تابعنا على فيسبوك وتويتر
الشاعر قحطان جاسم

الشاعر قحطان جاسم

الانشغالات المتنوعة للمرأة:
يوحي عنوان الديوان “أرافق المجانين الى عقولهم” الصادر عن دار فضاءات عام 2015 في عمان، بدلالة احتفالية شبيهة بكرنفال مهيأ بعناية، حيث تجري عملية ضبط المعنى وكشفه خلال الفسحة التي تتيحها مرافقة المجانين. ثمة غائية غير معلنة في هذه المرافقة، واستعادة واعية للرؤية في خطاب شعري ينشغل بفساتين النسوة المرفرفة التي تكشف زيف عشاقهن، أو بضحكة الشاعرة المتهكمة وهي تشمُ “غلائلهن الملقاة على اكتاف الرجولة”ص.51، بنسوة مقهورات ، حيث العلاقات العابرة لعشاق يبحثون عن النشوة المؤقتة التي لا تترك لها ذكرى فثمة “حقائب جاهزة دائما لحب على وشك المغادرة”. ص.58. امرأة ” تكتب سيرة الوشاة والصاغة والعطارين” ص.97، وفي سياق هذه المغامرة الشعرية نلمح امرأة- الشاعرة ، وهي تكثف في روحها ومشاعرها النسوة ، معاناتهن، احلامهن وشهواتهن، فنسمع صوتها معبرا عن جماعية المحنة والالم، انها تشبههن،ص. 39، ص.40 ، طارحة على نفسها سؤالا غير محايد ينفتح على مسؤولية لا مهرب منها:” ماذا افعل بكل النساء اللواتي يتراقصن الآن في جسدي؟ ص.63، ليكون الجواب او ما يشبهه على شكل اعتراف صريح يتسم بشيء من الابتهاج والفخر، وهي تجلس في زاوية” أستمتع برؤية النساء اللواتي خرجن مني الى نزواتهن” ص.98؛ بحيث تجعل من ذاتها الشاعرية حصنا تتحصن فيه شبيهاتها.
من هنا فان المرأة وانشغالاتها المتنوعة تشكل نسيج القصائد وثيماتها. ورغم ان هذه الموضوعات شاخصة في طيات القصائد، الا ان ذلك لا يعني سهولة الولوج في داخل عناصرها. فقصائد الديوان التي يشكل جوهرها؛ الحب، الايرويتكية الحسيّة، مواجهة الآخر سواء الفردي او الجمعي، وما يتفرع عنها من التفاتات سياسية وتلميحات نفسية وذهنية، تنفتح على فضاءات جمالية وفكرية متشابكة، تحيل القاريء الى قراءات تجعل من القبض على المعنى الاصيل للقصيدة مغامرة فيها نوع من مخاطرة التأويل. انها قصائد ذات نكهة شعرية خاصة، وصور تمتاز بشفافية، يحس معها القاريء بدفء العاطفة، وانسانية التعاطف مع الآخر- الشبيه، الذي يعاني من انكسارات وضغوط اجتماعية وذاتية كبيرة، ثم الحث عبر ذلك على التفكر في الكون والوجود. انها باختصار عن المرأة كانسان وكأنثى وهي تبحث عن معنى شعري لحياتها في سياقات مختلفة، حيث يكون جسد المرأة فضاء يرنو اليه الجميع، المرأة التي تشبه السّر، و تفصح عنها الاخبار وعن فضائحها وافعالها، مثلما تنكشف عنا لاأخلاقيتنا، إذ ” نحن العابرون في العتمة الى قمصان نومها الابدي، سنسرق من خزائنها أسرارنا” ص.139، ومركز استقطاب تحتشد حوله التصورات الايروتيكية الحسية فيما يشبه كرنفالية تتشاكل و تتفرع على ثيمات عدة.kh fiolit
إيروتيكة حسيّة:
ما نعنيه بالكرنفال هنا، وباستعارة تعريف الناقدة جوليا كريستا، هو ” تشابكا بين الجسد والحلم والبنية اللغوية وبين الرغبة”1. كلّ هذا التشابك يتحلق حول ايروتيكة تتخايل في القصائد، لكنها ايروتيكة حسيّة تضع نفسها على مسافة من الشبقية الفِجّة أو الجنوح الى إنشغال مبالغ في خارطة الجسد وتكويناته وما يخلفه هذا الانشغال من تصورات إيروسية قصدها الاغواء. فليس هدفها بورنوغرافيا المشاهدة الضحلة، بل الإثارة الشاعرية للحواس، حيث يصير الجسد نقطة انطلاق للخيال وليس هدفا له. فهي قصائد طبقا لتعبير جناح وينترس كلما ” صارت صريحة كلما لا تقول شيئا” 2. انها لا تتشعب في تفاصيل الفعل الايروتيكي، بل تقف عند حوافه، ملامحه الشائعة، توحي به دون ان تدل عليه، توميء اليه بلا اغراء فاحش، بل برهبة حسية. ورغم انها تترك عند المتلقي تصورات وامنيات وربما حسرات، لكنها تمانع من تحققها على مستوى الواقع، لانها تلتزم وتكتفي بفضاء النص وسياق الجملة الشعرية في التحاور مع المتلقي – الآخر:
” إصغِ الى فحيح أنفاسها،
الى تململ كعب حذائها،
الى خصرها الواصل من دونها،
الى تحوّل وشوشات أساورها الى قهقهات
وهي تلوّح لرحيلها.”ص.108
فهي بذلك تغري ، دون ان تمنح نفسها، تثير لكنها تظل بعيدة عن الوصول، وتتغنج وهي تتأهب للاختفاء وتلوح بالرحيل. وحتى حين تذهب الشاعرة الى ابعد من ذلك قليلا، لتدعونا احيانا للدخول في بعض تفاصيل إيروتكية ملموسة، فانها تواصل التمويه على مشهدية الفعل:
كنت بلا سرير ، كنت بلا وسادة، كنا بلا غطاء
في عراء الحب ننام
حتى الندى
حتى المدى ص. 62
تتحول الاشياء والمكان هنا الى دلائل تكشف عن المعنى الصافي لعلاقة مشبوبة لا يؤطرها سوى المدى والندى، علاقة مفتوحة على افق بعيد. المكان يضفي على هذه العلاقة دلالات جديدة حين ” يتحول الى عنصر ايجابي فاعل يضفي (…) مجموعة من الدلالات والايحاءات الجديدة”3. في هذا السياق يتعانق الحب والايروتيكية، العاطفة واللذة بود وحميمية ليضيئا المكان ويتحولان الى دفق وانشودة:
في الحجرة المضاءة بلغز او بجسدينا
يسيل الشبق الممزوج باغنية الحب،
لم تكن لذة مجردة ولا عشقا منفصلا
صرنا دفقا متوازيا .. صرنا انشودة “ص.148
على ضوء ذلك يطلّ سؤال فضولي؛ أيّ حب مراوغ هذا ؟ فالقصائد لا تفصح عن عواطف غزل مباشرة او غرام متبادل، أو لواعج عواطف متفجرة او بكاء يعقب غياب مباغت. ان اكثر ما يتوفر لنا هو اشارات ودلالات ترمز الى فعل جمالي وتكتفي عنده؛ إذ تحتكم الشاعرة الى رؤية فنية ” تنتخب في حساسية وتختار في وعي لاغراضها في التشكيل والبناء”4، تشوبها بعض الاستثناءات.
يمكن القول أن إيروتيكة النص تشبه عملية عبور سرية غير مكتملة الى خفايا الفعل، يضبطها نوع من الوعي الذاتي، تستثير في المتلقي الفضول، دون ان تتيح له الحصول على بهجة فعل الحب. اننا نلحظ بعض تفاصيل الصورة خلال باب موارب يرافقها عذاب وتجربة اصيلة وعميقة ؛ اجساد مغرية، لها رائحة فريسة، يعتريها خوف من شيء خفي، تنزف، فيها الشهوة كجرح طازج” ص.78. صور تطرح اسئلة وتستفز المشاعر دون ان تقدم توضيحات اكثر عن مصدر الخوف وطبيعته او لماذا هي محكومة بالموت:
” لا وعينيك لن نخرج سالمين ، لن ننجو
يسيل الغرام من مذاقنا،
لنا الرئة المثيرة لفريسة خائفة،
جريحان..شهيّان،
أولمتنا لفم الجحيم ، لألسنة النار،
لريق الموت يبتلّ بنا.” ص.78
ربما لان الجسد، كما تقول الشاعرة، هو “اوبرا شرقية”؛ مكمن للعويل والألم والاحساس العال، انه تقلبات دائمة للأحاسيس الملتهبة. ص.120، يوازيه عالم الشاعرة الصعب الذي يشبه “كلمة سر” ص.128. وكلاهما منبع قلق وخوف وعذاب.
الايروتيكية الشعرية و التجلي الروحي :
يقترب الشعر من الممارسة الروحية حين تصبح حياة قرينها الانسان-الرجل ” تاريخ هزائم” ص.86، وحين “تلحّ الخطايا” ص.89 على الشاعرة وهي تجد نفسها مرمية ” من السماء السابعة، الى هذا السياق الدرامي المتصاعد” ص.104، الذي اسمه الوجود في عبثية لا افق لها
” حفاة سنبحر خلف العطش،
لا حناجر تسعفنا، لا قوارب
لا ماء” ص.105
الشعر يصير في حالة العبث المرعبة هذه تعويضا روحيا يعيد التوازن للذات، حيث يقترب ، كما يقول الفيلسوف والناقد الادبي جورج ستاينر في مقالته “الصمت والشاعر، ” عمل الشاعر عبر الكلمة من التجلي الروحي” 5 الشعر يصبح المنقذ الروحي من الفراغ والعبث و ” من كل ما يئن في العتمة ويتحطم في الضوء” ص.136
إزاء كل ذلك الاضطراب النفسي والخوف نعثر احيانا على مساعي حثيثة للوصول الى صفاء يوطد وشائج توازن بين الحب و الايروتيكية الحسيّة عبر صوفية عرفانية وتجليات شعورية تقاربنا من نجوى الخلوات الفردية عند الصوفيين في ارتقائهم الذاتي العاشق نحو ما وراء الوجود:
” اصعد الى خلوته خالية البال،
أنا الرؤيا،
ساقني الحب الى عليائه في رقادي
وفي رقاده صحوت.” ص.7
او ” أترنح في كأس مَن أحب،
قطعة ثلج
أخدع شفتيه،
افقدني في صوابه” ص. 81
هذا الذوبان في الحبيب والضياع في وضوحه، ” الوجع الصوفي” ص.7 الذي لا “يخطيء القلب”، يشفّ عن لذة وشهوة ، تشبه حالة التماهي مع المياه والانهار وحرقة التبغ ص. 83. الا انه لا يكفي، فتلجأ في احيان اخرى في ” محاولة يائسة لترميم الكون من بعدك” ص.17 ،الى البحث عن شيء اكبر؛ عن الله، فهو الوحيد الذي يصدقها وهي تعيش رهبة الوجود و تشعر ببرده، ص.38
العلاقة بالآخر :
الاحساس الايروتيكي هو فعل ذاتي دون ان يقصي الآخر من نطاقه. أنه علاقة، و تتضح هذه العلاقة في بعض النصوص احيانا كمواجهة، وفي أخرى كتجاذب وشد. فالشاعرة وادراكا منها ما لموقع الجسد من معنى في وجودها تعلن باصرار واحتجاج على انتمائها الى جسدها والدفاع عنه ” هذا جسدي وليسقط العالم” ص.85، بل تذهب تزامنا مع هذه المواجهة الى ابعد من ذلك، فتعلن دون تردد عن شراستها نحو الآخر وتطلب تبليغه بذلك، إذ لا تكتفي بالمواجهة والاحتجاج، بل تريد ممارسة ذلك فعلا، مشددة على انها لا تمثل فحسب خرابه، بل ايضا عزائه، فهو امامها وحيد و اعزل:
” بلّغوه أني غدرت لمزيد من الخراب بيننا،
انه جريمتي، انني كلّ المعزّين به،
أنني الدمعة الأبدية على فقده،
وانني جنازته.
بلّغوه انه الهالك النضر.” ص.94

