تابعنا على فيسبوك وتويتر
الناقد والشاعر العراقي مقداد مسعود يتحاور مع الروائي الكويتي الكبير اسماعيل فهد اسماعيل / شتاء 2014

الناقد والشاعر العراقي مقداد مسعود يتحاور مع الروائي الكويتي الكبير اسماعيل فهد اسماعيل / شتاء 2014

اسماعيل فهد اسماعيل بحيوية ثرة يتنقل بين حقول السرد ،بدأ بالقصة القصيرة .. قفز للرواية القصيرة واصبح رائدا لنوع معين من الرواية القصيرة ،رواياته القصيرة الاربع، جاءت بغموض شفيف من الشعر وانتخبت قارئها بدقة متناهية ، وكانت تقنية السرد جديدة على القارىء العربية فهو في هذه الروايات قدم قراءته الخاصة لتجربة تيار التداعي الذي أثله جيمس جويس بملحمته يولسيز واعقبها بيقظة فينغان وصورة للفنان في شباب وساهمت فرجينيا وولف في روائعها ضمن الحقل الجديد نفسه من خلال رواياتها : السيدة دالاوي، غرفة يعقوب، الامواج وفي فرنسا اشتغل مارسيل بروست ملحمته (بحثا عن الزمن الضائع..اسماعيل في الرواية البكر(كانت السماء زرقاء) ترك تقديم الرواية للشاعر الكبير(صلاح عبد الصبور) الذي طرّز مقدمة ً ضرورية للقارىء المنتخب .. في ثلاثية النيل.قطع الحبل السري مع خطوته الروائية الاولى، صار يصنّع بصمة ً اضافية في بصمتة ..في سبايعته (احداثيات زمن العزلة )..يشتغل على الرواية / النهر وهو اشتغال يراه ضروريا لكي تتماهى تفاصيل اللحظة الدموية / غزو الكويت مع تقنية السرد التي تتسع دوائرها..فيما يلي ذلك من الروايات استعمل الرصانة الروائية وفق تجربته في (يحدث امس) و(سماء نائية)..ليست عودة بل هو الاشتغال الجديدة للتجربة الروائية الاولى للمؤلف: الاقتصاد الاسلوبي / الشحنة الشعرية/ تماهي الجواني البراني في الذات الانسانية..في (طيور التاجي) أراني أمام الرواية المفّكرة بذاتها ،الروائي يدخلنا منجمه السري يخبرنا كيف يكتب وجعه / وجعنا نحن امام درس روائي باهض الثمن وامام انسانية تؤثل للعدل الوطني وللوطن المجاور ، العنقاء والخل الوفي :إدانة فنية كبرى للمحذوف من النسق الثلاثي أعني : الغول وهنا يحضرني الكبير سميح القاسم (الغول والعنقاء والخل الوفي حفظتُ ملامحهم وكان الموت يحفظ كل شي)..ويعود اسماعيل لقصة القصيرة بشفافية فراشة وبمسرحة سرديات له ويكتب مايشبه النقد عن احبته في السرد والحياة : واسيني الاعرج/ ليلى العثمان / علي السبتي وثريا من الذين نحبهم نحن القراء امثال الكوكب الدري : سعدالله ونوس ..
(*)
المثنوية هي السائدة في رواية (مسك )
*الراهن / الآفل
*ماء/ يابسة
*سماء / أرض مطار – فضاء مغلق :حجز الاشخاص للتحقيق معهم
*تضاد عائلي/ تضاد دولي
*ليبرالية/ تشدد اصولي..
