تابعنا على فيسبوك وتويتر

aos hasanنقرأ هنا مقالة قيمة ونادرة للقاص والصحفي السوري زكريا تامر في مجلة التضامن التي كان يرأس تحريرها الصحافي اللبناني فؤاد مطر
وهي مقالة سيرة ذاتية يتخللها الاسلوب القصصي المشوق والبعد الانساني الذي عرف به زكريا تامر في كتاباته تتحدث المقالة عن أبو صبحي التيناوي الفنان السوري الشعبي الذي لم يدرس الفن ولم يدخل أكاديمية الفنون،ولم تكن له أي علاقة بالفن والثقافة،بل كان يمتلك محلاً لبيع الخردوات في أحد حارات دمشق القديمة،و كان دائم النفور والغضب لوصنفه أحد ضمن الفنانين أو المبدعين ،كما أنه كان دائم الهرب من الصحافة والإعلام ويعتبر موهبته في الرسم مجرد مهنة يقتات منها رزقه اليومي. مازالت لوحات أبو صبحي التيناوي فنان الملاحم والأساطير الشعبية متواجدة في متحف اللوفر إلى الآن. عاش أبو صبحي التيناوي ومات بعيدا عن الأضواء والشهرة ولم تنقل خبر وفاته أي مطبوعة إعلامية وأدبية/ هنا نترك لكم بصمة وذكرى وحكاية معتقة بالجمال الذي يكتنفه وجع لذيذ وسحر من نوع خاص،إنه سحر أساطيرنا المنسية وحكاية دمشق التي لن تموت أبدً،حكاية لا بد أن ترويها الأجيال في كل زمان،إنها حكاية زكريا تامر مع أبو صبحي التيناوي .
.

