تابعنا على فيسبوك وتويتر

hussein 5د. حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2012 – 2013
ملاحظة : حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .
وليسمح لي السيّد القارىء بقدر معقول من الإطالة في تناول ما يقوم به جوزف حرب هنا من تعرّض واقتحام مشرّف ومتكرّر هنا في هذا النصّ ، وفي النصوص المقبلة لهذا المعقل الذي حصّنوه كذباً باسم الله والذي يُسمّى : الدين . وأول ملاحظة كبرى على موقف جوزف هذا هو أنّه يشعرنا بالإثم الكبير والخطير الذي ارتكبناه كمثقفين ، بحقّ أنفسنا ، وبحق إبداعنا ، وبحق إنساننا العربي المغدور والمقهور ، حين تنازلنا عن مواقعنا شيئا فشياً لصالح هؤلاء الأوغاد المتستّرين بالدين . لا تصدقوا هؤلاء الأوغاد الذين يزعمون أننا نقوم بتعهير الحياة . وعذرا يجب أن نتحدث بلسان تعرضي واقتحامي مبين مثل الشاعر ، ولاحظ أنّ النقّاد العرب خذلوا الشعراء أيضأً . فهؤلاء الذئاب لم يكتفوا بمحاصرتنا في بيوتنا ، بل دخلوا حتى إلى غرف نومنا ، وطوّعونا على أن نسألهم حتى عن الكيفية التي نضاجع بها زوجاتنا ، وهم يلعبون بخواتم بناصرهم المشعرة بتشف ، ويفتون بصبر مسموم . سحبوا البساط من تحت أقدامنا نحن الذين نلقب أنفسنا بتنفج زائف بـ ” الإنتلجنسيا ” ! الإنتلجنسيا المهزومة التي تريد بائسة أن تجد لها موطىء قدم على هضبة التغيرات الجارفة !! إنتلجنسيا هشّة لا تستطيع سوى بناء يوتوبيات غير مسلحة . لقد حوّلوا جموع الجماهير العربية إلى قطعان . وهنا يبرز امتياز جوزف المضاف فهو شاعر مقاوم أصيل من أحل الحياة والجمال والحرّية ، ويدرك أن الشعر ينبع من روح الفرد المتفرّد لا من القطيع . ولهذا يصرّ على أن يقف على تلّة وجوده ملوّحاً برايته الحمراء . إنّه يلوّح بها وينشد أغنيته المقاومة لعلّ الجموع تسمعها ، ينشدها بلا خوف ولا وجل في الوقت الذي انزاحت فيه سلطة المثقف بكل أنواعه ؛ أغنيته التي سوف تخيف “الخان” حتى لو لم تسمعها الجموع . وهاكم ما أقصده بأغنية الشاعر التي تخيف “الخان” :
(عاش في إحدى البلاد شعراء كثيرون (…) وفي يوم من الأيام ، سمع الخان أغنية ، تتحدث عن قسوته واستبداده . فأمر الخان ، وهو غضبان ، بالبحث عن الشاعر الذي ألّف هذه الأغنية التي تحض على عصيانه … لم يستطع أحد العثور على مؤلف الأغنية . وعندئذ أمر الخان جنوده بالقبض على جميع الشعراء … فقبضوا على كل من ألّف أغنية ، وألقوا بهم في سجون القصر (…) وفي صباح اليوم التالي جاء الخان ، ليرى الشعراء المساجين :
– حسنا على كلِّ واحدٍ منكم أن يغنّي أغنية واحدة.
فبدأ الشعراء يغنّون واحداً بعد واحد عن عظمة الخان وقوّته ومجده ، وكيف أن الأرض لم تشهد قطّ مثله : فأطلق الخان سراح من غنّاه من الشعراء ، وبقي شاعران رفضا الغناء . فأمر الخان بنقلهما إلى محرقة أُعدّت في الساحة العامة . واحدٌ منهما لم يستطع أن يتماسك . وجعل يغنّي ممجداً الخان وعظمته ، فأفرجوا عنه . وبقي شاعر واحد ، أبى في عناد أن يغنّي . فأمر الخان بربطه بالجذع و إشعال النار . وعندئذ أنشد الشاعر ، وهو مربوط بالجذع ، أغنيته الشهيرة عن قسوة الخان واستبداده وجشعه ؛ تلك الأغنية التي كانت سببا في كلّ ما حدث .