ظاهرالشخص / باطنه

(*)
الإطار الكبير للرواية :زمن مابعد تفجير برجيّ التجارة (دأبو على الأخذ بها..في المطارات الاوربية ومطارات الولايات المتحدة، منذ حادثة تفجير برجي التجارة../ 24).. ( البعض من مسلميكم اضظرنّا للأخذ بها ../96) الاطار الثاني :انشغالات الزوج : نكوص الزوجة
(*)
تتوزع الرواية وفق آلية المونتاج السينمي :شاشة الفضاء الروائي تتنقل بين مطار أثينا والكويت
(*)
الرواية لاتنتسب للأفلام الاكشن بل حياتنا هي التي تأكشنت فألتبس سردها فينا فلابد من سردها في التبسها نفسه مادام اللغة العربية( جرّاء اعتبارات محسومة عندهم : سبة /16)..هكذا حياة المواطن العربي المسلم : تصادر على الشبهة بسبب مافعله التشدد الاصولي الذي مولت نشأته أمريكا وشقيقاتها الشقر، نكاية بالمعسكر الاشتراكي واليسار العربي وحين حولت الوحمة في صلعة غورباتشوف الاتحاد السوفيتي قطع غيار تحنت لحية سولجستين لكن سرعان ماشعر انه يجلس على خازوق أمريكي ولاأرض في الارض خارج روسيا…الصادق الوحيد جورجيو وساعته (الخامسة والعشرون ) هل جاورتها الروائية مي منسى منها في رائعتها (ويشق الفجر قميصه )؟ أمريكا لاتريد إحالة التشدد الاصولي على التقاعد بل تستعمله بمشيئتها وتسفره داعشيا في العراق وسوريا والبقية..
(*)
السؤال الروائي هو تغذية النص الروائي، كأن الرواية تقدم ذريعة روائية على صيغة جواب روائي للأنشطار الذهني لدى الشخصية الرئيسة احمد (حين لايصادفك مايشغلك من خارجك يعتمل فيك داخلك /51). جون .. سالم .. المتضوع مسكا..نراهم ظاهراتيا ..وحده احمد المتساءل .. (كيف لك أن تعزلك عن داخلك ..لتصمت هناك؟!/7) كقارء ارى السؤال مقتبسا داخليا ممولا ذاتيا من منتج النص دسه في المتن لتصطاده سنارة التلقي …في الرواية لاوجود للسارد المطلقة المعرفة ،يوجد سارد مشارك في صناعة الحدث ..سارد بوظيفة شخصية رئيسة ..
(*)
أحمد ..إيمان..سالم ..جون ..اللامسمى الوحيد هو ذاك الذي تحول مفردة بصيغة ظاهرة لاإنسانية اللامسمى يوصف في الرواية ..( هزيل القامة . بوجه مجدور. ملامح شرق أوسطية ، غائر الخدّين ، بعينين خرزتين ،لحية قصيرة مدببة شارب محفوف ../ 13) في الصفحات التالية سيكون التوصيف مرّكزا..(لحية مدببة وشارب محفوف ) واللامسمى سيختار الاريكة الابعد عن باب المكتب ويجلس على الطرف منها، في حين جلس الثلاثة :احمد، سالم، وجون على الاريكة الثانية ثمة معادلة جانحة : يفترض ان يجلس كل اثنين على اريكة..لكن ثمة علاماتية تومىء بالتحاشي ..صاحب اللحية المدببة لم يجلس وسط الاريكة كعلامة للتفرد فيها..الرجل جلس على طرف ليجلس احدهم لكنهم ليدرؤا عنهم تهمة المجالس انتبذوا عنه..وهو بدوره انتبذ عن المكتب..
(*)
من خلال المحقق سنعرف جون هولندي من أصول نيجيري ومن خلال المحقق سيعترف سالم عن وظيفته السرية إذن كقارىء سأعود الى المحاورات الوجيزة بين سالم وأحمد سألتقط خبرة سالم المخابراتية بعد التحقيق مع جون يشير أحمد (من طرف خفي نحو جار الأريكة الثانية : ربما سيكون دوره !!/ 56) يعاجله سالم بإجابته (لن يكون ..سيبقونه أطول مدة ممكنة ..رجال ال أف .بي .آي والذين معه سيخضعونه صاحبنا لأصناف عدة من تحقيقاتهم الاستثنائية /57)هنا سيحتفظ أحمد بتساؤلاته (اجتهاد في التأويل ؟! ..أم معرفة موثوقة مترتّبة عن خبرة ؟!../57) ولايقتنع احمد بجواب سالم، حين يسأله عن فحوى ماجرى مع من تحقيق في مكتبهم زهاء ربع ساعة فيجيب سالم مجرد تحقيق ..فطنة احمد تقيس الصدق صوتيا :
(نبرة صوته – كما حدسها – تفتقر الى حجّة الإقناع ،،لديه مايخفيه ،، آثرت ألا تحرجه /67)..خلافا لذلك في حوار سابق سيقول احمد لنفسه..(ثقة هذا السالم تترسّخ صوته ..صاحب خبرة،لاشك /23) والممّسوك لايتكشف لنا إلاّ عبر تفكيره بصوت ٍ عال وهو يغلّف تفكيره والاصح اضطراب الهرمون فيه بآي من الذكر الحكيم..كما تنشغل ايمان بإذاعة القرآن الكريم /77..هنا القرآن يوظفانه وفق نواياهما الشخصية..
