تابعنا على فيسبوك وتويتر

ahmad maan 2من منا لا يعرف الشاعر الكبير المناضل عريان السيد خلف المولود في أربعينات القرن الماضي في ذي قار على ضفاف نهر الغراف .
إن تناول شاعراً بحجم عريان هو بحد ذاته مدعاة للفخر لأن هذا الشاعر قد خرج من مضمار النقد ومن يريد أن يكتب عنه فلابد منه أن يحاكم عريان لا أن ينقده.
البدايات كانت في ستينات القرن الماضي, في البداية كان متأثراً بالبيئة التي يعيش فيها, مفردات جزلة , قروية , غامضة ذات وقع كبير يتناسب عكسياً مع دلالتها.
بعد دخول عريان السيد خلف الى السجن ولقائه بالشاعر مظفر النواب بدأت مسيرته في كتابة القصيدة الحديثة التي كان مظفر أحد رموزها المهمين.
سأتناول هنا في هذه المساحة البسيطة قصيدة (ردي..ردي) التي كتبها الشاعر في 16/8/1967 أي بعد احتكاكه بالشاعر النواب وابتدائه في كتابة القصيدة الحديثة.
القصيدة تشير الى امرأة مخاطبة من خلال استخدام التأنيث في المفردات الشعبية (ردي), تعتمد القصيدة على تقفية واحدة منذ المطلع وحتى الختام وتأخذ شكلاً واحداً لا يتميز عن سواه حيث يكون الشاعر ملزماً بوزن واحد طول القصيدة وبالنتيجة فإن هذه القصيدة من الشعر العمودي تعتمد على وزن وقافية لكن الشاعر نثرها على صفحات الديوان ولم يجعلها تتكون من صدر وعجز ليوهم البعض – ممن لا يفقه الشعر – بأنها قصيدة حديثة.
يقول الشاعر في مطلع القصيدة:
(لا تهيجين الجروح..
جروحي من تلّجم تدّي)
هذا القول الشعري سردي تقريري ومباشر وليس فيه الحِرفة الشعرية التي أجدها دائماً في قصائد عريان.إن من البديهيات أن الجرح الذي يتم لمسه سوف يفرز مادة صديدية سائلة شفافة تكون عادية نظراً لِأن الجسم يحارب العدوى من خلال جهازه المناعي التي هي جزء منه.
يقول:
(آنه من دم ولحم..
مو من صخر جبدة العندي..
ردي مليت الصبر
ومكَاطر الدمعة اعلى خدي)arian
السيد عريان يعاني من حزن عميق لم تسعفه القصيدة الشعبية ليُترجِمَ حزنه فيها.
في الحقيقة أنا أفهم ما يريد عريان أن يقوله, هو محزن ومؤثر لكن الذي قاله عريان كان ترتيباً لكلمات يصعب فهمها ليظهر للجمهور أن هذا الشعر جيد وصاعق ومهول من خلال تأدية القصيدة بحرقة قلب والنيران تقدح من فمه.إن البيت الاول كان مباشراً سهلاً يمكن للجميع فهمه , بينما يقول إمبرتو إيكو (إن الشعر الصحيح هو الذي لا يمكن شرحه). أما البيت الثاني فيظهر الشاعر هنا وهو يبكي لكن البكاء هنا عادياً!! فهو يقول (و امكَاطر الدمعة اعلى خدي).
مفردة (مكَاطر) ذات وقع كبير لكنها لا تشي بمعنى مشابه لوقعها فالدموع هنا تسقط على شكل قطرات وهذا لا يتناسب مع الحزن الداكن الموجود في النص ولا يتناسب مع (مليت الصبر).
ربما لو كان قوله (عيوني إلك أصفة نهر) كما قال الشاعر عزيز السماوي فهو هنا يصف الدموع بنهرٍ صافٍ لكان ذلك افضل واعمق.
(انه موش اول زند..
يشتل شلب ويحصد بردي)
لهجة ريفية ذات مفردات مبهمة , وهذا البيت بالذات يعتبر مصداقاً للمثل الشعبي السائد (يحمّل ذهب وياكل عاكَول) وهذا تناص مباشر لا جدوى منه فالاثنان لا فائدة منهما.
(غلست عن الكَلت والكَال..
كَمت اسمع واعدي)
هذا البيت مشوه من الناحية الجمالية فهو لا يمتلك ذرة من الفن والجمال علاوة على أنه مخلّ بوحدة موضوع النص إذ إن هذا البيت خارج سياق القصيدة.
(غلست) مفردة موغلة في العامّية وغير شعرية لأن الشعر في أحد تعريفاته هو فن انتقاء الحس بأعذب المفردات.
إن من أهم المشاكل التي تواجه الباحث في قصيدة عريان السيد خلف هو المفردات المبهمة والغامضة التي توصل القصيدة الى مرحلة الخلود الخيالي وهذا ما لا نرجوه.
(يا رخص ذاك الجدم… كون اعله ياهو الجان يبدي)
أنتقل الشاعر هنا من التوسل بالمحبوبة وتكرار مفردة (ردّي) أكثر من ثمان مرات الى الذمّ والتنكيل في لحظة مفاجئة تخل بالبناء الفني للنص.
إن في هذه القصيدة بيتاً واحدأ متميزاً عن باقي الابيات يحمل جمالاً يجذب القارئ.
يقول الشاعر:
(واحملت ليل العطش..
وآنه العيون السود وردي..)
ربما يكون هذا البيت هو الوحيد الذي يحمل في طياته شعراً في هذه القصيدة.
فلو تتبعنا جميع الابيات فيها لوجدناها تخلو من الابعاد الجمالية او الابعاد الشعرية.
إن رواج هذه القصيدة أنذاك كان لسبب واحد فقط,
إن النقد القديم كان يقسم القصيدة الى نوعين (قصيدة تُطرِب , قصيدة تمتع)
وهذه القصيدة بالطلبع تطرب المتلقي لها من خلال القافية ذات الموسيقى الجميلة وكما هو شائع فأن الانسان يميل الى الموسيقى بطبيعته.
إن من سيئات هذه القصيدة أنها مثل الهواء العذب في أشدّ الصيف اثناء مروره يأخذك الى عالم ثاني لكنه ما أن ينتهي حتى يأتيك اللهيب الحارق و يُنسيك ما كان عليه هذا النسيم.
اثناء سماع هذه القصيدة فإنها بالطبع سوف (تُطرِب) السامع لكن وبمجرد انتهائها لن يبقى لها أي أثر في الذاكرة.
قصائد عريان السيد خلف بشكل عام تحتوي على مفردات شعبية اندثرت بمرور الزمن ولم يعد لها وجود. فكيف يمكن للجيل الذي سيأتي بعدنا أن يطلع على تجربة لا يفهم منها شيئاً, إذا أردنا ترجمة هذه القصائد الى لغات أخرى , كيف سيتم ذلك؟ كيف يمكن أن نترجم (تدّي و غلست و يبدي و كَضيتة و سهدي و شِربي ) والكثير من هذه المفردات.
لن أظلم عريان إن قلت أن هذه القصيدة بأستثناء البيت الذي يقول : (واحملت ليل العطش… وانه العيون السود وردي) ليس فيها شعر لأنني أمعنت النظر بكل تفاصيل هذه القصيدة ولم أجد ما يدل على الشعر.
من المهم جداً أن اُشير الى أنني من أعشق قصائد عريان السيد خلف و أستمتع بها جداً, لا ينسى أحدٌ أن عريان السيد خلف هو من كتب (عراريس و كَمر) و (كَبل ليلة) و (المعيبر عبد) و الكثير من هذه القصائد الجميلة. و أن ما كتبته هو عن قصيدة واحدة فقط وهذا لا يؤثر او يقلل من شاعرية عريان السيد خلف.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