وصرخ الخان :
– فكوا حباله . أخرجوه من النار . أنا لا أريد أن أفقد الشاعر الوحيد الحقيقي في بلدي )(88).
jozif harb 8طبعاً لا يوجد في حياتنا العربيّة خان بهذه النبالة ، وبهذه الروح المرهفة التي تقدّر الشعر . لكن هناك خانات يخافون الشعر الحقيقي المقاوم الجسور رغم أنهم يتظاهرون بإهماله . والمهم هو اقتراف المعصية ، وحمل راية المبادرة الحمراء في اقتراف إثم تمزيق أستار المسكوت عنه من الحقائق في حياتنا التي ملأها الأوغاد نفاقاً . لو صرخنا مثل جوزف حرب منذ أول خطوة خطاها الأوغاد لفرض روح الإله المكفهر ألم يكن ممكناً أن يتجرأ شباب هذه الأمّة على شيء آخر ؟ :
( لستُ
من أوجدهُ الدينُ .
أنا الداعي إلى حريّة الفطرةِ
والبدءِ ،
وجعلِ العقلِ بحّاراً
بعيدَ الغمسِ .
وليسعدْ بما زهّرَ فيهِ الجسدُ
الرائعُ ، والروحُ التي أجملُ ما فيها جناحاها . وما
يبقى ، طريقٌ ، وبلا عكّازهِ ، يمشي
كفيفْ . – ص 1251 ) .
لقد ساهمنا معهم في قصّ أجنحتنا المبدعة التي لا سلاح لدينا غيرها . وكانت الخطوة الأولى هي هذا التغرّب الحداثوي وما بعد الحداثوي عن الناس . فباسم الحداثة لم نعد نكتب عن الأرض والإنسان المحطّم المُستغل ، وباسم الحداثة صار التغنّي بالأمومة وحضارتها سبّة ، وباسم الحداثة صارت القصيدة تتناول كلّ شيء وتختنق بالأشياء لمادية واختفى الإنسان منها ، بل حتى من اللوحة . أعظم نتيجة مدمّرة للحداثة الغربية التي استوردناها هي بناء “المعتزلات” و”الأبراج” العاجيّة الشعرية . فلا نحن ننزل للناس ، ولا هم قادرون على الصعود إلينا . فالحداثة جاءتنا مستوردة مثل أي سلعة غربية ولم تكن لدى مواطننا أدوات تلقّيها ولا الإستعداد لتلقّيها – لا نفسيّاً ولا معرفياً . إنها مثل البنطلون الذي تلبسه المرأة المحجبة تحت ثوبها الأسود الطويل . وشاعت بيننا أطروحة سخيفة هي : “أنا أكتب لذاتي ولست مسؤولاً عن عدم فهم الآخرين” . تحمّلوا أيها الأحبة هذه الإطالة التي فتح أبوابها الجحيمية المسكوت عنها جوزف حرب والمتمثلة بهزيمة المبدع العربي الذي جعلنا عصبة تتفاهم فيما بينها فقط بشفراتها الحداثوية . وهنا امتياز مضاف لجوزف حرب ، فهو يكتب للإنسان العربي المطحون ، ويصرّ على الدفاع عن قيم الجمال ، في زمن العفونة والرثاثة ، في “سوق الهرج” التي تشهدها الحياة العربية ، كما وصفها أحد المحلّلين النفسيين بدقة :
(هذه المحاولة الرامية إلى شد وثاق الجماهير إلى الأصلي خلقت حالة ذهول ونكران لدى البعض ، ولكنها خلقت حالة تنويمية استبدت بالكثير من أفراد الشعب والطبقات الوسطى . إنها كانت سبيلا إلى خلق حالة استعداد طفولي للذاكرة ، وحالة خلط تاريخي يحل فيها العتيق مع المثالي في الساحة العمومية بكثير من الهرج والمرج . فالمنفّرات والمظاهر الكريهة تكاثرت في كل مكان ، مرتسمة على الأجساد نفسها ، عبر اللباس وعبر أسلوب العيش والتعايش ، وكأن العفونة والرثاثة هما الضمان الوحيد للأصالة … يمكن للإنسان أن يستلقي من الضحك جرّاء هذا “الريمايك” الواقعي ، إلا أن الضاحك سرعان ما يتبادر إلى ذهنه الطابع الخطير لهذا الشغف بالأصل ، لأنه يحمل في ثناياه مشاعر الضيم والإهانة والحقد ، وموجات عارمة من الضغائن المتنامية . إن الرغبة المفرطة إلى هذا الحد في اللحاق بالأصل لا يمكن أن تخلو من الرغبة في الإنتقام المريع من الأزمنة الحاضرة )(89).