“عنتر وعبلة”
زكريا تامر* –مجلة التضامن العدد 223 –السبت 18 تموز 1987
في عام من أعوام القرن العشرين،أقامت امرأة فرنسية بالغة الثراء معرضاً لما تملكه من رسوم لمشاهير الفنانين في العالم كبيكاسو ودالي وموديلياني ورينوار وفان كوخ.
واشتمل ذلك المعرض على لوحة واحدة فقط لفنان عربي،واسم الفنان هو أبوصبحي التيناوي (1) .
وأبو صبحي التيناوي فنان من دمشق،دمشق الأزقة والحارات والبيوت الترابية،لا دمشق الشوارع العريضة والمباني الحديثة.
ورسومه مستلهمة من الحكايات الشعبية العربية،ولكن غالبيتها مكرسة لعنترة وعبلة،يرسمها على الزجاج بألوان حادة. يرسم عنترة رجلاً حقيقياً قوياً يشهر سيفه حين يكون وحده،متأهباً لمواجهة أعدائه ودحرهم. أما حين يكون برفقة عبلة فإن سيفه متوار في غمده. ويرسم عبلة امرأة جميلة عذبة،حزينة حزناً غامضاً،وممتطية صهوة جواد عربي أصيل.
وبراعة أبو صبجي التيناوي،الفنية الفذة تتجلى في أنه رسم عنترة وعبلة في مئات اللوحات من دون أن تكون إحدى اللوحات مشابهة للأخرى مع أن الموضوع واحد لم يتبدل.
وأبوصبحي التيناوي لا علاقة له بعالم الفن والفنانين والثقافة،فهو يمتلك دكاناً في حي شعبي،يبيع فيها ما هب ودب من الخردوات. وحين يأتي شخص ما راغب في شراء لوحاته،يترك دكانه بعد أن يطلب من جاره الاهتمام بها أثناء غيابه،ويأخذ الزبون إلى بيته القريب حيث تتكدس رسومه في إحدى الغرف الخالية،وهناك يبدأ ابو صبحي التيناوي بعرض لوحاته،لوحة إثر لوحة،مسهباً في تبيان مزاياها،وبلهجة بائع ماكر يريد إغراء زبونه بشراء شيء مما يعرضه من سلع.zakaria tamer
وهذا السلوك قد يبدو لأول مرة مستغرباً،ولكنه بالنسبة لأبو صبحي التيناوي هو سلوك جد عادي،فهو لا ينظر إلى نفسه على أنه فنان. وكل شخص يعامله على أنه فنان ينفر منه ولا يرغب في رؤيته ثانية. أما من يقول له : (أنت فنان كبير وموهوب)،فهو ينظر إليه بريبة كأنه محتال له مآرب خفية من العسير كشفها،فالرسم بالنسبة إليه مجرد مهنة كالحدادة والتجارة.
ولم ينجح اي صحافي في إجراء حديث معه،وكان يقول للصحافي :( إذا أردت أن تشتري فأهلاً وسهلاً.أما إذا لم تكن تريد إلا الحكي فأرنا عرض كتافك).
وقد حاولت بعثات تلفزيونية أجنبية إجراء مقابلات معه،ولكنه رفض رفضاً باتاً،وطرد أعضاءها شر طردة وهو يزمجر ساخراً:(بلا فن….بلا بلاط).
وكان أحد الفنانين دائم التردد إليه في الستينات. يشتري منه اللوحة بثمن لا يزيد على عشرين ليرة سورية،ثم يأخذها إلى بيروت،ويضعها في إطار فخم،ويبيعها للأجانب بمبالغ طائلة يحلم كبار الفنانين العرب بنيل مثلها.
في أحد الأيام اشترى الفنان اللبناني لوحتين من لوحات أبو صبحي التيناوي،فقدم إليه أبو صبحي التيناوي لوحة صغيرة الحجم امتدحها مطولاً،فقال له الفنان اللبناني (سأشتريها،كم تريد ثمناً لها؟ ).
فقال أبو صبحي التيناوي أنت اشتريت لوحتين كبيرتين،وهذه اللوحة الصغيرة مجاناً على البيعة.
وجملة “على البيعة” كانت تستخدمها نساء الحارات الشعبية الدمشقية حين يشترين أي شيء،ويطلبن إلى البائع أن يزيد الوزن أو الطول قليلاً ..قائلات:_( زد قليلاً…..على البيعة)abo sobhi altinawi
وفي يوم من الأيام،أراني أبو صبحي التيناوي لوحة مرسومة على الزجاج لعبلة وهي تمتطي صهوة جواد أسود اللون.وكانت لوحة رائعة تبهر حقاً. تأملتها لحظات،ثم سألته،وأنا أشير بسبابتي إلى لطخة سوداء في سماء اللوحة: “أبو صبحي ما هذا؟”
وكان أبو صبحي التيناوي لا يبتسم أبداً،ومتجهم الوجه باستمرار،ولكنه عندما سمع سؤالي ازداد تجهم وجهه،وبدا كمن أهين إهانة بالغة،وقال لي بنزق:” اسمع يا أستاذ يا محترم.إذا كنت لا تعرفني فاسأل عني. أنا لا أغش زبائني. أنا أبيعهم لوحة لعبلة راكبة على حصان،ولكن عرض اللوحة لم يسمح لي برسم الحصان كاملاً،واضطررت إلى رسم ذيله ناقصاً.وهذه القطعة السوداء هي بقية ذيل الحصان.
وكانت اللوحة التي يرسمها أبو صبحي التيناوي،وتحظى بحبه ورضاه،يشوهها من دون أن يدري،فهو يكرر كتابة اسمه وعنوانه في كل فراغ من فراغات اللوحة كأنه يقسم إنه هو حقاً المبدع الذي رسم تلك اللوحة الرائعة.
وقد عاش أبو صبحي التيناوي حياته بعيداً عن الأضواء والشهرة،ولم يحظ بأي تكريم،ولم ينل أي وسام أو منصب،ولم يدخل يوماً مصرفا ً من المصارف،ولم تنشر أي مطبوعة عربية نبأ وفاته،فصفحاتها مكرسة لتمجيد رسامين لا يصلحون لطلاء جدران غرفة تسكنها أسرة معوزة،وتمجيد قبور وسجون اسمها أوطان.
أما عنتر وعبلة فقد هجرا الجياد والصحارى والخيام،وعاشا في المدن الكبيرة من غيرحب: عنترة رئيس نادي شهير من نوادي كرة القدم،وعبلة تزوجت من مليونير تاجر سلاح،ومجوهراتها مبرر بقائها في الحياة.
وما جرى لعنترة وعبلة وأبو صبحي التيناوي عبرة لمن يعتبر.أبو صبحي التيناوي 1
……………………………………………………….
هوامش:
* زكريا تامر قاص وصحفي سوري ولد في دمشق سنة 1931،وقد بدأ حياته عاملاً كادحاً وانخرط في مهن عديدة كالحدادة والتجارة والنجارة قبل أن يتحول بعد عقد ونيف إلى الأدب وكتابة القصة،واضطر عام 1944 لترك الدراسة نتيجة ظروفه المعيشية الصعبة.
وقد اعدت عن قصصه دراسات ورسائل ماجستير ودكتوراه في العديد من الجامعات العربية والاوروبية.