3 تعليقات لـ “أحمد معن الزيادي : عدم مراعاة أحكام الفن الشعري في قصيدة (ردي..ردي)”

  1. أحمد جاسم يقول :

    استغرب وأندهش من قول الكاتب أحمد معن :
    من منا لا ييعرف الشاعر الكبير “المناضل” عريان السيد خلف .. الى آخره..
    كيف أطلق أحمد معن صفة المناضل على عريان ؟؟؟
    هل نسى كيف وقف أمام الطاغية صدام حسين في القصر الجمهوري قبل الغزو بأسبوع في عام 2003 وقرأ له قصيدة مديح مشهورة ؟ استلم عنها عريان مليون دينار آنذاك ..
    ويبدو أن معلومات الأخ أحمد معن قليلة أو منحازة .. “المناضل” عريان هو واحد من أوائل من كتبوا انشودة وطنية تحيي القادسية وتمدح صدام حسين .. ويمكنكم أن تسألوا الشعراء الذين عاصروه عن اسم وكلمات تلك الأنشودة الحربية ..
    “المناضل” عريان بعد الاحتلال قال في برنامج مع الصحفي حسن ناظم في قناة العراقية أنه عندما كانت تتم دعوته ليقرأ الشعر أمام الطاغية كان يذهب إلى صديق طبيب له ويطلب منه أن يكسر رجله ويجبسها لكي لا يحضر أمام الطاغية .. فلماذا لم يكسر رجله ويجبسها حين وقف في القصر الجمهوري مقر الطاغية وتغنى أمامه بقصيدته التي شاهدها 30 مليون عراقي .. يعني هذا “المناضل” يكذب على 30 مليون عراقي شاهدوه على شاشاة التلفزيون وهو يقرأ الشعر أمام الطاغية في القصر الجمهوري ..
    عن أي مناضل يتحدث السيّد أحمد معن ؟

  2. مسلم غانم يقول :

    اسلوب تهجمي بصفة غير مباشرة رغم بعض المديح الذي حاول من خلاله الأخ الناقد التمويه وعدم الافصاح عن الهدف الكامن داخل الأخ الناقد ..

  3. باقر علي الأسدي يقول :

    اولاً: الشعر الحقيقي لغة توظيف صورية عالية ” تهيجين الجروح،جروحي من تلجم تدي”، وان كانت هذه السردية وظف فيها الشاعر،مناطق ألمه، بصورة مبسطة، مشيراً لجروحٍ جديدة ،يمكن ان ينز الدم منها بمجرد اللمس، وهنا لا علاقة ب” المناعة كما بذكر الأخ، لأن هذه حالة تدفق. . كما لو ثقبت انبوب الماء .
    ثانياً :” مكاطر الدمعة على خدي” أستخدم الشاعر مفردة ” مكاطر” ليوصف كثافة دمعه وجريانه المستمر كما لو انها مطر ووهو لشدة الألم عند رجبل شرقي. عكس ما قلل من اهمية المفردة الاخ، غير ان الشعر العامي العراقي شعراً شعبياً، شعر البسطاء قبل المثقفين، عذراً ايها “الناقد” فالكادح العراقي البسيط لا يعرف امبرتو.
    ثالثاً :ادعوا الاخ ” الناقد” لتناول قصائد شعراء جدد انفع له من قصيدة خالدة مثل ردي ردي لأنها لازالت تلفح المحبين للادب الشعري بنسمات عذبة.

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"