تابعنا على فيسبوك وتويتر

baker jasem mohamadإشارة :
رحل المبدع الكبير “جليل القيسي” الرائد المجدّد والمحدث في فن القصة القصيرة وفن المسرح في العراق وهو في ذروة عطائه ونضج أدواته الفنية . ومع رحيله – وللأسف وكالعادة – أُسدل الستار على هذه التجربة الفنية التحديثية الهائلة. هذا الملف الذي تقدّمه أسرة موقع الناقد العراقي هو دعوة لإعادة دراسة تجربة الراحل الكبير الفذّة بصورة أكثر عمقاً وشمولاً. ندعو الأحبة الكتّاب والقرّاء إلى إثراء الملف بالدراسات والمقالات والوثائق والصور.

المقالة : 
لقد تعامل النقد الأدبي مع السرد القصصي على أنه ذو طابع موضوعي في الأساس، بالمقارنة مع الشعر الذي يتسم بكونه ذاتيا ً من حيث الجوهر. لذلك نجد أن مصطلح الشعر الغنائي سائغ و مقبول في نقد الشعر. بيد أن السرد القصصي، و كذلك السرد الروائي، يمكن أن يكون غنائيا ً. يقول هيرمان هيسه: “إن الرواية، بوصفها قصيدة غنائية متنكرة، هي عنوان مستعار لتجارب الروح الشعري و للتعبير عن إحساسه بنفسه و بالعالم”(1). و بما أن القصة القصيرة و الرواية يمثلان ضربين متشابهين من ضروب السرد، و لا يوجد ما هو جوهري مما يمكن أن يميز بينهما كما يقول بونيه،(2) فإن من حقنا أن نوسع دلالة هذه المقولة لتشمل القصة القصيرة أيضا ً، فنقول أنها تكشف عن أمرين مهمين، أولهما: الصلة الوثيقة بين الشعر و السرد الأدبي بنوعيه الرواية و القصة القصيرة. و ثانيهما: الإمكانات الغنائية للسرد التي طالما أهملت و ازدريت لصالح الإمكانات الموضوعية. و لسوف نرى كيف أن مصطلح السرد الغنائي، أو الذاتي، يمكن أن يكون مدخلا ً مناسبا ً و أساسيا ً في قراءة مجموعة جليل القيسي ” مملكة الانعكاسات الضوئية”(3) يتخذ الميثوبي، و سيكون هذا هو اسم جليل القيسي في هذه المقالة، من السرد وسيلة لتقديم رؤياه حول العالم من جهة، و للتعبير عن سياحته الروحية و الفكرية في عالم الفكر و الكتابة، و التأمل الذاتي و القراءة، و الخيال و الاستبطان الذاتي، و السعي لخلق أساطير خاصة بالميثوبي تعبر عن كل ذلك.(4) إذن فإن الميثوبي لن يدعي الحياد أو الموضوعية لأنه موجود في النص أما باسمه الصريح ( جليل القيسي)، أو باسمه الأسطوري، أو بأقنعته، أو بصفاته الدالة عليه. و الميثوبي، في كل ذلك، غير معني بتقديم أي تسويغ موضوعي أو فني لرؤياه و لانحيازاته الخاصة و الذاتية قدر عنايته بتوليف حكاية و صوغها في شكل فني للقصة منسجم مع أشواقه الروحية. و من هنا كان استعمال القاص لكلمة الميثوبي عنوانا ً لإحدى قصص المجموعة. إذن فإن الميثوبي يستثمر كل سلطاته بوصفه منشئا ً للنص السردي. فهو قد يستفيد من الباراسايكولوجي، و من فرضيات وجود كائنات أخرى من كواكب غير كوكبنا، كما في قصة ” فتاة مجدولة من الضوء”، كما قد يستحضر شخصيات أدبية معروفة لكي يحاورها في رؤاها و في أعمالها الإبداعية و ما خلقته من شخصيات و نماذج روائية، كما في قصة ” توهج بلازما الخيال”. و قد يستحضر، بقوة السرد، آلهة قديمة ليخترق معها حواجز الزمان و المكان في رحلة خيالية كما في ” مملكة الانعكاسات الضوئية”. و قد يقيم علاقة مباشرة، من خلال طاقة السرد، مع شخصيات روائية، و خاصة أبطال دستويفسكي كما في ” جروشنكا” و ” أمسية قصيرة مع الأمير”. إذ تعتمد القصة الأولى على شخصية جروشنكا التي استدعاها الميثوبي من رواية ” الأخوة كرامازوف”، بينما تعتمد القصة الثانية على شخصية الأمير مشيكين بطل رواية ” الأبله”. و لكن الميثوبي يدرك تماما ً أنه منشئ النص السردي و صاحب السلطة المطلقة فيه، لذلك فإنه يتخذ لنفسه موقعا ً مركزيا ً فيه. فهو قد يكون مشاركا ً في الحدث القصصي، و قد يكون راويا ً له. و هو في كل الأحوال، يسقط رؤياه الخاصة على العالم و قضاياه jalil alkaisi 7الكبرى، و على الشخصيات و الأحداث. و من هنا جاء وصف السرد في هذه المجموعة بأنه سرد غنائي يعبر عن علاقة الميثوبي بالعالم. و لكن من يتصدى لقراءة أساطير الميثوبي في مملكة انعكاساته الضوئية سيواجه جملة من المشكلات الفنية و الفكرية. و لسوف نتحدث هنا عن أهمها. ☼ مشكلة أسلوب السرد: يعتمد الميثوبي على السرد الذاتي في قصص المجموعة كافة. فهناك دائما ًُ راو ٍ للحكاية يقدم لنا القصة من زاوية نظره الخاصة. و زاوية النظر هي غير وجهة النظر. فالأولى تشير إلى موقع الراوي في النص، بينما تشير الثانية إلى الرؤيا التي تتسيد النص جميعه. و أما التبئير، و هو تطابق وجهة النظر مع زاوية النظر فإنه لا يتحقق إلا في بعض القصص. ففي “غموض الروح” مثلا ً، يكون الراوي طبيبا ً شابا ً. و القصة تروى لنا من زاوية نظره هو و من خلال موقعه في النص. أما وجهة النظر أو الرؤيا السائدة في النص فإنها تتمثل بما يعتقد عجوز مثقف مريض و له محاولات في كتابه القصة، و هي صورة أخرى للميثوبي. لذلك يمكن القول بأن ( عين النص) أو الطبيب الشاب تروي لنا حكاية ( عقل النص)، أو رؤياه الممثلة بالمثقف العجوز.☼ مشكلة صورة الميثوبي: قد تنشطر صورة الميثوبي و تتحول إلى شظايا مبثوثة في هذه القصة أو تلك. و هي تتوزع على عدد من الشخصيات الثانوية، حتى و إن وجدت شخصية مركزية واحدة ممثلة للميثوبي. لأن ممارسة السرد لن تكون مقصورة عليها. ففي قصة ” نيدابة” هناك راو ٍ للنص هو جليل القيسي نفسه، أو الميثوبي الأصلي، و هناك الأب العجوز الذي نيف على الثمانين، و يقول عنه راوي النص: ” لقد روى لي هذا العجوز الأمي قصصا ً غريبة عن الأشباح و الأرواح التي تحوم فوق القصب و الأهوار.” و هذا يجسد وجود معلم الميثوبي الأول الذي علمه صنعة السرد. و من هنا يمكن القول بأن جليل القيسي هو الميثوبي الأصلي بينما يمثل شخصية العجوز الميثوبي الثانوي. فالميثوبي الأصلي هو من يقدم لنا القصة و يبث المادة السردية، أما الميثوبي الثانوي فهو شخصية مرتبطة بصناعة القصة و تعرف بوظيفتها هذه و إن كانت لا تمارسها مباشرة أو على نحو واسع. و قد ينقسم الميثوبي إلى أصلي يمثله جليل القيسي نفسه، و ثانوي يمثله الكاتب الروائي الروسي دستويفسكي كما في قصة ” توهج بلازما الخيال”. و بذلك يفصح الميثوبي الأصلي عن انتمائه إلى سلسلة عظيمة من رواة الحكايات، و مبدعي الأساطير، و مؤلفي الروايات الكبار. ☼ قد يرغب الميثوبي جليل القيسي في أن يكون هو نفسه موضوعا ً لقصة و في بؤرتها، لذلك فإنه قد يوكل مهمة السرد إلى ميثوبي آخر، فينهض الأخير بعملية السرد كما في القصة ” الميثوبي”. ففي هذه القصة تقوم فتاة برجوازية، و عبر الرسائل التي ترسلها إلى الميثوبي جليل القيسي أو قناعه الكاتب الكركوكلي س. ع. بتقديم النص السردي. و أسلوب الرسائل في تقديم المادة السردية معروف منذ الكاتب الإنجليزي ترولوب. و تسبق الرسائل و توطئ لها جملة توضيحية يكتبها جليل القيسي. إذن فإن الفتاة صورة أخرى للميثوبي. لكن كل ذلك لن يمنع القارئ من الاستنتاج بأن الميثوبي، و عبر هذا الأسلوب، إنما يتأمل نفسه من الخارج.