تابعنا على فيسبوك وتويتر

nadia hanawi 2*ناقدة وأكاديمية عراقية

لم تكن السيمياء إلا نقيضا للتوجهات البنيوية التي ثار عليها من أسهم في تأسيسها وفي مقدمتهم رولان بارت الذي رفض المنحى الفلسفي الذي سارت عليه البنيوية في توكيدها الدراسة الداخلية للنص الأدبي بوصفه بنية مغلقة تكون هي المبدأ والمنتهى لكل تحليل .
وقد تجاوزت السيمياء ذلك كله عبر إعلاء دور الذات بوصفها فاعلا مهيمنا وعنصرا مؤثرا منتشلة بذلك النقد الأدبي من الانغلاقية والصنمية وملقية به في شاطئ الانفتاح والتعدد ما بعد الحداثي قولا وفعلا ، وبشكل أعاد الاعتبار للقارئ بوصفه صانعا للأنساق ومنتجا للرؤى .
وأمست السيميائية تلقى اهتماما كتابيا كبيرا ورواجا واضحا كميا ونوعيا ولعل مما يتصدر إلى أذهان المهتمين بالدرس السيميائي من مطبوعات عراقية كان قد دشنها مشروع بغداد عاصمة للثقافة العربية هذا العام كتاب ( اللغة الثانية في إشكالية المنهج والنظرية والمصطلح في الخطاب النقدي العربي الحديث) للناقد فاضل ثامر الذي لا يمكن لأحد أن يختلف إزاء تميزه وغناه ، كونه إضافة نوعية مهمة لحقل النقد الأدبي .
والسبب وراء ذلك يكمن في ما حواه هذا الكتاب من قضايا حداثية وما بعد حداثية ذات أبعاد بحثية مرموقة تستأهل الإشادة بدءا من طرقه لموضوعة لسانيات النقد مرورا بوقوفه عند السرديات والشعريات ووصولا إلى سيميائية العلامة.
وما يلفت الانتباه أن دراسة السيمياء كانت قد تصدرت الكتاب في فصله الأول ، متقدمة على فصول أخرى ، تناولت مناهج كانت بحسب زمنية ظهورها إلى الوجود قد سبقت السيميائية .
في حين طرق الفصل الثاني ( النقد العربي وإشكالية النظرية الأدبية الحديثة ) وتضمن الفصل الثالث (مشروع حوار مع الفكر البنيوي ) واهتم الفصل الرابع بموضوعة ( إشكالية المصطلح والمنهج ) .
وكان يقتضي التدرج الزمني للحداثة وما بعدها أن تطرق اللسانية والأسلوبية والبنيوية ومن ثم السيمياء ومن بعدها التلقي والقراءة .