كما ترجمت اعماله الى اللغة الفرنسية والروسية والانجليزية والالمانية والايطالية والبلغارية، والاسبانية «كتابان» والصربية (ثلاثة كتب). كتب 27 قصة للاطفال تشرف في كتيبات مصورة وفي عام 1985 كان يعد صفحتين اسبوعيتين للاطفال في جريدة «القبس» الكويتية، وكذلك كان يقوم بالاشراف على صفحات الاطفال لمدة سنتين بجريدة «الاخبار» الاردنية، فضلا عن الزوايا الاسبوعية واليومية والشهرية في عدد من المجلات السورية والعربية بشكل عام.

ولقد ساهم زكريا تامر في تأسيس اتحاد الكتاب بسوريا في اواخر عام 1969 وكان رئيسا للجنة سيناريوهات افلام القطاع الخاص في مؤسسة السينما في سوريا. شارك في مؤتمرات وندوات عقدت في بقاع شتى من العالم. وكان رئيسا للجنة التحكيم في المسابقة القصصية التي اجرتها جريدة «تشرين» السورية عام 1981، والمسابقة التي اجرتها جامعة اللاذقية عام 1979، وكان عضوا بلجنة المسابقة القصصية بمجلة «التضامن» بلندن،وأشرف على تحرير وتأسيس العديد من الدوريات والمجلات العربية ومجلات الأطفال.
مؤلفاته :-
صهيل الجواد الابيض: (قصص) 1960م.
ـ ربيع في الرماد (قصص) 1963م.
ـ الرعد: (قصص) 1970م.
ـ دمشق الحرائق: (قصص) 1973م.
ـ لماذا سكت النهر: (53 قصة للاطفال) 1973م.
ـ النمور في اليوم العاشر: (قصص) 1978م.
ـ قالت الوردة للسنونو: (18 قصة للاطفال) 1978م.
ـ نداء نوح: (قصص) 1994م.
ـ سنضحك: (قصص) 1998م.
ـ أف! : (مختارات قصصية) 1998م.
ـ الحصرم: (قصص) 2000م.
ـ 37 قصة للاطفال نشرت في كتيبات مصورة 2000م.زكريا تامر