☼ يقدم الأداء اللغوي دليلا ً إضافيا ً على أن الميثوبي هو نفسه السارد لكل قصص المجموعة. أعني أنه لا يعطي فرصة لرواة قصصه المختلفين لكي يقوموا بتقديم المادة السردية بأداء لغوي خاص بكل واحد منهم، و هو الأمر الذي كان سيؤدي إلى اختلاف في الأداء اللغوي بين راو و آخر. و هكذا حافظ الأداء اللغوي على أسلوب واحد سواء أكان الراوي جليل القيسي في ” مملكة الانعكاسات الضوئية”، أو الطبيب الشاب في ” غموض الروح”، أو الأستاذ محمد في ” أحلام بيضاء”. أما قصة ” هذا الحالم الوديع” فإنها لا تخرج عن هذا الوصف على الرغم من كونها مكتوبة من زاوية نظر رئيس تحرير إحدى الدوريات الذي يلتقي بالميثوبي، أو الصحفي الشاب رشيد عبد القادر. و يمكن تأويل وصف الصحفي الشاب على أنه صورة أخرى للميثوبي استنادا ً على حقيقة أنه يقوم باختلاق مقابلة و لقاء صحفي مثير و ناجح مع مستشرقة أسبانية كاشفا ً بذلك عن قدرة السرد على الخلق ما دام اللقاء برمته مختلقا ً.☼ إن القصص التي تحقق تبئيرا ً كاملا ًأو تطابقا ً تاما ً بين عين النص، أعني: من يرى، و عقل النص، أعنى: وجهة النظر السائدة فيه، تحقق في الوقت نفسه تطابقا ً بين الراوي و الرائي و المؤلف. و قد ترتب على ذلك أن على هذا الفهم للتبئير الكامل أن قصص المجموعة لا تسرد إلا عبر شخصيات خيرة ذات قرابة روحية مع رائي النص أو الميثوبي نفسه. و هي بهذا تقدم أنفسها و سواها للمسرود له. أما الشخصيات الشريرة فهي لنkh jalil 6 تنهض بمثل هذه المهمة لأنها تقدم عبر سرد الشخصيات الخيرة. وهذا قد أدى إلى افتقار القصص إلى عنصر التوتر الدرامي الموضوعي الذي يعطي لكل الشخصيات، خيرة كانت أم شريرة، فرصا ً متساوية في التعبير عن أنفسها. و يمكن تأويل هذه الإستراتيجية في تقديم المادة السردية على أنها تدل على أن الميثوبي، أو جليل القيسي، يرى بأن الرواة خيرون بطبيعتهم. لذلك لا مجال لإعطاء الشخصيات الشريرة شرف ممارسة و تخليق السرد أو الرواية. و هذا الموقف يتفق مع جوهر السرد الغنائي عند الميثوبي.و تتعدد مظاهر البناء السردي التي تؤثر في تأويل قصص ” مملكة الانعكاسات الضوئية”. و من ذلك تلك الإضافات في بداية بعض القصص. و هي تتراوح بين تضمين النص مقاطع لكتاب و شعراء و مفكرين معروفين، و التدخل المباشر الذي يمارسه الميثوبي معلنا ً عن وجوده الظاهر في صلب النص السردي. ففي قصة ” غموض الروح”، يبدأ النص بالمقطع الآتي من كازانتزاكي” حياتنا ومضة سريعة، لكنها كافية”. و الوقع أن هذا التضمين لا يمكن أن ينسب إلى راوي النص، و هو الطبيب الشاب، و لا إلى العجوز المريض لأنه ليس راويا ً للنص! و إذ نعتقد بأنه استطالة تعبر عن إحساس الميثوبي بأنه إمبراطور في مملكته، فإننا نرى أن ليس له من مسـوغ فني داخلي. و هـو إذ يرتبط بالمعنى العـام للنص فإنه يعـد كشـفا ً و فضحا ًمسبقا ً لهذا المعنى.