والبنيوية كانت بمثابة فلسفة تهميش الفاعلية الإنسانية وإقصاء الذات وقد رفع دعاتها مبادئ مهمة من بينها موت المؤلف وموت الإنسان ؛ الأول أطلقه رولان بارت والثاني تبناه روجيه غارودي وليس ميشيل فوكو كما ورد في الكتاب خطأً .
ومقتضى الحال كان يفترض أن يطرق الكتاب هذه التصورات أولا ثم يعرج على اللاحق من النظر المنهجي لكي يضع القارئ في الرؤى التي كانت سببا في تهشيم التصور البنيوي والتي أسهمت من ثم في بزوغ توجهات أعلت من شأن القراءة معلنة ميلاد القارئ فضلا عن إحيائها المؤلف من جديد مع إعطاء السياق مداه القرائي المناسب أيضا .fadel thamer 3
ويبدو أن سبب تقديم الناقد للسيميائية على البنيوية هو أهميتها وحداثيتها فقد حظي الدرس السيميائي باهتمام متزايد في العالمين العربي والغربي لما للأنظمة العلاماتية من اثر مهم في التوصيل والتداول على المستوى الاجتماعي والفني والأدبي .
وقد اختار الناقد عنوانا اندرجت تحته الدراسة وهو (في سيميائية النص الأدبي ) ودعم الناقد التوجهين النظري والتطبيقي بعنوانات فرعية كانت أثيرة في اصطياد القارئ إلى مراتعها فمن ( إمبراطورية العلامة وهيمنة الأنموذج اللغوي) إلى (تجليات العلامة الايقونية والعلامة اللغوية في الأدب والفن)
وقد جعل الناقد نقطة انطلاقه فردينارد دي سوسير الذي عد العلامة اكبر من اللغة فصارت السيميائية هي الحقل التواصلي التداولي الأوسع الذي لا تشكل اللغة إلا فرعا منه .
وتعريج الناقد على دي سوسير بخصوص الأنموذج اللغوي والعلامة اللغوية ساقه إلى الوقوف عند اللسانيات التي مثلها جارلز بيرس الذي وسّع مفهوم العلامة لتشمل مناحي الحياة كافة .
وهما أي ” دوسوسير وبيرس يعدان السيميائية علما أصليا تتفرع منه أنظمة علامية كالنظام السيميائي اللغوي “ص 8 ، ولكن رولان بارت تبنى رأيا آخر ، فعلم اللغة أو اللسانيات هو العموم والسيمياء ليست إلا فرعا منه حسب ,
وقابل بين السيميائية من جهة والأنموذج اللغوي اللساني من جهة أخرى قالبا الاقتراح السوسيري رأسا على عقب .
وهذا ما جعل اللغة في منظور هؤلاء السيميائيين أشبه ما تكون بالإمبراطورية والفاشية الاخضاعية والارغامية ,kh fadel thamer
ولعل من أسباب هيمنة العلامة اللغوية وأنموذج العلامة اللغوية على حقول العلم والمعرفة أن النظام السيميائي اللغوي ليس إلا فرعا من أصل هو اللغة البشرية .
فالعلامة اللغوية هي الوحدة الصغرى المكونة للوجود وهي البديل للفلسفة والمنطق والبديل للمتعالي المطلق .
وشاطر هذا الرأي نقاد أمثال نعوم جومسكي وايفاتوف الذي عد اللغة حاملة نسقا للعالم ..وشتراوس الذي اتخذ العلامة اللغوية وحدة أنموذجية للتحليل وان الأسطورة مثل اللغة تتألف من وحدات وان هذه الوحدات تفترض تناظر الوحدات التكوينية الممكن تمييزها في اللغة الاعتيادية .
وأدرج الناقد فاضل ثامر جاك لاكان مع من تقدم كونه كان قد نحا منحى شتراوس في استخدامه للمعطيات اللسانية في تحليل مشكلات اللاوعي والتحليل النفسي .
ومن آرائه أن الإنسان نتاج اللغة وان ثنائية الدال والمدلول يمكن أن توظف في فهم الظواهر النفسية المرضية.
والنتيجة أن بعض الاتجاهات اللسانية الحديثة في اتخاذها الأنموذج اللغوي مثالا كانت قد انتهت إلى تهميش الفاعلية الإنسانية وإقصاء الذات لصالح هيمنة النسق أو البنية اللاواعية على حياة الإنسان وهذا ما يتماشى مع فلسفة البنيوية ونظريتها عن موت الإنسان ,
ومما تجدر الإشارة إليه هو حرص الناقد فاضل ثامر على تدعيم هذا الكلام النظري بالتطبيق العملي على الفن والأدب وبالارتكان على منهج يوري لوتمان حول تضافر العلامة ( إيقونة ومؤشر ورمز ) في تشكيل بنية العرض السينمائي ، وكذلك منهج بيرس السيميائي حول المسرح والسينما والفن التشكيلي ,
وكانت تطبيقاته قد شملت بعض النصوص الشعرية لشعراء معاصرين عراقيين وعرب وهي تدور حول الحوارية مع الأشياء التي تنقل الشاعر من اعتباطية العلامة اللغوية إلى تجسيد العلامة الايقونية عبر وجود ألفة خاصة ولغة إيحائية بين الشاعر والأشياء وفي علاقة عميقة الجذور تمثل التحام الشاعر بالعالم الأرضي ..


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"