(*)
سوء تفاهم هو الرابط التفاعلي بين الزوجين أحمد وإيمان وهي لاتجانب الصواب في قولها..
(أنت – بمرور الوقت – صرت جزءاً من عملك السياسي ، بدلاً من ان يكون عملك جزءاً من حياتك ./60)..استنتاجها صحيح ..وهنا اشكالية : السياسي والمثقف .انهما يؤمنان بالكلية المطلقة بالتفرغ التام لعملهما ..احمد ليس جزءاً بل متماهيا في عمله وهذا الامر استولد فجوة في اتصاليتها الحياتية : أحمد وإيمان ، والفجوة : هوة ومن الهوة يتسلل الآخر ليملأ الفجوة وفق خبرته في الغوايات وتفرعاتها ..وأحمد بدوره يسأل نفسه ..(هل هو المسؤول عن إحساس إيمان بالاغتراب تجاه حياته العملّية..أم أنها وقّتت لنأيها بإختيارها؟!../31)..هي لاتشك بحب احمد لها (أدري ..أنت مازلت تحبني /46).. في زمن الاسلام السياسي ليس بالحب وحده تحيا العلاقة الزوجية بل في الرؤية وقد اعلنتها إيمان في مصارحتها معه..(الحب..أن نرى الحياة والأشياء من خلال الحبيب ../31)….لو كانت إيمان لها قدرتها على الانجاب لو لم تولد البويضة ميته..لوكانت في البيت ضجة اطفال لما حدث هذه الفجوة وهنا كقارىء اختلف مع أحمد في قوله..(
صرنا نعرف هذا النموذج في حياتنا خلافا لمعرفة احمد الذي بقي (يعرفها شخصية متزنة واعية !../61)(إيمان واعية بالفطرة /81)..وصار احمد أيضا (يجزم ..لايعرف المرأة الماثلة أمامه../65)
(*)
المحذوف في النص :سيعمد القارىء الى ملأه مرة بالمخيال ومرة بالتأويل..النص يرّكز على احمد وحده بلا ذويه قبل الزواج ونفس الامر ينسحب على إيمان وتتصف إيمان بقوة المواجهة في بداية علاقتهما العاطفية واجهت أحمد بلغة صريحة ..حادة ..مستقيمة :
*أن نجد حلا لعلاقتنا /28
*نضع حدّا لأرتباطنا /27
*أونلتقي بشكل رسمي
*تتقدم لخطوبتي
بالمواجهة نفسها ستطالبه ب(الفك ).. ..نعم يتحمل احمد ماطرأ على تفكير إيمان لكن لايمكن تحميله المسؤولية كاملة ..ثمة موّجهات من خارج بيت الزوجية تسربت طوعا لا كرهاً وبموافقة إيمان وبغفلة من احمد وهذه الموّجهات سعت لترتيب البيت وفق تشددها الاصولي ..