ألم تكن حالة التدهور في الجمال والردّة اللامباركة إلى العفونة والرثاثة بل حتى الفذارة التي وصلت إلى حدّ دعوات التبرّك بالبول المقدّس تجري أمام أعيننا .. ما الذي فعلناه ؟ ألسنا كمبدعين مسؤولين عن إشاعة محبّة الخير والجمال والنظافة والحرّية في الحياة ؟ انحطاط دورنا بفعل الإستيراد السيّء للحداثة يلخّصه تعريف للحداثة الشعرية في الغرب ونقله نقادنا الأشاوس : (الحداثة الشعرية هي انشغال الشعر بنفسه) .. مبروك .. فقد انشغل الشعر بنفسه .. وانشغل الشاعر بشعره .. وبدأنا واحدنا يضحك على ذقن الآخر تمهيداً لتحلق الحياة ذقوننا جميعاً . صرنا عصبة كما قلت نكذب على بعضنا بعضاً الأمر الذي دفع شاعراً مثل “مظفر النواب” إلى أن يقول لي إنه يكتب الشعر منذ أكثر من خمسين عاماً ، ولكنه الآن لا يفهم ما ينشر من شعر في الصحف والمجلات . الشاعر يدّعي أنه يفهم الشاعر .. والناقد يفهم الشاعر .. والناقد يفهم الناقد .. والكل يجاملون . ويعلن الناقد الكبير الراحل د. عبد العزيز حمودة الذي كان أستاذاً للأدب الإنجليزي في أرقى الجامعات الأوربية ؛ يعلن أنه يشك في وجود درجة من الغباء لديه لأنه لا يفهم كتابات البنيويين العرب (قوله مدعم بالأمثلة في كتابيه المرايا المحدّبة والمرايا المقعرة) . وهنا ميزة أخرى مهمة لجوزف حرب فهو يكتب شعراً “يُفهم” ولا يبالي بماذا سيقوله النقاد الحداثيون الأشاوس . لم ينشغل بشعره وبنفسه في برجه مثل باقي الشعراء والنقّاد الذين انشغلوا بتحديث شعرهم في الوقت الذي كانت مياه التخلف تغمر كل جوانب الحياة العربية من حولهم . كان الماء العفن يسيل تحت أقدامنا من دون ان نشعر فنحن منشغلون جداً .. وهذه هي النتيجة :
(وجدت الجماهير نفسها محرومة من الميراث مضاعفة : بسقوطها في بؤس الفضاءات العمرانية الموحشة ، وفي الفقر الذي يعتري تصوّرهم للمنزلة البشرية الجديدة التي فُرضت عليهم . وهكذا اندلعت على نطاق لا مثيل له مسارات عنيفة تتمثل في kh jozef 3الإلغاء الذاتي . وما أقصده بمسارات الإلغاء الذاتي هو أشكال الخلع التي تحصل للناس عندما يُصبحون عاجزين عن فهم ظروف عالمهم بإحداثيات الحقيقة الخاصة بذاتيتهم . وعندما يصبحون مهددين في اهتمامهم بأنفسهم ، وفي المواظبة على وجودهم ، وفي متانة المشترك الذي يجمع بينهم . إذا كان البشر قادرين على تحمّل ظروف الفقر المادي القصوى ، فإنهم إذا سقطوا في هذا الخلع لأنفسهم أصابهم اليأس وأصبحوا هاذين ومتمرّدين ، وأدى بهم الأمر أحيانا إلى حالة من الفاقة التي تجعلهم يقبلون أي عملية ضخ للمعنى . خجل الإنسان من كونه ملغى ذاتيا يؤدي به إلى محاولة تفادي العالم في حاضره للبحث عن الأصل في ما وراءه ، للنظر فيما إذا كان باب الأصل باعتباره الفردوس الأول للحقيقة لم يوصد بعد . هذه البنية الفعلية تفترض ولاشك حركة تراجعية أمام الانقطاع الذي أحدثته الطفرة الحضارية . فجملة ريلكه : “ما كان لهم لم يعد ملكا لهم ، وما يقترب منهم ليس لهم بعد ” تعني توقفا ورفعا لليد يذكّران بما سمّاه “هولدرلين” بـ “الوقف” ، أي تلك اللحظة الخاوية الدقيقة للنقلة المأساوية التي يغيب منها كل ربط وكل مراوحة)(90) .
