تابعنا على فيسبوك وتويتر

aisa 11 (2)إشارة :
يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا الملف الذي – على عادة الموقع – سوف يستمر لحلقات كثيرة لأن الإبداع الفذّ لا يحدّه زمن . لقد وضع عيسى الياسري بصمته الشعرية الفريدة على خارطة الشعر العربي والعالمي . نتمنى على الأحبة الكتّاب والقرّاء إثراء هذا الملف بما يتوفّر لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تحتفي بمنجز هذا المبدع الفذّ وتوثّق حياته الشخصية والشعرية الحافلة بالمنجزات والتحوّلات الإبداعية الثرة.

الحوار :
” أجرت الحوار ..القاصة والروائية هدية حسين “
” كان عليّ
أن ْأنسى أني طير أبيض .. في ريش أبيض ..وبقلب أبيض ..حتى لا يتحمل أولادي عبء سداد ديوني ..تركات ِ حماقاتَي ..أيُ شقاءٍ
أن ْتكبرَ قائمة الممنوعات ِ ..وقائمةِ الدين ْ
وأظل ُّمقيما ًفي مخلب هذا الكون ْ … “
من ” شتاء المراعي ” آخر إصدارات الشاعر ” عيسى حسن الياسري ” اقتطفنا هذا الوجع , قبل أن ندخل عالم ” طائر الجنوب ” الذي حلق لسنوات عديدة مع الفرح والكلمة الصادقة والمشاعر الجياشة , ليحط آخر المطاف في كشك صغير أمام “محكمة بداءة الاعظمية ” يكتب العرائض ويبيع الطوابع ..وجوه الناس المتعبة تمر أمامه ولا تدري أن هذا الإنسان البسيط الوديع يحمل جرح أيامه ,ويستكين في مساحة صغيرة بمواجهة الحر والبرد .عيسى حسن الياسري , شاعر ” العبور إلى مدن الفرح ” عام 1973 و” فصول من رحلة طائر الجنوب ” 1976 و “سماء جنوبية ” عام 1979 و “المرأة مملكتي ” عام 1982 و ” شتاء المرعي ” عام 92 و ” صمت الأكواخ 96 الذي وكل دواوينه صدرت ًعن دار الشؤون الثقافية , هذا الشاعر ربما لا يعرفه الكثيرون إلا من خلال الكلمة والعشق الذي لا يبرح القلب في دواوينه , لكن البعض الآخر يعرفه عن كثب شاعراً وكاتباً ومعد برامج ثقافية ,وقبل هذا وذاك هو إنسان رقيق المشاعر إلى حد لا يتصوره أحد kh aisa 9
– من العبور إلى مدن الفرح إلى صمت الأكواخ يصمت شاعرنا وهو يجول الطرف في الوجوه الباحثة عمن يكتب حكايتها , ترى من يكتب حكاية هذا الرجل… ؟ , من يعيد إليه جناحيه المقصوصين ويطلقه مرة أخرى إلى مدن الفرح … ؟
*أقول له بعد السلام الذي أدار باتجاهنا الرقاب .. من يكتب عريضتك … ؟ .
يجيب .. أنت ِ.. وكل الذين أحبهم ويحبونني هؤلاء هم الذين يكتبون عريضتي .. وقد كتبوا .. كتب حسن العاني .. وناظم السعود .. وكرم نعمة .. وعدنان الصائغ .. وعبد عون الروضان .. ونجاة عبد الله وغيرهم كثيرون من الذين تعيش ” عريضتي “في قلوبهم وضمائرهم .
*هل هناك علاقة بين عملك الحالي وروح الشاعر فيك … ؟
-هناك علاقة وثيقة جدا ًهي التي تربط بين الشاعر والمثقف وبين أزمة الإنسان , وكل الحالات التي تقابلني في عملي اليومي هي حالات إنسانية تمس الشعر من الأعماق وتدفعني باستمرار إلى الكتابة , إن عملي وقراءتي أصبحا عاملين متلازمين في منحي القصيدة التي أحب , ثم أن ّزملائي في العمل – رغم ما ترينه من قسوة في ملامحهم – صاروا يشكلون مملكتي الجديدة كما كنتم تطلقون على القسم الثقافي في إذاعة ” صوت الجماهير ” قسم المملكة ” وكنتن أنتن ” الملكات ” *إذن هل تتمخض هذه التجربة عن كتاب جديد … ؟ kh aisa 10
-لديّ مجموعة شعرية على وشك الإنجاز أعطيتها عنوانا ًأوليا ً باسم ” أماكن ” ,وسيكون هذا المكان عنصراً أساسيا ً من الأماكن التي تأثرت بها وأعطتني شيئا ًأحبه , لقد عايشت البرد والحر بأقسى حالتيهما ومع هذا لم أنفصل عن حقيقتي الإنسانية والشعرية , إن عملي هذا يعطيني نوعا من الحرية , حريتي الريفية الأولى , هناك رواية أيضا ً بعنوان ” أيام قرية المحسنة ” وجميع شخوص هذه الرواية عايشتهم وعايشوني , وقد أثروا كثيرا ًفي حياتي الشعرية والأدبية فوجدت أن من واجبي الأخلاقي أن أمسك بهذه الشخصيات الفريدة , وأجعلها تعاود حياتها بين الورق الذي هو أبقى من كل ترسانات الحديد .