و قد يختار الميثوبي أن يقدم نصوصا ً و اقتباسات ثم يعقب ذلك بتعليق قصير يبين شروط تواصله مع قرائه، أو يقوم باستفزاز القارئ داعيا ً إياه للتفاعل مع النص و التحليق في الأجواء ذاتها التي أوجدها. و هذا النمط من التدخل يمثل خرقا ً مقصودا ً لقواعد التمويه في اللعبة السردية. وهو يشبه عملية هدم الجدار الرابع في العرض المسرحي. ففي قصة ” توهج بلازما الخيال” يكتب الميثوبي أكثر ما ثمانية عشر سطرا ً حول أهمية الخيال في متابعة و تلقي قصته هذه؛ فنقرأ أن الذي ” يملك خيالا ً خاملا ً و لا يستطيع أن يرى حتى الواقع العادي أشك في أن يستطيع متابعة قصتي هذه.” ( ص 65). و لا ينسى الميثوبي وضع اسمه بعد هذه المقدمة. و لكنه في قصة ” أمسية قصيرة مع الأمير” يقوم بدمج المقدمة التوضيحية بالنص دون فاصلة أو إشارة إلى اسمه. ثم يدون ملاحظة في نهاية القصة تقول: ” قد لا تمنح هذه القصة نفسها للقارئ الذي لم يقرأ رائعة دستويفسكي ( الأبله) لأنها تدور حول بطلها الأمير مشكين.” و هذا التعقيب، فضلا ً عن أنه يكشف عن وجود المؤلف و يمثل تدخلا ً صريحا ً منه، فهو ذو طابع تحريضي للحث على قراءة رواية ( الأبله).و هكذا نرى بأن التناص سمة و وظيفة من وظائف الخطاب. و هو قدر لا فكاك منه لأي خطاب، حتى و إن حرص الكاتب على النأي بخطابه عن موارد الخطاب الأخرى. فليس ثمة من قطيعة كاملة بين الخطابات. على أن الميثوبي يصرح تارة و يلمح تارة أخرى بصور التناص بين نصوصه و النصوص الأخرى. فالتناص حاصل بين قصص الميثوبي و قصص و أعمال أدبية أخرى أشرنا لبعضها قبلا ً. و لعل التناص بين عنوان المجموعة، و هو ” مملكة الانعكاسات الضوئية” و عنوان مجموعة محمد خضير الأولى ” المملكة السوداء، هو أول مظاهر التناص و أبرزها. فإذا كانت مملكة محمد خضير سوداء لأنها تمتص ألوان الطيف الضوئي كافة، فإن مملكة الميثوبي هي مملكة عاكسة لألوان الطيف الضوئي كافة. بعبارة أخرى إن مملكة الميثوبي تمثل نقيضا ً لمملكة محمد خضير. و هو نقيض يستدعي نقيضه على مستويات الأسلوب و اللغة و طريقة بناء المشهد السردي، فضلا ً عن الحضور الكثيف للميثوبي، أو جليل القيسي، في مملكة الانعكاسات الضوئية، و الغياب المطلق لمحمد خضير في المملكة السوداء. و لعل المقارنة بين المجموعتين تستحق دراسة خاصة. و يمكن تلمس أثر التناص مع أعمال دستويفسكي في القصص: ” توهج بلازما الخيال” و ” جروشنكا” و ” أمسية قصيرة مع الأمير”. و لا يكتفي الميثوبي باقتباس أجزاء من أعمال دستويفسكي بالنص و الإشارة إلى ذلك في الهامش، و إنما يتابع الكاتب ذلك فيدفع الشخصيات إلى الدخول في حوارات طويلة تقوم أساسا ً على مناقشة الأفعال و التصرفات الشخصية و تحليلها فكريا ً و أخلاقيا ً، و هذا يؤدي إلى حدوث نوع من الاشتباك الحواري و المعرفي بين الميثوبي و دستويفسكي. و يشمل ذلك ما قامت به الشخصيات المتحاورة في هذه القصص نفسها، أو شخصيات أخرى مذكورة في أعمال دستويفسكي أو في أعمال روائية أخرى. و تنطوي هذه الحوارات على قدر كبير من تأمل الذات و تأمل الآخرين، و السعي لاستبطان الدوافع و الميول الإنسانية. و نلاحظ هنا بأن الميثوبي، و انسجاما ً مع غنائية السرد التي هيمنت على قصصه، لا ينقل سوى خطاب الشخصيات القريبة إلى نفسه، و لنقل الشخصيات الخيرة، أما الشخصيات الشريرة فهي