إنها مرحلة ” الإله المكفهر” ، دخلناها بكل خرابها ونحن نتفرّج . كنّا محلّقين ننظر كيف تقصقص السلطات الدينية والطغيان أجنحة المواطن وتختق روحه . ثم انتبهنا إلى أن مهبط نزولنا على الأرض قد أُلغي ، حيث لم تعد هناك حاجة لمهابط مادامت الناس قد اصبحت بلا أجنحة . وها نحن ندور وندور في سماوات خاوية من الكتابة إلى أن تخور قوانا وتنهك أجنحتنا ونسقط على رؤوسنا . وميزة جوزف حرب العاشرة هي أنه يكتب الشعر ويبدع وقدماه على الأرض . جناحاه مستنفران كجناحي صقر عنيد مستعدٌ لللإقلاع في أي لحظة .. لكنه ممسك بواجبه يحفّز الناس على أهمية أن تكون لأرواحهم أجنحة وظيفتها معروفة . والأهم فيها – خصوصاً في مرحلة العقول الأرضية الدبقة هذه – أن تحلّق بعقولهم – وبعفويّة وتلقائية عذبة – في فضاءات الخلق والحرّية والتفتح :
( كلّ ما يغدوْ اكتشافاً ، هو مِنْ
قبلُ ، تلاميحُ ، كأشباحٍ ، مع الليلِ
تطوفُ .
أجملُ الأرضُ ، وأبهى الناسُ ،
إذْ تخرجُ منْ أعماقهمْ أجنحةُ
الروحِ ، كما يخرجُ من سنبلةِ القمحِ
الرغيفُ . – ص 1252) .
يستذكر “رسول حمزاتوف” درسً بليغاً من “شامل” إمام داغستان الثائر :
(حدثني أبي قال :
سألتْ الشيخَ شاملاً العظيم يوما بطانتُه :
– يا أمام قل لنا : لماذا منعتَ نظم الأشعار وتأليف الأغاني ؟
وأجاب شامل :
– أريد أن يبقى الشعراء الحقيقيون وحدهم هم الشعراء . لأن الشعراء الحقيقيين يستمرون في نظم الشعر مهما حدث . أما الكاذبون ، أما المنافقون الذين يدّعون أنهم شعراء ، فسيخافون مني ، ويسكتون لأنهم جبناء . وهكذا يكفّون عن خداع الشعب وعن خداع أنفسهم :
– يا إمام قل لنا لماذا القيت في النهر بقصائد (سعيد آراكان) ؟
– يستحيل أن تلقي في النهر قصائد حقيقية . إنها تعيش في قلوب الناس .
ولكن عندما تكون القصائد لا تساوي الورق الذي كُتبت عليه ، عندئذ يحدث لها ما يجب أن يحدث لها . وعوضا عن أن يكتب سعيد أراكان شعرا خفيفا يحمله النهر معه ، يجب أن يشرع في كتابة شيء مفيد ,”ثقيل” )(91).