الإيروتيكية الشعرية والفعل السياسي
بيد ان الانشغال برؤى ايروتكية شعرية لا يقصي الاحساس بما يجري من احداث ، بل تصبح قضية الجسد جزءا مهما من اشكالات وجودية واجتماعية اكبر وينفتح عليها:” أقتبسُ مني رجالا سيذهبون الى الحرب، ساقاتل فيهم”، ص.67. او ” اذا رقصت لي، ساعرف كيف تحارب الموسيقى الموت”، ص. 69، و” ايها الجسد الحزين، ماذا تفيد سمرتك في الحب او في الحرب! ص.103. ولهذا لا يغيب المعنى السياسي عن القصائد تماما، بل ينداح ويتوسع خطاب الشعر عن الجسد عبر اشارات موحية الى تناول ثيمات يومية يكشف زيف الواقع وتناقضاته، دون ان يقع في مطبات الخطاب السياسي الجاف، حيث تفضح بتهكمية تلك التناقضات بين صخب الاغاني الوطنية والابهة الباطلة :
الاغاني الوطنية تتسرب من ثقوب في الجدران
ونحن نلهث،
نستغفر الكؤوس ، نستغفر احضاننا،
نستغفر أقدامنا.
أبهة باطلة ايها الحبل المشدود على شرفة مطوية
يا اعمارنا ” ص.138
او “ترتق” أفكار الخيانات، لانها ، المرأة ، تملك القدرة على “المغفرة”:
” بابرة وخيط أحمر
أرتق كل ليلة أفكار المتآمرين على بلادك
في يدي الحقائق والاسرار والمغفرة” ص97
البنية الشعرية ولغتها:
تمتاز قصائد الديوان بغنى في القاموس الشعري وتعدد الصور وتدفق الافكار. الانسجام باد في النصوص في وحدة ثيمتها الداخلية، رغم ان كل نص يتمتع باستقلالية خاصة به. فكل نص يمثل نفسه وموضوعه، ولهذا قد يساعد منح عناوين للقصائد على الاشارة الى هذا الاختلاف ويعمق من ثرائه. واذا كانت قصائد فيوليت ابو الجلد تبتعد عن المغامرة اللغوية الشكلية، وتحافظ على توازن لغوي يكشف عن حذر اصيل في التعامل مع المفردة، الا ان بعض الصياغات الشعرية اخفقت في وعي اهمية “الضرورة الفنية”، التي تتلخص بضرورة عدم الاكتفاء بالانسياق الكلي خلف الاندياح الشعري وانفتاح المخيلة على الفكرة والصورة الشعرية، مما تسببت في بعض الترهل اللغوي وبالتالي الاخلال بالبنية الشعرية ص.20، ص.138، ص.148. فالضرورة الفنية هي الضبط الواعي لرصانة العمل الادبي والفني، أو كما يشير الناقد احمد عزالدين ” ان قيمة التشكيل الجمالي.. لا تتبدى اذن، في مدى مهارته، او حرفيته، وانما في مدى قدرته على اكتشاف الضرورة الفنية، التي يعبر بها عن الموقف الاساسي فيها، وفي قدرته على بناء تشكيلة الفني من وحداتها” 6 فالاعتناء الى اقصى حد في بناء النسق اللغوي واختياره يمثل احد الضرورات الفنية الاساسية في بناء القصيدة، و له دور كبيرفي الحفاظ على توازنها الفني. ومن هنا يمكن الاشارة الى اهمية الاقتصاد في العبارة الشعرية، الذي يضيف جمالية فنية اكبرعلى بنية القصيدة ويمنع من ارتباك الصورة الشعرية. فالشعر، والكتابة الابداعية عموما، نوع من طقوسية صارمة فيها قصدية يعيش فيها المرء حالات من التجلي الروحي.
إشارة أخيرة :
يمكن القول ان الشاعرة فيوليت ابو الجلد قدمت لنا عملا شعريا يخفق بايروتيكية حسيّة بعيدا عن التجسيد الفعلي لها، مبقية لنا ملامحها ، ظلالها، حوافها ، اشياءها، نبضاتها، وكل ما يدل عليها بلمسة رقيقة شاعرية انسانية بحيث نرى توافقا وتوازنا بين الايروتيكة الشعرية والعاطفة الذاتية، تحصنها مشاعر الحب الانساني.

00 00
هامش:
كل ارقام الصفحات المشار اليها في سياق المقال تعود الى فيوليت أبو الجلد، أرافق المجانين الى عقولهم، عمان، دار فضاءات، 2015
المصادر:
1) سعيد الغانمي ، الصحوة الحوارية – المبدأ الحواري والصوت الآخر،بغداد، الاقلام ، 1993،ع.3-4،ص. 130

(2Jonah Winters, Themes of ‘The Erotic’ in Sufi Mysticism, 1996. see in C:\Users\lm86-jn-401\Desktop\Themes of ‘The Erotic’ in Sufi Mysticism.htm

3) د.ابراهيم جنداري، هامشية المكان في رواية غانم الدباغ ” ضجة في الزقاق”، بغداد ، الاديب، ،1993، ع.1، ص.32
عبدالجبار عباس، ريادة غائب طعمة فرمان، بغداد، الاديب، 1993,ع.1، ص.28 ( 4

(5 George Steiner, Language and Silence- essays 1958-1966, London: penguin Books, reprinted 1979, p.57-76

6) احمد عزالدين،حسب الشيخ جعفر، سيادة الموقف الدرامي داخل القصيدة العربية، بغداد، الاقلام ،1977،ع.2، ص.41-42


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"