تابعنا على فيسبوك وتويتر

reysan jasem 21- استطاع الأستاذ جليل البصري أن يثبت حضوراَ صحفياَ متمكناَ من خلال مقاله الافتتاحي – الأسبوعي – في جريدة النبأ … ولا يفاجئك ، وهو على هذا المستوى من سعة الثقافة وعمق الوعي ، حين يختار الكتابة في موضوع – صحفي – غير مقالة الافتتاحي.
لكن أن (يقف) البصري أمامك – كقارئ – بعناد الناضج المسيطر ، وهو يخوض في الميدان – قد – يكون بعيداَ عن التمكن فيه … أن يكون كاتب قصة قصيرة على هذا القدر من النجاح ، فذا هو الأمر المفاجئ إلى حد بعيد ….
بين يدينا مجموعة قصص قصيرة للأستاذ البصري ، نحاول أن نسبر أغوارها وان نتمكن من الوصول إلى ما بين سطورها ، فذاك عبئ حملناه الكاتب ، نأمل أن نكون بمستوى يؤهلنا إلى ان نصفه ضمن
المنجز القصصي العام ، المتصاعد – كما – المتراوح بين – نوعاَ …
2- كثيراَ ما كنت أقول أن العراقي يموت وهو مراهق ، خاصة عندما اسمع أن (احدهم ) تزوج في عمر تجاوز الستين .. ! وأحد – اعرفه عن بعد – تزوج وهو في الثمانين ! ومات في اليوم الرابع لزواجه الميمون !
وسواء (كنا) في مراهقتنا الأولى – مراهقة الـ 14 – العشرين أو في مراهقة التسعين ، يظل القلق – بل الخوف أحيانا – يفترسنا ونحن نتهيأ لموعد مع أنثى … كيف يذهب إلى اللقاء ؟ ماذا نرتدي ؟ أنكون جريئون مندفعون ، أم ودودين (عقلاء) …
في قصته (رغبة) يضعنا القاص أمام مرآة ذواتنا في مثل تلكم الحالات المليئة بتخبط – جميل جداَ – لعواطفنا : ” بدأ القلق ينمو في داخله مثل الرطوبة في حائط غرفة داخلي .. أحساس جديد بالراحة والطمأنينة ينمو في داخلة ..رن جرس التلفون ، فتقصد القلق على جبينه
– كيف أنت ؟
– أنا بخير .
أحس بقلبه ينبض على غير عادته …. فقرر أن يلغي كل شيء ويقف أمام لحظة اللقاء عارياَ…” قصة “رغبة”
3- يتطلع الطفل (أزاد) – حديث الولادة – إلى أن ينير البيت و الشارع و …. رغم أن عمره لا يوفر له وعياَ لمبررات تحقيق حلمه .. ولا وضعه غير المستقر .. فهو دائم النزوح من بيت إلى بيت و من بيئه إلى أخرى .. يجد نفسه في ” دنيا يسودها الموت و القصف وصرخات العسكر المخيفة .. ” ملفوف بقطعة قماش ، محمول على يد أمه .. يفتح عينيه على ظلمة المدينة الدامسة .. ” ساعتها ربما قطع على نفسه عهداَ بان يوقد في عيد ميلاده شموعا لاعد لها لتنير البيت والشارع والمحلة .. ” قصة (عيد الميلاد).
4- قدر العراقي الذي يريد أن يعيش محفوظ الكرامة ، أن يهاجر ، هربا من اهانات وملاحقات وسجن وتعذيب و قتل .. و .. و … من المستنفذين في وطنه ، الذين لا يصفق لهم أو معهم .. فرض على الإنسان العراقي أن يعيش الغربة – بما فيها – على أن يكون ممتهن الكرامة في بلده .. يضعنا القاص جليل البصري في قصته (يقظة سوداء في فضاء ازرق ) بوعي يوحي وكأنه عاش التجربة ، أمام الخيارين الموجعين .. خيار أن تكون مهاناَ في بلدك ، أو أن تكون مسلوب الإرادة في الغربة .. ” أتدري معنى أن يتنفس مواطن الصعداء عندما يجتاز حدود وطنه إلى خارجه ؟ إلى المهجر المجهول .. معنى أن يتجرأ مواطن على بيته وأثاثه يبيعها بأي ثمن .. معنى ان تغامر بالنفس والعائلة والأطفال في رحلة المجهول عبر الجبال والأوحال والسهول .. أتدري أي كارثة تجعل المواطن يترك أهله أو وطنه ويبحث عن الدفء بين أعمدة الخيام و .. الخ .. ” قصة (نقطة سوداء في فضاء ازرق).