وهكذا صارت إيمان ترفض أحمد جهويا :
*انت وجدت ذاتك ..أوان بحثي عن ذاتي على طريقتي/ 11
*أنت حققت ذاتك عبر انشغالك الكلي بطموحك السياسي ،
وأنا على الهامش من ذلك /30
*صرت ُ جزءاً من ديكور حياتك /31
*أريد أن أبدأ حياتي من جديد/50
*عسى ان أوفّق بالعثور على نفسي !/51
*هل انت مستعد للتخلي عن نشاطاتك السياسية كافّة ؟!/59
*أعمل لك وحدك /60
*فيما يخصنيّ ..أطمح بسلام داخلي ّ يعيد لي توازني !/ 61
(*)
مؤثرية الموجهات الخارجية
()نحتاج جلسة مصارحة /45
()صارت تمتنع عن تغيير ملابسها بحضوره /75
()حبذا لو كان للواحد منّا سريره الخاص به !/76
()أرتاح أكثر إذا نمت في غرفة أخرى /76
()رفضها للذهاب معه في حفلة تشترط ،،كل مدعو برفقة حرمه /76
()فوجأ بوصول خادمة فلبينية شابة محجبة برفقة حقيبة صغيرة /70
(*)حين يباغتها (سفرة خاصة هي وهو ،اليونان ،مدة اسبوعين قابلة لل /78 سيكون ردها غليظ القلب
..ماأدراك أنيّ راغبة بالسفر؟)
()قيد انقلاب ..طوال سنواتها كلّها لم تعن بلبس الحجاب وزوجها للتو آب من سفره وهي تهم لمغادرة البيت من أجل (حضور درس فقهي/100)
() تغيير اسم الخادمة القديمة من ميري الى مريم/ 100
()سيدتي ماعادت تسمح لي بدخول غرفتها /101
() إلاّ إذا اعتنقت الإسلام /102
الزمن الذاتي السابق /8/10/ الزمن الذاتي كمنقذ/ 93- 94
(*)م
ثمة إحالة تكرارية لطيفة لثريا الرواية ، يبثها النص صوب استجابة المتلقي كي تنغرس فيها :
مسك /12/ 23/113 /13 /19/ 23/ 29/32/34/35/ 59/ 73/73/ 96/110/113/115..
والمسك هنا لاعلاقة بالمسك الحقيقي ولاالمسك المصنّع كعطر ولا علاقة له بابرارسورة المطففين
(يُسقون َمن رحيق مختوم ،،25،،خِتمُه ُ مِسك ٌ وفي ذلك فليتنافس المتنفِسون َ،،26)..المسك في النص وتحديدا في الطائرة وهي في ارتفاعها الشاهق..يظهر رجل عملاق القامة ضخم المنكبين ذو سحنة معروفة جهمة (إحدى يديه تقبض على سكين .الأخرى تحضن شيئا كرويا أخضر اللون بحجم ثمرة رمّان .رائحة المسك المصاحبة لحضوره تضوّع المكان .رفع صوته لوّح بيده الحاملة للجسم الاخضر تابع مزمجرا : معي قنبلة../113)
(*)
تقنية تداعي الكلمات : / 24 / 28 /35/ 39 /45/51/59/107/108
(*)
مطار أثينا هي من القصائد التي احبها لمحمود درويش، وفي هذه القصائد نفس معاناة شخوص رواية (مسك) ويبدو ان هذا المطار يتصف بهذا السلوك الدائم ووظيفته الرئيسة هي الترانزيت ،..اقتطف من شجيرة محمود درويش هذه الازهار:
(مطارُ اثينا يوزعنا للمطارات .قال المقاتل : أين أقاتل ُ؟ صاحت بي حاملٌ: أين أهديك َطفلك؟ قال الموظفُ: أين أوظف ُ مالي؟ فقال المثقف ُ: مالي ومالك ؟ قال رجالُ الجمارك : من أين جئتم؟ أجبنا: من البحر.قالوا : الى اين تمضون؟ قلنا : الى البحر. قالوا: واين عناوينكم؟ قالت إمراةٌ من جماعتنا : بقجتي قريتي. في مطاراثينا انتظرنا سنينا …وكان مطارأثينا يُغيّر سكانّه كل يوم ونحن بقينا مقاعد َ
فوق المقاعد ننتظر البحر ،كم سنة ً يامطار اثينا!…/120/الاعمال الكاملة)
*المقالة منشورة في صحيفة الزمان /17/ تشرين الاول / 2015
*إسماعيل فهد اسماعيل / مسك / الدار العربية للعلوم ناشرون/ بيروت /ط1/ 2009
*محمود درويش/ الاعمال الكاملة /3/ دار رياض الريس /ط2/ 2009


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"