تابعنا على فيسبوك وتويتر

osam alkodsi 2صف من أشجار النخيل، واليوكاليبتوس،على امتداد رصيف الشارع . ورجل في الثمانين ، يجلس على مصطبة خشبية ، بالقرب من إحدى النخلات، يرتدي بدلة قديمة ، توحي بأبهة سالفة . تتدلى من جيب سترته الصغير على صدره سلسلة ساعة ذهبية . ويريح يده على عكاز من الصاج اللامع . ينظر من خلال زجاج نظارته السميك ، إلى المارة بفضول . كل شيء يتحرك من حوله وهو جالس ها هنا منذ حين . يتساءل مع نفسه ما للناس يجرون وكأن وحشا عملاقا يطاردهم . !! وتوهم أن حدثا مخيفا يحصل . وكاد يستوقف أحدا يسأله . ثم تذكران الدنيا أصبحت على ذي الحال . فما أن يولد المرء هذه الأيام ، حتى تتلقفه دوامة المشاغل والهموم . يظل يدور معها حتى ينقطع نفسه. وتعجب ، لم تكن الدنيا ، على زمانه هكذا ولا الناس . ترى أين ذهبت تلك البراءة والحب الذي تتوهج به النفوس بالأمس. لقد تغير كل شيء وتغيرت الدنيا معه . ولا يدري إذا ما كان محقا حينما يلعنها ، أم انه كان له أن يتغير هو أيضا..؟
لم يغادر بيته، منذ زمن بعيد . ربما من قبل أن يولد آخر حفيد له . وهو اليوم أحب أن يخرج ليرى ما آلت إليه الحياة ، ولكنه تاه . ترىأين هو الآن . ؟ فقد تغيرت ملامح المدينة تماما ، ولا يدري إن سبق له أن جاء إلى هذا المكان ، أم انه أصلا يسكن على مقربة من هنا .؟ لم تعد تحتضن ذاكرته سوى الماضي ، وكأنها تبغض الحاضر وتأبى أن تختزن وقائعه . فكل ما يعرفه ، انه خرج من بيته هذا الصباح . وسار على غير هدى في الطريق . ثم وجد نفسه جالسا في الباص ، وثمة سيدة تجلس إلى جانبه ومعها صبي مشاغب . لعلها كانت تقف قربه قبل أن يصعدا إليه، تحادثه، ولكنه متأكد إنهما صعدا معا واختارت مجلسها إلى جانبه، وهي تحدثه وتبتسم ، والصبي ،يشد السلسلة الذهبية ويلح عليه أن يريه الساعة ، كيف تدور ، وكم هو الوقت . ثم توقف الباص وألقى به هنا ، أو انه انسل منه ، دون أن يعير اهتماما لكلمات السيدة ، وهي تنزل خلفه ثم تختفي عبر الشارع . وحين نزل سار قليلا يستطلع المكان ، وعاد يجلس على هذه المصطبة ، ليستريح . انه تائه الآن .فقد اختلطت عليه الرؤية ، ولم يعد يدرك شيئا مما يرى . فلينتظر قليلا لعله يتذكر أو شخص ما ، يمر ، يعرفه، فيدله على طريق العودة. وجعل يتطلع بنظر كليل ، إلى سيل السيارات ، تمرق من أمامه بجنون . وخطر بباله ، ما يحكى أيام زمان ، من أن أهل بغداد حين شاهدوا أول سيارة تسير في شارع الرشيد ، فزعوا ، فقد ظنوا أن عفريتا في داخلها يسيرها . ورمى ببصره عبر الشارع أمامه ، فلمح محلات بقالة ، وسوق خضار ، وخلقا كثيرا ، داخلة إلى السوق أو خارجة منه ، تسير باتجاهين متعاكسين ، تتداخل أجسادها دون أن تصطدم يبعضها.وتطلع حوله : بعض الأشخاص ، رجال ونساء ، يمرقون من أمام ناظره . وبالقرب منه تقف نخلة طويلة ، شاخصة برأسها نحو السماء ، تتدلى منها ، عذوق التمر الذهبية ، فتبدو كأنها فوانيس تلتهب بضوء الشمس . وعصافير بين سعفاتها ، تتناحر حول أنثى ، تقف بعيدا عنهما تتفرج بلا مبالاة ، وعصفور ينقر بعض التمر، نقرة ونقرتين ثم يفر . وتذكر زوجته التي رحلت عن الدنيا منذ زمن لا يتذكره ، وأياما قضياها معا ذاقا فيها الحلو والمر.وانتبه من عالم ذكرياته ، وعاد ينظر إلى الجهة الثانية من الشارع .وفكر بالعبور ، ولكن هيهات أن يقدر وقد بات منهكا ، وذهنه واهنا لا يستطيع التركيز ، والسيارات غيلان هائجة . قديما ، كانت الحياة بسيطة، هينة ، وبرغم بساطتها ، فقد كان لها طعم ، وللأشياء معنى . كانت المحلة والبيت ودكان أبيه للعطارة ، والجيران ، وأهل الحارة ، هي الدنيا كلها . لو خرج منها إلى ابعد من ذلك فقد تغرب و تاه كما لو أنه يسافر إلى بلاد السند والهند التي تروى عنها الأساطير. كانت المدينة صغيرة ، وكان لكل فرد قيمته . فللأب هيبته وللأم قدرها ، وللأبناء عليهم الطاعة ، والامتثال ، وللجار حقوق . ويسمون ما يحصل تقدم وحضارة . أية حضارة هذه التي تقتل كل معاني الحياة ، وتذل أبناءها ، وتجعلهم يجرون كالعبيد . كان الناس في قلوبهم رحمة ، يساعدون ذوي الحاجة وينجدون تائه السبيل . هل بمقدوره في هذه اللحظة أن يستوقف شخصا يسأله ، فيجيبه بطيب خاطر ، دون أن يسبب له حرجا .! هذا إذا كان هذا الشخص يعرف شيئا عن المكان الذي هو فيه..
وتوقف باص ، في موقفه الذي على مبعدة أمتار منه ، وهمّ أن ينهض ، ويمضي نحوه ويصعد إليه . ولكنه خشي إن ما يفعله ضياعا آخر . فترك الباص ينصرف وهو يتطلع إلى ركابه من خلال زجاج نوافذه . الوقت يمر وهو مازال على هذه الحال . لم يتغير شيء ولا يظن إن هناك ما سيحصل ، ينقذه مما هو فيه . ما الذي يتمكن أن يفعله لو امتد انتظاره، حتى هبوط الظلام . ساعتها، الله وحده يعلم، أين سيبيت هذه الليلة .؟ هنا في الشارع أم في مركز للشرطة ، أم سيقاد إلى دار العجزة ، أو ربما احد المارة سيعرف بحكايته ويرق له قلبه فيأخذه إلى بيته ، يعتني به ، حتى يظهر له أهل..
كان في حيرة وتخبط ،عندما أقبلت من الجهة الثانية للشارع سيدة الباص ، وهي تمسك بذراع الصبي بيد وتحمل أكياس الخضار باليد الأخرى . وعبرت الشارع ، واتجهت نحوه . وبادرته قائلة وهي تعتذر :
ـ آسفة بابا لتأخري ، السوق مزدحمة بشكل لا يعقل هذا اليوم ..
جفل ، وهو يحدق بوجهها ، ثم عاد يتفرس بوجه الصبي . ونهض بصعوبة ،وسارت نحو موقف الباص القريب فسار يتبعها ، متكئاً على عصاه ، وهو يغمغم بكلمات مبهمة.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"