5- يأخذ الغضب عندنا – نحن العراقيين – أوضاعا ربما لا تتواجد عند غيرنا .. يغير ملامحنا .. تعاملنا مع الذات .. مع الأخر .. القريب .. الصديق .. jalil albasri
ويكون تعاملنا مع أي من هؤلاء محكوم بانعكاسات مسببات الغضب . عمقه . شدته . مبرراته .. وغضب الأستاذ البصري واضح إلى حد انك تواجهه في اللحظة التي تقع فيها عيناك على أول مفردة في المجموعة .. العنوان .. عنوان غاضب مهتاج ، تحس هيجانه وهو يسحبك – كالأسير – إلى ما بعده : ( لحظات عري)..
ولماذا العري ؟ – التعرية هنا وليس التعري .. ولعل ما يراد بها هو الكشف .. الفضح .. فضح الدواخل المتسخة العوجاء .. ولو لم يكن الكاتب غاضبا – الغضب العراقي خصوصا – لما عري من ستره ممزق ( الأغطية) بمشرط (الدكتور) جليل البصري.. وأول من عراهم القاص ، هم الحزبيين .. قواعد وقاده .. (( مادامت هناك قاعدة ، فان القيادة تولد منها دائماَ)) وسواء أراد الكاتب ذاك أو لم يرده ، فهو شاخص كمطرقة بيد عامل .. أذن ، فالأحزاب.. المسؤلون فيها .. الذين افتقروا إلى أبسط قواعد الالتزام ألرفاقي : ” نظر الرفيق المسؤول إليه .. أشار للحارس ان يتركه لينزل للقائه
– لماذا هذا الإزعاج في هذا الوقت ؟ ماذا تريد ؟
– زوجتي في حالة خطرة . وهي بحاجة إلى دم ألان
– ماذا افعل لك ؟ اذهب إلى رفاقك ..
تلبد وجهه وهربت عيناه من وقع الكلمات .. ورجاه أن يأتي معه .. فاستشاط غضبا وقال :
-هل جننت أن أتي معك في هذا الليل .. اغرب عن وجهي . قصة (الرأس أولا).
6- كثيرا ما تحملنا رغباتنا – على بساطتها – إلى مواقف لا يفيد بعدها ندم يأكل هدوءنا ..
صديقان مشردان محرومان حتى من المأوى تأويهما – مع كثر مثلهما – حديقة عامة .. يحلمان – وهما بين الخوف من حارس ليلي يرصدهما – ورغبة في أن يجدا عملا لوقف – أو يخفف على الأقل تشردهما وجوعهما شبه الدائم حلم متواضع يتحقق .. يعملان حارسين في (مقر) ما – لم تقل لنا القصة أين ولا لمن هذا المقر .. (( كانت لحظة الموافقة على قبوله كحرس في المقر هو وصديقه منحة من السماء لم يصدقا أنها ستأتي)).
رغبة احدهما في ان يرى (ابنة الجيران) جعلته يتوسل صديقة ان يستلم نوبة الحراسة عنه .. عندما يعود من تحقيق (رغبته) ، يجد صديقه نائما بلا سلاح .. )) قصة ( دوران في ساحة ضيقة ).
7- نظران الازدراء تظل تلاحقك أينما حللت ، عندما ترفضك أرضك .. أنت (غريب أجنبي) مهما حاولت أن تكون غير ذلك لن ينفعك صدف .. ولا يفيدك وعي .. ولا تحميك رغبا في أن تكون (مواطنا صالحا ) ، على ارض ألقيت نفسك أليها – غير أرضك الأصل . تظل (أجنبي غريب ، يصفعك بها حتى سائق التاكسي وقصة (غريب).
8- ما يلفت النظر في معظم قصص المجموعة – إلى جانب العوامل الكثيرة الأخرى – أنها تشعرك بالحداثة .. تحس وأنت تعوم في أجواءها انك في زمن (آني) .. أنت هنا .. هذا الزمن .. ألان .. في قصة (جنون التدفئة المركزية) تعصف بك الحرارة .. وهي ليست حرارة الجو – كما يوحى ، أو يتبادر إلى ذهن المتلقي – بداية – لكنها حرارة الجسدين المنشدين إلى بعضهما ، التي تتأجج داخل كل منهما .. حرارة الرغبة : ” لماذا لا تذهب إلى أحدى غرف هذا الفندق وتستريح من هذا العناء .. ” أذن ، ولنقل بالمباشر ، حرارة الجنس (( وبعد دقائق وجدا نفسهما عاريين أمام جنون التدفئة المركزية)).
قصة ( جنون التدفئة المركزية ) kh  jalil lahadhat
9- والنزوح – أيضا – لازمة من لوازم حياة الإنسان العراقي فهو أما نازح من بلدته .. قريته .. مفارقا أصدقاءه .. زملاءه .. رفاق شبابه ..