*هل ما زالت علاقتك بالشعر قوية كما كانت … ؟
– بل هي أقوى بكثير عما كانت عليه , هناك ثلاثة أشياء تلازم حياتي وأعتقد أنني عندما أفترق عن واحدة منها سأموت وهي الجنوب – القصيدة – المرأة .
*في يوم ما ..وأنت في زهوك الشبابي والشعري ,كنت تسير إلى جانب امرأة في أحد متنزهات ” بغداد ” ..أمسكوا بك متلبسا ً بالعشق البريء واعتقلوك .. ماذا تركت تلك الحادثة بنفسك … ؟
– سببت لي ألما ًيقرب من الجنون ..وجعلتني أنكفئ على نفسي وأعتزل كل ّشيء لمدة خمس سنوات لم أغادر فيها البيت ,إلى أن كتب صديقي حسن العاني عام 1985 موضوعا ً بعنوان ” هل مات عيسى الياسري ” وعند ذاك تدافع الأصدقاء فأخرجوني من تلك العزلة المميتة .. أن يحال بيننا وبين أن نحب أشبه بالحالة التي تنتزع فيها منا الحياة .
* وهل ما زلت عاشقا ًللمرأة بنفس تلك القوة … ؟kh aisa 8
– نعم .. أنت قريبة مني وتعرفين عني هذا ,, ولكن اسأليني ..هل أستطيع أن أرافق المرأة كما كنت أرافقها من قبل .. ؟ إن ّهناك حاجزا ًحديديا ًيحول بيني وبين أن أمسك بيد تلك المرأة كما كنت أفعل من قبل وأسافر فيها عبر آفاق لا تحد ,فكل الطرقات أصبحت ملغومة بخواء ” الجيب ” ,لأنني لا يمكن أن أجعل هذه المرأة تسير على قدميها إلى ما لانهاية , ولا أستطيع أن أتركها تقف الساعات الطويلة دون أن أتمكن من أن أقدم لها حتى قدح الماء ..يا لفجيعتي .. هنا تتعملق الذاكرة وتستحضر كل ّنسائي ..من راعية الغنم في الجنوب ,إلى المرأة التي زارتني في مكاني هذا واحتضنتني أمام الجميع وهي تبكي .. إلى “سيدة الجزر المسحورة ” التي قلبت منضدة العرائض وأخذتني إلى مقهى مبرد غير آبهة بمنظري الذي يشبه مظهر ” شحاذ ” وهيأتها التي تشبه هيأة ” ملكة سومرية ” ,فقد كنت أعلق كيس العرائض على كتفي , وأتوكأ على عصا ً بائسة وكانت ملابسي رثة ومبقعة بالعرق كان كل من في المقهى ينظر لنا بدهشة وانبهار سيما عندما أخرجت “كامرتها ” وطلبت من النادل أن يلتقط لنا صورة تذكارية , انتهاء بتلك الشابة الساحرة التي تشرف على دار كبار السن والتي أسميتها ” أم المسنين ” والتي وما أن سمعت بمرضي حتى حضرت لزيارتي رغم هطول الأمطار الشديدة في ذلك النهار التي جعلتها مبتلة ,وكانت قطرات المطر تنزلق من شعرها الفاحم الكثيف كأغصان شجرة صفصاف في ذروة ربيعها , وقد اقتحمت البيت غير مبالية بكل شيء من أجل أن تطمئن على أنني ما زلت حيا ً أتنفس ,وقد سبب لي رحيلها المبكر عن الحياة وهي مثقلة بثمار شبابها الباذخ صدمة لا تنسى ورثيتها بأكثر من قصيدة . kh aisa 7
*هل تشعر بالمرارة الآن لما آلت إليه الأمور لشاعر متميز مثلك … ؟
– أنت من الذين تعرفوا على مسيرتي العملية منذ زمن بعيد , وكنت ِتعرفين كيف كنت أعيش كرئيس للقسم الثقافي في الإذاعة ,وعندما وجدته يحاول أن يحد من حريتي تركته بلا أسف رغم محبتي للعاملين فيه ومحبتهم لي , إذن أنا اخترت عمل كاتب عرائض ,وغادرت تلك الأماكن هربا بالكلمة حتى لا تختنق بالأقفاص التي تسجن بها الطيور البرية .
* إذن ما زلت طيرا طليقا ً .
– ما زلت .. لكنني طير متعب يحلم بالعودة إلى سماء الجنوب .
……………………………………
” قاصة وروائية معروفة تقيم الآن في – الأردن – نشرت المقابلة في مجلة الشباب العدد 15 السنة التاسعة عشرة . “


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"