لا تتمتع بمزية الحضور بنفسها و التعبير عن رأيها. و هو مما يكشف عن الانحياز المسبق الذي أشرنا إليه سابقا ً. و لكن ما يحظى باهتمامنا هنا أن الميثوبي إذ يؤسس بناءا َ سرديا ً غنائيا ً باذخا ً، و إذ تتمركز الذات الباثة للرسالة الأدبية في هذا السرد الغنائي و تفرض وجهة نظرها على المشهد السردي بكل تفاصيله، فإن ذلك يتناقض مع النزعة السائدة في روايات دستويفسكي. فهذه الروايات غالبا ً ما تكون متعددة الأصوات و مبنية على السرد الموضوعي الذي يتيح لكل شخصية، خيرة كانت أم شريرة، الفرصة كاملة حتى تمارس حضورها الكامل و تعبر عما ترى و تعتقد بحرية و دونما قسر. و هذا الأمر يؤشر فرقا ً فنيا ً أشرنا إليه، و يترتب على هذا الفرق فروق فكرية. ذلك أن دستويفسكي لا ينظر إلى الشر الكامن في النفس البشرية من الخارج أو من موقع الإدانة. و إنما هو قد يصل إلى حد التماهي مع الشخصيات الشريرة بوصف أن تجربة الشر في حضيضه و بؤسه إنما هي المعبر إلى التطهير و السمو نحو فضاء الخير. لذلك فإن الأوغاد و الطيبين يعاملون عند دستويفسكي السارد بالمساواة.و هناك تناص آخر مع أساطير بلاد وادي الرافدين، و استثمار لأغان بابلية و سومرية قديمة، فضلا ً عن استعمال ألفاظ قديمة في صياغة عنوانات القصص كما هو الحال في ” نيدابة” و ” مملو”. أما قصة ” الميثوبي” فهي تستثمر لفظة إغريقية لها ارتباط وثيق بالأساطير. و قد لاحظنا أن الميثوبي يريد لقصصه أن تكون عالما ً خاصا ً و شخصيا ً، لذلك لم يكن يتحرج من الظهور العلني في النص لأنه لا يشعر بضرورة وجود برزخ فاصل بينه و بين عالمه القصصي. فهو يروي لنا ما يراه و يشهده حتى و إن كان ذلك من عالم الأساطير و الكتب.إن مجموعة ” مملكة الانعكاسات الضوئية”، إذ تؤشر نزوعا ً أساسيا ً نحو عالم الأسطورة و الخيال، فإنها لا تترك الواقع و مشكلاته خارج العالم الورقي الذي تخلقه. و بدلا ً من ذلك قام الميثوبي بوصفه منشئ النصوص بتحويل مشكلات الواقع و آفاقه إلى مشكلات و رموز داخلية في عالم السرد. و قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد التحريض على الفعل في عالم الواقع، كما في قصة ” تذكرني مع شوبرت” التي تصور مسعى الميثوبي الحي لإنصاف الميثوبي الذي جرى أغتياله على نحو رمزي في الحلم الذي دونه كمال سعيد العلي عن موته. و لن يتم مثل هذا الإنصاف إلا إذا تحول الميثوبي الحي من التأمل إلى الفعل. و لكن إذا ما حصل مثل هذا التحول فعلا ً فإننا سنخسر الميثوبي و نربح ثوريا ً. و هذه صفقة خاسرة حقا ً. أليس كذلك.

المصادر و الإشارات

1. Freedman, Ralph ( 1963) “The Lyrical Novel” The Pennsylvania State University Press.2. Bonnet, Henri (1978) ” Dichotomy of Artistic Genres” in Joseph P. Strelka (ed) Theories of Literary Genre. Pennsylvania. The Pennsylvania State University Press. (pp 3- 6).3. جليل القيسي، ” مملكة الانعكاسات الضوئية” دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد. 1995.4. تعني كلمة الميثوبي ، في اللغة الإغريقية القديمة، صانع الأساطير و الحكايات. و كتابتها بالإغريقية على النحو الآتي: mỹthopoiỏs.

*عن الحوار المتمدن


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"