وجوزف حرب من نمط الشعراء الشجعان الذين يستمرون في نظم الشعر لأنه بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت ؛ ينظمون شعراً ثقيلاً لا تسوقه المياه بخفّة الورقة ، ولا تحرقه نيران الطغاة كشجرة يابسة ، لأنّه محمّل بآلام البشر التعساء التي صارت كالجبال .وهذا الإنسان الذي خلقه الله ممتلئاً ورداً وسنابل وقدرة هائلة على الحلم ، يأتي من يزعمون تمثيله لتصنيم الله من جانب فهم دعاة للوثنية في حقيقة أمرهم ، وللمساهمة في إذلال الإنسان وسلب كرامته حين يصبحون ذراعاً للجلّاد ، ويصورون السلطان الجائر – كما يقول علي الوردي – على صورة الله كما تصوّروا الأخير في أذهانهم الضحلة . فهم يتصورون الله كالملك جالسا على العرش وحوله الملائكة ، وهو يأمر بينهم وينهي . إنهم أخذوا هذه الصورة من حياتهم السياسية . فهم ينظرون إلى الله كما ينظرون إلى حاكمهم السياسي ، إذ يحاولون أن يتملقوا ويتزلفوا إليه أو يمدحوه ويبرطلوه . ولهذا السبب نجدهم يهتمون كل الاهتمام بالشعائر والطقوس بدلا من الاهتمام بصفاء القلب وسلامة العمل وخلوص النية) (92). ولو كان هناك عشرون شاعر مثل جوزف حرب صابرون لغلبوا ألفاً من أصحاب الوجوه المكفهرّة . ولو كان الشعراء يتّسمون بهذه الجسارة ، ويمتلكون مثل هذه الروح الإقتحامية ، ألم يكن بالإمكان فعل شيء يعرقل تسلّط القبح على الجمال في حياتنا ، ويمنع خنق أنفاس الحريّة ووضع أجنحة العقل في أصفاد الفتاوي :
( لا حرّيةَ للإنسانِ
بأيّ ديانهْ .
أقفلتِ الأديانُ على الأسئلةِ .
اغتالتْ حرّيةَ أنّي أسألُ . لا تأويلَ ، ولا
جدلٌ . فهما كفرٌ ،
وخيانهْ .
لا إستبدادَ بهذا العالمِ كاستبداد
الكهّانِ . ولا أقبيةٌ للتعذيبِ كأقبيةِ الدينِ . وما
الكهّانُ سوى أجهزةِ استخباراتٍ ، لا عندّ اللهِ ،
ولكن ، عندَ السلطانِ الجالسِ فيهمْ . همْ صنعوا
اللهَ كما شاءوا . لمْ يتجاوزْ ظلمُ الظالمِ وحشيّةَ
تعذيبِ الإنسانِ ، ومقتلهِ . أمّا الكهّانُ فتعذيبُ
الإنسانِ لديهم
كونيّْ .
أبعدُ
من
وحشيّْ .
فوقَ خيالَ اللامعقولِ . وابقى
من هذا
الأبديّْ . – ص 1254 و1255) .
وقد يمرُّ في ذهن القاريء خاطر مفاده أنّ الشاعر قد أفرط كثيرا في حملته الفاضحة ضد الكهّان ، وألصق بهم صفاتٍ وحشيّة لا تليق بقلوبهم الرقيقة . ولكنك لو راجعتَ التاريخ وقلّبتَ صفحاته الموثّقة ، لوجدتّ عجباً عجاباً عن وحشيّة رجال الدين يفوق كلّ ما صوّره الشاعر . فالشاعر يتحدثُ عن وضع عمومي لم يدعّمه بالتفاصيل حتى الآن . ولكنّي قرأتُ طرق التعذيب التي كان يبتكرها كهّان محاكم التفتيش ، فاقشعر جلدي . إنّها طرقٌ لم يبتكرها الإنسان .. ولا حتى الشيطان . وإليكَ مقطعاً من تقرير كتبه الضابط الفرنسي الكولونيل “لومونسكي” ، أحد ضباط الحملة الفرنسية على إسبانيا عام 1809 م : (ولما انتهينا من ذلك توجهنا إلى غرفة آلات التعذيب فرأينا هناك ما تقشعر لهوله الأبدان :
فقد عثرنا على آلات لتكسير العظام وسحق الجسم ، وكان يبدأ بسحق عظام الأرجل ، ثم عظام الرأس والصدر واليدين ، كل ذلك على سبيل التدريج حتى تأتي الآلة على كل الجسد فيخرج من الجانب الآخر لها كتلة واحدة .