يطرح القاص في قصة (تداعيات نازح) تساؤلا مريرا ، كثيرا ما تصاعد في أعماق الكثيرين منا ، ونحن نعيش الغربتين .. غربة بين الأهل والأرحام … وغربة في بلد يرفض المنفذون فيه كل ما نؤمن به من أفكار ومبادئ التغيير الذي يقود إلى حياة اقل ظلماَ .. على الأقل .. اقل استلاباَ .. اقل قتلاَ ..
يتساءل القاص – بوجع نحس به – ” وهل قدر الثوري أن يحس بالغربة في المجتمع الذي ماتت فيه سنينه لأجله . ؟ هي أشيائي .. كتبي … فراشي … وجيرتي التي خسرت من اجلها الكثير .. تمزقت في ذاكرتي صور الكتب والمكتبات .. الخ ” قصة (تداعيات نازح).
10- قصة (السائرون) ، (تبكي) على إطالة .. هي قصة قصيرة جداَ لكن قيمتها موضوعها .. فكرتها .. طريقة معالجة كل هاتيك المرتكزات ، تتصرخ الكاتب أن يطيلها .. يدخل في أكثر تفاصيلها وجعاَ – لذيذاَ …
” سيرحلون مع الغروب” . ورحلنا .. حملنا ما (حملناه) .. و .. أريد أن اخرج من نفق الوجع المتفشي في أكثر قصص المجموعة .. أريد أن أرى (السائرون) بين يديك من جديد أستاذ جليل – مفتوحة أكثر .. ضاربة أكثر .. موغلة أكثر بين أضلع الذين (سيرو) على أكتاف رمال الصحراء وليلها الموحش .. يخترقون ظلمته بأناشيد تمزق مفرداتها – إلى جانب عتمة الليل – أفئدة المستنفذين الجبارين . عد لها أستاذي ، ووسع معطياتها فهي تتقبل الكثير بعد .. وارنا ما يمكن أن تفعله (( القدرة الدودية المختبأة في أول التكوين)) قصة (السائرون) .
11- الإحساس باللا جدوى يخنقنا في أحيان كثيرة ، حتى ونحن نمارس أعمالا مهمة .. والواعون منا نحو تحفر اللا جدوى أكثر من غيرهم ، لأنهم ( لا منتمون) . واللا منتمي هو الذي (يرى) أكثر، ويحس أعمق من غيره – كما يقول (كولس ولس) في كتابه الشهير (اللا منتمي). وإحساسنا المكتف باللا جدوى – بدل أن يدفعنا – ربما – يكون عابراَ ، على العكس.. انه يحملنا إلى أن نكون أكثر جدية وأكثر التزاماَ بأي عمل ارتأينا أن ننجزه…
قصة (أضغاث) تضعنا بين براثين اللا جدوى بمواجهة مباشرة (( توقف وهو يمضغ عزلته الموحشة مع أوراقه المتناثرة كغش مبعثر .. شل الإحساس باللا جدوى يده وذهنه . وبدأت تختمر في ذهنه رغبة متفاقمة بالانزواء .. اعتصره الألم ، فهو لا يعوم في بحر بلا سواحل .. ولا يريد التمزق قصة (أضغاث) .
12- إذا كانت القصة القصيرة (ومضة) لها اشتراطاتها و قوانينها ومكوناتها ، فإن القصة القصيرة – جداَ – (لمحة) لا تكاد تمسك منها غير (حريتها) الأخيرة .. وتعتمد ، في نجاحها أو إخفاقها في الوصول إلى المتلقي – القارئ – على هذه (الغربة .. ونعتقد أن القصة القصيرة – جداَ – ستكون إلابقى في أدب المستقبل .. مستقبل التقنية والشبكات العنكبوتية .. والسياحة الآنية حتماَ – بين الكواكب ..
البصري قصص قصيرة – جداَ – جميلة وقوية ، تهز ومضتها – ضربتها الأخيرة – المتلقي .. منها ما يريحه ويشعره بالنشوة ، مثل قصص طفل المملحة / رغبة / جنون التدفئة المركزية ، وغيرها ..
ومنها ما يدفعه إلى أن يرفض .. يحتج .. يعري .. مثل : طلي مندحرات تداعيات نازح / الرأس أولا … وغيرها ..
وبعضها يشعره بحزن ما فإن يتمناه ، مثل : استيقاظ عشق .. وغيرها .. وبعد …
عسانا (وجدنا) بين سطور القاص جليل البصري ما أملنا أن نجده ، وان نريه لمحة – قد – تفوته إشارة هنا ، أو ملاحظة هناك .. ونحن على ثقة بان هذا الصحفي – نكرر – المتمكن ، قد وضع بصمة واضحة في مضمار القصة القصيرة . ونتمنى عليه أن يظل قاصاَ .. لان القاص أبقى من ألمقالاتي ..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"