيش معالم الثورة في صورة خلابة, إذ يشم في ترابه عبق السماء المشع في الألباب, ويسمع هول المعركة, ويرى الرأس المحزوز والخيام المحروقة, ومع ذلك يقبِّل قدسية وجنتيه وفمه باعتزاز ويراه بكل المرايا وكل الأبعاد المؤدية للثورة شامخا كالعَلَم في عراق النسيان فيصدح:
” لأن ضريحك عاصمة الله فيه” . ..
“ومن المسك للروح أجنحةٌ وفضاء..
كأني أعلو ويجذبني أنْ ترابَك
هيهات يعلى عليه..
وبعض التراب سماء تضيء العقول..
ليس ذا ذهبا ما أقبِّله..
بل حيث قبل جدُك من وجنتيك..
ودرَّ حليبُ البتول..
لم يزل هِمَماً للقتال ترابُك..
أسمع هول السيوف..
ويوشِك قفلُ ضريحك أن يتبلَّجَ عنك..
أراك بكل المرايا على صهوة من ضياء..
وتخرج منها, وأُذهل أنَّك أكثرُ منا حياةً..
ألستَ الحسينَ بن فاطمةَ وعليٍ؟ لماذا الذهول؟!
… لدى الرأس منك إمام الزمان, عهد…
تطيل وقوفك ضد يزيد الى الآن..
لله ما بتاريخنا من مغول..
وذرىً فيه ليس تطال
وعنه انحدار السيول..
إننا في زمان يزيد كثير الفروع
وفي كل فرع كربلاء”.
وتبقى كربلاء تراوده في كل حلم ولو كان عن وعي, وما زالت تنبئ بالموت والمأساة وبشهادة البطولة وذبح الطفولة على نُطُع الحكومات القبلية. وكانت كربلاء تقفز الى وجدان القصيدة والشاعر وتتجدد صورتها كلما مرت جنازة طفل على ظاهر الشام, فيتساءل بأسلوب الاستفهام الاستنكاري: أثانية كربلاء؟. ففي”عروس السفائن”:
“لقد كنت أحلمُ وعيا..
وفي حلمٍ بالذي سوف يأتي وفاءُ..
ومرت جنازةُ طفلٍ على حُلُمِي بالعشي..
يُرادُ بها ظاهرَ الشام, قلت:
أثانيةً كربلاءُ؟….
وحين دنونا لمقبرةٍ ليس منْ مالكين لها..
جعجعَ الحرسُ الأموي بنا: فُرِزت للخليفة..
قلتُ بلْ يُفرَز الخلفاءُ”.
فـ” جنازة طفل” ” أثانية كربلاء” ” الحرس الأموي” ” فرزت للخليفة” تشير الى أنَّ ثمةَ قصةً في عقله الباطن عبر عنها بلفظ ” أحلم وعيا”, واستشفها من طفولته هي قصة طفلة الحسين التي تموت على رأس أبيها وتدفن بظاهر الشام.
ويعلن الشاعر عن كراهيته لمن يسيِّسون النصوص ويستخدمونها لغايات غير غايتها أو يلوِّحون بالمُدَى على منابر الوعظ , وكذلك لمن يكسرون أجفان السيوف بالتخاذل, فكلاهما ريح مُضرَّة وانحراف, ومن ثم يكره من يفصلون بين الحسين وتوأمه الثورة, فهي أشرف غاية . فـ” من الدفتر السليل”:
“وامقت من يشهرون النصوص سيوفا..
ومن يكسرون السيوف..
كلا الانحرافين ريح..
مثلما جوهرُ الأمر فيه والجنوح..
لعل الحسينَ إذا ما رأى طفلةً في شوارعِ بيروت..
تنهش من لحمِها الشهوات..
وثمَّ شظايا من القصف فيها ..
سينكرُ مأساته..
والجروحُ على رئتيه تطيح”.
فماذا يقول الحسين- اليوم, وماذا يقول الشاعر, وأشلاء الطفولة تتشظى تفجيرا وتفخيخا على نحو لا يصدق في العراق, فهل كل يوم كربلاء؟, وهل كل يوم رؤوس الثورة تتشفى بها عصا الخليفة؟, فإن نكبة العرب تتجدد مادام ثمَّةَ طاغية وثورة. ففي” وتريات ليلية”:
هذا رأس الثورة..
يُحمل في طبق في قصر يزيد..
وهذي البقعة أكثرُ من يوم سباياك..
فيا لله وللحكام ورأس الثورة!!
هل عربٌ أنتم؟!
ويزيدُ على الشرفة يستعرض أعراض عراياكم..
ويوزعُهن كلحم الضأن لجيش الردة.

هوامش:

(1)مقتبسة بتصرف من قصيدة” المسلخ الدولي”
(2)كاظم النصيري: أهل البيت (ع) في الكتاب المقدس –
*عن مركز النور


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"