وعثرنا على صندوق بحجم رأس الإنسان تماما ، توضع فيه الرأس بعد أن تُربط أيدي وأرجل صاحبها بالسلاسل ، فلا يقوى على الحراك ، وتُقطر على رأسه من أعلى الصندوق نقط الماء البارد ، فتقع على رأسه بانتظام ، كل دقيقة نقطة .. وقد جُن الكثيرون بسبب ذلك اللون من العذاب قبل الإعتراف . ويبقى المعذّب على حاله هذه حتى يموت .
وعثرنا على آلة تعذيب ثالثة تسمى السيدة الجميلة وهي عبارة عن تابوت تنام فيه صورة امرأة جميلة مرسومة على هيئة الاستعداد لعناق من ينام معها وقد برزت من جوانبها عدة سكاكين حادة وكانوا يطرحون المعذب الشاب فوق هذه الصورة ويطبقون عليه باب التابوت بسكاكينه – بعنف – فتمزق السكاكين جسم الشاب وتقطعه إربا إربا .
كما عثرنا على عدة آلات لسلّ اللسان وتمزيق أثداء النساء وسحبها من الصدور بواسطة كلاليب حديدية حادة ، ومجالد من الحديد الشائك لجلد المعذبين وهم عرايا حتى يتناثر اللحم من العظم ) (93).
ولا يغرّنكَ هذا الهدوء الظاهر ، والكفّين الغافيتين كعصفورين على شجرة كما وصفهما جوزف في نصّ “القمح الجائع” (ص 133) ، والعينين المطأطئتين خشوعاً .. فهذه كلّها زائفة ، وهي ضمن إفرازات أواليّة “التكوين الضدّي” التي أشرنا إليها أكثر من مرّة من قبل حيث يكون الهدوء المفرط في الخارج تشكيلاً عكسيّاً للعدوان الذي يفور في الداخل ، وهو عدوان حين ينبثق – وبعد أن عطّله التديّن طويلاً – فإنه ينبثق بصورة انفجارية كاسحة تجعلك تنرعب ولا تصدّق كيف يقترف إنسان يزعم هذا القرب و الخشية من الله ويأمر بالإحسان كل هذه الفظاعات في التعذيب . اضفْ إلى ذلك أن ضمير هؤلاء يكون رخواً في الأفعال الإجرامية لأنه يحمل مبرّراته المثالية لفعله معه . ولو اطّلعت على طرق قتل الناس الأبرياء والتمثيل بهم في العراق بعد الإحتلال المجرم لملأتَ رعبا : قطع رأس الضحية ، وخياطة رأس كلب مكانه على جثة القتيل ، قطع رأس طفل صغير وزرعه في بطن أمّه .. واحد من الأوغاد اعترف بذبح (600) مواطن عراقي مدني بريء .. وغيرها .. وغيرها . والمشكلة أننا لم نجد نصّاً شعريّاً يفضح هذه الأفعال بوضوح وبمسمياتها حتى الآن . وقد تكون كتابة الشعر عن هذه الكوارث الوحشية خارج أطر الحداثة !! . صار الكهّان – للأسف – أخطر على الناس من الجلّاد ومن السلطان كما يعلن جوزف حرب بلا تردّد :
( لمْ يأتِ قانونٌ
لكي يُحرّرَ الإنسانْ .
ولمْ تقمْ بأيّ يومٍ دولةٌ في
الأرضِ إلّا وهيَ من قمعٍ ، ومن دمٍ .
وما الكهّانْ
في الناسِ عبرَ الوقتِ إلّا شاربٌ قد
أسكرتهُ
خمرة السلطانْ .
مَنْ قالَ للقانونِ :
لا
مَنْ قالَ للدولةِ :
لا
مَنْ قالَ للكهّانِ :
لا
كانْ
خائنَ شعبٍ ، مجرماً في الحقِّ ،
أو
شيطانْ – ص 1256 و1257) (نصّ “اللّا”) .
إنّهم يعدّون من ينتقد السلاطين (أولي الأمر حسب تزوير النصوص) ويقول لهم : لا ، شيطاناً ملعوناً .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"