(1)/ أبو صبحي التيناوي.
هو «محمد حرب» ولد عام 1884م في حي باب الجابية، وهو أحد أحياء مدينة دمشق القديمة لأبوين متوسّطي الحال الاجتماعي. وكأيّ طفلٍ عاش في بيت دمشقيّ قديم، شكّل الجمال جزءاً كبيراً من حياته، يحيط به في ليوان البيت وأسقفه المزخرفة بمنتهى الدّقة والحرفيّة، وفي أشجار النارنج تملأ باحة الدار. كلّ هذا الجمال إضافةً إلى ممارسة أبيه مهنة الرسم الشعبيّ جعل «محمد حرب» أليفاً مع الرسم، وخاصة أنّ أباه أحال إليه دوماً مهمّة تلوين وزركشة لوحاته بعد أن يفرغ من رسم ملامحها وخطوطها الأساسيّة. وبعد أنّ شبّ عوده، صار «محمد حرب» يعمل في دكّان أبيه ويقوم بتنفيذ رسوماته الشعبيّة الخاصّة به والتي استوحاها من قصص الحكواتي وعالم الخيال والسير، ليستقلَّ بعدها في دكان خاص به ويوقِّع أعماله باسم «أبو صبحي التيناوي»، الاسم الذي كنّاه به أبوه منذ طفولته، الأمر الذي كان عادةً منتشرة ومحبّبة لدى الدمشقيين القدماء.
إمضاء «أبو صبحي التيناوي» للوحاته، جعل المسؤولين عن موسوعة الفنون العالميّة يعتبرونه أول فنّان تشكيليّ سوريّ، كون من سبقوه لم يدرجوا على تلك العادة، فضلاً عن تميّز ما رسمه «أبو صبحي التيناوي» والتقنيّات المختلفة التي اتَّبعها في لوحاته؛ حيث ابتدأ بالرسم على الورق الأسمر، لينتقل فيما بعد إلى الرسم على القماش، ومنه إلى الرسم على الزجاج، لتتجلَّى براعة «أبو صبحي التيناوي» في أبهى صورها خلال هذه المرحلة، فبعد أن يترك الألوان- التي صنعها بنفسه لعدم وجود ألوان صناعيّة وجاهزة وقتها- تجفّ على لوح الزجاج، كان يقلِّبها ويؤطِّرها بإطار من الخشب، فيكفل بذلك حماية ألوان اللوحة من أن تبهت أو تزول.
أما بالنسبة إلى إمضائه، فكان يكتبه من اليسار إلى اليمين، ليغدو مقروءاً عندما يقوم بقلب اللوحة، وهذا ما يفسّر ندرة تطابق توقيعه من لوحةٍ إلى أخرى.
ويغلب على أعمال «التيناوي» موضوع واحد، ألا وهو السير والقصص والأساطير التي رواها الحكواتي، والتي أحبّها التيناوي واكتنزها في مخيّلته، يرسمها مراراً وتكراراً في مزيج غنيّ من الألوان والزخارف، يكتب عليها- إضافةً إلى توقيعه- أسماء الشخصيّات التي رسمها، فمن أبي زيدٍ الهلاليّ والملك سيف بن ذي يزن، إلى الظاهر بيبرس والزير سالم، انتهاءً بعنترة بن شدّاد الذي كان الموضوع المفضَّل لديه والأثير إلى قلبه.
توفيّ «أبو صبحي التيناوي» عام 1973.
وعلى الرغم من أنّ أعماله حصدت اهتماماً عالميّاً كبيراً، وخاصة في القارة الأوروبية، حيث توجد لوحتان من أعماله معروضتان في متحف «اللوفر» في العاصمة الفرنسيّة، إلا أنّ الاهتمام المحليّ به كشخصيّة فنيّة هزيل جدّاً مقارنةً بأهميته وفرادته، فهناك دراستان تحليليتان أو ثلاث لا أكثر عنه وعن أعماله، وفيلم تسجيليّ يتحدّث عن حياته وتجربته الفنيّة للمخرج «محمد ملص».

إمضاء «أبو صبحي التيناوي»
كان إمضاء أبو صبحي التيناوي غالباً على الشكل التالي:
«رسم محمد حرب- أبو صبحي التيناوي- باب الجابية- زاوية الهنود- دمشق- سورية».. أما بالنسبة إلى التاريخ فكان يسجِّله بالهجريّة أو بالميلاديّة أو كليهما معاً، أو لا يسجِّله أبداً. وقد كتب «أبو صبحي» اسمه أحياناً على اللوحة أكثر من مرّة، أو كرّر كتابة كنيته أحياناً أخرى


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"